تركز العنف بوصفه شكل السلطة الأول
خالد سليمان
تاريخ النشر Tuesday, October 03, 2006
تمخضت عن وصول البعث العراقي الى السلطة مستويات متعددة من العنف ، وأختفت الدولة التي كانت أساساً نتاج وضع عنفي محلي وكولونيالي ، في دوائر التقليم السياسي والإجتماعي والثقافي والأتني وخضعت لجميع أشكال العنف الذي تحول من مستوى تاريخي الى مستوى عضوي تقني يقتضي رسم مجتمع مقلم خال من الإختلاف .كان المستوى الأول في التركيز على العنف هو الدخول الى المفاصل المجتمعية بغتة ووضع أفرادها تحت السيطرة والمراقبة من قبل مؤسسات الأمن والإستخبارات والبوليس والجيش ، أما المستوى الثاني فتجسد في تجريد الإنسان من إنسانيته وسلخه من حقوق الحياة بإستثناء تلك الحقوق التي يوفرها الحزب والقائد ، وأصبح المجتمع بالتالي مشروعاً لإعادة إنتاج صورة تخيلها البعث في تراث فاشي ترجع جذوره الى النقاء والأصالة العرقيين وفي مرآة الحداثة الغربية التي أنعكست فيها جثث ضحايا الهولوكوست .أما المستويات الأُخرى فهي المنهجية في القتل والمباغتة في السلخ وإعتبار الموت أمراً تقنياً تستدعيه شروط الدولة الحديثة في حال عدم تطابق صورتها مع صور المجتمع ، والدفن الجماعي ، وإلغاء مفهومي الزمان والمكان في عمليات التحويل القسري أو المسخ التاريخي الذي تمت المراهنة عليه للتبعيث . وفي سياق هذا التركز للعنف في صناعة المجتمع المدجن أو إعادة صياغة المجتمع العراقي ، أرتخت الكاريزما في أبرز معانيها للنحت على جسد الـ " لا " وإنتشرت تمثلاتها في نفوس الجميع ، وبدأت تنحو الى مجالات الأكثر خطورة وهي زرع قوى إكراه متعددة تمثلها صورة الدولة في لاوعي الفرد وإجباره على التخلي عن حقوقه فيالحياة وترك مساحاته الجد ذاتية لماراثونات تلك القوى التي انغرست أضافرها في أجساد الأفراد. يكتب عراقي بإسم أبو على رسالة الىالباحث العراقي كنعان مكية ويقول له في مقطع فيها : ( أعتقد أن مجتمعنا أصبح اليوم مثل مجتمع "1984" وليس هناك من يتذكر أو حتى أن يتجاسر بتذكر معاني كلمات " الحرية " و" الديمقراطية " و" الأخوة " و" الإنسانية " . ولم يعودوا يعرفوا ما هي ( حقوق الإنسان ) وما له وما عليهم صار واجبهم اليوم أن يصفقوا ويهتفوا للأخ الكبير بالروح بالدم نفديك يا صدام ).لقد أصبحت الأجواء المشحونة بالقتل وإبدال جلد الإنسان بحالة " نعم " دائمة بعد سلخه ووضعه في ماكينة الفرم أن يرى ذاته في رواية جورج أورويل 1984 تلك الرواية التي ( يموت فيهاالإنسان ويُباد فيها في الليل وفي النهار، تحت الأضواء، على السرير، في الشارع، في العتمة، من دون تقرير واحد عن ظروف الاعتقال. يختفي الناس ببساطة وتتم السيطرة على ماضيهم، لأن السيطرة على الحاضر والمستقبل من وجهة نظر الأخ الكبير لن تتم الاّ بالسيطرة على الماضي وتحويل لغة الناس المتبعة في الكلام والكتابة والتفاهم الى لغة مُشفّرة، ترمز كل إشارة فيها الى حالة خاصة. إنها لغة جديدة تعمل فيها فرق عمل متخصصة في وزارة الحقيقة، وتصدر عنها طبعات حديثة باستمرار، لغة تتبدد فيها الأنساق والمتن والنظم وتتحول إلى مفردات لا يعرفها إلاّ الموظفون في وزارات الحقيقة والسلام والحب والوفرة. من هنا تسيطر الشرطة على الفكر أيضا، لأن اللغة الحديثة المُشفّرة لا تُمكن من التفكير بين الناس، كونها تحوي رموز شرطة الفكر فقط. فالتحكم بالتكنولوجيا الثقافية والسيطرة الكاملة على كل جوانب عمليات الاتصال هو من أجل حماية مصالح الدولة وتعزيز أيديولوجياتها، وليس المواطن كما قال فريد وليامز تطرح التقنيات الحديثة فرصة أمام المواطن للحصول على معلومات ومشاركة لم يحلم بها آباؤنا المؤسسون . كان الهدف الأسمى لدى البعث هو تأسيس حالة تماه غير مشروطة للمواطن كما في علاقة شخصية أورويل " وينستون سميث " بوزارات الأخ الكبير بعد تعرضه لعمليات إعادة الصياغة والسيطرة على ماضيه . ولهذا التأسيس أحتاج البعث الى عنف مركز على الصدمة والرعب القياسي في إحتلال مواقع الإنسان الذاتية والسلطات المدنية العراقية التي كانت في طور تكوينها، وكانت الوسيلة الفعالة لتحقيق هذه الغاية هي عنف أدواتي أرتسم على خارطة الموت من خلال التقنيات النوعية التي كانت تعتمدها لذلك . وإذا قرأنا تاريخ هذا العنف الأدواتي والنوعي في مسيرة البعث نرى أن تفكيك السلطات المدنية والتعليمية والمهنية والدينية هو الهدف المنشود الأكبر وتمت مقارنته مع طاقة العنف ورأسمالها المُتخيَّل في ( لاجدوى الدولة ) دون صناعة المجتمع الذي كان يبتغيه البعث . أما البنية التحتية لذلك الرأسمال المُتَخيَّل فتجسدت في إقامة كاريزما مكونة من رموز قبلية ، قومية ، دينية سمحت لها ظروف تاريخية وإجتما-سياسية لم تكن تملك قوى الإنسجام ومفاهيم المواطنية والثقافة الفردية سمحت لها بالإستفحال بعد أن أصبح ظهورها شكلاً متيقناً من غراريات تاريخ المنطقة في إنتاج "القاتل الحر" .يتوجب علينا هنا مناقشة الآلية التي تم من خلالها تبديل "التاريخ المنطقي" الذي كان يتطور حسب اليسار التقليدي والأكاديميين الرسميين وفق حركة إجتماعية متجانسة في تطلعها نحو المستقبل ، لكن البعث بدله بتاريخ آخر ، تاريخ ، أُخرج من بئر فكر مُنحطّ بحبل القوميين المتباكين( ميشيل عفلق ، إلياس فرح ، ساطع الحصري ، منيف رزاز ) على الأُمة وفقدانها للأصالة العرقية و وجدت له مساحات إجتماعية تسيطر عليها ديكتاتوريات التخلف والإنحطاط الثقافي . وكانت السلطة ، الآلية الأولى لصناعة نموذج البعث المُتخيَّل ، إذ لم يكن ممكناً الولوج في تفاصيل صورة شباب الـ " هافانا " عام 1947 ، والتي ألتصقت بمخزون ديكتاتورية البؤس والتخلف العربيين كهامش طاغٍ على مراكز التنوير ، لم يكن ممكناً دون القبض على الدولة ومؤسساتها ، خاصة أن الحزب رغم وقوعه في دوائر التخلف الإجتماعي والإقتصادي والتربوي والعشائرية وإحتمالات الإستثمار المتوفرة فيها ما كان يملك قاعدة جماهيرية يمكن الإستناد عليها . ولجأ بالتالي الى وسائل تلغي كافة المسافات التي تفصل بينه وبين السلطة وهي العنف والعنف . وساعده في ذلك :أولاً : طبيعة " المنظمة السرّية " أو الحزب الذي أعتمد الهجوم المباغت والإغتيالات والتصفية السرّية ثانياً : نكسة العرب في حرب 1967 مع إسرائيل والأجواء التشائمية التي تركتها تلك الحربثالثاً : الوضع الدولي والنفاق الأمريكي _ السوفيتي في الشرق الأوسطرابعاً : ضعف القرار السياسي للحزب الشيوعي والأحزاب العراقية الأخرى واللاتكافئ في العلاقة مع البعث . خامساً : تركز آليات سلطة الفرد ، وأحتل صدام منذ جريمته الأولى عندما قتل مسؤول منظمة الحزب الشيوعي في مدينة تكريت عام 1959 الفضاء الأوسع لتلك الآلية التي أوصلته الى مركز قرارات التصفية والإغتيال والتقليم . والجسم العراقي رغم رفضه ومقاومته لعنف البعث وأدواته التي تمنهجت في إدارة الدولة القومية البعثية لمدة 35 عاماً ، أصبح إسفنجاً عريضاً وطويلاً لإمتصاص ذلك الكم الهائل من القتل والتنكيل . وبين مدرسة تعليم الوصول الى السلطة " العنف " وبين مواجهة الموت بالصمت وإمتصاص المهانة ، حدثت مجازر ومسالخ كثيرة في البلد ، فبدءً من تنفيذ مقولات ميشيل عفلق حول إستئصال الوجود الكردي كعرقلة كبيرة أمام فكرة الوحدة العربية الى الهتك المستمر ضد الشيعة وتصفية الشيوعيين بعد الغاء مؤسساتهم الإعلامية والثقافية والمهنية والنقابية ومروراً بإذلال المجتمع وإخضاعه لعمليات تطهير يومية من العيوب والشوائب ، أو تقليم أشواكه حسب الكاتب الكردي "خالد صالح" .لقد صار العنف المُمَنهَج لدى الدولة وضعاً إبداعياً للعب على جميع الأشكال المتوفرة في تأسيس الموت اللامُتَخيل والتمارين اليومية للمباغتة في عرض أدوات السيطرة وإلغاء الزمن وتأثيث المكان بصور " القاتل الحر " . ففي هذا الأخير أثث البعث الأمكنة وزواياها المختلفة بمفاهيم هندسية وعمرانية جديدة تعتمد فكرة إلغاء المدينة المتنوعة ووضعها في دائرة التشابه والتكرار لصورة واحدة ، عقل واحد ، مزاج واحد ، ثقافة واحدة ، صوت واحد وكلٍ واحد ايضاً . وتمثلت هذه الـ " واحدات " المتكررة في جداريات ومنحوتات بارزة ومجسمة وصور لشخص الرئيس كانت تقاس أحجامها وفق الفراغات التي تركتها القوى الإجتماعية إثر تعرضها للعنف المباغت اليومي . وكان الخوف من المكان هو الآخر من مفردات تأثيث المكان ، إذ تحولت المدن الى مقاطعات أمنية ومخابراتية وكل مقاطعة لها أجهزتها المتعددة الواقعة في البؤر المركزية ، مؤثثةً المكان بالمراقبة والريبة ، وفقدت المدينة العراقية التي تم تبعيث أُسسها المدينية وبقيت كمكان مباح للتأثيث البعثي المكرّس للتنكيل برموزه وتجريده من الإشارات والأسماء والعلامات والإنسان أيضاً . من جهة أخرى وفي نفس السياق التأثيثي العنفي تم تحويل المسافات الواقعة بين المدن الى بؤر المراقبة والتفتيش والمعسكرات ، إذ لم يبق أمام الناظر شيء يشير الى حقل مجتمعي أو لون خال من رماديات عسكرة المكان . أما في كردستان فتبدت هذه الظاهرة على قاعدة نظرية أُخرى وهي رؤية معمارية مختلفة أعتمدت أسلوب العمارة الأمني وأرتسمت آفاقه على " مخيمات الأنفال " التي رافقت منطلقات آيديولوجية تؤثث المكان عبر السيطرة على المعاني والعلاقات المكانية . وكما أشرت في بداية فصل الحديث عن الأرامل والمخيمات ، فإن البعث ألغى نقطة جوهرية في علاقة الإنسان بالمكان وهي الخبرة المستقاة من التجربة في التعامل مع ومضمونه التاريخي . وكان لهذا الإلغاء لمعاني الإنسان المتجسدة في المكان دور لا تقل خطورته عن القتل أو التجميع في اللامكان ، أي المجمعات الأُفقية أو الأنفال التاسعة التي تم تأسيسها وفق نظرية " التصفية أو التجميع " . وحدث في موازات هذا التأثيث ، إخلاء عام لجميع التمثلات التاريخية والرمزية والشخصية وحتى الجسدية في الساحات الإجتماعية وتبديلها بوضع ديكوروغرافي يثبت وجود صدام حسين منذ آلاف السنين . ولم يكف هنا شعار ( من نبوخضنوصر الى صدام حسين ) بل جاهدت دوائر الآثار وفرق العمل المعمارية والنحاتين على ترميم العمارة العراقية القديمة ووضع تماثيل الرئيس بجانب المنحوتات البابلية والآشورية والكلدانية والميدية في جميع الأماكن الأثرية . وكان هذا جزء من خطة ترفدت في حياة الجميع وصار العراقيون تحت رحمة خيمة إسمها صدام ، مقتحماً الماضي والحاضر من خلال تأسيس جهاز بيروقراطي بدا فيه القتل شرطاً من شروط الموظفين الذين يديرونه . وفي هذا السياق نفسه أصبح صدام قوة هلامية خلاّقة داخل أي فرد مبدع في الفن والثقافة والعلم والرياضة ، ولا يمكن الخلق والإبداع دون هذه القوة ، فاللاعب الذي كان ينتصر في الساحات الرياضية عليه أن يدرك أنه أنتصر بفضل الرئيس لا غيره كما يذهب "بختيار علي" في تحليله لآليات إنتاج الكاريزما لدى البعث . لم يصل نموذج الكاريزما في دولة البعث الى اللاشعور الجمعي للناس فحسب ، بل تمكن من سحب ذلك اللاشعور نفسه الى أمكنة مدرجة ضمن المجتمع المُتخيَّل الذي تصوره ورسم آفاقه المفتوحة على أجنحة ليل المداهمة والإخفاء والدفن الجماعي . أي أنه تمكن بزج الملايين من العراقيين في أجهزة الجيش المتفرعة ( الجيش النظامي ، دائرة التوجيه السياسي ، المخابرات العسكرية ، الجيش الإحتياطي ، الحرس الجمهوري ) ومديرية الأمن العامة ومديرية إستخبارات العامة وجهاز الأمن القومي المرتبط بصدام وإستخبارات الحرس الخاص المرتبط بـ " قصي " والمخابرات العامة والحرس الجمهوري وجيش فدائيي صدام والشرطة ومنظمات أُخرى تاركين كلابهم ( يبيضون ويتركون قذارتهم في كل مكان ) كما يقول الشاعر عباس بيضون . وفي ظل هذه الأجهزة المتعددة في إستخطاطيات التدجين ، أصبحت مؤسسات التربية والتعليم والخدمات الإجتماعية المدنية ظلاً وسياجاً خارجياً لجميع تلك المنظمات السرّية التي تجمعت على أنقاض الدولة وتحت إشراف " القاتل الحرّ " . وإندرج المجتمع العراقي بالتالي ضمن هذه الشبكة العنفية المعقدة والمتعددة الأضلاع .جسدت الحداثة والمفاهيم التي أنتجتها في مجالات علوم السلطة والمراقبة والسيطرة جانب آخر من دولة البعث وإختفائها في حلقات حلزونية من العنف ، ولا يمكن الحديث عن السلطة الجينوسيدية البعثية دون ربطها بآلة موت ضخمة أنتجتها الحداثة الغربية في مجالات علوم الأحياء والكيمياء والسيطرة والمراقبة وصناعة الأسلحة الفتاكة . ففي وقت فقدت سياسات الكولونيالية السوداء أسواقها وعناصر قوتها التي أعتمدت صناعة مجتمع "اللاعيب" من خلال إرسال الشواذ والمتسولين والقحاب الى الأراضي المُكَولَنة بغية تخلص المجتمع منهم ، بدأت تفكر بتأسيس سوق أُخرى أكثر ربحاً لنبيذ التفاحة الفاسدة المعتق ، وهي سوق السلاح قبل كل شيء .والحداثة الغربية مثلما كانت مشروعاً للموت وتأسيس أجهزة الإبادة ، كانت مشروعاً للحياة والرخاء والرفاهية والمواطنية الفعّالة ، لكن " اللامحال " في بيع الوجه القبيح من الحضارة الأوروبية وهو " صناعة المجتمع اللاعيبي " لنظم عسكرية ناصرية وبعثية وضع الضفة الثانية من الحداثة المتمثلة في الإنسان المركز أمام قوى أكراه متعددة ( شرقية ، آسيوية ، لاتينو ، أفريقية ) ولدت في الحضيض وبيدها منتوجات الحداثة المادية . فسكك القطار الأوروبية في القرن التاسع عشر والتي أسست للحداثة قدرة الإعلان عن ذاتها المتجاوزة للثابت والمُطَلَّقة من ثقافة السلاطين والأباطرة ، هي ذات السكك التي تسلق بقطاراتها مراهقين سياسيين ظهروا من مستنقع المجتمعات المكبلة بثقافة الفقر والعنف والتخلف ووصلوا الى هرم السلطة .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق