الثلاثاء، 28 يوليو 2009

صدام حسين : اية توتاليتارية ؟

صدام حسين : اية توتاليتارية ؟
حازم صاغية

بات من مألوف العلوم السياسيّة اعتبار أن الأنظمة التوتاليتاريّة تتشارك في عدد من المواصفات هي التي تمنحها معناها وتسميتها، خصوصاً منها الميل الى تسييس مستويات الوجود الاجتماعيّ كلّها، والربط العضويّ بين أجهزة السلطة، ووجود الزعيم المعصوم، والاعتماد على البوليس السريّ، وتعميم الأكاذيب في الإعلام والتعليم والحياة اليوميّة للسكّان بما يوكل دوراً غير معهود للمثقّفين وممتهني التعليم والترويج. وتنطوي التوتاليتاريّات، كذلك، على نزوع عميق الى تحويل الروابط السياسيّة روابط قرابيّة وعاطفيّة تتمدّد على "أخوة" ويتربّع في عرشها قائد "أب" فيما يقف في خارجها المطلق "عدوّ".
وهي لا تكفّ عن السعي الى احتواء المجتمع كلّه وتأطيره بمنظّمات "شعبيّة" موازية، معوّلةً، بالغ التعويل، على الرموز والنُصب والصور والبصريّات المهرجانيّة، فضلاً، بطبيعة الحال، عن حملها دعوةً خلاصيّة ما الى تغيير العالم أو، كحدّ أدنى، الى إجراء تغيير ضخم في حدود الدول والمحيط المجاور. ورغم الصحّة المبدئيّة التي في هذا الوصف، ليس جائزاً وضع التوتاليتاريّات جميعاً في سلّة واحدة، بلا أيّ تمييز في ما بينها، لمجرّد أنها توتاليتاريّات تملك كلّها تلك المواصفات على نحو أو آخر كما تعبّر عن افتقار بلدانها الى التقاليد الديموقراطيّة. يصحّ هذا أيضاً على الأنظمة الديموقراطيّة، أو الأنظمة الثيوقراطيّة، التي لا يمكن وضعها، هي الأخرى، في السلّة نفسها كما توضع رؤوس البطاطا. فالعلوم السياسيّة ليست، في آخر المطاف، معادلات جامدة ينتهي الأمر بهاالى أن تجهّل موضوعها أكثر مما تعرّف به. ذاك أن عناصر تاريخيّة وثقافيّة فاعلة تفصل بين نظام وآخر ينتميان، بالمعنى العريض، الى الزمرّة نفسها: فمثلاً، اختلفت تقليديّاً، ولا تزال تختلف، ديموقراطيّات أوروبا عن ديموقراطيّة الولايات المتّحدة في مسائل أساسيّة كالموقف من الدين، والحكم بالموت، وامتلاك السلاح الفرديّ، والعلاقة بين المُلكيّة الخاصّة والدولة، ومفهوم الوطنيّة نفسه. كذلك تتباين كثيراً في ما بينها أنظمة دينيّة مسلمة تقول جميعاً بحكم الإسلام، كالسعوديّ والإيرانيّ والسودانيّ والأفغانيّ الذي أقامته حركة "طالبان". وبالمعنى ذاته، فبين توتاليتاريّة هتلر ذات الخلفيّة الوثنيّة المتذرّعة بمسيحيّة قوميّة، والنزوع التمرّديّ على التنوير، وافتراض أن هناك محدّدات عرقيّة جوهريّة وأصيلة، وبين توتاليتاريّة ستالين ذات البُعد الإلحاديّ، والرغبة في فرض بعض معايير التنوير بالقوّة، ورسم المساواة هدفاً بعيداً، ولو بطريقة عديمة التساوي، ثمّة مستويات عدّة يستحيل دمجها ضمن مفهوم الـ regime الواحد، مع أن من الممكن دمجها ضمن مفهوم الـ system العريض الواحد. ذاك أنه لا يكفي تغييب كافة الاعتبارات السياسيّة والايديولوجيّة تبعاً للتشابه في تقنيّات السيطرة، كما لا يجوز التغافل عن الفارق في موقع اللاساميّة لدى المشروعين، علماً أن هنه أرنت كانت اعتبرت وجودها من المعالم التأسيسيّة والنُصبيّة للتوتاليتاريّة الأوروبيّة. والواقع أن أرنت ذاتها كانت قدّمت درساً مهمّاً في التقاط التبايُنات حين ميّزت الفاشيّة الايطاليّة باعتبارها "سلطويّة" (authoritarian) فحسب عن الستالينيّة والنازيّة، وهو تمييز بات يلقى موافقة واسعة لدى المعنيّين، وإن لم يكن إجماعاً. وإنما في ظلّ الحرب الباردة، حيث حلّ التركيز على الشيوعيّة وحدها، وكانت النازيّة قد سقطت وبادت، بات مُغرياً في العلم السياسيّ الأميركيّ طمس الاختلافات داخل التركيبة التوتاليتاريّة في أوسع معانيها. والطمس هذا عاد فكرّر الأخذ به بعض المنشقّين السوفيات والأوروبيّين الشرقيّين إبّان صراعهم مع أنظمتهم المستبدّة. لا بل يمكن الذهاب أبعد للقول بوجود فوارق فعليّة داخل النظام (regime) التوتاليتاريّ الواحد، على ما هي حال الاتحاد السوفياتيّ الستالينيّ بالقياس الى الاتحاد السوفياتيّ الخروتشيفيّ أو ذاك البريجنيفيّ. ذاك أن القمع، على عمومه، شهد تراجعاً ملحوظاً لا سيّما في عهد خروتشيف، بينما أصبحت الايديولوجيّا أشبه بالروتين البيروقراطيّ وغدا الحصول على المعلومات أسهل نسبياً، خصوصاً بعد توقيع "اتفاقات هلسنكي" في 1975. وهي كلّها محاور أساسيّة في أيّ تناول للتوتاليتاريّة ونُظمها. لكنّنا حين نصل الى التوتاليتاريّات التي ظهرت خارج أوروبا، نقع على فوارق أعمق لا تطال فقط المجتمعات التي انبثقت منها، بل تطال أيضاً السلطات وبعض تقنيّات اشتغالها. ذاك أنه بمجرّد الحديث، مثلاً، عن صدّام حسين وسلطته في العراق، تتدفّق تلقائياً أسماء الأبناء والأخوة وأبناء العمّ. والحال أن "الموديل" البعثيّ يبقى، من دون هذه الأسماء، أشبه بلغز يستعصي على الحلّ. لكنْ هل هناك، مثلاً، في المقابل، من يعرف ما إذا كان لدى هتلر أخ؟ وما إذا كان لدى ستالين إبن عمّ، وفي هذه الحال ما اسمه؟ بالطبع يستدعي الجواب عن هذه الاسئلة درجة من الجهد والمتابعة لا يحتاج اليهما دارس السياسة العراقيّة. وإذا ما استطاع مَن يدرس النازيّة، بعد مشقّة، العثور على أسماء أقارب هتلر، فإن "معرفته" هذه لن توسّع فهمه النظامَ النازيّ قيد أنملة. ولأنّ مسألة كهذه لم تكن أساسيّة في ألمانيا، ولا في روسيّا، لم ينتبه كثيرون ممن تأثّروا بدراسة التوتاليتاريّات الأوروبيّة قبل أن يتعاطوا مع التركيبة العراقيّة الى موقع النظام القرابيّ والدور السياسيّ الموكل الى "الدم" بوصفه أبرز ما يفرّق التوتاليتاريّات غير الأوروبيّة عن تلك الأوروبيّة صحيح أن هنه أرنت تناولت الحركات القوميّة التوسعيّة (pan-movements) بوصفها قاطرة لـ"قوميّات قَبَليّة"، وذهبت الى ان حركات كهذه إنما "بشّرت بالأصل المقدّس لشعبها بوصفه مضادّاً للاعتقاد اليهوديّ-المسيحيّ بالأصل المقدّس للبشر. وتبعاً اليهم، فإن الانسان الذي ينتمي حتماً الى شعب ما، لا يتلقّى أصله المقدّس الا بشكل غير مباشر من خلال العضويّة في شعب. فالفرد، بالتالي، لا يمتلك قيمته المقدّسة الاّ في حدود انتمائه الى شعب تمّ تمييزه بالأصل المقدّس"الا أن الروح القَبَليّة المُقيمة عميقاً في النازيّة تبقى أقرب الى التصميم الايديولوجيّ، الرجعيّ والماضويّ، قياساً بدرجة التقدّم الماديّ التي كانت قد أحرزتها ألمانيا. فالدم، ولو أنه شكّل معياراً للوطنيّة، وارتسم بموجبه ذاك الهرم الخرافيّ للشعوب حيث يتربّع الالمان التيوتونيّون في القمّة، لم يشكّل معياراً مُقرّراً في تركيب السلطة النازيّة وبناء مَراتبها. هكذا بدت التجسيدات الأبرز للروح القَبَليّة أشبه بدعوات سياسيّة بالغة الملموسيّة، كالدعوة الملحّة الى فرز اليهود عن الجسم القوميّ، أو الى توحيد ذوي الأصل الألمانيّ ممن يعيشون خارج حدود الدولة - الأمّة الألمانيّة. وكان ما سمح بهذه الدرجة من "التجريد" أن القوميّة الألمانيّة، على رغم تاريخ الحروب الدينيّة، وضعف وحداثة التشكّل القوميّ، خدمت وظيفيّاً كشكل من أشكال التحايُل على النزاع البروتستانتيّ - الكاثوليكيّ، ساعدها في ذلك أن العرق "الحديث" لا الدين "القديم" كان ركيزة الحركات القوميّة النضاليّة وذروتها النازيّة. بهذا أمكن تعطيل مفاعيل العداء للكاثوليكيّة (ثلث السكان) الذي اتّسمت به الحقبة التي تلت مباشرة وحدة 1871 ذات القيادة البروسيّة. وفي مناخ من المزاودة الشعبيّة في المحافظة والشوفينيّة، التقى المزاجان البروتستانتيّ والكاثوليكيّ على تأييد الحرب العالميّة الأولى والتنافس في دعم المؤسسة العسكريّة الإمبراطوريّة. لهذا لم تعبّر النازيّة عن أي انحياز، معلن أو ضمني، الى أيّ من الكنائس التي احتقرتها في صورة متساوية. فـ"الشعب الآريّ"، ومن ثم خرافة التضامن الآريّ، يقفان فوق المذهبين المسيحيّين وفوق الولاءات المنجرّة عنهما. وقد نجح هتلر في جمع عناصر من المذهبين، لا سيّما اللاساميّة الكاثوليكيّة واعتبار مؤسّس البروتستانتيّة مارتن لوثر زعيماً قوميّاً معادياً شديد العداء، هو الآخر لليهود، في ديانته الألمانيّة الشعبويّة. وإنّما في السياق هذا اندرج تمسّكه بمسيحيّة آريّة وقوميّة مزعومة تخالف المسيحيّة التقليديّة في اعتبارها أن المسيح كان يهوديّاً. هكذا عكس الحزب النازيّ وحـدة وطنيّة عـابرة للمذهب الدينيّ تستند الى عدد من التقاليد الرجعيّة المكينة في الفكر الألمانيّ، كمكافحة الليبراليّة واليسار "الملحد" بقوّة المسيحيّة، والدفاع عن العائلة الأبويّة ورفض الحداثة والديموقراطيّة والليبراليّة والنسويّة وكل ما يتّصل بالحريّات المثليّة والمتعويّة. وجاءت المادة 24 من برنامج الحزب لتعلن ان القوميّة الاشتراكيّة سوف تُبنى "على قاعدة مسيحيّة إيجابيّة"، فيما أكّد هتلر للكنائس، بُعيد وصوله الى الحكم، ان الدين أحد "العوامل الأهمّ في حفظ الشعب الألمانيّ". فالحزب النازيّ، في مخاطبته المشاعر القوميّة والعرقيّة، استطاع أن يكون كاثوليكيّاً-بروتستانتيّاً في قيادته كما في قواعده. فكان من قادته الكاثوليك، فضلاً عن هتلر نفسه، كل من هاينريش هملروراينهارد هايدريش وجوزيف غوبلز ورودولف هويس. وكان من قادته البروتستانت رودولف هسّ ومارتن بورمن وألبرت شبيروأدولف أيخمان، فيما انحدر هيرمن غورنغ من عائلة مختلطة مذهبيّاً. ولأنه عبّر عن انتسابه الى أفق الوطن الواحد بوصفه نقطة الانطلاق والوحدة السياسيّة المعمول بها، وليس الى الأفق السابق على الوطن، كالأديان والقبائل، حصل الحزب النازيّ على دعم أساسيّ من العنصريّن المكوّنين للشعب الألمانيّ. صحيح ان عدداً من التناقضات انفجر بين الدولة الهتلريّة والكنيستين البروتستانتيّة والكاثوليكيّة وبعض رجال دينهما، كما وجدت محاولة الدولة لتوحيد الكنائس مقاومةً دلّت على عناد مؤسسيّ بروتستانتيّ حالفه النجاح. الاّ ان الوجهة العامّة ظلّت تصالحيّة، لا بل تكامليّة، وهو ما دلّ اليه توقيع المعاهدة (concordat) بين برلين والفاتيكان في تموز (يوليو) 1933، ثم تواطؤ الكنيستين اللاحق مع النظام النازيّ والمحرقة. ذاك ان الحزب الهتلريّ حظي، في طريقه الى السلطة، بدعم بروتستانتيّ تجسّد خصوصاً في إقبال الشبيبة الانجيليّة عليه، حتى قُدّر ان 90 في المئة من لاهوتيّي الجامعة البروتستانتيّة أيّدوه. وكان لانتساب عدد من الوجوه البروتستانت المحترمين اليه، ممن وجدوا أن البروتستانتيّة الألمانيّة تتماهى مع الشعبيّة القوميّة، أن أسبغ بعض الشرعيّة على حزب كان ليبقى، لولا ذلك، حزباً رعاعّياً رثّاً. كذلك لا يُفهم تحوّل هتلر رجلاً أوّل في بلاده من دون الدور الذي لعبه "حزب الوسط الكاثوليكيّ"، وهو دور ارتبط شخصيّاً بالمستشار فرانز فون بابن. ذاك انه بعدما حلّ الرايخستاغ في 1932، أقام فون بابن ائتلافاً مع النازيّين بذريعة ضبط حركة هتلر ومنعها من الشطط. لكن حزب الوسط ما لبث، هو نفسه، أن تداعى وهجرته أعداد متزايدة من أعضائه الى الحزب القوميّ الاشتراكيّ. بعد ذاك، وكما يعرف دارسو التاريخ الألمانيّ الحديث، صوّت النواب الوسطيّون بكثافة لصالح تفويض حكومة هتلر - فون بابن صلاحيات استثنائيّة في معزل عن البرلمان، بحيث نالت الحكومة ثلثي الأعضاء وباشرت فرض الديكتاتوريّة. أما الكنيسة الكاثوليكيّة فكانت حينذاك تبارك وصول هتلر الى السلطة، وكان المطارنة الألمان يصدرون حينذاك البيان الذي يتنكّر لانتقادات سابقة كانت كنيستهم قد وجّهتها الى النازيّة من ناحيتها، افتقرت تجربة البعث في العراق الى هذه العناصر.ويستطيع من يراجع التاريخ العراقيّ الحديث، البادىء مع تأسيس الدولة - الأمّة في العشرينات، أن يلاحظ الضعف التكوينيّ العميق الذي لازم تلك النشأة الاصطناعيّة. ذاك أن السنّة العرب، لا سيّما عائلاتهم المدينيّة الأريستوقراطيّة (التي يرجع كثير منها الى أصول تركيّة)، كانوا هم من تولّى القيادة السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة للبلد. أمّا الشيعة العرب، الريفيّون في أغلبهم، فعاشوا على هامش الحياة العراقيّة في متنها العريض، محبوسين في طقوس دينيّة وثقافيّة خاصّة بهم تطوّرت، في المحلّ الأوّل، في سياق السجال التاريخيّ ضدّ السنّة. كذلك أُجبر الأكراد بالقوّة، وفي موازاة تحطيم تمرّداتهم الواحد بعد الآخر، على الاندماج في هذا الكيان القسريّ المُصنّف رسميّاً جزءاً من "الأمّة العربيّة". وهذا لا يعني ان التاريخ العراقيّ الحديث لم يعرف الاّ النزعات النابذة للمركز. فالحزب الشيوعيّ العراقيّ الذي صار، أواخر الخمسينات وأوائل الستينات، ثاني الأحزاب الشيوعيّة العربيّة قوّة، قامت دعوته على اعتبار الوطن العراقيّ حقيقةً مفروغاً منها، كما انتسب اليه بأعداد كبيرة العرب والأكراد، والسنّة والشيعة. وقد لعب التعليم في العهد الملكيّ دوراً محدوداً، إنّما ملحوظاً، في انتاج نخبة حديثة ومدينيّة، كما لعبت الانجازات الاصلاحيّة لعهد عبد الكريم قاسم (1958-1963) دوراً بارزاً في تأسيس طبقة وسطى عراقيّة عابرة للطوائف والإثنيّات، تدور حياتها العامّة حول بغداد بوصفها العاصمة ومركز الدورة الوطنيّة اقتصاديّاً وثقافيّاً مع هذا، فان النزعات النابذة للمركز هي التي انتصرت في النهاية: فبعد سقوط قاسم، تلاحقت الانظمة التي كانت اليد العليا فيها للعسكريّين السنّة، فيما أدّى العجز المتنامي عن تطوير حياة سياسيّة الى زيادة الاحتقان وتوسيع رقعته، خصوصاً في البيئتين الأشدّ تضرّراً من الكيان العراقيّ نفسه، أي الشيعة والأكراد. ولم يكن حزب البعث نفسه بعيداً من هذه السيرورة. فقبل وصوله الى الحكم للمرّة الأولى في 1963، ضمّ الحزب شبّاناً من السنّة والشيعة على السواء. بيد أن تجربة الحكم وما تلاها من انهيار أصاب جناحه المدنيّ الشعبويّ، جعلا القيادة الفعليّة في أيدي العسكريّين البعثيّين وأقاربهم. ولمّا كان الجيش العراقيّ قد نشأ أصلاً كواحدة من أدوات السيطرة السنّيّة، فيما كانت نسبة عالية من ضبّاطه من أبناء "المثلث السنّيّ"، خصوصاً مدينة تكريت وجوارها، بدا مفهوماً جدّاً أن تتلوّن البعثيّة بالسنّيّة، وبالتكريتيّة في صورة أكثر تحديداً. وهذا ما تعاظم مع الزمن في موازاة تعاظُم "الانحسار التدريجيّ للعاملين الحزبيّين المحترفين بعد 1982" فإذا أضفنا تسامح صدّام النسبيّ، بعد حرب الكويت، مع العصبيّات الأهليّة واستقلاليّتها، جاز افتراض تحوّل تلك العصبيّات الى أهمّ المنظّمات "الشعبيّة الموازية التي تستحضرها الدولة التوتاليتاريّة. من ناحية أخرى، لئن صحّ الكلام على تشابُه في الخوف من الشيوعيّة بين الطبقات الوسطى المحافظة في ألمانيا، والبيئة العراقيّة المؤمنة والمحافظة، فإن وجود أداة واحدة مناهضة للشيوعيّة على نطاق وطنيّ في ألمانيا، وعدم وجودها في العراق، كان فارقاً مهمّاً: فالشيعة المناهضون للشيوعيّة وللحداثة جعلوا، منذ أواخر الخمسينات، يتّجهون الى "حزب الدعوة"، آخذين بتعاليم السيد محمد باقر الصدر، فيما السنّة الأشدّ محافظة ظلّوا يرون في السلطة وجيشها ضمانتهم الأهمّ. كذلك تشابه الوعي الدينيّ الإسلاميّ في العالم العربيّ بعد هزيمة 1967 مع الوعي البروتستانتيّ الألمانيّ بعد هزيمة الحرب العالميّة الأولى: فالاثنان حمّلا الأفكار الحديثة و"التخلّي عن الله" المسؤولية عن "تخلّي الله عنّا"، كما بشّرا بالعودة الى الله كبديل خلاصيّ لكنْ هنا أيضاً، لم يجد الوعي الإسلاميّ في العراق مَصبّاً تنظيميّاً موحّداً له، ولم يستطع، بالتالي، أن يتجانس، ككلّ موحد، في حركة سياسيّة يمينيّة. فالتنافر المذهبيّ ظلّ أقوى بكثير من شعور الكاثوليكيّة والبروتستانتيّة الألمانيّتين المحافظتين بضرورة التجانس، وصولاً الى الذوبان، في الحركة النازيّة. وهذا إنما يتّصل بالفوارق بين تجربتين تاريخيّتين: واحدة عرفت الاصلاح الدينيّ بما أنتج تهديداً فعليّاً للمؤسّسة والوعي الدينيّين، وأخرى لم تتعرّض لمثل ذاك الاصلاح وما يترتّب عليه من شعور بخطر الفناء الوجوديّ. ذاك أن الكنيسة الكاثوليكيّة الألمانيّة التي صارت تجد صعوبة متعاظمة في المحافظة على ولائها لروما، العابر الحدودَ الوطنيّة، شرعت، مثلها مثل الكنائس البروتستانتيّة، تواجه مشكلة الطلاق المتعاظم مع الإيمان بنتيجة علمنة الحياة العامّة. وهذا ما حمل الكثيرين من المؤمنين والمحافظين على أن يروا في النازيّة خلاصاً من كارثة محقّقة. فبين 1918 و1931، انسحب من عضويّة الكنائس البروتستانتيّة الانجيليّة مليونان و420 ألفاً، فيما انسحب من الانتماء الى الكاثوليكيّة 497 ألفاً. ومنذ 1919 كانت الكنيسة البروتستانتيّة، الوطنيّة، قد فُصلت عن الدولة وراحت أعداد الممارسين الدينيّين تتناقص، لا سيّما في المدن الكبرى من ناحية أخرى فان افتقار البعث العراقيّ الى الشعبيّة، قياساً بالحزب النازيّ الذي وصل الى السلطة برلمانيّاً، رافقه افتقار آخر الى قوّة الخرافة القوميّة التي رفعتها النازيّة الألمانيّة الى مستوى الديانة، واستطاعت بذلك أن تستخدمها لحمة في "توحيد الأمّة". فـ"القوميّة العربيّة" التي قال بها البعث، والتي تضاربت عميقاً مع القوميّة الكرديّة، وأوحت للشيعة بالخوف من أن تتعزّز قوّة السنّة العراقيّين بالسنّة غير العراقيّين، لم تكن موضع إجماع بين السنّة العراقيّين أنفسهم. ذاك أن التقليديّين من هؤلاء سعوا الى مزيج يجمع العروبة بالوطنيّة العراقيّة، فيما الراديكاليّون منهم انجذبوا الى تيّارات أخرى، كالناصريّة المصريّة، وبدرجة أقلّ المقاومة الفلسطينيّة، ثمّ البعث الحاكم في سوريّة. وبدورها، جاءت التوتاليتاريّة الصدّاميّة بنت العجز التاريخيّ عن بناء دولة - أمّة عراقيّة، بقدر ما كانت اقتراحاً وحشيّاً في بناء هذه الدولة - الأمة. لهذا نجد، على الصعيد الايديولوجيّ، ان القمع الصدّاميّ بدا مصحوباً بطاقة خرافيّة أقلّ انسجاماً وتماسكاً من الطاقة الخرافيّة التي في النازيّة والشيوعيّة الستالينيّة. فهاتان قدّمتا بعض التنازلات الايديولوجيّة لأغراض انتهازيّة، فطوّر ستالين "الأمميّ" نظريّة بناء الاشتراكيّة في بلد واحد، وبالغ، إبّان الحرب العالميّة الثانية، في مسايرة الوطنيّة الروسيّة والكنيسة الأرثوذكسيّة. كذلك كال هتلر على بعض حلفائه السياسيّين في الحرب نفسها بعض النعوت التي لا سند لها في الايديولوجيّا النازيّة، كما تبادل الزعيمان الروسيّ والألمانيّ بعض الغزل المبالغ فيه قُبيل توقيع ريبنتروب ومولوتوف المعاهدة الألمانيّة - السوفياتيّة في 1939. لكنّ التنازلات هذه لم تمسّ أساسيّات الوجود السياسيّ والايديولوجيّ للنظامين، أو أنها لم تبلغ الحدود التي بلغها، في هذا المجال، نظام صدّام حسين. فالأخير الذي تشكّل القوميّة العربيّة علّة الوجود السياسيّ المفترضة لحزبه، حزب البعث العربيّ الاشتراكيّ، ساهم بحماسة في نشر وتعميم ولاء عراقيّ سابق على العرب والرابطة العربيّة، فاحتفل بالسومريّة والبابليّة وغيرهما من "أصول" تتعارض عميق التعارض مع الرواية القوميّة العربيّة للتاريخ وقد يقال، بحق، ان البعثيّين العراقيّين كانوا أكثر تشديداً على البُعد الايديولوجيّ من رفاقهم - الأعداء الذين حكموا سوريّة، الاّ ان هذا التشديد غالباً ما كان رفعاً لدرجة عبادة الزعيم الفرد ولدرجة الارتباط به وبسياساته، حتى حين تتناقض مع كلّ مصدر ايديولوجيّ يمكن ان يسندها. كذلك لم يخلُ أمر النزاع بينهما، في لحظاته الأسخن، من اتّهام البعث العراقيّ البعثَ السوريّ بـ"العلويّة"، واتّهام الثاني الأوّلَ بـ"التكريتيّة"، الى جانب التهم الأخرى التي تخصّ الانحراف عن الأرثوذكسيّة الحزبيّة والتي باتت تُقال كطقس مُملّ يفتقر الى الصدق والحماسة وعلى العموم، بدا "العدوّ" في الخرافة البعثيّة العراقيّة أشدّ اضطراباً وتقلّباً منه في الخرافتين النازيّة والستالينيّة. فـ"اليهوديّ" في النازيّة، و"الكولاك" أو "العدوّ الطبقيّ" و"الموضوعيّ" في الستالينيّة، أكثر ثباتاً وديمومةً بلا قياس من "الفارسيّ" و"اليهوديّ" و"الكويتيّ" و"الأميركيّ" في أدبيّات حكم صدّام وآلته الإيديولوجيّة. لا بل، وحسب أرنت استناداً الى تجربة متطرّفة في جموحها الايديولوجيّ، أعطت النازيّة أولويّتها، في ظرف الحرب العالميّة العصيب، لهوَسها المَرضي حيال اليهود، على حساب المجهود الحربيّ ومصلحته. هكذا استخدمت القطارات لنقلهم الى معسكرات الموت معرقلةً حركة التنقّلات العسكريّة، وفي النهاية "بات في وسع هتلر أن يزهو، حتى وهو وسط انتكاساته العسكريّة، بسبب تصفية اليهود وإقامة معامل الموت، غير معنيّ بالنتيجة النهائيّة" للحرب صحيح ان الايديولوجيّا النازيّة كانت، الى حدّ بعيد، تلفيقاً، أو مونتاجاً، يجمع بين شذرات من منظومات فكريّة متباينة، عماليّة وأريستوقراطيّة، فوضويّة وامبرياليّة، وثنيّة ومسيحيّة. الا أنها استطاعت، في نهاية المطاف، أن تؤسّس نفسها نظاماً للوعي قائماً بذاته تترتّب عليه نظرة عُظامية الى الذات والعالم. غير أن البعثيّة ظلّت أقلّ وأدنى من أن تنتج ايديولوجيّا متجانسة، فاقتصرت على خطب حماسيّة وشعريّة وعموميّات أخلاقيّة ضعيفة المعنى. وإذا نمّ هذا عن محدوديّة العلاقة بين الحداثة وبين المجتمعات التي نشأ ونما فيها البعث (سورية والعراق)، فإنه، وهذا هو النتيجة الوحيدة التي يمكن اعتبارها ايجابيّة نسبيّاً، منع تطوير النظرة العنصريّة الى "العدوّ" في الحدود التي طوّرتها النازيّة. فالحكم البعثيّ استخدم السلاح الكيماويّ ضد الأكراد، واقتنى أسلحة كيماويّة وبيولوجيّة قبل أن يُجبر على تدميرها، إلاّ أنه تعامل، هنا أيضاً، مع الموضوع هذا تعامُلاً ريعيّاً، مثله في ذلك مثل السلع الأخرى التي يمكن شراؤها بالمال النفطيّ. بيد أننا لا نجـد في "الخطاب" البعثيّ حيال الأكراد أو الفرس أو اليهود أو الأميركان الا عبارات عدائيّة مبعثرة وشديدة الانشائيّة والانفعال، قياساً بما حمله الخطاب النازيّ عن اليهود حيث أراد أن يبرهن خرافاته عنهم بـ"موضوعيّة علميّة". فالبعث، إذاً، بقي في نطاق العنصريّة البدائيّة والفظّة التي لم يتسنّ له تطويرها. ذاك انه لم يتمكن من مغادرة مرحلة فكريّة زراعيّة، أو حِرَفيّة، اذا صح القول، هي، كائناً ما كان النعت الأدقّ، مرحلة ما قبل إنشاء خطاب مؤدلج ومُصنّع. وهذا كلّه يعزّز استبعاد التشبيهات المتسرّعة بين صدّام وهتلر، والتي بُنيت عليها، بوعي أو بغير وعي، افتراضات تنسب الى الأوّل حداثيّةً وطاقة تنظيميّة شكّلتا خلفيّة مُضمرّة لاتّهامه بامتلاك أسلحة دمار شامل. وهو يعزّز، كذلك، استبعاد تشبيه صدّام بستالين الذي ردّد صحافيّون ومعلّقون كثيرون انه كان يكنّ له كبير الإعجاب. فستالين، إبن جورجيا، ربّما كان أقرب من هتلر الى المستبدّ الآسيويّ، على نحو سهّل على الكثيرين مقارنة المستبدّ العراقيّ به. الا أن التوتاليتاريّ السوفياتيّ نجح، رغم كلّ شيء، في تحويل بلاده دولة صناعيّة، ولو بطريقة خرقاء، كما خاض حرباً ضدّ الهتلريّة، التي كانت أعظم آلة قتاليّة في العالم، انتصر فيها، من دون معونة من الخارج. وقد يقال، بكثير من الصحّة، إن ستالين ارتكب عدداً من الحماقات العسكريّة تشبه حماقات صدّام العسكريّة في حروبه، ناهيك عن الشبه في إهلاك الإثنين سلكَ الضباط والمحترفين العسكريّين في جيشيهما. وهنا ينبغي ألاّ نقع في تبسيط ساذج من النوع الذي يدفع إلى إسباغ الكمال التنظيميّ وطاقات الفعاليّة القصوى الى التوتاليتاريّات الأوروبيّة. فالأنظمة الأخيرة، وكما دلّت دراسات كثيرة ظهرت في السنوات العشر الماضية، اتّسمت بدرجة بعيدة من الفوضى والتخلّف واعتراها نقص الفعاليّة الذي يُظنّ، لوهلة أولى، أنه يقتصر على العالم "غير الأوروبيّ". مع هذا، يبقى أن ما هو متوافر من الحداثيّة التنظيميّة في التجارب الأوروبيّة هو مما يصعب توافره في التجارب "غير الأوروبيّة". وفي الحدود هذه انطوت الستالينيّة على ما لم تنطو الصدّاميّة عليه. فمن هذا القبيل كانت إعادة تحصيص الموارد السوفياتيّة بعد الهزائم والتراجعات الأولى في الحرب العالميّة الثانية، ودقّة الأداء اللوجستيّ والاداريّ للجيش الأحمر. ثم لئن أتاحت القدرة والتنظيم الصناعيّان السوفياتيّان إمكانيّة إنهاض اقتصاد حرب قويّ وفاعل، فان الاقتصاد العراقيّ الريعيّ والكسول حال دون ضبط الاستهلاك في أزمنة الحرب. هذا إن لم نقل إن استهلاك السلع الفاخرة المستوردة، الذي تُسدد أكلافه من عائدات النفط، قد تزايد في عزّ الحاجة الى ربط الاقتصاد بالحاجات الحربية فقد امتلك صدّام، في سنوات السلام، رغبات تحديثيّة غامضة نجمت عن تأثّر لدى حزب البعث بـ"غرب متقدّم" لا تقلّ صورته غموضاً الا أنه استعان على تنفيذ بعضها الأكثر سطحيّة بالثروة النفطيّة، وبهذا الاقتصاد الريعيّ الذي أراحه من كلّ جهد تنظيميّ يستدعي قدراً من المواظبة وأخلاقيّات العمل. وقد وصف مثقّف عراقيّ على النحو التالي المعادلة الاقتصاديّة – المجتمعيّة كما اشتغلت في بلده: "يكمن العنصر الأهمّ بين سائر العناصر التي أتاحت للدولة أن تلعب دور ربّ العمل وعمّقت تذرير المجتمع في البُنية الريعيّة التي تضافرت مع طريقة خاصّة في تحصيل العائدات النفطيّة وتصريفها. فالريعيّة – معرّفةً في أعرض معانيها كاعتماد منهجيّ على كمّيات وفيرة من الريوع الاقتصاديّة الخارجيّة، وحيث التغيّرات لا تتّصل بتحوّلات في الانتاجيّة أو في عمليّة الانتاج – بلغت ذروتها في عراق السبعينات والثمانينات. فعائدات العراق النفطيّة الضخمة نسبيّاً منذ 1952 وفّرت عليه المشاكل النمطيّة التي واجهتها بلدان أخرى في "العالم الثالث"، وتحديداً البحث عن عملات صعبة وعن أدوات يُموَّل بها الإنفاق على الاستثمار. هكذا كان صانعو السياسة ومخطّطوها غير مضغوطين بالحاجة إلى رفع تنافسيّة الصناعة والزراعة العراقيّتين، أو الى العثور على منافذ لتصدير المنتجات العراقيّة. لكنّهم بدوا مضغوطين بالحاجة إلى توفير الوظائف للعاطلين عن العمل، وإلى رفع مستويات المعيشة على المدى القصير. وهو ما سهّلته حقيقة أن إيجاد فرص العمل في قطاع الخدمات، على عكس التصنيع أو الزراعة، لا يستدعي بذل طاقة إضافيّة" ّ هكذا، ومن طريق إحراز تقدّم رقميّ تشيعه الإحصاءات، وإن لم يكن واضح المردود على التنمية، نجح صدّام في تجنيب اقتصاده الريعيّ التعرّضَ الى جهود تنظيميّة تتطلّب أخلاقيّات العمل والدأب والمواظبة. وهو فارق مهمّ آخر يميّز الحكم العراقيّ عن أنظمة أخرى تستند على قاعدة اقتصاديّة صناعيّة وفي النهاية، امتدّت مفاعيل الفارق بين الصناعيّ واللاصناعيّ لتشمل مجالات تتعدّى الاقتصاد والاجتماع الداخليّين الى الحرب بوصفها امتحاناً كثيفاً لاصطدام نمطين في البناء. والحال أنّه، على العكس تماماً من ستالين، خسر التوتاليتاريّ العراقيّ حروبه كلّها، بما فيها الحرب ضدّ إيران التي انتهت بهزيمة الطرفين. أمّا الحرب النازيّة فقبل أن تنتهي هزيمةً مرّة، كانت نجحت في احتلال معظم القارّة الأوروبيّة وإخضاعه. وعلى رغم لاعقلانيّة الكثير من أوجه السلوك الحربيّ الألمانيّ يومذاك، على ما سبقت الإشارة العابرة، بقي أن تعبئة السكّان بلغت الى أوج لا يضاهيه إلاّ الأوج الذي بلغه الإعداد الستالينيّ في الاتّحاد السوفياتيّ. ذاك أن في وسع التوتاليتاريّة الأحدث والأكثر صناعيّة أن تُعبّىء، وأن تؤطّر الزمان والمكان، وأن تستولي على الحيّز الخاصّ، على نحو لا تقوى عليه التوتاليتاريّات الأقل حداثة وصناعيّة. ففي ألمانيا النازيّة وروسيا الستالينيّة لم تعد "الجرائم"، مثلاً، تقتصر على النشاط المعارض والأفكار المنشقة والهرب من الجيش، إذ أضيفت "جرائم" أخرى كالاستماع الى اذاعة معادية، أو عزف الجاز الأميركيّ، أو التحدث الى يهوديّ، أو سرقة أي شيء مهما كان تافهاً من مكان العمل. والحال أن نظام صدّام ذهب بعيداً في رصد الحيّز الشخصي ومطاردته، وسجّل هو الآخر الكثير من "الجرائم" التي تُرتكب فيه وصولاً الى فرض "الترشيق" على أجسام الموظّفين. مع هذا، بقيت قدرة نظامه على ملاحقة "الجرائم" أقلّ بلا قياس من قدرة النظامين الأوروبيّين، كما بدت محاكاته هذين النظامين في المجال هذا ذات مسحة كاريكاتورية. ذاك أن محاولة العقلنة البالغة لما هو لاعقلاني تملك جذوراً ضاربة في التقليد التوتاليتاريّ الأوروبيّ منذ بداياته المبكرة. ففي دراسته لأواخر القرن الثامن عشر الفرنسي مثلاً، لاحظ تالمون أن "بونارّوتي يركّز تركيزاً شديداً على تأميم وقت الفراغ. فالفراغ الفردي، واستخدامه بصورة غير ملائمة، يظهران له بوصفهما الأعداء الأكبر لنظام المساواة ورفقة الروح" وقد سبق لبعض القادة النازيّين أن وصل بهم التباهي الدولتيّ الى أن دولتهم سيكون فيها "الفرد الشخصيّ الأوحد هو ذاك النائم". لكنْ حتّى هنا، وعلى ما رأت شارلوت بيرات، فإن النازيّة تغزو "حتّى أحلام الرعايا" ّّّّّّّّ لكنّ النزعة الأداتيّة والوظيفيّة هذه، المستفحلة في تدخّليّتها، ليست من سمات التاريخ الثقافيّ العراقيّ والعربيّ عموماً، الذي اتّصف، بين ما اتّصف به، بإعاقة التأخّر العلميّ. وتأخر كهذا في تلازمه مع ضعف القاعدة الصناعيّة يضعنا أمام توتاليتاريّة من نوع مختلف: فهي قويّة استبدادياً، لكنّها ضعيفة على صعيد تنظيم الموارد وعلى مستوى البُنى التحتيّة والعلاقات الانسانيّة والحِراك الاجتماعيّ.ّّ والحقّ أن الربط بين الكليّة (holism) السياسيّة وبين "عبادة العلم" التي شاعت في أوروبا القرن التاسع عشر، وارتبطت بالداروينية الاجتماعيّة كما ببعض "العلوم" الشعبية، ليس من قبيل الترف الفكريّ. ذاك أن الاعتقاد بقدرة العلم على الفهم والتغيير هو ما يمكن أن يُترجَم نزعةً تنظيميّة وتخطيطية ذات وجهة تتّجه الى أفق واقتراح خلاصيّين وإنّما تحت وطأة تأثّرات كهذه اندفع فريدريك إنغلز الى محاولة البرهنة على وجود "ديالكتيك الطبيعة"، ثم طوّرت اللينينية هندستها للمجتمع الاشتراكيّ عبر صيغة "ديكتاتورية البروليتاريا". كذلك حفل القاموس الماركسيّ - اللينيني بالحديث عن "الأعداء الموضوعيين"، و"الحتميّة التاريخيّة"، و"القوانين التاريخية"، و"الماديّة التاريخيّة" و"الماديّة الجدليّة" وتحوّل "الكمّ" الى "كيف". والعلمويّة هذه بلغت ذروتها في العهد الستالينيّ مع تطبيق مبادىء "العلم الماركسيّ" على الزراعة السوفياتيّة، وهو ما ارتبط باسم البيولوجي ليسنكو. وإذا كان عالَم المصنع أبرز مصادر استلهام الغولاغ السوفياتيّ، فإنه بلغ محطة غير مسبوقة مع معسكرات الموت والأفران النازيّة التي اعتبرتها أرنت الشكل الأصفى في التعبير عن التوتاليتاريّة. والراهن أن "العِلم" الشعبيّ والنظريّات البيولوجيّة المبتذلة شكّلت أحد أعمدة العنصريّة الهتلرية التي لم تتردّد، وهو ما لم تمارسه أيّة ايديولوجيّا حداثية أخرى، في تطبيق "علم تحسين النسل" (eugenics) بوصفه نشاطاً خيّراً.ّّّّّّّّّّّ لا بل المقصود أصلاً بمفهوم ومصطلح "التوتاليتاريّة" إنما هو تمييزها عن الأشكال الأقدم من الحكم الأوتوقراطي، تبعاً لاستخدامها التقنيّات الصناعيّة الحديثة في بناء الدولة وقمع المجتمع سواء بسواء. فالمركزة الهائلة للسلطة والتصفيات الموسمية للأجزاء المتنافسة في الجهاز الحاكم، والحزب الواحد في مقـابل الجـماهير المذرّرة (atomised)، هي كلها من بنات الحداثة في تأويلها الأكثر صناعيّة وأداتية. والمعروف أنه قبل الثلاثينات، وقبل استخدام التعبير في وصف الهتلرية والستالينيّة، انطوى معناه على التماسُك والفعاليّة القادرين على إحداث تحويلات ضخمة من النوع الذي يُنجزه العلم وحده. وهذا ما جعل الفاشيّين الايطاليّين، مثلاً، يتبنّون التعبير على نحو جعل موسوليني "بالغ الإعجاب بمصطلح دولة توتاليتاريّة" ّّّّّ وهذا يعني، بين ما يعنيه، أن العنصر الفكريّ أساسيّ في الوعي التوتاليتاريّ، ولو لم تعتمد مقدّماته ومطالعاته على التجربة والمقارنة بقدر اعتمادها، تبعاً لأرنت، على المخيّلة. فالعنصر هذا هو الجسر الذي يصل بين الواقع وبين ما ينبغي تحويل الواقع إليه. لكنّ العنصر الفكريّ - التحويليّ في البناء السلطويّ العراقيّ ظلّ يقتصر على حدّه الأدنى، الأمر الذي سهّله أن نصّ ميشيل عفلق، مؤسس حزب البعث، كان أصلاً أشبه بمواضيع الإنشاء المدرسيّة. فهو، بالطبع، لم يتّصف بشيء من ذاك التعقيد النظري الذي عُرفت به المراجع الماركسيّة، ولا ارتكز، كما في النازيّة، على أية علموية زائفة من تلك التي عرفها القرن التاسع عشر ومدارسه العرقيّة. وهذا وذاك يسمحان بالحديث عن توتاليتاريّة أكثر ارتجالية وأقلّ قدرة على رؤية الـ “totality” في المجتمعات التي يُراد تحويلها. ّّّّّ فوق هذا، زاد في إضعاف المادة الايديولوجيّة ان صدّام ابتعد عن هذا الحدّ الأدنى الفكريّ ليملأ بنفسه وشخصه الفراغ المتسع دائماً، بوصفه "مفكّراً" و"مبدعاً". وإذا كان ستالين وهتلر قد تصدّيا قبله لمثل هذه المهمة النبويّة، إلاّ أن صدّام استعان على ملء الفراغ الكبير بعنصر آخر لم يملكه ستالين وهتلر، وهو الاعتماد على القيم الأهليّة، القرابيّة والدمويّة، الرائجة في "المثلّث السنّيّ"، والتي تجسّدت في بدايات العهد البعثيّ في شخص خال صدّام، خير الله طلفاح، وفي كتاباته، كما تجسّدت في أواسط العهد وأواخره في مُبايعات لا حصر لها كانت تصدر عن زعماء القبائل ووجهاء المناطق، والكثير منها يُكتب بالشعر، الكلاسيكي منها والشعبي. ولا بأس، في مجال المقارنة، بالتذكير بأن العمليّة التحويليّة كانت قد منعت الاتحادَ السوفياتيّ من ان يتعايش مع البُنية القبلية - الدينيّة في آسيا الوسطى ثم في أفغانستان، رغم الأكلاف الباهظة التي تكبّدها مشروعه هناك لفرض التحديث من فوق. إلا أن صدّام فعل العكس، فتعايش مع التركيبة القبلية وراح، مع تراجع عائدات الدولة في التسعينات، ينيط بتلك الأطراف "المتخلّفة" و"الرجعية" مهاماً وأدواراً هي من وظائف الدولة وصلاحيّاتها. ّّّّّّّّّ بهذه المعاني جميعاً، لا نجد في العراق البعثيّ مُنظّرين كأندريه جدانوف أو من بعده ميخائيل سوسلوف الشيوعيّين السوفياتيّين، أو ألفريد روزنبرغ الذي اعتُبر كتابه "أسطورة القرن العشرين"، في المكتبة النازيّة الألمانيّة، في سويّة كتاب هتلر "كفاحي". لقد اشتُهر ستالين في التقليد البلشفيّ بأنه الأقل ثقافيّة، لا بل بكونه مناهضاً للثقافة. وكان العنصر الأساسيّ للصورة التي رسمها له تروتسكي، ومن بعده المؤرخ البولنديّ اسحق دويتشر، والتي ظلّت على مدى عقود موضع استلهام النقد الغربيّ له، أنه "رجل تنظيم" لا رجل أفكار. ومع أن هذا الوصف بذاته دليل على موقع الحداثيّة الوظيفيّة لديه، فقد وجد الزعيم السوفياتيّ نفسه، منذ بداياته في الحركة الشيوعيّة، مُطالَباً بالظهور في مظهر المثقّف الحزبيّ: فمنذ 1906، وكان في السادسة والعشرين، وضع كتابه "الماركسيّة والمسألة القوميّة" الذي لا يُعتد به كإسهام نظري ضخم في المكتبة الماركسيّة، إلا أنه يبقى وثيقة على موقع الأفكار في كسب الشرعية القيادية لدى اليساريّين الروس يومها. ثم في 1924، بعد وفاة لينين، كرر ستالين تقديم نفسه "مثقّفاً" للمرحلة الجديدة من خلال كتاب آخر هو "أسس اللينينية" يكون بمثابة دليل يدوي في ما يحتاجه الحزبيّون للتعاطي مع أمورهم اليوميّة.ّّّّّّّّ وفي المقابل، ليس بلا دلالة أن من كان أكثر المرشّحين للعب دور المنظّر البعثيّ في العراق، وهو عزيز السيد جاسم، إنّما كان مثقّفاً شيعيّاً عوقب بأن "اختفى" في 1991، وقد شاع على نطاق واسع أن سبب "اختفائه" (الذي لم يظهر بعده) كتابه عن الإمام علي بن أبي طالب، الجدّ الأعلى للشيعة. وكان من علامات الاحتقار للجهد الايديولوجيّ انه بعدما كان "الأستاذ" اللقب الحصريّ لمؤسّس البعث، عفلق، أُسبغ هذا اللقب على عُدي، نجل صدّام الأكبر الذي أُخذ عليه، بين أمور أخرى، اضطرابه الذهنيّ ّ هكذا خلت الحقبة البعثيّة في العراق (1968-2003)، وهي زمناً ثلاثة أضعاف الحقبة النازيّة في ألمانيا (1933-1945)، من سجالات ايديولوجيّة داخل الحزب الواحد، من دون ان تخلو، بطبيعة الحال، من أعمال قتل وتصفيات دموية للرفاق. فلا وجود مثلاً لما يعادل المساجلتين الشهيرتين بين ستالين وكلّ من تروتسكي على يساره وبوخارين على يمينه، أو للأفكار التي عبّر عنها المؤتمر العشرون للحزب الشيوعيّ السوفياتيّ في 1956. بل لا وجود للمعاني السياسيّة التي يمكن العثور عليها في تصفية هتلر للـ SA من اليسار النازيّ بعد وصوله الى السلطة. وهي عموماً أحداث مفصليّة يستحيل من دونها فهم توطّد زعامة ستالين وهتلر، كما يستحيل تفكّك الستالينيّة ونزعها. لكنّنا، هنا أيضاً، نلاحظ أن صعود صدّام الى نيابة الرئاسة أواخر الستينات، كجزء من عملية إمساك البعث بالسلطة، أو صعوده الى الرئاسة أواخر السبعينات، لم يسبقهما أيّ نقاش فكريّ يُعتدّ به بين البعثيّين. فيستحيل، بالتالي، العثور على أيّ معنى سياسيّ أو ايديولوجيّ لحلوله، مثلاً، محل أحمد حسن البكر في رئاسة الدولة وقيادة الحزب.ّّّ والموضوع، في التحليل الأخير، يتعلّق بوجود، أو انتفاء، حيّز مستقلّ للأفكار: فحتى ستالين الذي اشتُهر بحاجته الملحة الى "الأب" لينين، انتقده بمرارة خلال 1908-1911، ثم خالفه بحدّة بُعيد ثورة 1917 في ما خص مسألة القوميّة الروسيّة ولم يكن في وسع الشيوعيّة السوفياتيّة، حتى نجاح ستالين في إزاحة باقي القادة البلاشفة من السلطة، أن تصدّ انتقادات لا حصر لها، هبّت عليها من رفاق أوروبيّين لا يرقى الشك الى إخلاصهم للقضية البروليتاريّة. ورغم تعاظم الحواجز في وجهها في موازاة توطّد السلطة، ظلت تلك الانتقادات تجد طريقها، بصورة أو أخرى، الى الجسم الحزبيّ في روسيا. فنقد روزا لوكسمبورغ، مثلاً، للحكم السوفياتيّ أحرج لينين الذي أمر، "على رغم أخطائها"، بنشر "سيرتها والطبعة الكاملة لأعمالها" من دون تطهيرها من "الأخطاء". ّّّّّ أما في العراق البعثيّ فلم يوجد أي حيّز للأفكار مستقلّ عن البقاء في السلطة، أي عن التداول في تقنيّات التآمر والتخلص من الخصوم والخصوم الوهميّين. كلّ ما عدا ذلك بقي كماليّات لا مكان لها في الانشغالات البعثيّة: فليس هناك، مثلاً، مُعادل لقطب صناعة القصدير فريتز ثايسن الذي فرّ الى سويسرا لاتّهامه التخطيط الاقتصاديّ النازيّ بـ"بلشفة" ألمانيا. ولم يظهر، كذلك، مُعادل لمدير المصنع فيكتور كرافشنكو الذي انشق في 1943 لأنه اعتبر ان المجتمع الستالينيّ يمارس ما تمارسه الرأسماليّة لجهة استغلال العمل َّّّ يترتّب على هذا ان مسألة السلطة في العراق البعثيّ تكاد تقتصر حصراً على استئثار صدّام، ومعه عائلته ومنطقته، بالحكم. فالخلاف مع خصومه في الحزب، كعبد الخالق السامرائي في 1973، وعدنان حسين الحمداني في 1979، حمل من المعاني السياسيّة والايديولوجيّة أقل بكثير مما حمل من معانٍ شخصيّة وطائفيّة ومناطقيّة: ففي الحالة الأولى، أريد التخلص من مُريدي الاستقلاليّة النسبيّة للحزب، كأداة سلطة حديثة، عن مجموعة تكريت التي أرادت إلحاق الحزب بها واستتباعه. وفي الحالة الثانية، صُفّي الجيب الشيعيّ الكبير نسبياً المتبقّي في القيادة الحزبيّة والمعترض على حلول صدّام في الرئاسة محلّ البكر. ّّ واستطراداً، يمكن القول إن "السياسة" نفسها موضع افتراق آخر. فإذا صح أن الأنظمة التوتاليتاريّة جميعاً تلتقي عند مصادرة السياسة وتأميمها، يبقى أن الأمور تختلف في ما خص العلاقة بالأطراف السياسيّة الأخرى في الفترة التي تسبق النجاح في إحراز السلطة واحتكارها، وكذلك العلاقة بالعالم الخارجيّ الذي لا تسري عليه معادلات التوتاليتاريّة. فهذه إنما تتأثّر، الى حد بعيد، بالتراكم السياسيّ الذي انطلق منه كلٌ من تلك الحركات التوتاليتاريّة. فالخيارات السياسيّة للستالينيّة، مثلاً، وفي معزل عن السجال حول مدى تقيّدها بالأرثوذكسية الحزبيّة، جاءت في معظمها متناغمة مع وجهات أعرض كانت تشق طريقها في الحياة السياسيّة. وهكذا لن يستحيل الدفاع عن الخيارات تلك بوصفها نتاج فهم "عصريّ" وبارد للسياسة السلطويّة. فاختيار ستالين، في 1925، الاشتراكيّة في بلد واحد، أعطى الشيوعيّة الروسيّة استقلالها الوطنيّ، فيما كانت الشيوعيّات الأوروبيّة الضعيفة مرشّحة للتحوّل مجرد أعباء على موسكو. بهذا امتلكت الأخيرة قدرتها على المضيّ في التحويل الاجتماعيّ بالطريقة التي ترتئيها، بغضّ النظر عن كلّ "تأخّر" إضافيّ يطرأ على تقدّم الثورة الشيوعيّة العالميّة. وبالمعنى نفسه، وأمام صعوبة الاستمرار في "السياسة الاقتصاديّة الجديدة" (النيب) من قبل نظام شيوعيّ يريد توسيع قاعدته، على ما أراد بوخارين يومها، ذهب ستالين بعيداً في الحرب على الكولاك، تماماً كما سرق البرنامج الراديكاليّ للتصنيع من خصمه تروتسكي لكن صدّام، على العكس تماماً، لم يُحسن قراءة وضع سياسيّ واحد، إقليميّاً كان أو دوليّاً. فهو من حارب آية الله الخمينيّ وغزا إيران في ذروة التعبئة الثورية لإيران وفي ظل شعور إسلاميّ عامّ بالتعاطف معها. بعد ذاك اختار الاصطدام بالمصالح الغربيّة لحظة انهيار الاتحاد السوفياتيّ وكتلته أمام هذه المصالح وأمام ولادة الأحاديّة القطبيّة في العالم.َّّّّّّّّّ لقد نجح ستالين، إذاً، في أن يفهم السياسة على نحو أفضل من فهم صدّام لها، كما نجح في أن يبقى عقائدياً أكثر مما بقي صدّام. وهذه مفارقة لا يمكن تفسيرها الا بالرجوع، مرّة أخرى، الى الفارق في درجة الحداثيّة وعياً وسلوكاً. ذاك أن جورجيّة الزعيم السوفياتيّ لم تمنعه من السعي الى تركيز السياسة على سويّة وطنيّة هي، في هذه الحال، مترادفة مع الروسيّة. وبالمعنى هذا، لم يتحول ستالين باتّجاه اعتناق الهويّة الروسيّة فحسب، بل رفض بشكل عملي وفعّال كل تطابُق ذاتيّ مع جورجيا والجورجيّة وحتّى في عبادة الشخصية التي يتشارك فيها سائر الزعماء التوتاليتاريّين، يبدو هاجس الخلود عند الزعيم العراقيّ أقل قدرة على التجريد وأكثر تلوّثاً بالاستهلاك الشخصي الباذخ والاستعراضية التافهة قياساً بالتوتاليتاريّين الأوروبيّين. فإذا رأى هتلر وستالين في نفسيّهما وسيطين للتاريخ، بدا التاريخ عند صدّام وسيطاً لشخصه فحسب. وهي سمة لا تختفي فيها كيتشيّة تمائمية تميل الى تفكيك المعاني لتجعلها سلعاً منظورة ومُمتَلكة. ومثل هذا التسليع للعالم ينطوي على نظرة ما قبل رأسمالية، تضرب جذرها في الثقافة العشائريّة إذ تمارس التلصص على الواجهات التي تغص بالسلع في المدن، وتطمح الى الاستحواذ عليها، ولو بالمفرّق والتجزئة. وما من شك في ان شيئاً من هذا الميل الاستحواذيّ وُجد عند ستالين الجورجيّ، وكذلك عند هتلر الوافد من الريف النمسويّ. الا أن تعرضهما لعالم وعلاقات وأوضاع سياسيّة أشد تعقيداً، أعاد صياغة ميلهما الاستحواذي كما أعاد تصعيده بصورة تجعله أشدّ تزاوجاً مع "التاريخ" تبعاًلنظرتهما اليه.ّّّّّّّّّّّّ لهذا، وإذا ما دفعنا الأمور بعيداً، أمكننا لدى النظر الى التجربة السوفياتيّة على الأقل، أن نلاحظ إمكانية استمرار التوتاليتاريّة من دون زعيم. ففي 1956، وكان انقضى ثلاث سنوات فقط على رحيله، تعرّض ستالين، كما هو معروف جيّداً، لنقد حاد ترافق مع اعلان انتهاء "عبادة الشخصية" في الحياة السوفياتيّة. وقد يقال بحق ان العبادة هذه عادت على نحو حصريّ الى لينين، وكان ضريحه تجسيدها النُصبيّ الأبرز. غير ان عملاً كهذا يبقى، رغم عميق اتصاله بالفولكلور التوتاليتاريّ، أقرب الى طقوس دينيّة مستقرة حتى درجة الخمود مما الى التدليل على تركيب النظام وطبيعته. ذاك أن الأخير، الصناعيّ، بات ينطوي على سيرورة اشتغال ذاتيّ لا يحتاج معه الى الزعيم إلاّ كمرجعيّة تأسيس وأبوّة. وعلى النحو هذا بقي النظام يعمل ما بين وفاة ستالين في 1953 وحلول بوريس يلتسن في رئاسة الجمهوريّة عام 1991.ّّّّّ وإنّما في سيرة الأحزاب الثلاثة يمكن الوقوع على بعض ما يشرح الفارق هذا. فقد بدأ الحزب النازيّ منظّمة جماهيريّة ثم استكمل بُنيته بتطوير تشكيلات نخبوية لعبت الدور الحاسم في الإمساك بالسلطة. وفي الغضون هذه كان على هتلر وحزبه ان يتعاطيا مع ساسة تقليديّين وساسة راديكاليّين وجنرالات وصناعيّين ورجال دين، تكيّفاً ومناورةً وتحالفاً وصراعاً. أمّا الحزب البلشفيّ الذي ابتدأ "طليعة" تآمريّة، فلم يتحوّل أداة لتنظيم الجماهير الا بعد صراعات حادة مع الاحزاب اليساريّة الأخرى، وفي مناخ حرب عالميّة وثورة "بورجوازيّة" كالّتي قادها ألكسندر كيرنسكي. وكان على ستالين، إبّان ذلك، أن يساجل وينافس ويتآمر ويتحالف مع بعض مثقّفي أوروبا اللامعين يومذاك ممن ضمتهم الحركة الشيوعيّة الروسيّة والأوروبيّة.ّّّّ ثم إن التجربة النازيّة تلت تجارب لا تقلّ كثافةً عن انهيار ألمانيا في الحرب العالميّة الأولى، وتوقيع صلح فرساي المُذلّ لها، والمعاناة الاقتصاديّة الحادّة للألمان وانهيار عملتهم، وخوف الطبقات الوسطى من الشيوعيّة، ونشؤ جمهوريّة فايمار التي احتضنت حياة سياسيّة وثقافيّة زاخرة. ولم تنفصل التجربة الشيوعيّة الروسيّة عن خلفيّة هائلة من التحولات، تبدأ بتصنيع روسيا وإصلاحات الكسندر الثاني في ستينات القرن التاسع عشر، وصولاً الى تجربة الدوما (البرلمان) بين 1905 و1914. واندرجت، في هذا الإطار، المعاني الغنية التي ترتّبت على الهزيمة في حرب 1904 أمام اليابان، ثم سحق ثورة 1905، انتهاء بالحرب العالميّة الأولى. ولا ينبغي بحال نسيان فارق نوعي بين التقليد الشيوعيّ الروسيّ، في بداياته على الأقل، وبين البعثيّة العراقيّة: فالأوّل قدّم نفسه انشقاقاً "أوروبيّاً" وتحديثيّاً عن التقليد الروسيّ السلافيّ والشعبويّ (النارودنيّ)، فيما الثانية، وعلى ما يشير إسم "البعث" نفسه (نبش الماضي وإعادته الى الصدارة)، كانت محاولة اتّصال وهميّ بالعصر الذهبيّ المتوهّم للعرب، والذي، بحسب عفلق، زيّفه وحجبه غير العرب، من فرس وأتراك أولاً، ثم غربيّين بعد ذاكًّّّّّ من ناحية أخرى، تعطّلت الحياة السياسيّة في العراق منذ الانقلاب الجمهوريّ في 1958، فعندما استولى البعثيّون على السلطة، للمرّة الثانية، عام 1968، لم يكونوا أكثر من مئات قليلة من الأفراد. لكن هؤلاء المئات لم يكونوا من استولى على السلطة، إذ نفّذ المهمّة هذه عدد محدود من الضباط يعود أكثرهم الى "المثلث السنّيّ"، يصحبهم عدد يقل عن أصابع اليد من الحزبيّين، على رأسهم شاب هو صدّام حسين التكريتيّ. وهذا الأخير لم يُعرف بأيّ تاريخ سياسيّ يُعتد به، وإن عُرف ببضعة نشاطات تآمرية كان أبرزها ضلوعه في محاولة اغتيال الرئيس عبد الكريم قاسم عام 1959. ّّّّّّّ فالحزبان البلشفيّ والنازيّ، بالتالي، لم يصنعهما الوصول الى السلطة وإن أدى هذا الوصول الى تضخيمهما على نحو سرطاني. فحين أطيح القيصر في شباط 1917، كان الحزب البلشفي يضم 27 ألف حزبيّ محترف بالمعنى الذي كان رسمه لينين في كتابه الشهير "ما العمل؟". أما الحزب القوميّ الاشتراكيّ الألمانيّ فانتسب اليه في 1933، عام وصوله الى السلطة، طوفان بشريّ يعدّ 849 ألف حزبيّ، فيما البعث العراقيّ لم يتحوّل حزباً جماهيريّاً الاّ بفعل إمساكه بالسلطة حصراً. فكأنما "الحزب"، بوصفه أداة حديثة في التنظيم، كان مجرد ذريعة في بلوغ الجماعة الأهليّة الى الحكم، وبالتالي الى التحكّم بباقي المجتمع. ويشهد كلّ تاريخ العراق السياسيّ اللاحق لصالح هذا الإخضاع، على ما سبقت الاشارة الى السامرائي والحمداني. أما العناصر التي ضمنت بقاء البعث في السلطة، وتوسّعه من خلالها، فكانت جميعاً، باستثناء القمع والتفنّن فيه، من النوع "الطبيعيّ"، أو "البريّ"، الذي لا يستدعي جهداً إنسانيّاً خاصّاً: فكان هناك التماهي مع البيئة السنّيّة العربيّة، ومع الأفكار المتداولة والمتوارثة فيها، وكان هناك وضع اليد على العائدات النفطيّة لبلد غنيّ كالعراق، وهو ما اكتسب زخمه لدى تأميم النفط في حزيران (يونيو) 1972 وصفات كهذه إنّما تعكس آثارها على المستقبل أيضاً. فإذا كان النظام التوتاليتاريّ يخاطب الرعاع والسقط والرثاثة، لا طبقات اجتماعيّة بعينها، خالطاًصورة هذه الطبقات ومقدّماً إيّاها بصفتها "جماهير" ضعيفة التعريف الاجتماعيّ، فإن مقاومة النظام هذا تتفاوت بين حالة وأخرى. وتفاوت كذاك تتحكّم به عوامل تتّصل بالتواريخ الاجتماعيّة والثقافيّة للبلدان المعنيّة، ممّا تستطيع الأنظمة التوتاليتاريّة طمسه من غير ان تنجح في استئصاله. ففي الحالتين الألمانيّة والروسيّة، حيث كانت المقاومة ضعيفة ومبعثرة، مثلها في ذلك مثل الحالة العراقيّة، أمكن الحفاظ على لون طبقي، أو مهني المتواضعة. ففلاّحون، مثلاً، هم الذين تمرّدوا ضدّ سياسات التجميع الزراعيّ¬ الستالينيّ في الثلاثينات، وكانت الانتقادات التي وُجهت الى الحزب الشيوعيّ في الثلاثينات، والتي لم يُكشف عنها إلاّ مؤخّراً، عماليّة المصدر والمعروف أن لينين ما إن حسم الحرب الأهليّة في 1921 لصالحه حتى سحق معارضة عماليّة أرادت أن تواجه بناء الدولة بالطريقة التي تُبنى فيها. وإذا كانت معارضة المثقّفين المنشقين في السبعينات والثمانينات قد دلّت الى قوّة التقليد الثقافيّ الروسيّ، على رغم محاولات الخنق التي واجهها، فالشيء نفسه يمكن قوله في التقليد العماليّ الذي تمرّس، رغم حداثة سنّه، بتجارب ثورية غنية ما بين 1905 و1917. كذلك لم يكن سهلاً طمس الطبيعة الاجتماعيّة للمعارضة الألمانيّة، ما ظهر منها في أوساط المثقّفين، خصوصاً أؤلئك الذين هاجروا الى الولايات المتّحدة، أو ما تشكّل في أوساط الطلبة الذين أسّسوا في الأربعينات "حركة الوردة البيضاء" في جامعة ميونيخ. ولئن لم تتحرك الطبقة العاملة الألمانيّة في مواجهة النازيّة، إلا أن قدراً استثنائيّاً ووحشيّاً من القمع هو الذي حال دون تحركها: فهي لم تكن عديمة التجربة السياسيّة على ما تدل الانتفاضة السبارتية في 1918، ثم الانتفاضة الشيوعيّة القصيرة العمر، ربيع 1919، في بافاريا. وكما هو معروف، فالأحزاب الاشتراكيّة والعماليّة سبق أن أحرزت مجتمعةً في انتخابات 1932 أصواتاً تفوق ما أحرزه النازيّون أنفسهم. ولو أن الاشتراكيّين الديموقراطيّين والشيوعيّين نجحوا يومذاك في خوض معركة مشتركة لتمكنوا من منع الانتصار النازيّ عبر الانتخابات. هكذا عاش الصعود الهتلري في سنواته الأولى مسكوناً بالذعر من حصول إضراب عامّ تعلنه أكثر الطبقات العاملة الأوروبيّة قوّة وتنظيماً، وتشلّ بفعله النظام الجديد. ّّ وسلكيّ، لمعظم حركات المقاومةّّّّّّّّّْ والحال أن المعارضات التي واجهت صدّام والبعث، في الداخل وفي الخارج، كانت دائماً موسومة بطابعها المذهبيّ أو الإثنيّ العاجز، بذاته، عن إحداث توحيد وطنيّ. فإلى المعارضتين الكرديّة والشيعيّة، ظهرت شخصيات سنّيّة معارضة ضعيفة التأثير معظمهم كانوا، في هذه الفترة أو تلك، متعاونين مع النظام. وإذ فقد الحزب الشيوعيّ في الخارج قوته وتأثيره لصالح الأطراف الدينيّة، فإن المثقّفين العراقيّين الكثيرين الذين فروا من العراق لم ينتجوا أيّة صيغة جديّة تمثّلهم وتعبّر عنهم بصفتهم المهنية تلك وهذا ما يفسّر كيف ان انهيار التجربتين النازيّة والسوفياتيّة تكشّف، رغم كل التحطيم التوتاليتاريّ، عن وجود مجتمع مدنيّ في البلدين لم يظهر مثله في العراق.ّّّّ لا يعني ما سبق قوله التشكيك بجدارة مفهوم "التوتاليتاريّة" في التحليل، كما لا يلغي عناصر الشبه الكثيرة بين النظام البعثيّ والنظامين الستالينيّ والنازيّ. كل ما في الأمر التشكيك بقدرة مفهوم "التوتاليتاريّة" وحده على تفسير طبيعة النظام العراقيّ السابق . وما أقترحه هنا، لهذا الغرض، هو تزويج المفهوم المذكور الى مفهوم "العصبيّة" أو رابطة الدم عند إبن خلدون الذي دلّنا، منذ القرن الرابع عشر، الى كيفيّات، بعضها لا يزال راهناً، تنتظم اشتغال المجتمعات المرتكزة على القرابة والقبيلة كوحدة للاجتماع. ذاك أن "العصبية" والصراع بين الحضارة والبداوة يبقيان، من خلال حركة دورية، أكثر ما يحرّك تاريخ تلك المجتمعات ومساراتها، فيتحكم بنشوء الدول وانهيارها، كما بالعداوات والتحالفات فيها وتستدعي المرونة، اليوم، في التعاطي مع ابن خلدون أخذ مستجدّات كثيرة في الحساب ودمجها، بقدر من الاستخدام النافع للمخيّلة، في منظومته الفكريّة. فرابطة الدم باتت، بفعل قيام الدول والادارات الحديثة، وكذلك بفعل الأسواق، أشد تداخُلاً مع مصالح اقتصاديّة جامعة أو طبقيّة محدّدة. وهذا ما نراه بوضوح في توزيع المغانم على أقارب صدّام حسين الذين قوّت الزيجات المشتركة وحدتهم ووحدة مصالحهم، مثلما نرى كيف أن العائلة (آل المجيد) تقاطعت مع المنطقة (تكريت، ومن ثم "المثلث السنّيّ")، واجدةً مداها في المذهب الدينيّ (الإسلام السنّيّ) الذي عمل على توسيع تحالفاتها العراقيّة والعربيّة، فضلاً عن تبنّيها القوميّة العربيّة بوصفها لُحمة وظيفتها ضمان التجانس داخل الجماعة المذكورة ورفع سويّته ّّّّ بكلمات أخرى، فإن تزويج ابن خلدون ومفهوم التوتاليتاريّة ربّما ساعدنا في اكتشاف طرق جديدة للتوفيق بين مواصفات التوتاليتاريّة "الحديثة" والاستبداد "القديم". وبهذا قد نتجنّب التعامل مع العلوم السياسيّة كسجن تحليليّ يُطرد منه كلّ غنى الحياة وتنوّع التجارب العديدة.

هوامش1- طبعاً هناك دائماً تشبيهات خارجيّة جذّابة، الا أنها تفتقر الى الدقّة. من ذلك، مثلاً، ما ذهب اليه أفيشاي مارغاليت وإيان بوروما من أن الخميني ستالين الإسلام لأنه أراد ثورة في بلد واحد، فيما بن لادن تروتسكي الإسلام الذي أراد ثورة أممية.
أنظر مقالهما بعنوان "استغراب" (“Occidentalism”) في New York Review of Books, 17/1/2002.ّّ
2- ربما كان سمير الخليل (كنعان مكيّة) في كتابه المفيد والممتع، أول من استخدم مفهوم "التوتاليتاريّة" في تفسير العراق البعثيّ، لكنه وقع في "مركزيّة أوروبيّة" حجبت عنه الخصوصيّات "غير الأوروبيّة" للتجربة العراقيّة.
أنظر: Samir al-Khalil, Republic of Fear, Hutchinson Radius, 1989.ّّ
3-Hannah Arendt, The Origins of Totalitarianism, Harcourt, 1994, pp. 227 & 233.
4- Richard Overy, The Dictators, Penguin, 2004, p. 278.وانظر أيضاًGregory S. Paul, ‘The Great Scandal: Christianity's Role in the Rise of the Nazis’ In Free Inquiry Magazine, 1/10/2003, volume 23, no. 4.
5- أنظر في سبيل التاريخ الاجتماعيّ للعراق Hanna Batatu, The Old Social Classes and the Revolutionary Movements of Iraq, Saqi Books, 2004.
6- Keiko Sakai, ‘Tribalisation as a Tool of State Control in Iraq’ in Tribes and Power, Ed. Faleh A. Jabar and Hosham Dawod, Saqi, 2003, P. 145.
7- راجع Graham E. Fuller & Rend Rahim Francke, The Arab Shi’a, St. Martin’s Press, 1999, خصوصاً الفصل الخامس.8- Overy, op.cit., p. 279.
9- Ibid, p. 279. ويشير اوفري الى عدد من الحركات الدينيّة الصغرى التي حملت، في العشرينات والثلاثينات، الأفكار والشعارات نفسها التي طرحتها النازيّة قبل أن تندمج هي فيها.
10- راجع Amatzia Baram, Culture, History and Ideology in the Foundation of Ba'thist Iraq: 1968-1989, St. Martin’s Press, 1991.
11- راجع Eberhard Kienle, Ba’th versus Ba’th, I.B.Tauris, 1990.
12- p.422. Hannah Arendt. The Origins…, op. cit.,
13- راجع: حازم صاغيّة، بعث العراق: سلطة صدّام قياماً وحطاماً، دار الساقي، 2003، ص 163.
14- Isam al khafaji, ‘In Search of Legitimacy: The Post-Rentier Iraqi State’, in The Social Science Research Council (
www.ssrc.org).
15- كان بارينغتون مور قد لاحظ، لدى دراسته حالات عديدة أخرى، فوارق أساسيّة بين الحركات الرجعية الأوروبيّة ومثيلتها الصينية تبعاً لهذا العنصر. فقد تحدّث، مثلاً، عن "غياب القاعدة الصناعيّة القويّة في الصين"، وعن كون الـ"عنصر الرأسمالي أضعف بكثير…". وهذا، برأيه، مما يفسّر "الطابع الهزيل نسبياً للوجه الرجعيّ الصينيّ".ّّّّBarringtonMoore Jr, Social Origins of Dictatorship and Democracy, Penguin, 1973, p. 197.كذلك لاحظ أن "الفاشيّة اليابانيّة اختلفت عن الشكل الألمانيّ، وحتى عن إيطاليا موسوليني في أوجه عدة أخرى. فلم يكن هناك استيلاء مفاجىء على السلطة، ولا قطيعة فجائية مبرمة مع الديموقراطيّة الدستورية السابقة، ولا معادل للمسيرة الى روما، وذلك، جزئيّاً، لأنه لم توجد حقبة ديموقراطيّة تُقارَن بجمهوريّة فايمار". P. 304.ّّّ
16- J.L.Talmon, The Origins of Totalitarian Democracy, Sphere Books, 1970, p.247.
17- الاستشهادان من Adrian Lyttelon, ‘What was Fascism’ in the New York Review of Books, 21/10/2004.
18- Richard Overy, op. cit., P. 637.
19- Hannah Arendt. The Origins…, op. cit., P. 308.
20- تقليديّاً، عرف العراق ثلاثة مراكز لإنتاج الأفكار وتعميمها:
1- التعليم الدينيّ الشيعيّ، خصوصاً في النجف،
2- الأسَر المدينيّة السنّيّة في بغداد، وهي الأشدّ تقاطعاً مع الايديولوجيّا الرسميّة قبل 1958 3- الحزب الشيوعيّ العراقيّ.
21- قد يقال هنا إن المقارنة فاسدة لأن صدّام يتصرّف حيال أهل بلده فيما الروس يتصرفون في بلاد يحتلونها. لكن هذه الحجة مردودة لأن عدداً من الحكام (من أتاتورك إلى تشاوتشيسكو) كانوا أكثر راديكاليّة في عملهم التحويلي لشعوبهم، كلٌ بطريقته وبحسب رؤيته للتحديث، من صدّام.ّّّّ
22- راجع: حازم صاغيّة، بعث العراق… سبق الاستشهاد، الفصول 14-16.
23- راجع Robert C. Tucker, Stalin as Revolutionary, 1879-1929, Norton, 1973, p. 149, 246 & 284-285.
24- Richard Overy, op.cit., p. 439-440.
25- راجع Robert C. Tucker, Stalin…, op.cit., p. 387-388 & 403-413
26- راجع Robert C. Tucker, Ibid, p.142.
27- راجع: حازم صاغيّة، قوميّو المشرق العربيّ، دار رياض الريّس، 2001.
28- Richard Overy, op. cit., P. 135 & 140.
29- Ibid, p. 309.
30- كانت لافتة هنا تجربة أحمد الجلبي، أحد أبرز زعماء المعارضة لصدّام في الخارج. فهو، بعد أن قدّم نفسه لسنوات معارضاً وطنيّاً علمانياً وحديثاً، غدا، بعد انتقاله الى العراق، يقدم نفسه بصفته ناطقاً بلسان مصالح الشيعة، وهو من لعب الدور الأبرز في تأسيس "البيت الشيعيّ" الذي ضمه الى رجل الدين الراديكاليّ مقتدى الصدر، كما اتُّهم أميركيّاً بنسج علاقات حسّاسة مع إيران الخمينيّة.ّّّ
31- أنظر كمحاولة لاستخدام ابن خلدون والعصبية في تفسير وضع العراق Faleh A. Jabar, Sheikhs and Ideologues, in Faleh A. Jabar and Hosham Dawod, op.cit., 2003.ّ
وفي سبيل تشريح لخريطة القبائل في العراق، راجـع في الكتاب نفسه Hosham Dawod, The ‘state-ization’ of the Tribe and the Tribalization of the State.
32- بشيء من الحذر يمكن أن نضيف بعض إشارات كارل ماركس الى ما سُمّي "نمط الانتاج الآسيويّ". بعض الماركسيّين اللاحقين رفضوا هذه النظريّة فيما آخرون وظّفوها للبرهنة على أن المعلّم لم يكن ذا نظرة آحاديّة وخطيّة الى التاريخ. على أيّة حال، فقد أعطى ماركس تفسيراً أكثر تفصيليّة في 1857-8، مجادلاً بأن المجتمع الآسيويّ بطبيعته مقاوم للتغيّر. ففي الكوميون البدائيّ "تقدّم الأرض وسائل العمل وأدواته"، فيما البشر "يعتبرون أنفسهم مالكيه الجماعيّين". وفي تشكيلة اجتماعيّة كهذه، تكون عطايا الطبيعة شرطاً مسبقاً للوجود. وهكذا لا يوجد من نتاج العمل قدر ما يوجد نظام للمقدّس يتوحّد من حوله الكوميون ويعتبره أعلى من ذاته وأهمّ. وما دام أن الحاكم المستبدّ يتبدّى كتجسيد للمقدّس، فإنه يغدو أباً لأهل الكوميون، فضلاً عن كونه المالك الوحيد الفعّال الذي يُقدّم إليه فائض العمل على شكل جزية. وعلاقات كهذه ليست قليلة الانسجام مع طبيعة الاقتصاد الريعي، حيث لا تكون اليد العليا للعمل نفسه بل للطبيعة على شكل نفط.

أنظرKarl Marx (ed. E.J.Hobsbawm) Pre-capitalist Economic Formations, Lawrence & Wishart, 1964, P. 69.ّّ
ملاحظة : نشرت هذه الدراسة للمرة الأولى عام 2005 في كتاب بعنوان " كتاب صدام حسين الأسود " باللغة عن دار ئوێی للنشر في باريس ، يعاد نشرها هنا بموافقة الكاتب ودار النشر المذكورة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق