الثلاثاء، 28 يوليو 2009

مقدمات في تشريح الظاهرة الصدامية


التوتاليتارية السياسية - مقدمات في تشريح الظاهرة الصدامية (1-2)
يوســف محســن
تاريخ النشر Thursday, March 26, 2009

الذاكرة - منذ العام 2003 ولحد الان لم يتم طرح سؤال التوتاليتارية الصدامية في الثقافة العراقية حيث تم وضع هذا السؤال في طي الكتمان الفكري ولم يتم وضع هذه الظاهرة السياسية والتي هي انتاج تركيبي معقد للبنى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية تحت التفحصات النقدية وهذا يدل على عجز بنية الثقافة العراقية عن طرح الاسئلة والاشكاليات وذلك لكون الحقل الثقافي العراقي يستمد مرجعياتة من الثقافات الماركسية التقليدية وثقافات الفكر القوماني العربي او الثقافات الاسلاموية الشعبوية مما جعل الثقافة العراقية عاجزة عن طرح نفسها للتداول في تاطيرات الفكر العالمي فضلا عن ذلك ما تشكلة عملية انتاج المفاهيم والمقولات وذلك لاختزالها نتائج الفكر ومنحه دلالات واضحة للتواصل المعرفي بين الجماعات البشرية رغم اختلاف اللغة والتجارب الفكرية . وبقدر ما تنتظم المقولات والمفاهيم، وتأخذ مكانها في دورة الشغل والاستعمالات ينمو الفكر وتتراكم المعرفة. أما في حالة انكفاء المقولة أو المفهوم على ذاتها وانغلاقها وانعزالها يصبح موت الفكر أمرا محتوما.فقد ظهرت أعمال المفكر ميثم الجنابي داخل الوسط الثقافي العراقي بعد 2003 لتصدم بصلابة الثوابت العقائدية والأيديولوجية والأنماط المعرفية السائدة في المجتمع العراقي وخاصة قطاع المثقفين (في حال افتراضنا بوجود فئة مثقفة لها أصولها الخاصة وكيانها المستقل). وكان ظهور كتبه الفكرية السياسية (العراق ومعاصرة المستقبل) و(العراق ورهان المستقبل) و(العراق والمستقبل – زمن الانحطاط وتاريخ البدائل) (فلسفة الثقافة العراقية البديلة) و(أشجان وأوزان الهوية العراقية) و(حوار البدائل) تمثل بحد ذاتها مسحا شاملا للتركيبات الثقافية والسياسية وتداخل فيه التاريخي والاجتماعي ومثل أنموذجا جديدا تماما لأدراك تاريخ المجتمع العراقيحيث أن هذه الأعمال الفكرية السياسية تحقق انصال عن البنية المرجعية للثقافة العراقية. وهي محاولة لتأسيس نمط ثقافي مفارق أو بعبارة أدق بناء منظومة فكرية فلسفية لها منهجها الخاص ومفاهيمها وتصوراتها وأحكامها. ولكون هذا مشروع هو أولا وقبل كل شيء مشروع نقدي لمعرفة مكامن التوتر والتأزم داخل بنية المجتمع العراقي، وثانيا لفهم ديناميكية الظاهرة العراقية، لذا فان أي عملية عزل للمفاهيم والمقولات يمكنها أن تولد فرغ معرفيا كبير. من هنا تصبح إعادة التفكير بهذه الجوانب مسألة علمية ضروريةفقد تم اجراء حوار مطول مع بروفسور ميثم الجنابي سوف يصدر بكتاب مستقل حول تشريح الظاهر الصدامية ورتباطاتها البنيوية بشبكة البنى وازمات التكوين للدولة العراقية فضلا عن تحليل اليات الضبط والسيطرة الايديولوجية في الدولة الاستبدادية الصدامية ننقل جزء بسيط منة لتعميم الحوار والمناقشات حول هذة الظاهرة· نشأت التوتاليتارية في تاريخ أوربا كفلسفة بنائية حيث تكونت من مصادر متعددة فكرية وسياسية واجتماعية وتداخلت عناصر متناثرة غير متسقة لتأخذ شكلها النهائي. ما هي اصول الفلسفة التوتاليتارية؟ من الصعب الحديث عن "اصول فلسفية" مستقلة للتوتاليتارية. بمعنى أن من الصعب الحديث عن "فلسفة توتاليتارية" مستقلة قائمة بذاتها. بما في ذلك عن تلك الفلسفات التي اقترنت بها النظم السياسية التوتاليتارية كالشيوعية (الماركسية واللينينية والستالينية وغيرها) والفاشية والاشتراكية القومية(النازية). فالتوتاليتارية أيديولوجية وحالة ومنظومة فريدة وحديثة لحد ما من التحكم بالدولة والفرد والمجتمع والروح والجسد. وإذا كان بالإمكان العثور على صفات مشتركة بينها وبين الأديان و"مؤسساتها" اللاهوتية، كما هو الحال بالنسبة للكنسية، بما في ذلك في اشد حالاتها انحطاطا ودموية (العصر الوسط ومحاكم التفتيش والحروب الصليبية والدينية)، فان الخلاف يبقى كبيرا ولحد ما جوهريا. وذلك لان الأديان ومعتنقيها "يؤمنون" بما يفعلون بوصفهم جزء من "إرادة إلهية" باقية في نصوص "مقدسة" (توراة وإنجيل وقرآن). بينما التوتاليتارية تضع "إرادة الحزب" و"القائد" فوق كل اعتبار. مما يفرغها من فكرة القانون والشريعة والنوازع الأخلاقية. كما أن الفكرة الدينية عامة ومن ثم تتمتع بالقدرة على البقاء، بينا التوتاليتارية جزئية وعابرة.من هنا عدم دقة الفكرة التي يحاول بعض الفلاسفة والمفكرين والمؤرخين ربط الفكرة التوتاليتارية بأفلاطون وهيغل ونيتشه وغيرهم. فعندما تناول بوبر هذه القضية في كتابه (المجتمع المفتوح وأعداءه) الصادر عام 1945، أي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية مباشرة، فانه وجد المصدر الفكري للتوتاليتارية في فلسفة أفلاطون السياسية، استنادا إلى انه أول من قال بان العدالة هي ما يفيد الدولة ويستجيب لمصالحها. مما جعل من فلسفة أفلاطون اقرب ما تكون إلى هندسة سياسية اجتماعية طوباوية. والطوباوية تؤدي بالضرورة إلى العقائدية الجزمية. وليس من الصعب نقض هذا النتيجة، وذلك لأنها مجرد تأويل جزئي لبعض آراء أفلاطون.إن فلسفة أفلاطون، بل كافة الفلسفات والأديان الكبرى تحتوي بالضرورة على ما يمكنه أن يمدّ التوتاليتارية بأفكار معينة، كما تساعدها بصورة عرضية على تشحذ وعيها الخطابي وهمومها الوجدانية، وذلك لان التوتاليتارية رؤية نفسية ذهنية جمعية ونظام شامل. من هنا إمكانية واحتمال استعمالها لمختلف الأفكار والقيم والشعارات والممارسات التي تخدم فكرة الواحدية.والواحدية فكرة كبرى. من هنا "كبر" التوتاليتارية وضخامة رؤيتها لنفسها وغاياتها. ومن هنا ايضا حبها للضخامة والتضخيم في كل شيء. بحيث يمكن رؤيته في تسييرها للمظاهرات المنظمة الكبرى واستنفاذ طاقة الضمير والوقت على أمور تافهة، وحب البنايات الضخمة والمشاريع "الكبرى" والتماثيل واللوحات والجداريات الضخمة. ولم يكن ذلك معزولا عن هشاشتها الداخلية وضعفها الذاتي، الذي يمكن العثور عليه في التهامها الفج لقشور القيم والشعارات الرنانة.إنني أورد هذه الأمثلة من اجل التدليل على أن التوتاليتارية بوصفها نفسية وذهنية خاصة غير قادرة على تمثل الفكر الفلسفي الكبير. انها تقدر وتعمل فقط على تطويع القيم الأيديولوجية، كما نراه بجلاء على نماذج البلشفية (اللينينية) والستالينية والموسولينية والهتلرية. فهي جميعها تفتقد إلى إدراك ومعرفة التراث الفلسفي. فقد كانت معارف لينين الفلسفية (بوصفه الأوسع معرفة مقارنة بمن جرى ذكرهم) بسيطة للغاية ومحصورة بالماركسية المسيسة فقط. إذ لم تتعد معارفه بهذا الصدد أكثر من قراءات سريعة وشخصية لكتب قليلة، كما نعثر عليها فيما يسمى "الدفاتر الفلسفية"، أي في التلخيص الذي لا يتعدى عشر صفحات متعجبة من "اكتشافات" عادية!! إضافة إلى كونها لا تتعدى أكثر من حبيبات الملح الضرورية لطبخة الشهية "الماركسية". وما عداها لا شيء.وفيما لو تناولت هذه القضية ضمن سياق الرؤية الفلسفية الصارمة، فان من الممكن القول، بان الفلسفة والتفكير الفلسفي العميق يخلو من إمكانية التأسيس النظري للنزعة التوتاليتارية. إذ لا يمكن العثور على منظومة فلسفية بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة أسست للمشروع التوتاليتاري. إذ يخلو منها الفكر الفلسفي الإغريقي والصيني والهندي والإسلامي.وإذا كانت الفكرة الجوهرية للتوتاليتارية تتمحور حول الواحدية، وبالتالي تحتوي على عناصر الوحدانية، فان الخلاف بينها وبين التراث الفلسفي الوحداني (بالمعنى الفلسفي) يبقى جوهريا ولا يمكن ردم الهوة بينهما. فالوحدانية الفلسفية لامبيدوقلس والغزالي وابن عربي وهيغل وأمثالهم هي نفي شامل لمضمون التوتاليتارية.التوتاليتارية هي منظومة التوليف الخربة للعناصر المتناثرة في المنظومات الأيديولوجية من قيم نفسية وأوهام سياسية وخيال شعبي محكوم بأزمات للقادة والجماهير في مراحل الانعطاف العاصفة للدولة والأمة والثقافة، أي في مراحل "المصير" القومي المتأزم. من هنا ترابط احدهما بالآخر بوصفهما وجهان لحالة واحدة – الأزمة البنيوية الشاملة للدولة والأمة والثقافة من جهة، والصدفة القاتلة للعقل والضمير التاريخي السليم من جهة أخرى. وليس مصادفة أن تلتقي في خصائص تفكيرها الأسطوري، وغاياتها الكونية الكبرى، وأساليبها العملية رغم تباين شعاراتها الأيديولوجية (القومية والأممية وغيرها). من هنا إمكانية توظيف بعض الأفكار الفلسفية لهيغل ونيتشه في التوتاليتارية الألمانية الهتلرية، وكذلك الانتقاء المتحزب للتراث الفلسفي والتاريخ العالمي ككل في التوتاليتارية السوفيتية. طبعا أن ذلك لا يعني تطابقهما بهذا الصدد، إذ تبقى الخلافات بينهما كبيرة ايضا بهذا الصدد. لكن الخلاف يبقى هنا محصورا في الوسيلة والغاية المعلنة. أما من حيث الجوهر فان الهموم واحدة والمضمون واحد، ألا وهو الاستغلال الممكن لكل ما يمكنه أن يخدم "الفكرة الكبرى" الخاصة. بمعنى أولوية وجوهرية التطويع والاستغلال "المفتوح" على كل شيء من اجل وضعه ضمن أغلال "الانغلاق الذاتي". وضمن هذا السياق يمكن الاتفاق مع الفكرة الجوهرية التي وضعها بوبر بهذا الصدد عما دعاه بالمنظومات المغلقة (التوتاليتارية) والمنظومات "المنفتحة" (الليبرالية). فالتوتاليتارية منظومة مغلقة. بينما الفلسفة من حيث كونها رؤية وأسلوب في التفكير وغاية محكومة بحب الحكمة تتنافى وتتعارض وتتضاد مع الانغلاق والتزمت. مع أن ذلك لا يتنافى مع الادعاء الذاتي ببلوغ "الحقيقة النهائية". لكنه بلوغ لا يتعدى من حيث الإعلان والوسيلة والغاية سوى التعبير الفرح بالاكتشاف الحر والاجتهاد النظري. ومن ثم يحتوي في ذاته على نقيضه. الأمر الذي جعل من الأيديولوجيات الصرف مصدر ومرتع النفسية والذهنية التوتاليتارية، وبالأخص الأيديولوجيات الطوباوية السياسية.فمن غير الصحيح إدراج الطوباويات جميعا بهذا الصدد، وبالأخص العقلية والأخلاقية منها. وهو الخطأ الذي وقع فيه بوبر وكثير غيره من فلاسفة ومفكري ومؤرخي الغرب الحديث في مجرى تناولهم للظاهرة التوتاليتارية. ومفارقة الظاهرة تقوم في أن هذا الموقف من الطوباويات هو النتاج المتناقض لأصول الماركسية وموقفها "النقدي" منها.فالمساعي العملية والتنظير الفكري للنزعة التوتاليتارية القائمة في العقائدية السياسية تتسم بقدر واضح من الرؤية المباشرة بهذا الصدد. فعلى سبيل المثال، إن المفكر السياسي الايطالي جينتيلي الذي وضع مصطلح التوتاليتارية قد أسس له من خلال الفكرة الأيديولوجية القائلة، بأنه لا حدود لتدخل الدولة، ولا توجد أماكن لا يحق لها التدخل فيها. وهو مطلب استند إلى فكرة أيديولوجية بحت تقول، بان الدولة التوتاليتارية هي تجسيد للروح الأخلاقي للشعب، وذوبان الفرد في البنية العامة للحركات السياسية. وقد جرى وضع هذه الفكرة الأيديولوجية في الفاشية الايطالية، ولاحقا في النازية الألمانية. وقبلهما جرى تجسيدها النظري في الماركسية وتطبيقها العملي في البلشفية (اللينينية الستالينية). فحقيقة الماركسية أيديولوجية صرف. من هنا انتشارها السريع والمريع بين الأوساط البسيطة والجاهلة أو غير المتعلمة. وليس مصادفة ألا يقرأ رؤساء الأحزاب الشيوعية المؤلفات الأساسية لماركس وأنجلس ولينين وغيرهم من أيديولوجي الشيوعية. انها اكتفوا كما هي العادة بالنسبة "لقادة الجماهير" بالشعارات وبعض "مختارات الحكم" التي ترصع الإيمان التقليدي للذهنية البائسة للجماهير و"نخبها" البليدة!لكن الأمر يختلف بالنسبة للطوباويات العقلية الأخلاقية وذلك لأنها محكومة بنوازع معرفية ووجودية وأخلاقية عقلية، إي فلسفية صرف. ومن ثم فان غايتها ليس تنظيم المجتمع بمعايير ومقاييس العقلانية التكنوقراطية الحديثة، بقدر ما كانت تعمل ببواعث الوحدانية الفلسفية المتسامية وفكرة الخير الاسمي وحكمة رجل الدولة الفلسفية. وهي مكونات لا علاقة لها بالأيديولوجية الحديثة، كما هو الحال في (جمهورية) أفلاطون و(آراء أهل المدينة الفاضلة) للفارابي. والشيء نفسه يمكن قوله عن مشاريع الطوباويات السياسية الأخلاقية العقلية الكبرى كما نراها على سبيل المثال عند توماس مور في (اليوطوبيا)، وكامبانيلا في (مدينة الشمس). فقد كانت تلك وأمثالها الصيغة الخيالية لجزيرة العقل المحاصرة بواقع فاسد. انها نموذج المجتمع العادل. من هنا اختلافها الجذري عما في نماذجها الشكلية اللاهوتية المشابهة، كما هو الحال في (مدينة الله) الاكوينية (توما الاكويني) و(شرح كتاب القيامة) ليوحيم الفلوري (ايطالي- القرن 12) وغيرها.لقد غذت هذه الطوباويات النزوع الأخلاقي والوجداني الذي عادة ما يلازم الأحلام الطوباوية السياسية. وليس مصادفة أن تشتعل في العقل الصغير والوجدان الكبير للحركات السياسية المتطرفة في أوربا القرن الثامن والتاسع عشر مختلف الحركات الطوباوية. وبالتالي يمكن النظر إلى ما يسمى بتحول الطوباوية إلى علم (الاشتراكية الطوباوية إلى اشتراكية علمية) سوى حلقة في مسار "الحتمية" الملازم لزمن الطوباويات وخروجها الفعلي على مسار التاريخ الواقعي. من هنا يمكننا النظر إلى الشخصيات السياسية الكبرى لتيارات الطوباوية مثل ماليه، مابلي، موريلي، بابوف، سان سيمون وفورييه في فرنسا، ونستينلي واوين في انجلترة، على انها حلقات ربطتها الماركسية في "نظرية علمية" برزت أسسها الكبرى في (البيان الشيوعي) بوصفه احد النماذج الكبرى للتسطيح الفكري والتعبير الوجداني، الذي أشعل لهيب القلوب المرهقة في تأمل جنة التاريخ النسبية في مطلق البديل الشمولي الكلياني أو التوتاليتاري).كل ذلك يكشف عما في الطوباويات السياسية من مصدر كبير قادر دوما على تغذية النزوع الوجداني للجمهور. من هنا سيادة وانتشار أنصاف المتعلمين، بوصفهم الحلقة الرابطة والواسطة بينها وبين نماذج الأيديولوجيات الصارمة. وإذا كانت الطوباوية السياسية عادة ما تنطلق من فكرة "القرن الذهبي" والبديل "الاسمي" فان ذلك لا علاقة له من حيث الجوهر بما وضعته تقاليد ما قبل الفلسفة الإغريقية (غيسيود – القرن 8-7 قبل الميلاد) والفكرة الأفلاطونية. فالأزمان الذهبية جزء من بقايا الأحجار القديمة للوعي التاريخي وقيمة الثمن الكامن فيها. كما انها تعكس التحسس المر بالواقع المعاش والرغبة في تجاوزه من خلال الرجوع إلى عالم الطفولة "البريء". لكنها براءة محكومة بحنين الجنين إلى أصوله، بوصفها العملية الضرورية الملازمة لطبيعة الأشياء والطبيعة. بينما كانت الفكرة الأفلاطونية سبيكة كبرى للعقل التاريخي والوجدان الثقافي الإغريقي، أي كل ما عمل لاحقا أرسطو على تهذيبه بمعايير المنطق والبحث عن الحقيقة المجردة. ومن ثم لا علاقة للفكرة الأفلاطونية بحد ذاتها بالتوتاليتارية أو الشيوعية. أما الهمسات واللمسات المتناثرة فيها فإنها تتحول إلى "نغم" يدغدغ مشاعر التأويل المتحزب فقط. ومن ثم لا علاقة له بأفلاطون والفكرة الأفلاطونية. وان مفارقة الظاهرة تقوم في أن التأويل المتحزب (السلبي والايجابي) للفكرة الطوباوية الأفلاطونية في العرف السياسي يستمد أصوله من التأويل المسطح والعجول الذي أطلقه ماركس عليها عندما وصفها بأنها الصيغة الأثينية المبجلة (المثالية) لنظام الطبقات المصري القديم!!بعبارة أخرى، إن "المصادر الفلسفية" للتوتاليتارية تكمن أساسا في الأيديولوجية السياسية الطوباوية أو اليوطوبيا السياسية العملية كما هو جلي في الشيوعية والفاشية والنازية، بوصفها النماذج الكبرى لهذا الاستعمال "العقلاني الشكلي" الصارم لتراث الفلسفة المجزأة وتقاليد الطوباويات الوجدانية السياسية. · طرحت الباحثة حنة اريندت في كتابها (أسس التوتاليتارية) أن النازية والفاشية والستالينية تمثل الشكل الذي ولد من انهيار البنية السياسية والاجتماعية التقليدية بعد الحرب العالمية الأولى. ما هذا الشكل الجديد للهيمنة داخل المجال الأوربي المتمثل بالظاهرة التوتاليتارية؟من الأدق ترجمت كتابها بعبارة اصول أو منشأ أو مصادر التوتاليتارية، الصادر عام 1951. في البداية أود القول، بان كتاب حنة اريندت من بين الكتب القيمة بهذا الصدد. وتكمن قيمته الأساسية في تتبع وتحليل مختلف مظاهر التوتاليتارية وأساليبها في تنظيم القمع و"نزع إنسانية الإنسان". بمعنى انه يتسم بصفة التقرير والإشارة والتصوير، إضافة إلى امتلاءه بالتلوين البلاغي، الذي لا يخلو من تأثير اصول المؤلفة والتجربة المريرة التي تعرض لها يهود ألمانيا آنذاك. مما طبع الكتاب في كثير من جوانبه بنزعة نقدية وجدانية عارمة للتوتاليتارية وتعرية أساليبها الهمجية في سحق الشخصية الإنسانية. وما عدا ذلك، فان مستوى التأسيس النظري الفلسفي فيه يبقى ضعيفا. وقد تكون فكرة أن التوتاليتارية الشيوعية الستالينية والنازية والفاشية هي نتاج لانهيار البنية السياسية التقليدية بعد الحرب العالمية الأولى احد نماذجها. فمما لا شك فيه، أن التطور الرأسمالي كان يجري في جميع البلدان ضمن مسار كسر وتحطيم وتدمير وتذليل البنية التقليدية. لكنه لا يحتوي بحد ذاته على إمكانية الصعود التوتاليتاري. على العكس، أن الصعود التوتاليتاري هو نكوص إلى تقليدية "متسامية"، أي محكومة بطوباوية الأيديولوجية العملية (السياسية) الكبرى "المتسامية". وفي هذا يكمن تناقض النزعة التوتاليتارية. بمعنى انها تنتقد الواقع من اجل الاستيلاء على الماضي والحاضر والمستقبل، بمعنى مصادر الواقع والآفاق. فالتوتاليتارية "فكرة مستقبلية". من هنا احتقارها للماضي. بمعنى انها لا تحتوي على أي نقد تاريخي بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، مما يجعل من الماضي والحاضر والمستقبل زمنا لا قيمة له مقارنة بما في نياتها وإرادتها وغايتها!فالشيوعية والنازية والفاشية، أي القوى المتربية بتقاليد الأيديولوجيات الكونية الكبرى وبدائلها الشمولية هي قوى راديكالية. وفي هذا يكمن سر عنفوانها زمن الأزمات و"مراحل الانتقال" العاصفة. لكنها خلافا للقوى الأخرى الفاعلة زمن انكسار القيم والمفاهيم والمؤسسات عادة ما يرتبط نقدها للواقع بمحاولة تجاوزه إلى "الأفضل" و"الأسمى". لكنه تجاوز يعادل في حقيقته الرجوع إلى نفسية وذهنية القطيع البدائي. وفي هذا يكمن سرّ وطبيعة "الشكل الجديد للهيمنة"، أي لمصادرة التاريخ والمستقبل والروح الإنساني والعقل الحر، باختصار مصادرة كل شيء من اجل صنع كلّ خاضع وخنوع بوصفها الصيغة "المثلى" و"المتسامية" للبديل. من هنا تنوع مظاهرها، واجتماعها في الغاية والوسائل. باختصار ليست هذه الأشكال الجديدة للسيطرة والاستحكام (الهيمنة) سوى مظاهر متنوعة لفعل الآلة التكنوقراطية الشكلانية الصارمة في "توحيد" الطبيعة وما وراء الطبيعة في بنية أو تشكيلة تتناسب مع الغاية الكبرى للأيديولوجية وشعاراتها المعلنة: اجتماعية -طبقية أو قومية - عرقية.ذلك يعني أن صعود هذه الأنماط التوتاليتارية ونماذجها في "الهيمنة" داخل "المجال الأوربي" يعكس أولا وقبل كل شيء، كما هو الحال بالنسبة لكل التوتاليتاريات الأخرى، خصوصية الأزمة البنيوية الشاملة والحادة للدولة والمجتمع والثقافة في مراحل الانعطاف الحاسمة وكيفية تنظيم الردود عليها في منظومات نظرية (أيديولوجية) وعملية (سياسية) تستقطب وتستنسخ بصورة مشوهة خليط القيم النفسية والأوهام السياسية والخيال الشعبي المحكوم بأزمات القادة والجماهير، بحيث يجعل منهما كتلة لا عقلانية ترفع هيجانها إلى مصاف "القدر المحتوم". بينما لا تتعدى حقيقة هذا "القدر" ما أسميته بالصدفة القاتلة للعقل الثقافي والضمير التاريخي للأمم. وليس مصادفة أن يكون صعود التوتاليتارية واستحكام سيطرتها في ثالوث القوة "الروحية" الكبرى لأوربا (روسيا وألمانيا وايطاليا). فقد كانت روسيا عند بداية القرن العشرين تحتوي على قدر هائل من الصعود "العالمي"، وإنتاج روحي فكري ثقافي علمي غزير وضعها في أولية "الطليعة الأدبية" العالمية، بينما كانت ألمانيا مصدر الإشعاع الفلسفي العالمي ومنظومات "المطلق" العقلي والروحي والأخلاقي، أما ايطاليا فهي أس "الأنا الأوربية" المادية والروحية، بمعنى جمعها بين تقاليد روما السياسية الحقوقية ومرحلة النهضة التي أسست لبنية الوحدة الثقافية الأوربية ومن ثم "مركزيتها الكونية". إننا نلاحظ ظهور التوتاليتارية في "أقوى" البلدان وأضعفها، أي أقواها من حيث الاحتمال والإمكانية، وأضعفها من حيث الفعل والواقع. من هنا شهية الإرادة في تذليل هذا الخلل من خلال البحث عن قوة بديلة وإرادة عليا ويقين جازمبعبارة أخرى، إن الأنماط الجديدة للهيمنة الكلية هي الأشكال المتشنجة لتجسيد المشاريع الكبرى الضاغطة على الوعي القومي واللاوعي الثقافي، التي تحطمت أمام مجريات التاريخ الواقعي. وليس مصادفة أن يكون احترابها أساسا فيما بينها وبصورة تتسم بقدر من الشراسة والعنيف لا مثيل لها، سواء ما قبل صعود البلشفية (الحرب العالمية الأولى) وما بعد صعود الفاشية والنازية وهيمنته السياسية (الحرب العالمية الثانية). · هل نستطيع وضع تعريفا خاصا بالتوتاليتارية الأوربية، وصالحا للاستعمال في نفس الوقت تجاه الظاهرة التوتاليتارية العراقية؟تفترض الإجابة على هذا السؤال الانطلاق من تحديد ماهية التوتاليتارية وخصائصها وسماتها وتفحص مقدماتها وأصولها لكي يكون بإمكاننا رؤية الحصيلة النظرية بهذا الصدد. عندها يمكنني تحديد موقفي من "التوتاليتارية الأوربية" بمختلف أشكالها، وبعد ذلك إلى ما غيرها.وسوف لن أتوقف عند الجدل المتعلق بدقة هذا المصطلح من عدمه وعما إذا كان يفي بالغرض أم لا، كما قال بذلك كثير من المفكرين والباحثين أمثال غيدنس وشابيرو. فهي أمور لا تغني البحث كثيرا. بمعنى إنني سآخذه كما هو بوصفه مصطلحا "شائعا" ومعبرا عن ظاهرة فريدة لها خصائصها وتاريخها الذاتي في العالم المعاصر.فمن حيث المصطلح ليست التوتاليتارية سوى الصيغة المعربة للكلمة اللاتينية totalitas، أي الكل أو الامتلاء. أول من استعمله في ميدان العلاقات السياسية موسوليني. فقد استعمال هذا المصطلح الذي بلوره المفكر السياسي الايطالي جوفاني جينتيلي، الذي انطلق من الفكرة القائلة، بأنه لا حدود ولا أماكن لا يحق للدولة التدخل بها. وان الدولة التوتاليتارية هي تجسيد للروح الأخلاقي للشعب، مع ما يفرضه ذلك من ذوبان الفرد في البنية العامة للدولة وحركاتها السياسية.غير أن التوتاليتارية، بوصفها ظاهرة تاريخية سياسية فكرية وثقافية ظاهرة غاية في التعقيد. لكنه تعقيد يختبئ وراء ملامحها الجلية والبسيطة! وفي هذا تكمن دوما خصوصية الظواهر الكبرى. إذ ليس هناك من ظاهرة لعبت هذا الدور المأساوي والعنيف في التاريخ الحديث والمعاصر أكثر مما لعبته الظاهرة التوتاليتارية. انها صنعت بقدر واحد "بداية" و"نهاية" التاريخ المعقد للقرن العشرين. إذ احتوت بقدر واحد على "أمل" التاريخ ومأساة الوجود. وما بينهما تراوحت حصيلة تاريخ الحداثة وخاتمته. مع ما في ذلك من كمون هائل للاحتمالات القائمة في العولمة المعاصرة، باعتبارها مرحلة البدائل الكبرى.وفيما لو أهملت هذه الجانب، رغم ما له من أهمية بالنسبة لفهم خصائص "المشروع الكوني" للنزعات التوتاليتارية الكبرى" ومن ثم أثرها بالنسبة لمصيرها التاريخي في مواجهة المسار الطبيعي التاريخي للعولمة، فان التوتاليتارية كانت وما تزال تحتوي في أعماقها على احتمال التشويه والتخريب الفعال للبحث عن بدائل عقلانية. من هنا عدم دقة الفكرة السائدة في تحديدها للتوتاليتارية على انها مجتمع عقلاني – تكنوقراطي مغلق، ينزع من الإنسان إنسانيته. انها تحتوي دون شك على عناصر عقلانية جزئية بمعنى معارضة للدين والتدين، لكنها لا تقل عنها "كفاءة" في تصنيع الإيمان القهري! أما نزعها لإنسانية الإنسان فهو احد نتائجها الملازمة بسبب سيادة فكرة الواحدية الأيديولوجية التي تقترب من حيث نيتها وغايتها ووسيلتها بنفسية وذهنية العبودية القديمة.وضمن هذا السياق يمكن الإقرار العام بالفكرة القائلة، بان التوتاليتارية ظاهرة سياسية واجتماعية وثقافية خاصة، بوصفها الصيغة القادرة على اختبار مختلف المنهجيات النظرية في الموقف من ماهية التوتاليتارية وتحديد خصائصها ونقدها الفكري والسياسي. وقد يكون التيار الروسي النقدي في موقفه من التوتاليتارية الأكثر قربا من فكرة التحليل المنهجي السياسي والثقافي للظاهرة التوتاليتارية بوصفها ظاهرة ثقافية – سياسية، كما نلمحها في مواقف وأراء كل من بيردياييف، وبولغاكوف، ونوفوغورودسيف، وستروفه، وفيودوروف، وفرانك وغيرهم. إذ اجمعوا بصورة عامة على ربط ظهور التوتاليتارية بطبيعة الأزمة العامة للحضارة الأوربية الغربية وكيفية انكسارها في الواقع الروسي. إذ وجدوا في الماركسية تعبيرا عن هذه الأزمة وتمثلا لها. كما أن روسيا أصبحت حقلا تجريبا لهذه الأزمة المزدوجة (الأوربية الغربية والروسية في ميدان الثقافة والسياسة). إذ جرى تجريب فلسفة الأزمة (الماركسية في واقع روسيا المتأزمة، بوصفها "الحلقة الأضعف" في سلسلة الأزمات الأوربية بداية القرن العشرين. فقد أدت الأزمة الاجتماعية الثقافية الروسية إلى انتصار الدكتاتورية البلشفية المتلبسة بهيئة دكتاتورية التوتاليتارية. وهي الفكرة التي قال بها بيردياييف ثم أيدها في وقت لاحق كل من فيودوروف وستروفه. إذ أكد فيودوروف على أن طبيعة هذه الأزمة في ظروف روسيا هي نتاج لديناميكية الغربنة الأوربية وانحلال العلاقات التقليدية مع ما ترتب عليها من تشوه في الوعي الاجتماعي وتشوش في الرؤية السياسية والاجتماعية والثقافية.بعبارة أخرى، إن التيار الروسي في تحليله لماهية التوتاليتارية ودراسة أسباب ظهورها ونقدها انطلق من مواقفه الخاصة تجاه مظهرها الروسي. بمعنى أن مواقفه كانت محكومة بمعايشته لمصير الدولة والنظام السياسي والأمة الروسية التي تعرضت إلى أول تجريب خشن للنزوع التوتاليتاري. وهي الحالة التي وجدت تعبيرها النقدي ايضا فيما يسمى بتقاليد معارضة اليوطوبيا في الإبداع الأدبي والفني كما نراه على سبيل المثال في أولى المحاولات التاريخية الساخرة والعميقة في كتابات زامياتين (نحن) 1920، ورواية بولغاكوف (قلب كلي) 1924، وما تبعها لاحقا بعد عقود من الزمن كما هو الحال في رواية جورج اوريل (1980) التي كتبها عام 1948.لكننا حالما ننتقل إلى ميدان الفكر السياسي والاجتماعي والفلسفي، فان انعكاس فهم مقدمات ومضمون الظاهرة التوتاليتارية ونقدها يأخذ بالبروز مع ثلاثينيات القرن العشرين، كما هو جلي على سبيل المثال لا الحصر في كتاب اورتيغا – إي- كاسيت (انتفاضة الجماهير) الصادر عام 1930. فهو من بين أوائل من تكلموا عن ظهور "الإنسان الجماهيري" المنظم على أساس أيديولوجيات كارهة وعصبية. غير أن المزج التام بين تحليل مقدمات ظهور التوتاليتارية ونقدها يبدأ بالتراكم مع كتاب هكسلي (حول العالم الغريب الجديد) الصادر عام 1932. إذ نعثر فيه هنا للمرة الأولى على تحديد ماهية النظام التوتاليتاري على انه مجتمع عقلاني تكنوقراطي مغلق، يحول الإنسان إلى مسمار في آلة الدولة تفقده إنسانيته. كما انه مجتمع ونظام يقتل القيم الإنسانية من حب وفنون ودين. في حين ربط هايك في كتابه (الطريق إلى العبودية) الصادر عام 1944 ظهور التوتاليتارية بالاتجاهات الاشتراكية المعارضة لليبرالية، أي تلك الاتجاهات التي رفضت فكرة القيمة المطلقة للفرد والشخصية الإنسانية، بحيث جعلت من الإنسان مجرد أداة لغاية أسمى! وهو الاتجاه الذي عمقه الفيلسوف بوبر لاحقا في نقده للتوتاليتارية كما وضعه في كتابه (المجتمع المفتوح وأعداءه) الصادر عام 1945، أي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وصراع التوتاليتاريات الدامي. إذ انطلق من مقدمة فكرية تقول، بان التوتاليتارية ظاهرة قديمة. وأنها موجودة في "المجتمع المغلق" في معارضة المجتمع المفتوح. والمقصود بالمجتمع المغلق هو البنية التقليدية البدائية القبلية. وإذا كان مضمون الثورة التاريخية الكبرى للإنسانية يقوم في تأسيس الانتقال من المجتمع المغلق إلى المجتمع المفتوح، فان التوتاليتارية الجديدة هي رجوع إلى المجتمع المغلق. انها تتمثل نفسية الرجوع إلى المغارة وسيادة الانغلاق عبر إرساء أسس السيادة المطلقة للدولة. بحيث نراه يجد فلسفة أفلاطون السياسية مصدرا فكريا أساسيا للتوتاليتارية، انطلاقا من فكرة أفلاطون القائلة، بان العدالة هي ما يفيد الدولة ويستجيب لمصالحها. وبالتالي ليست فلسفة أفلاطون بهذا الصدد سوى احد نماذج الهندسة السياسية الاجتماعية الطوباوية. والطوباوية تؤدي بالضرورة إلى العقائدية الجزمية. بينما المهمة تقوم ليس في إسعاد البشر بل في تخيف معاناتهم. بينما اعتقد كانيتي بان التوتاليتارية هي اقرب ما تكون إلى تمظهر مكثف لصيغة أولية نموذجية تعيد إنتاج نفسها في الوعي والسلوك العملي. وهو تفسير نفسي اجتماعي كما لو انه يريد القول، بان التوتاليتارية موجودة في النفس البشرية وأنها قديمة شأن كل مظاهر السيطرة والخضوع والهيمنة والتحكم. بينما وجد توينبي في التوتاليتارية بديلا وتعويضا عن الدين.أما حنة اريندت، التي تورد اسمها وكتابها في أكثر من سؤال، انها قد تعرضت إلى ظاهرة التوتاليتارية بصورة محترفة وموسعة منذ وقت مبكر، أو بصورة أدق بعد بروز اغلب معالمها بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وسقوط النازية والفاشية. ففي كتابها (اصول التوتاليتارية) الصادر عام 1951 يمكننا رؤية ملامح النازية الألمانية بوصفها النموذج "الأرقى" للتوتاليتارية. وكتابها كما أشرت لا يتسم بمنهجية عميقة ومتجانسة، لكنه يحتوي على تصوير دقيق ومتوسع لمظاهر التوتاليتارية الألمانية وتقديمها على انها نموذجا شاملا. وهو تحليل ونقد لا يخلو من ردود الفعل النفسية والأخلاقية عما في النازية من إفراط في إرساء أسس المنظومة التي "تفقد الإنسان من إنسانيته" وتجعله عنصرا فعالا في "جمهور" أو "رعاع" مبتهج ومتحمس فيما تقوم به الدولة من جرائم تجاهه وتجاه الجميع. من هنا فكرتها عما تدعوه بالطابع المجرم للنظام التوتاليتاري وقدرته في الوقت نفسه على حصول تأييده الجماهيري. الأمر الذي يجعلها تتكلم عن أن اصول التوتاليتارية تقوم في تحول الطبقة (الاجتماعية) إلى جمهور (رعاع) في المرحلة الامبريالية. والرعاع ليس ما هو متعارف عليه، بل ظاهرة اقرب ما تكون إلى رعاع جمعي، أي رعاع من كافة الفئات والطبقات. وهي ظاهرة تبلغ ذروتها في التقاء الرأسمال والرعاع. فالرأسمالية تقضي على الطبقات وتجعل الجميع رعاعا (نزع الطابع الطبقي)، مع ما يترتب عليه من تهشيم وتدمير للتمايز الاجتماعي والفئوي للبشر بوصفها المقدمة الاجتماعية الضرورية لتمثيلهم السياسي في مؤسسات حقوقية. من هنا غياب وتلاشي الحرية السياسية. وهي الحالة التي تجعل من المكن فكرة القائد والزعيم الضروري. مع أن زعماء التوتاليتارية لا يختلفون عمن سبقهم. والفرق فقط في سيطرتهم الشاملة. إذ ليس في الزعامة التوتاليتارية كاريزما (حسب الطريقة الفيبرية). أما شخصية هتلر فإنها لا تتمتع بقوة الكاريزما بقدر ما كانت تقوم في قدرته على خداع القوى المعارضة من خلال نظرتهم إليه باعتباره ديماغوجيا. كما أن ستالين لم يكن شخصية كاريزمية ويفتقد إلى ابسط قدرات الخطابة. إن الجوهري بالنسبة لصعود التوتاليتارية هو "الجمهور" أو "الرعاع" من خلال استنادهما إلى الدعاية والتنظيم، اللذين يتوقفان بدورهما ايضا على "الجمهور". غير أن فاعلية الدعاية تعمل حالما يصبح الشعار السائد هو "إرادة القائد – قانون الحزب". وكذلك سيادة واستحواذ الأيديولوجية على عقول وأفئدة الجماهير من خلال توظيفها الدائم والشامل. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن الأيديولوجية هي أداة سياسية وليست معرفية. من هنا قيمة وفعالية المنظمات الأيديولوجية (المؤدلجة) والتنظيم الهرمي الصارم في الإدارة والمنظمات المحكومة بقاعدة "من ليس معنا فهو ضدنا"، أي كل ما يتوج الخطاب التوتاليتاري باعتباره خطابا لا عقلانيا.إننا نقف هنا أمام تنوع كبير ومختلف لكنه يكمل احده الآخر فيما يتعلق بتحديد مقدمات وماهية التوتاليتارية. لكن الدراسات والأبحاث تجمع فيما يتعلق بتحديد سمات التوتاليتارية باعتبارها ظاهرة مميزة للقرن العشرين. وفيما لو أجملنا نتائج مختلف الدراسات والأبحاث المحترف بهذا الصدد فمن الممكن إجمالها بست سمات كبرى وهي: نظام وسيادة الحزب السياسي الواحد، النظام الدكتاتوري، التحكم العام والصارم للدولة في كل جوانب الحياة الفردية والاجتماعية والسياسية والروحية، استعمال العنف المنظم والشامل (العنف الجماعي والسياسي)، والأيديولوجية الواحدة الشاملة (الحكومية) المتحكمة في كل شيء، وأخيرا الزعامة المطلقة المعصومة للقائد الفرد الفذ.مما سبق يتضح بأنه لا اتفاق جوهري حول ماهية التوتاليتارية، إلا فيما يتعلق بالحصيلة المتعلقة بسماتها، التي يمكن وضعها في تحديد ماهية التوتاليتارية. وهي سمات دقيقة وتعمم في الواقع الصفات الجوهرية الكبرى المميزة للتوتاليتارية "الأوربية" وغير الأوربية، بما في ذلك "العراقية". إلا أن المضمون الأعمق وراء هذه "الوحدة" تكمن في الاختلاف التاريخي والثقافي والسياسي الفعلي القائم وراء ظهور نماذج توتاليتاريات مختلفة ومتباينة، بما في ذلك بالنسبة لآثارها اللاحقة على الدولة والأمة والثقافة. وهي قضية شائكة وكبيرة لكنني سوف اكتفي بوضع أسس الرؤية المنهجية العامة لمقدمات وماهية "التوتاليتارية الأوربية" ونماذجها المختلفة (الشيوعية والفاشية والنازية) و"العراقية". ذلك يعني إننا نستطيع الحديث عن "توتاليتارية أوربية" غير أن لكل منها خصوصيته القومية والأيديولوجية والاجتماعية. وهي خصوصية تجعلها أحيانا مختلفة ومتعارضة بل ومتضادة. لكن ذلك لا يتعارض مع التقائها الجوهري فيما يمكن دعوته بالمرجعية الخفية الكامنة وراء هذا التباين، ألا وهي مرجعية "فكرة البدائل الشاملة". فالتوتاليتارية هي فكرة "البديل الشامل"، وبالتالي فهي فكرة بدائل الواحدية العقائدية والسياسية. وإذا كان نشوءها وتكاملها النظري (الأيديولوجي) قد برز في النصف الأول من القرن التاسع عشر، فان النصف الأول من القرن العشرين هو زمن تجسيدها العملي. ذلك يعني أن قرنا من الزمن (البيان الشيوعي عام 1948) وظهور "المعسكر الاشتراكي" والإزالة التامة لمشاريع البدائل المنافسة (الفاشية والنازية) للشيوعية الستالينية (1948). وللاستطراد فقط أود الإشارة هنا إلى ظاهرة تستحق البحث ألا وهي أن هذا "القرن" كان أيضا زمن الصيرورة الخفية للمشروع الصهيوني وظهور "إسرائيل" بوصفها الضريبة التي حصل عليها اليهود مقابل "جرائم النازية" فقط!).وعندما نضع هذا "القرن" الزمني ضمن سياق تحديد ماهية ومقدمات ظهور التوتاليتارية الأوربية، فان "مأثرته" بهذا الصدد تقوم في انه زمن الصعود العارم للفكرة الراديكالية على ضفاف التيار الليبرالي العقلاني السائد للرأسمالية. ومن ثم لم تكن الراديكالية الأوربية في الواقع سوى الوجه الآخر للمرجعيات المتحكمة في آلية بلورة وفاعلية الليبرالية الأوربية. فقد صنعت الأخيرة في مجرى تطورها مرجعية "الأوربية المركزية" ووضعتها بوصفها جزء من التطور التلقائي الأوربي في صلب رؤيتها لبدائل الكونية. وهي بدائل كانت تتسم في مجرى قرون عديدة بالدموية والعنف المصدر للخارج. فقد جرى التنفيس عنه بإبادة شعوب وقارات واحتلال هو الأقسى والأعنف في تاريخ البشرية. وهذا بدوره لم يكن إلا الوجه المحسن بسبب فاعلية الفكرة الليبرالية والربح المادي من سحق رياء وتناقض المهمة "الأخلاقية والروحية" للكنسية، بوصفها "مركز الوحدة الأوربية". بعبارة أخرى لقد استعاضت الليبرالية الأوربية مركزية بديلها الاقتصادي الاجتماعي والثقافي مركزي الكنيسة الروحية العقائدية. أما الراديكالية الأوربية فقد تكاملت أيديولوجياتها الكبرى من خلال نفي الليبرالية والكنسية. مما كان يحتوي في أعماقه على مركزية المادة والروح. وهو الشيء الجوهري الذي صنع بوعي ودون وعي آلية التوتاليتارية التي وجدت منفذها في مجرى الأزمات الكبرى للدولة والأمة والثقافة بهيئة بدائل كبرى للدولة والأمة والثقافة. فقد أخذت الراديكالية الأوربية رحيق الأنساق القائمة في وعي ولاوعي المركزية الأوربية، بوصفها الوجه الجديد لتقاليد الكنيسة الكاثوليكية (العالمية). فقد ظلت وما تزال تقاليد الكنيسة النصرانية ونظامها المختزن في دهاليز اللاوعي الثقافي (منظومة التحكم والسيطرة الكنسية) كامنة في وعي ولا وعي الثقافة الأوربية السياسية، رغم تعرضها الشديد للنقد والتثلم. وقد يكون تطويع وتأويل تقاليد وتاريخ اليونان والرومان والكنيسة الكاثوليكية من اجل بلورة "بديل" قومي – أوربي – عالمي احد أمثلتها الظاهرية. فقد بدأ "بالاكتشافات الجغرافية" وانتهى بالكولونيالية. وعملت في مجرى قرون من اجل أن تكون "الأوربية" عالمية. ومن هذه الذروة انطلقت الراديكاليات الأوربية الكبرى من شيوعية وفاشية ونازية. والفرق بينهم بهذا الصدد يقوم في أن نفسية وذهنية الهيمنة تعتمد في الشيوعية على "الطوعية" (مع انها كانت مبنية من حيث يقينها السياسي الأيديولوجي الأول على فكرة "الثورة العالمية" و"تصدير الثورة") والإكراه بالقوة والعنف والإرهاب القومي والعرقي الأسطوري في الفاشية والنازية. الأمر الذي يعطي إمكانية القول، بان فكرة المركزية العالمية التي حكمت الكنيسة والليبرالية الأوربية والراديكاليات الكبرى الدائرة فيما يمكن دعوته بفلك قوة المثال ومثال القوة، هي المرجعية الكامنة والخفية وراء صعود "التوتاليتارية الأوربية". وخصوصية كل منها تقوم في شراسة فعلها المنظم من اجل صنع مجتمع تجريبي تكنوقراطي مغلق لا يخلو من عقلانية لكنها شكلية وجزئية. وذلك لان التوتاليتارية "تراكم" في شحذ فكرة وهواجس "الوحدة" المطلقة. من هنا إمكانية جمعها بين كل العناصر المتناقضة من غضب السفهاء إلى حلم الأنبياء! وفي هذا تكمن خطيئتها الفكرية والروحية. إن التوتاليتارية خطيئة وليس خطأ! وهي الصفة التي تجسدها كل توتاليتارية بطريقتها الخاصة. ولا تخرج "التوتاليتارية العراقية" (البعثية الصدامية) عن هذا التحديد الصارم، كما هو الحال بالنسبة للتوتاليتارية الشيوعية (الستالينية) والايطالية (الفاشية) والألمانية (النازية).· ما هي الأسباب التي جعلت الطبقة الوسطى العراقية تقطع جميع الصلات والروابط بالفكر الليبرالي العراقي رغم بدائية تكوينها الاجتماعي، الذي كان من المفترض أن يصلها بفكر التنوير وتجارب الإصلاح الديني والسياسي خلال حقبة الستينيات؟إن الانقطاع الفعلي بين الطبقة الوسطى والفكرة الليبرالية هو نتاج حالة معقدة لازمت كيفية الانقطاع التاريخي للتطور الاجتماعي. فالطبقة الوسطى هي صانعة التاريخ الحديث والمستقبل بقدر واحد. انها القوة الفاعلة والفعالة على كافة المستويات وفي كافة الميادين. وبالتالي لم يكن إبعادها عن لعب دورها الخاص بها سوى الانحراف التاريخي الهائل للمجرى الطبيعي لارتقاء المجتمع والدولة. فقد لازم هذا الانحراف صعود الراديكاليات الرثة لما يسمى بالحركات الثورية.فمن الناحية التاريخية ارتبط هذا الانحراف بالكيفية التي تهشمت بها السلطنة العثمانية. بمعنى تحللها الداخلي دون أن تنشأ بدائل سياسية قومية لمكوناتها في العالم العربي. بينما جرت تجزئته تحت وطأة الاحتلال الكولونيالي الأوربي (البريطاني والفرنسي)، مما أدى بدوره إلى بعثرة ما تبقى من ارث مرحلة النهضة بمختلف تياراتها الدينية والدنيوية. مما أدى بدوره إلى أن يصبح التاريخ الذاتي زمنا فقط، وذلك لدورانه في فلك الهيمنة الأوربية الكولونيالية ومشاكلها. ومنه ايضا وبأثره نشأت القيم والمفاهيم واستيراد النظريات، أي كل أشكال ومضامين التقليد الظاهرية والباطنية. ومن بين أكثرها تشوها بهذا الصدد هو انتشار الفكرة الراديكالية السهلة والمسطحة. فإذا كانت الفكرة الراديكالية الأوربية تسير على ضفاف التيار العقلاني العام، فان انتقالها إلى عالم (عربي) ضعيف ومنهك وخارج للتو من رحم العثمانية المتهرئ، قد جعل من الفكرة الراديكالية عروة وثقى. مع ما ترتب عليه لاحقا من قلب الأمور جميعا رأسا على عقب. فقد أدى ذلك في البداية إلى صعود الفكرة "السياسية" وأولوية الأحزاب ورجل السياسة على المجتمع والنخبة الثقافية العامة. وبلغت هذه العملية ذروتها بصعود الراديكاليات الثورية، أي تلك التي جعلت من الفئات الرثة وغير الناضجة "طبقات" محتوم عليها قيادة الدولة والأمة! ثم تجسد في تيارات متنوعة "قومية" محلية قبلية وعائلية هي النتيجة الحتمية لهذه العملية المقلوبة التي جعلت الأطراف مركزا والفئات الرثة نخبة. وهي إحدى المفارقات الغريبة التي جعلت ايضا من الغباء السياسي عقيدة عصماء! لقد أدى ذلك إلى أول انقطاع تاريخي بنيوي عنيف مازلت آثاره القوية سارية لحد الآن في الفكر والاجتماع والاقتصاد والسياسة والثقافة. بمعنى بقاء وسيادة وإعادة إنتاج البنية التقليدية. وفي هذا يكمن سر الانقطاع عن تراث النهضة.فالفئات الرثة ومركزيتها الجديدة في السلطة والدولة جعلت من تدمير الطبقة الوسطى هدفها الأساسي، أو أن ذلك لازم بالضرورة نشاطها وفعلها. فالفئات الرثة لا تعاني ولا تنتج لا في المجال المادي ولا الروحي. انها مجرد نقال وحمال. وهي مهام كانت وما زالت باقية بوصفها جزء من تاريخ البحث عن عدالة معقولة هي بدورها جزء من لغز الحياة والوجود. غير انه حالما يتحول الحمال إلى "قائد" فانه يجعل من كل ما حوله مجرد بضاعة أو أشياء تجثم بثقلها على كاهله! وليس هناك من ثقل بالنسبة له اكبر من الفكر وتعقيداته. أما الفكرة الراديكالية المبنية على مجموعة شعارات وقيم وجدانية كاذبة فإنها مجرد تقليد أجوف. أما "الفكر" فيها فانه مجرد غلاف خارجي، فارغ، بلا معاناة. انه "فكر" بلا تلقائية. من هنا هجوم الأيديولوجية، بوصفها "عقلا" بلا تفكر، و"فكر" بلا معاناة، ومعاناة مغتربة عن التاريخ الذاتي والواقع ومن ثم بلا ماض ولا مستقبل. مما يجعل منها اجترارا للحاضر فقط أي لزمن وجود الأشياء.مما سبق يتضح بان سبب الانقطاع لا يكمن في سلوك الطبقة الوسطى، بقدر ما انه جرى فطمها قبل أن تنمو. ومن ثم سحقها وتحويلها إلى ذرات متناثرة في الكتلة البشرية الرثة التابعة للسلطة التوتاليتارية. وقد ترتب على ذلك اضمحلال واندثار المقدمات الاجتماعية الضرورية للفكرة الليبرالية. فمن المعلوم إن الفكرة الليبرالي، بوصفها بحثا عن الحرية والعقلانية والاعتدال، عادة ما تتجذر في الوعي السياسي للطبقات الوسطى. بل أن الفكرة الليبرالية من الناحية التاريخية والاجتماعية والنفسية هي من صنع الطبقة الوسطى. وليس اعتباطا أن تشترك مختلف التوتاليتاريات السياسية والعقائدية (من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار) بمحاربة الطبقة الوسطى وتصويرها على انها مرتع "القلق" و"انعدام الثبات" في المواقف! أما في الواقع فإن حقيقة "القلق" تعادل نفسية وذهنية البحث الدائم عن الجديد أو ما يمكن دعوته بالثبات الديناميكي. أما اتهامها "بانعدام الثبات" فهي مجرد صيغة أيديولوجية مقلوبة للرؤية التوتاليتارية التي عادة ما تجد في الثبات أسلوبا لوجودها، مع ما يترتب على ذلك من استبداد وقمع لكل اختلاف وتباين وحركة تؤمي بإمكانية خلخلة الوضع القائم. من هنا عدائها السافر والمستتر لكل"خروج" على "ثوابتها" الوطنية والقومية والاجتماعية والفكرية وما شابه ذلك. وليس مصادفة أن تكون الطبقة الوسطى هي الأكثر تضررا ضمن سياق السيطرة التوتاليتارية. وذلك لان الطبقة الوسطى هي الأكثر "ثباتا" بمعايير الديناميكية التاريخية والاجتماعية. وهو ثبات نابع من موقعها الاجتماعي التاريخي بوصفها الطبقة الأكثر ارتباطا بفكرة الحرية والنظام الاجتماعي الديمقراطي. فالطبقات جميعا عرضة للتغير والتبدل من حيث موقعها الاجتماعي وأيديولوجياتها وأفكارها المتعلقة بماهية الدولة والمجتمع المدني وفكرة الحق والحقوق، بينما تبقى الطبقة الوسطى من حيث الإمكانية والواقع الممثل الفعلي لتيار البحث الدائم عن نسب الاعتدال والعقلانية والحرية الفردية والاجتماعية. الأمر الذي يجعلها اشد القوى الاجتماعية معارضة للتوتاليتارية. كما انه السبب الذي يجعلها هدا مباشرا وغير مباشر لسياسة التفكيك الواعية وغير الواعية من جانب السلطة التوتاليتارية. وليس مصادفة أن تكون فترة الستينيات وما لحقها هي مرحلة التدمير الشمال للطبقة الوسطى، كما انها مرحلة الصعود العنيف للنزعات الراديكالية والتوتاليتارية.
· إن أي حقل سياسي اقتصادي هو منظومة قيم وتوازنات وأنماط إنتاج اجتماعي يسمح بخيارات معينة ويعوق أخرى. وهذه المسالة محصلة موضوعية لتفاعلات مجموعة من العناصر التي تشارك في تكوين هذا الحقل. هل يمكننا القول أن الحقل السياسي الاقتصادي سمح بنمو وظهور الكليانية في المجتمع العراقي؟ ومدى قدرة هذا الحقل على إنتاج ظاهرة التوتاليتارية السياسية العراقية؟ وهل يمكن أن يتحول هذا المفهوم (الحقل الاقتصادي السياسي) إلى أداة تفسير؟
إن الظاهرة التوتاليتارية هي نتاج ازمة بنيوية شاملة تعم الدولة والأمة والثقافة في التاريخ الحديث والمعاصر. وتصبح "خيارا معقولا" حالما تقود مهمة تجسيد "البدائل الكبرى" قوى راديكالية. والمادة الاجتماعية لهذه القوى الراديكالية هي الحثالة الاجتماعية والفئات الرثة والطبقات المنهكة، أي تلك التي تعاني أكثر من غيرها زمن الأزمات البنيوية الحادة. مما يجعلها فريسة الأوهام السياسية والأيديولوجية. ذلك يعني أن الجذور الاقتصادية للنزعة الراديكالية بشكل عام والتوتاليتارية بشكل خاص، شيء اقرب إلى البديهة. غير أن الحلقة الرابطة لهذا التلازم تقوم في ميدان السياسة والحياة السياسية للدولة. بمعنى أن الأزمة الاقتصادية في الدولة عادة ما تؤدي إلى نشاط الطاقة الراديكالية، وبالأخص في تلك المراحل والدول التي تشكل فيها نسبة الفئات الاجتماعية الرثة والهامشية والفقيرة أغلبية مطلقة، أو تلك المراحل التي يجري فيها خلخلة الأسس الاقتصادية للمجتمع والدولة. لكن "ارتقاء" الراديكالية إلى مصاف التوتاليتارية يستلزم تكامل الأزمة الاقتصادية بأخرى سياسية وثقافية عامة. وهي حالة أو آلية يمكن رؤيتها على تجارب التوتاليتارية "الكلاسيكية" الكبرى. كما تجد طريقها الأكثر تشوها في البلدان والدول المتخلفة، كما هو الحال بالنسبة للعراق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق