الثلاثاء، 28 يوليو 2009

التوتاليتارية السياسية مقدمات في تشريح الظاهرة الصدامية


التوتاليتارية السياسية - مقدمات في تشريح الظاهرة الصدامية (٢-٢)
يوســف محســن
كان ظهور التوتاليتارية وسيادتها شبه التام في تاريخ العراق الحديث يعكس طبيعة الأزمة البنيوية الاقتصادية والسياسية والثقافية. بمعنى أن تجربة العراق هي إحدى الصيغ النموذجية لتداخل الأسباب الاقتصادية والسياسية والثقافية. ومن الصعب الآن الاستفاضة في تحليل هذه الجوانب وخصوصية تمظهرها في تاريخه الحديث، وذلك لأنها بحاجة إلى دراسة ميدانية تاريخية سوسيولوجية وكيفية انعكاسها في الفكر السياسي والثقافة السياسية. بمعنى انها بحاجة إلى دراسة متخصصة. وهي مهمة يمكن تركها لأجيال لاحقة بوصفها جزء من وعي الذات التاريخي والسياسي. واكتفي هنا بالقول، بان الصيغة العامة لتلاقي وتفاعل المكونات الاقتصادية والسياسية والثقافية التي أدت في تاريخ العراق الحديث إلى صعود التوتاليتارية تقوم في عدم قدرته على حل مشكلة الحداثة أو المعاصرة بطريقة عقلانية وواقعية. وهي مهمة كان بإمكان العراق حلها بطريقة سريعة وفعالة ونموذجية لحد ما فيما لو لم تسيطر الفكرة الراديكالية السياسية. وهي مفارقة القرن العشرين التي أنتجت بدورها أشنع أنواع التوتاليتاريات تخلفا! بمعنى المزاوجة بين راديكالية متطرفة في ميدان الأيديولوجية السياسية ومتخلفة من حيث مكوناتها وأصولها الاجتماعية. قوى سياسية راديكالية ذات اصول اجتماعية تقليدية ومتخلفة! ومن هذه المزاوجة ولد مسخ التوتاليتارية العراقية! وليس مصادفة أن يعود العراق بعد قرن من الزمن إلى البداية، أي انه استهلك قرنا من الزمن (القرن العشرين) لكي يبدأ في القرن الحادي والعشرين من ابسط متطلبات بناء الدولة والمجتمع والثقافة! أي البدء من الصفر ولكن على كمية من الخراب المعنوي والأخلاقي! بحيث يشبه العراق الحالي وبشره بأهل الكهف بين عالم علمي تكنولوجي ديناميكي يعيش ويعمل بمعايير المستقبل. غير أن هذه الحالة المزرية تحتوي في أعماقها ايضا على إدراك بالطريق المسدود والمغلق للنموذج التوتاليتاري. الأمر الذي يجعل من الصعب، بل شبه المستحيل تكرار النموذج البعثي الصدامي. فقد كان هذا النموذج نتاج مرحلة انكسار خطرة في تاريخ العراق السياسي والعالم العربي والعالمي. إذ كان من الممكن تعايش التوتاليتارية والدكتاتورية في مسخ من "الثورية" المقبولة ضمن توازن الصراعات الدولية آنذاك. طبعا إن التخلف السياسي والاقتصادي المريع والمنتعش ضمن بنية اجتماعية تقليدية شديدة التخلف يمكنه أن يغذي صعود الراديكاليات الطائفية المغلقة، لكنه لا يوفر لها تلك الإمكانية المادية والمعنوية التي توفرت للراديكاليات السياسية العراقية في النصف الثاني من القرن العشرين.· تمثل حقبة منتصف الستينيات مرحلة حاسمة في تطور أجهزة الدولة التوتاليتارية العراقية عبر مجموعة من التشريعات والقوانين والإجراءات، التي سمحت للدولة بالتوسع على حساب المجتمع والتدخل الشامل والسافر في مجال الاقتصاد والسياسة. هل يمكننا ربط ظهور النزعة التوتاليتارية بهذه الحقبة من تاريخ العراق، أم أن لها جذور أعمق؟إن صعود التوتاليتارية مرتبط من الناحية الفكرية والسياسية بصعود الفكرة الراديكالية في العراق، أي بصعود ما يسمى بالأيديولوجية واستحواذها على النفسية الاجتماعية للجمهور والعوام، والذهنية السياسية للأحزاب. والنتيجة هي تكوين سبيكة خطرة من نفسية العوام وذهنية الأحزاب الراديكالية. وفي هذه السبيكة كانت تكمن البذرة المميتة لأيديولوجية النزعة التوتاليتارية. وليس مصادفة أن تعدي هذه البذرة كل ما حولها أو تنتج مختلف نماذجها في قوى سياسية متصارعة ومستقتلة حتى الموت ومتضادة في المظاهر، كما نراه على سبيل المثال في التيارات الشيوعية والبعثية والإسلامية. إذ جسد كل منهم بطريقته الخاصة هذا الكمون. بمعنى اشتراكهم جميعا في سيادة الرؤية الأيديولوجية والعصمة الأبدية واحتقار التاريخ والمستقبل والمجتمع والحرية الفردية والاجتماعية والشرعية والقانون.وإذا كان النزوع التوتاليتاري جزء من حالة الكمون النسبية القائمة في ثنايا الأزمة المتنقلة التي لازمت النظام الملكي، فان تفجيرها عبر انقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958 قد أدى إلى نشر الأزمة في كل ثنايا الوجود والوعي التاريخي العراقي المعاصر. كما انه أعطى للراديكالية صفة الصيغة المثلى لوجود الدولة والمجتمع والنظام السياسي والثقافة. بمعنى جعله من التيار الجزئي القائم على ضفاف التيار التاريخي لصيرورة الدولة والأمة والثقافة إلى التيار العارم والوحيد. من هنا إشراكه الجميع في هوس "الثورة" وأوهامها التي لم تكن في ظروف العراق آنذاك أكثر من مجرد انقلابات صغيرة ومؤامرات حزبية لقوى هامشية بالمعنى الاجتماعي والفكري والسياسي والجهوي والفئوي.إن انقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958 هو بداية الزمن التوتاليتاري في العراق. ومن ثم انعدام التاريخ الفعلي للدولة والمجتمع. الأمر الذي يستلزم إعادة النظر بالتجربة المريرة لهذا الانقلاب التعيس في تاريخ العراق الحديث. والمهمة لا تقوم هنا في تأسيس الإدانة أو الدفاع عن الملكية. فكلاهما جزء من تاريخ ماض. والمهمة الكبرى تقوم أساسا في إرساء أسس الرؤية المستقبلية. ما يفترض بدوره تحرير الفكر السياسي والرؤية المستقبلية من هواجس الخواطر الأيديولوجية وأوهام الأحلام الحلوة للطفولة.فالتاريخ يكشف عن أن أنبل الأهواء أشدها تدميرا وتخريبا للنبل. بينما الموقف السليم والحق يفترض السير مع منطق الحق والإخلاص له، أي مع منطق الحقيقة. مما يفترض بدوره تطهير العقل من ثقل الأهواء (الأيديولوجية). فالعاقل يحب أخاه وأباه وأمه وأخته وفي الوقت نفسه يمقت سلوكهم في حال خروجهم على الحق. والشيء نفسه يمكن قوله عن انقلاب الرابع عشر من تموز. فنحن جميعا "جيل الثورة". كما أن أثرها عميقا في كل هذا الكم الهائل من ثقل الأوهام الجميلة المرتسمة في خيال الطفولة عن "الزعماء" و"الأبطال". لكن الأمر يختلف حالما يجري النظر إلى التاريخ بمعايير العبرة التاريخية والمستقبل. فزلات الصغار محببة للقلوب، بينما أخطاء الكبار قد تصل حد الإجرام. كما أن أخطاء الكبار قد تصبح خطيئة تاريخية كبرى. والخطيئة الكبرى لانقلاب الرابع عشر من تموز تقوم في تحوله إلى "ثورة". وفي هذا التحول كانت تكمن بداية ما يمكن دعوته بسيادة زمن الغريزة.لقد كان انقلاب الرابع عشر من تموز المقصلة التي حزت رقبة التاريخ الطبيعي للعراق الحديث. لقد تحول هذا الانقلاب العسكري، بفعل احتقان الحياة السياسية وضغط الأيديولوجيات الراديكالية إلى "ثورة". بعبارة أخرى، أنها "ثورة مصطنعة". من هنا سيادة الطابع المصطنع لكل ما جاء بعدها وحتى الآن. وهي الصفة التي تلازم وجود التوتاليتارية. بمعنى أن العراق لم يفلح في مجرى نصف قرن من الزمن ( حتى اليوم، أي عام2008) على أي تأسيس جدي لكافة مقومات الوجود الطبيعي للدولة والسلطة والمجتمع والثقافة والاقتصاد والعلم والتكنولوجيا. بل إننا نقف الآن أمام انهيار شبه تام لبنية الدولة في جميع مكوناتها وعلى كافة المستويات. إضافة إلى وطن ودولة ومجتمع تحت الاحتلال، مسلوب الإرادة شأن الحالات الشاذة لقرون الاستعمار والكولونيالية قبل بضعة قرون خلت!! واحتراب شامل يفتقد لأبسط مقومات الرؤية الاجتماعية والوطنية والعقلانية. بعبارة أخرى، إننا نقف أمام حالة انحطاط شامل. وعندما نتأمل تاريخ الثورات الفعلية الكبرى، فإننا نستطيع العثور على "مراحل تراجع"، لكنها جزئية بوصفها مقاطع التوقف الضرورية في معزوفة المستقبل. بينما لا يمكننا قول ذلك عن العراق لا بالمعنى السياسي ولا التاريخي ولا المجازي. وإذا كان الأمر كذلك، فان من الضروري البحث عن المقدمات الفعلية التي أدت إلى هذا الواقع المزري، أي التحولات التي مست بنية التطور الطبيعي للدولة، بحيث جعلت من مسارها اللاحق مجرد اجترار للزمن.فقد كان المسار التاريخي للعراق حتى الرابع عشر من تموز عام 1958 مسارا طبيعيا. بمعنى انه كان يحتوي على مراحل التوقف والتراجع، لكنه كان في مجراه العام تقدما وتراكما بالمعنى التاريخي. لقد كان يحتوي على تراكم طبيعي في المؤسسات والبنية الذاتية للدولة والسلطة والمجتمع والفكر والثقافة والاقتصاد. وما بعد الرابع عشر من تموز عام 1958 تحول تاريخ العراق إلى زمن الراديكالية السياسية، أي زمن التجريب الخشن والاجترار الأجوف للأوهام. أما رفع الانقلاب العسكري إلى مصاف "الثورة" فهو انقلاب في المفاهيم يعكس استعداد الوعي السياسي لقبول كل ما يفرض عليه. وهي حالة تشير إلى أن المفاهيم السياسية ليست نتاج معاناة علمية ونقدية دقيقة، بل اقرب ما تكون إلى تأييد إعلان أو شعار سياسي. وهو خلل صنعته "ثورة" الرابع عشر من تموز.إن الخطأ التاريخي لانقلاب الرابع عشر من تموز هو عين خطيئته السياسية. وسبب ذلك يقوم في أنه أسبغ الشرعية على إمكانية الانقلاب العسكري وتدخل الجيش المباشر في شئون الحياة السياسية والمدنية وتحكمه فيهما! وهو مؤشر على ضعف الدولة والمجتمع والنخب السياسية. وحالما جرى رفعه إلى مصاف "المقدس"، فان النتيجة الملازمة هي تقديس بواعث الخراب والتخريب. لقد أدى انقلاب الرابع عشر من تموز إلى جعل المؤامرة والمغامرة السياسية لحفنة من الحزبيين الجهلة ومحبي الجاه والسلطة ولاحقا الإجرام والسرقة، أمرا عاديا! وأصبح تاريخ العراق بعدها سلسلة متصلة من الانقلابات والجريمة السافرة والمستترة. والنتيجة انعدام الاستقرار والأمن والتراكم الضروري للمعرفة والاحتراف والكفاءة. أنها وضعت وأسست لإمكانية الخروج على كل شيء، ورفعته إلى مصاف الممارسة الشرعية. من هنا "شرعية الثورة" وما شابه ذلك من صيغ لا علاقة لها بالشرع والحقوق، باستثناء تحويل غريزة السلطة المتحكمة في نوعية الأحزاب السياسية العراقية إلى "حق شرعي". وهي طريقة أدت، كما تكشف عن نتائجها تجارب الأمم الحديثة جميعا، والعراق بشكل خاص، إلى الغوص في أوحال الدكتاتورية والتخلف والانحطاط.لقد كان تحول انقلاب الرابع عشر من تموز إلى "ثورة"، الصيغة الملازمة للتشوه التاريخي ولسطحية الوعي السياسي الحزبي. وهي حالة لم يجر بعد دراستها بصورة علمية معمقة، استنادا إلى معطيات التاريخ السياسي والأبحاث السوسيولوجية المتعلقة برؤية طبيعة وحجم الخلل الفعلي في العراق الجمهوري. أما النتيجة كما نراها الآن، فإنها لا تحتاج إلى تدليل كبير لرؤية التخلف المزري. وهو تخلف يرتقي إلى ما مصاف ما ادعوه بمنظومة الانحطاط، بوصفه الوجه الآخر، أو الاسترجاع المعكوس للانقلاب التاريخي الذي أحدثه انقلاب الرابع عشر من تموز.فعندما نتأمل تاريخ التراكم الطبيعي في ثورات الأمم الناجحة، فإننا نرى ملامح الثورات الفعلية في الانتقال (على مستوى الوعي السياسي والاجتماعي والثقافي وبنية الدولة والاقتصاد) من المستوى الديني إلى الليبرالي ثم إلى القومي ثم إلى الاشتراكي الديمقراطي (الاجتماعي). بمعنى الانتقال على مستوى الوعي والواقع من مرحلة الأمة الدينية إلى القومية العصرية ومنهما إلى المرحلة الاجتماعية. وهي العملية التي كانت تتراكم في تاريخ العراق الحديث قبل الرابع عشر من تموز، رغم كل حالة التخلف المزري التي ورثها من المرحلة العثمانية. بحيث كان بإمكاننا أيضا أن نرى ظهور حزب شيوعي بعد عقد ونيف من الزمن ممثلا "للبروليتاريا" الساعية للبناء الشيوعي!! أي في بلد كانت الأمية فيه تبلغ 90% وشبه انعدام للتصنيع ومستوى متخلف في الزراعة وعلاقات اجتماعية تقليدية وملك مستورد! وتعكس هذه الحالة بصورة مبطنة حالة التشوه الأولى للوعي الاجتماعي والسياسي، لكنها كانت تتعرض إلى عملية تهذيب وتشذيب ضمن السياق العام للتطور الطبيعي في انتقال الوعي السياسي من المرحلة الدينية والوعي الأسطوري واللاهوتي إلى الفكرة اللبرالية والوطنية. وكانت تتراكم في هذا المسار عناصر الفكرة القومية والاجتماعية. وهو مسار طبيعي. غير أن التحول الجذري (الراديكالي) الذي أحدثه انقلاب الرابع عشر من تموز قد قلب الأمور رأسا على عقب. بحيث تحولت الشيوعية إلى الفكرة السائدة (بعد 1958)، ثم تلتها الفكرة القومية (بعد 1963) ثم الفكرة الدينية (بعد 2003). وهو خط بياني يعكس ما يمكن دعوته بالانقلاب التاريخي للتاريخ مازال العراق يعاني من نتائجه المريرة، لكنه يسير الآن ضمن السياق التاريخي الطبيعي. وهي التعزية الوحيدة الكبرى لما يجري الآن. بمعنى أن رجوع العراق إلى "المرحلة الدينية" هو مقدمة صعود الفكرة الليبرالية اللاحقة فالقومية فالاجتماعية.إن الرؤية المطروحة أعلاه تتضمن موقفي من طبيعة التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي أحدثها انقلاب الرابع عشر من تموز، الذي جعل من كل انجازاته اللاحقة أشياء اقرب ما تكون إلى وليمة سرقة! كبيرة ومبهرجة وسريعة الزوال! وليس التوتاليتارية سوى ذروتها الكبرى.ذلك يعني أن نقد المرحلة التوتاليتارية في العراق ينبغي أن تبدأ من نقد انقلاب الرابع عشر من تموز الذي مازال يخيم بأوهامه على صدأ الذاكرة والفكر السياسي. بمعنى يمنعهما من التفكر بمعايير المستقبل. إن مهمة هذا النقد تقوم في تحرير العقل السياسي من قيود الأوهام الأيديولوجية. فالعراق بحاجة إلى منظومة إصلاح عقلانية وإنسانية وواقعية، أي منظومة إصلاح شاملة تعمل بمعايير المعاصرة والمستقبل. انه ليس بحاجة إلى انقلابات يجري تجليلها لاحقا بمسوح "الثورة" وما شابه ذلك لكي لا تتكرر مأساته من جديد. والخطوة الأولى هي تأسيس الوعي السياسي بالشكل الذي يحصنه من الوقوع في شبكة الأوهام العنكبوتية للراديكالية الدنيوية منها أو الدينية. وذلك لأنهما كلاهما يؤديان بالضرورة إلى مختلف أشكال ومظاهر ومستويات التوتاليتارية، أي الاستبداد والإرهاب الشامل.· يشكل مفهوم (الدولة الريعية) من المفاهيم الحديثة عن الدولة الأحادية الاقتصاد وهو احد الإسهامات المهمة في حقل العلوم السياسية. ما هي الأسس الفكرية لمفهوم الدولة الريعية؟إن مفهوم "الدولة الريعية" في محاولاته تفسير خصوصية الدولة في إيران ودول الخليج العربية، طوع المواقف السياسية والأيديولوجية عبر هالة الرؤية الاقتصادية. وبهذا يكون شأنه شأن اغلب ما ظهر في بداية النصف الثاني من القرن العشرين من مفاهيم ومقولات ونظريات بهذا الصدد. بعبارة أخرى، إننا نقف أمام ماركسية مقلوبة! وكلاهما يصبان في منحى واحد، ألا وهو تغليب الرؤية المسبقة والقيم الأيديولوجية والسياسية على تعقيد الواقع، أو من خلال سحب الواقع المتحرك والحركة التاريخية المتراكمة وتنوع الأشكال المتناقضة في كمون البدائل تحت خيمة التعميم السياسي. طبعا أن ذلك لا ينفي ما في هذا التحديد الاقتصادي السياسي من قيمة علمية وعملية في إدراك خصوصية النظام السياسي، على الأقل في ستينيات القرن الماضي (العشرين) لكنه لم يعد يمتلك قيمة علمية دقيقة في تفسير ظاهرة الدولة الحديثة والنظام السياسي في منطقة الخليج. كما انه يعجز عن تفسير وإدراك خصوصية الدولة والنظام السياسي الذي تبلور في العراق في مجرى النصف الثاني من القرن العشرين، وسقوطه المريع تحت ضربات الغزو الأمريكي عام2003.فنظرية "الدولة الريعية" كانت من حيث مادتها المباشرة مهتمة بالدولة الإيرانية ودول الخليج العربية. بمعنى أن العراق لم يكن موضوع اهتمامها المباشر آنذاك. وقد تبلورت هي سوية إلى جانب النظرية القبلية الخلدونية والنظرية الميراثية الفيبرية والطبقية الماركسية وغيرها، تحت ثقل الهيمنة "التاريخية" للأيديولوجية السياسية التي حكمت نفسية وذهنية الباحثين آنذاك. فهو العقد الذي أمات العلم وأنعش الأيديولوجية. من هنا سيطرة رجال الأحزاب في تفسير التاريخ والدولة والنظام السياسي والمستقبل، رغم جهلهم الشديد بهذه الأمور المعقدة. لكن مفارقة الظاهرة تقوم في أن الأحزاب، أو الأصنام الجديدة حالما جعلت من وساوسها وهواجسها ورغباتها وحيا، فإنها سرعان ما استسهلت الرؤية السياسية والمواقف الحزبية في النظر إلى ظاهرة الدولة والسلطة والنظام السياسي وصيرورة الطبقات والفئات الاجتماعية. طبعا أن ذلك لا ينطبق على نظرية "الدولة الريعية" بصورة مباشرة، لكنه ينطبق على استنتاجاتها السياسية بشكل عام وعلى تغلغلها في الوعي "المنهجي" بشكل خاص، بعد أن عجزت أو وقفت نظرية القبيلة والميراث والطبقات عن "العمل" بصورة جدية على خلفية التحولات البنيوية الكبيرة في دول الخليج العربية.فمن الناحية النظرية الاقتصادية ليس بإمكان نظرية "الدولة الريعية" الصمود أمام النقد العلمي الصارم. لكنها مقبولة نسبيا عند تخوم ستينيات القرن الماضي، عندما كان "الريع" والإيجار الصفة السائدة في الموقف من السلعة السحرية الجديدة- النفط. ولكن حتى هذه الحالة لا تشكل في الواقع أساسا لاستنتاجات نظرية عميقة. والسبب يقوم في أن تلك المرحلة كانت إحدى مراحل الانتقال العاصفة على النطاق العالمي ودول الخليج العربية بشكل خاص. كما انها كانت تحتوي في طياتها كمون التحول العنيف في تاريخ العراق الحديث.مما لاشك فيه أن لاقتصاد السلعة الواحدة اثر تخريبي هائل على بنية الدولة. وهي حالة مختلفة المظاهر والنتائج في تاريخ الدول. الأمر الذي يجعل من الضروري دراستها دوما بصورة ملموسة. فجمهورية النفط والغاز ليست كجمهورية الموز والقهوة. كما أن تأثيرهم في الأنظمة الجمهورية والملكية ليس سواء. بل ويختلف بين الأنظمة الجمهورية نفسها، كما يختلف بين الأنظمة الملكية. والقانون "الحديدي" الوحيد القائم في جعل الدولة التي يعتمد اقتصادها على هيمنة مادة طبيعية واحدة قابلة للتصدير يقوم بالطبيعة الاجتماعية للقوى الحاكمة وأيديولوجيتها السياسية. وعموما يمكنني القول، بان اقتصاد السلعة "الجمهورية" أو "الملكية" الذهبية الواحدة هو تعبير أما عن بقاء وسيادة وهيمنة وتأقلم القوى التقليدية ضمن تصوراتها ومفاهيمها وقيمها ومصالحها الخاصة، أو ترسخ دكتاتورية الهامشية والقوى الرثة وأيديولوجياتها الراديكالية السياسية. وقد كان العراق البعثي الصدامي الصيغة "الكلاسيكية" لهذا القانون!بعبارة أخرى، إن نظرية "الدولة الريعية" لا يمكنها أن تكون منظومة منهجية في دراسة الدولة العراقية الحديثة. انها تستطيع تسليط الضوء على بعض جوانبها، أو رسم معالم الممارسة التي قامت بها السلطة في مجرى تحولها من "ثورية" إلى دكتاتورية، ومن دكتاتورية إلى توتاليتارية، مع ما ترتب عليه من مزج بينهما وصنع سبيكة التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية. وذلك لان صيرورة الدولة العراقية لم يرتبط بتاريخ "السلعة الذهبية"، بل على العكس إن هذه "السلعة الذهبية" قد قطعت مساره الطبيعي عبر هيمنة وسيطرة الراديكالية السياسية. بحيث أدى في نهاية المطاف إلى صنع ما يمكن دعوته بالدولة الرخوية التوتاليتارية! وهو إخطبوط مسخ يعكس مستوى الانحراف عن ماهية الدولة والمجتمع والتاريخ الثقافي للأمة.· إن القراءة الفاحصة للتاريخ الاجتماعي والسياسي العراقي تكتشف عن انه منذ أربعينيات القرن الماضي (العشرين) أخفقت النخبة العراقية السياسية في طرح برنامج إصلاحي. بعدها ساد الخمول الفكري إزاء مشكلات ضخمة كانت التوتاليتارية الصدامية إحدى ثمراتها. ما هو السبب في عدم وجود تصورات فكرية متماسكة لمعالجة الظواهر الكبرى في المجتمع العراقي مثل النخبة والثقافة والإصلاح والتقاليد الإصلاحية؟إن السبب الجوهري القائم وراء انعدام أو ضعف التصورات الفكرية المتجانسة في رؤيتها لإشكاليات الواقع العراقي ووضع الحلول لها يقوم أولا وقبل كل شيء في غياب مرجعيات نظرية ومنظومات فلسفية متراكمة في مجرى تأمل التجارب الذاتية للمجتمع والأمة والدولة. بعبارة أخرى إن سبب الخلل يقوم ليس في غياب تصورات ونظريات فكرية. فالعالم العربي والعراق يعج بها في مجرى القرنين الأخيرين. إلا انها نظريات تعكس أولا وقبل كل شأ تجارب الأمم الأوربية. ومن ثم فان رؤيتها وحلولها تراكمت في مجرى معاناة الأمم الأوربية حل إشكاليات وجودها التاريخي. من هنا تجانسها في الرؤية والحلول وتغلغلها في نسيج الوعي الاجتماعي والثقافي الأوربي العام. أما في العالم العربي (العراق ايضا) فان الانقطاع التاريخي الذي حدث بعد الحرب العالمية الأولى وسيادة الفكرة السياسية بشكل والراديكالية بشكل خاص قد أدى إلى إحداث احد النماذج الحادة للقطيعة مع النفس والتاريخ. مع ما ترتب عليه من جهل بالتاريخ الذاتي وفقدان وعي الذات القومي الثقافي.فقد أدى هذا الانقطاع أو التحول الراديكالي في الوعي النظري والمزاج العملي إلى تغليب مرجعيات الرؤية الأوربية عند النخب الجديدة. وإذا كانت أربعينيات القرن العشرين قد بدأت تكشف عن هذه الحالة، فلأن ثلاثة عقود من الزمن التي سبقتها قد كانت تعيش على بقايا مرحلة عصر النهضة والإصلاح. وهي تيارات وشخصيات كانت تتعامل مع التراث الأوربي بمعايير الرؤية الحضارية وليست السياسية. بينما انقلب الأمر رأسا على عقب بعد الحرب العالمية الأولى وتقسم العالم العربي واحتلاله المباشر وغير المباشر عبر "الانتداب". لقد أدى ذلك إلى دوران العالم العربي (العراق) ضمن فلك التاريخ البريطاني والأوربي. من هنا التقاء "اليسار" و"اليمين" في موجة الاغتراب المتزايد عن اصول الرؤية التاريخية الثقافية الذاتية. والانهماك المتزايد في تلقي والتقاف فتات الأفكار المسطحة والمباراة في إبراز حسناتها ونموذجيتها مع كل اكتشاف سريع ومباغت للنظريات الأوربية. من هنا افتخار هذه النخب الطارئة بكل ما تعثر عليه. بمعنى افتخارها بكل ما تعثر عليه بوصفه "اكتشافا". من هنا اعتزازهم بكل ما يجري العثور عليه وتقديمه على انه "آخر الاكتشافات" و"آخر الحقائق". من هنا تساويهم في نفسية وذهنية الإتباع واختلافهم في المدارس. من هنا تباهي احدهم بالفابية والدارونية والوضعية والفرويدية والوجودية والماركسية وعشرات المدارس الأخرى العامة والفرعية. بمعنى انك تستطيع العثور على متحمسين ومتنافسين في إبراز وإعلان التبعية التامة والإخلاص لها. من هنا اختلاف ودموية "الماركسي" عن "الماركسي – اللينيني"، وهذا بدوره عن "الستاليني" و"التروتسكي" و"الماوي" وغيرها.باختصار إننا نقف أمام حالة أشبه بحالة القرود المتبجحة في كشف عوراتها في المعابد الهندية المهجورة! فكل منهم يتبجح بعرض اكتشافاته "المذهلة"، أي عورات تقليديته الفجة. ومكن الممكن رؤية ملامح هذه الحالة لحد الآن فيما يسمى بالاتجاهات الداعية "للتحرر" من "أيديولوجيات" الماضي والانخراط في أنواعها الجديدة من بنيوية وحداثية وما بعد حداثية وتفكيكية وما شابه ذلك. أما في الواقع فإنها جميعا مجرد صيغ مختلفة لنزوع أيديولوجي يمتثل لباطن الاغتراب والتقليد.فالفكرة الأوربية الفلسفية حالما تصبح "فلسفة" في العالم العربي أو العراق فإنها تكف عن أن تكون فلسفة. انها يمكن أن تكون جزء من نمو الرؤية المنهجية ولكن فقط في حال تفاعلها داخل نمو وتكامل وعي الذات الفلسفي القومي. وهو ما لم يحدث لحد الآن في العالم العربي. ولنأخذ مثال التفكيكية. فمن الناحية المجردة تبدو كما لو انها خارج نطاق وتقاليد الأيديولوجيات التقليدية. رغم أن ذلك لا يحررها أو يخلصها من إنتاج قواعد للرؤية في الوعي الاجتماعي قادرة على تصنيع كليشات جديدة وأحكام نمطية. غير أن جوهر القضية ليس هنا، بل في طبيعة تحولها إلى أيديولوجية مقلوبة حالما تصبح جزء من رؤية المثقف في التعامل مع نصوص التراث القومي (العربي والإسلامي). وذلك لان الانهماك بها هو تفعيل لهدم إمكانية نمو الفكر المنظومي ومنظومات الفكر المحتملة. فإذا كانت التفكيكية في العالم الأوربي وفرنسا بشكل خاص هي جزء عضوي وتلقائي في نمو فكرة الحرية والنظام، بعد أن استطاعت الأمم الأوربية انجاز منظوماتها الخاصة في بناء الدولة والأمة والثقافة و"تشبعها" بفكرة النظام، أصبح تفكيك هذه "المنظومات" جزء من إعادة بناءها الحر، أي جزء من نمو منظومة الحرية في الوعي والسلوك والمواقف. أما في العالم العربي والعراق بشكل خاص، فان كل شيء فيه مفكك: الدولة والأمة والمجتمع والفرد والثقافة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية والطرق ومجاري المياه وعوالم الشخصية، باختصار كل شيء! بمعنى انه مشتت في رؤيته الخاصة وبنية وعيه الثقافي. كما انه لم يتعلم ولم يتكامل في أي مجال أو ميدان أو مستوى من مجالات وميادين ومستويات الحياة والمعرفة. من هنا فان توجيه ذهنه صوب تعميق وتأسيس "التحرر" من ثقل نصوص الماضي قبل أن يتعلم الحرية الفعلية في ابسط مظاهرها، هو من حيث الجوهر خروج على منطق وغاية الفكرة التفكيكية. بمعنى انه لا يعمل على تعميق بنية الثقافة الحرة. فالثقافة منظومة وبنية تاريخية. والمقصود بالتفكيك هو إعادة تأسيسها وتعميقها وليس بالعكس. وهو المقصود من كلامي بان الفلسفة الأوربية حالما تصبح جزء من التقليد، فإنها تؤدي بالضرورة إلى أيديولوجية رعناء أو صماء. والنتيجة واحدة في كلتا الحالتين! طبعا ليس المقصود من وراء ذلك إبراز قيمة التفكيكية. وذلك لأنها تبقى في نهاية المطاف جزء من التجربة الأوربية وذهنية النقد المعرفي من جهة، وطابعها الجزئي من جهة أخرى. إن المقصود بذلك هو أن هذه التقاليد الخربة والنزعة التقليدية قد أدى إلى تخدير وتخريب النخبة. أو بالأحرى إننا نقف أمام نخبة ونخب سقيمة رغم مظاهرها الأنيقة الظاهرية. الأمر الذي يجعل من هذه الظاهرة سريالية بلا واقع ينتجها أو تتمثل ما فيه! وهي من غرائب الأمور! غير أن الانحطاط لا يعرف ولا يفقه ولا يتحسس الغرائب لأنه غربة غريبة! أي كل ما نعثر عليه في ظاهرة صعود التوتاليتارية البعثية والظاهرة الصدامية. بل و"تمجيدها" من جانب "النخبة الثقافية" والانغماس في ملذاتها الزهيدة!طبعا أن لهذه الظاهرة المتعلقة بالنخبة الثقافية وإشكالاتها وعلاقتها بصعود التوتاليتارية مقدمات خاصة بها ما قبل نشوء الدولة العراقية الحديثة، واستمرارها النسبي في المرحلة الملكية وتفجرها المريع بعد انقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958. وفي مجرى هذا التاريخ المحزن والدموي والمأساوي تتحمل النخبة الثقافية وزرها الكبير. رغم انها بمعنى ما ضحية الانحراف التاريخي والانقطاع الراديكالي الذي جرت الإشارة إليه أعلاه. غير أن المسألة تختلف بالنسبة للنخبة السياسية. فقد كانت هي وما تزال من حيث الجوهر صانعة الخراب الفعلي للعراق. وهذا بدوره لم يكن معزولا عن خراب النخبة العامة والفكرية منها بشكل خاص. فقد كان من الصعب عليها آنذاك التبلور في فئة خاصة ومتميزة وفاعلة ومستقلة، بسبب المقدمات التي جرت الإشارة إليها. غير انها كانت مع ذلك تتراكم في مجرى تراكم بنية الدولة ومؤسساتها. غير أن الانقطاع التاريخي الذي قامت به الراديكالية السياسية قد جعل من تاريخها مجرد عقدين من الزمن، أي منذ عشرينيات القرن العشرين حتى الأربعينيات. وليس مصادفة أن تغيب فكرة الإصلاح والفكر الإصلاحي بشكل عام منذ أربعينيات القرن العشرين. فانتشار الفكرة الراديكالية وهيمنتها القاهرة على الوعي الاجتماعي واحتمائها بهوس "الجماهير الشعبية" قد اقفل من حيث الجوهر إمكانية الفكر الحر والإبداع المستقل. الأمر الذي جعل من الفكر الإصلاحية مقارنة بفكرة الثورة والانقلاب مضحكة ومثيرة للريب والشكوك! وذلك لان الفكرة الراديكالية تؤمن وتريد وترغب بأمور وشعارات "واضحة" و"جلية" و"بسيطة" و"مفهومة". بل انها تحتقر "التعقيد" و"الصعوبة". ذلك يعني انها تريد وترغب وتخضع فقط للأمور البينة والحسية الفجة، أي لكل ما لا يتعارض أو يستثير خمولها الذهني. من هنا ولعها بالتقليد والاندفاع العارم وراء الصيغة البيانية المغرية للحس البليد. بعبارة أخرى، إن الخمول الذهني وليس الفكري كان النتيجة المترتبة عل صعود الأيديولوجية السياسية الراديكالية. وفي الواقع ليس هناك شيئا اشد تخريبا للعقل والضمير ومنتجا لعمى البصر والبصيرة أكثر من الأيديولوجية الراديكالية السياسية. أما صعود التوتاليتارية فقد كان الثمرة المرّة لهذا الانقطاع الراديكالي في تاريخ الفكر والمجتمع والدولة والثقافة السياسية، أي كل ما أدى إلى ما ادعوه بالخروج التاريخي على التاريخ. مع ما ترتب عليه من إضعاف مستمر للنخب العامة والخاصة وتلاشيها الفعلي في ظل السيطرة الصدامية. وفي ظل هكذا واقع يصبح من الصعب صيرورة الفكرة الإصلاحية، كما أن من المستحيل توقع ظهور منظومات فكرية متماسكة.· يتميز الخطاب السياسي للسلطة البعثية الصدامية بالانحطاط والهلوسة واستثمار المخزون الأسطوري. هل هو تجسيد ملموس وفعلي للثقافة العربية؟إن ماهية الخطاب البعثي محكومة بالفكرة القومية. وهو خطاي يحتوي بقدر واحد على عقل ووجدان. لكنه غير مؤسس بمعايير ومنهجية علمية تاريخية. وفي هذا يكمن احد أسباب إمكانية خضوعه للاستحواذ والتوظيف غير العقلاني. مع ما يترتب عليه من هلوسة وانفصام وتجزئة وانتقاء وتحزب وما شابه ذلك من نواقص مميزة بدورها للنفسية الراديكالية. وعادة ما تبرز هذه الصفات بقوة حالما تكون مسنودة بقوة السلطة. وقد تكون تجربة البعث الصدامي في العراق احد مظاهرها الفاقعة. من هنا ضرورة التفريق بين خطاب سياسي بعثي وآخر سياسي بعثي صدامي سلطوي.فالسلطة تكشف عن حقيقة ومعدن الأحزاب وأيديولوجياتها. فإذا كان الخطاب البعثي الصدامي في أول أمره يتسم بقدر غير متناسب من تمازج وتدال العقلانية وغير العقلانية، فانه انحدر في مجرى استتباب الدكتاتورية وتكاملها اللاحق في توتاليتارية خربة، إلى خطاب لاعقلاني صرف. بحيث تحول الخطاب السياسي البعثي الصدامي إلى خطاب سلطوي خالص مهمته تثبيت الدكتاتورية. وأصبحت الأنا الصدامية جلية ومستترة، ظاهرية وباطنية، بداية ونهاية الخطاب السياسي. وهذا بعينه تمام الهلوسة والانفصام الشخصي والسياسي. بعبارة أخرى إننا نستطيع أن نلمح في مجرى انحداره على مظاهر ومحطات الانتقال من الخطاب الراديكالي السياسي إلى الخطاب غير العقلاني، ومنه إلى الخطاب المتشنج ثم الدكتاتوري ثم الأهوج. والهمّ الجامع لكل هذه الانقلابات والتحولات أو الانحطاط هو تثبيت وترسيخ وتوسيع حدود الأنا الاستبدادية.وليس مصادفة أن تتسم العبارة الصدامية بصفة المسامير المدقوقة في نعش الخطاب العقلاني. من هنا مفرداته القاسية والضيقة والجزمية والقاطعة. بمعنى احتواء على كل ما يقطّع ويقيد الوعي الحر والعقلاني والنزعة الإنسانية. أما النتيجة فتقوم في غلبة وسيطرة المحتوى البدائي الدموي فيه. بمعنى غلبة وانتشار عبارات ومفاهيم الغريزة والقتل والموت. ومن ثم افتقاده شبه التام إلى مكونات ومعايير الرؤية الجمالية والأخلاقية والقيم النبيلة. بحيث تنعدم فيه فكرة الاعتدال والتسامح والإنسانية. وليس مصادفة أن يتسم خطاب السلطة الصدامية بالفجاجة والبدائية والهلوسة. ومن هنا ايضا إثارته للاشمئزاز والقرف والتقزز.إن الخطاب السياسي الصدامي لا يحتوي على مخزون أسطوري. إن الخطاب الصدامي خطاب خرافي. والفرق كبير بين الأسطورة والخرافة. والشيء نفسه ينطبق، مع فارق الفكرة والمضمون، على ما إذا كان الخطاب السياسي للسلطة الصدامية يتمثل أو يجسد الثقافة العربية!إن الخطاب الصدامي هو احد النماذج المتخلفة والمريعة للخطاب السلطوي الراديكالي. بمعنى انه خارج السلطة لا قيمة له ولا اثر. من هنا عدمه خارج السلطة. ومن ثم اضمحلاله وتلاشيه بل وإعدامه التام خارج السلطة. لهذا لا يتمتع من حيث الجوهر بجوهرية الخطاب الثقافي. لكنه يعكس أنموذج من نماذج الذهنية الحزبي للراديكالية السياسية والحثالة الاجتماعية والهامشية الثقافية. من هنا لا معنى للحديث عن كونه تجسيد فعلي للثقافة العربية. فالثقافة العربية صيرورة وكينونة وتراث هائل لا يمكن لأي فرد أو اتجاه أو مدرسة أو مرحلة مهما كانت قيمته وفاعليتها وأثرها التاريخي أن تكون تجسيدا فعليا لها. وفيما يخص الخطاب الصدامي فانه لا يجسد إلا بعض نماذج الثقافة العربية وأشكالها المتخلفة، كما هو الحال بالنسبة لكافة الثقافات الكبرى.إن الخطاب الصدامي مناف للثقافة العربية الكبرى، كما انه على ضفاف وخارج تياراتها الكبرى بالمعنى التاريخي والقومي والثقافي الصرف. فالثقافة العربية الكلاسيكية هي ثقافة كونية. كما انها ثقافة حضارية ومدنية كبرى. والاهم من ذلك انها ثقافة منظومات فكرية وتنوع محكوم بمرجعيات متسامية. وذلك لان الثقافة العربية الكونية تحتوي على وحدة علوم العربية والدينية والفلسفية والتصوف والفقه والأصول والتاريخ والأدب والموسوعات والسياسة وغيرها من العلوم الطبيعية والإنسانية. انها ثقافة لها نظامها ونسقها الخاص. انها ثقافة المدارس المتنوعة، ومن ثم تنوع مرجعياتها الثقافية الكبرى، كما نراه على سبيل المثال في الفلسفة والكلام والتصوف والفقه وغيرها من العلوم والفنون. وقد كانت هذه الثقافة غريبة على الصدامية غربة تامة. كما أن تراث الصدامية بعيدا كل البعد عن الثقافة العربية الحديثة بمختلف مراحلها وتياراتها ومستوياتها من نهضة وإصلاح وليبرالية وتنويرية. بمعنى انها كانت خارج نطاق قراءة الأحزاب السياسية الراديكالية العراقية بشكل عام والبعث بشكل خاص. كل ذلك يعطي لنا إمكانية القول، بان الصدامية لا علاقة بكل هذا الموروث. ومن ثم لا علاقة للخطاب السياسي للسلطة الصدامية بالثقافة العربية بالمعنى المشار إليه أعلاه. بل يمكنني الجزم، بأنه حتى في مجال الموقف الشخصي لا اعتقد أن صدام قرء في حياته كتابا جديا واحدا في حياته، أقول قرأ وليس درس وحلل. وينطبق هذا في الواقع على كافة رجال الأحزاب والسياسة في العراق. إن الصدامية هي تجسيد للثقافة الحزبية المتخلفة والضيقة والبدائية. انها ثقافة حزبية و"سياسية" لا علاقة لها بالعلم الأكاديمي كما انها جاهلة بالمعنى الثقافي. أما صدام فقد كان صدام نصف متعلم، نصف جاهل، نصف قارئ، أي مخرب فعلي للثقافة.· الصدامية تمثل أسطورة سياسية – قومية. هل يمكننا الحديث عن أيديولوجية صدامية؟ ذات اصول خاصة بها؟ وما هي بنيتها المعرفية؟ وهل تتطابق مع أيديولوجية البعث القومي؟إن الأسطورة هي إحدى المفاخر والمآثر الكبرى للأمم. كما انها تعكس معالم الخيال التاريخي للقوم. وفيما من خلالها عادة ما تتبلور رموز المعرفة والمواقف. ومن ثم فإنها تحتوي على ما يمكن دعوته بالمخزون الفعال في إنتاج وإعادة إنتاج القيم الرمزية في الأقوال والأعمال. ومن ثم تحتوي ايضا على قدرة كبيرة بالنسبة لتفعيل الوعي السياسي من خلال تقريبه إلى الوعي العام والخاص بوصفها جزء من معاناة الفرد والجماعة. فالأسطورة قابلة على صنع سياسة، لأنها قادرة على تحريك الحس والعقل والوجدان. أما مسارها الفعلي فعادة ما يتوقف على نوعية التأويل والإدماج النظري في الآراء والأحكام والمواقف. الأمر الذي يجعل منها طاقة عقلانية وغير عقلانية بقدر واحد، أو بصورة أدق انها قادرة على أن تخدم الاثنين. والسبب يكمن في كونها مرجعية رمزية وليست منطقية. وفي هذا يكمن سر اختلافها العميق عن الخرافة. أما عبارة "الوعي الأسطوري"، فإنها عادة ما تتطابق مع الصيغة غير العقلانية. ومن الأدق استبدالها في مجال التقييم النقدي بكلمة الخرافة.من هنا فان الصدامية ليست "أسطورة سياسية – قومية" بل خرافة حزبية أيديولوجية ملازمة لبعث الأشباح والأموات! وإذا كان بالإمكان الحديث عن وعي أسطوري فيها فهو مجرد خرافات الريف والهامشية. فالصدامية تخلو من الأعماق الوجدانية السحيقة في مخزون الوعي التاريخي. وهي اقرب ما تكون إلى قوة شطارة وبلطجة مرحل الانحلال والتحلل. من هنا خلوها من بطولة وفروسية الأسطورة المميزة لمراحل الصعود التاريخي للأمم. وبالقدر ذاته لا يمكننا الحديث عن الصدامية بوصفها أيديولوجية.إن الصدامية اقرب ما تكون إلى نمط من السلوك السياسي. وذلك لان الصدامية لم تتمتع بأي قدر أيديولوجي لحاله. و"كيانها الأيديولوجي" هو نتاج تصنيع الدعاية والإعلام الممول والمحكوم من قبلها نفسها بوصفها سلطة دكتاتورية. وخارجها سرعان ما تتلاشى وتندثر باعتبارها غبارا. بينما تفترض الأيديولوجية وجودها النسبي المستقل عن أشخاصها وموقعهم في السلطة أو خارجها.بعبارة أخرى إن الصدامية و"أيديولوجيتها" نتاج السلطة واستغلال مصادر وثروات ومؤثرات الدولة. وذلك لان صدام عاجز وعقيم فيما يتعلق بإنتاج الفكر. كما انه غير قادر على إنتاج أيديولوجية لها مبادئها وقيمها ومفاهيمها. فخارج السلطة صدام لا شيء. لنفترض جدلا بان صدام لم يستطع الوصول إلى السلطة عبر مغامرات الأحزاب والانقلابات. فالاحتمال الاكبر لوجوده في ضني وتخميني لا يعدو تسكعه في إحدى مقاهي تكريت، أو شيء ما من هذا القبيل. بمعنى انه لم يكن قادرا على تسطير صفحات أو مقال صغير حتى لإحدى الجرائد المحلية الخربة. وبالتالي لا معنى لعدد القراء!!إضافة لذلك ليس للصدامية أصولا فكرية، لأنه لا وجود للصدامية في ميدان الأيديولوجية. إن صدام مشبع ببعض الشعارات والقيم والمفاهيم السياسية البعثية (العفلقية). لكن الفرق بينهما يبقى كبيرا وهائلا. كما انه لا توجد في الصدامية بنية معرفية. انها عبارة كبيرة بالنسبة للصدامية. فالصدامية جهل مرفوع إلى مصاف "الفكرة" بقوة السلطة وأموالها وعنفها المادي والمعنوي. فقد انتقى صدام معلوماته "الفكرية" مما هو مرمي على طرقات الأحزاب المغامرة ومقالات وخطابات البعث وبياناته وبعض ما هو متوفر من كتابات عفلق. وهي أشياء يصعب قراءتها والاستفادة منها. بل انها مثيرة للغثيان. ودعني استعرض هنا حادثة شخصية طريفة بهذا الصدد. فقد واجهتني صعوبة العثور على المصادر الأساسية الكبرى لفكر البعث وأيديولوجيته السياسية. ففي موسكو نهاية ثمانينيات وبداية تسعينيات القرن العشرين (قبل انتشار الكومبيوتر والانترنيت) لم يكن من السهل العثور على كل ما تريد. وهذا ينطبق في الواقع على كل بلدان العالم آنذاك. وكنت في وقتها منهمكا في جمع المصادر الفكرية المتعلقة بفكر البعث ضمن إطار دراستي للفكرة القومية. وقد اقترح علي احد الأصدقاء الاتصال بالسفارة العراقية بعد معرفته بأنها تنوي تفريغ "المكتبة" من الكتب. واستطعت في وقتها الحصول عبره على كل ما فيها من كتب ومجلدات عديدة عن تاريخ البعث والخطابات والكتابات والكتب. وقد كانت جميعها (وما زلت احتفظ بالكثير منها) مغبرة متربة ملصوقة الأوراق، أي انها "عذراء" من قراء البعث وعنفوانهم الصامد! بعبارة أخرى انها كانت مختبئة بين جدران "المركز الثقافي" كما لو انها بين جدران مركز من مراكز الشرطة في إحدى القرى النائية! ذلك يعني أن أي من أعضاء حزب البعث أنفسهم لم تمتد يده ولو عن طريق الخطأ إلى هذه "التحف" المرمية على رفوف "المكتبة الثقافية". وهو فعل يستحق الاستحسان. وذلك لان اغلبها يتسم بقدر هائل من الحشو المرهق للأعصاب! ولا اعتقد أن صدام ما قبل السلطة أكثر اهتماما من "مثقفي" الحزب بعد تشبعهم بتخمة الاحتراف الفعال في القتل والجريمة، بقراءة ما لا يمكن قراءته! بعبارة أخرى، إن معارف صدام الفكرية لا تتعدى كمية من المعلومات العادية والمسطحة، التي يمتلكها في الواقع كل بعثي عادي. فصدام شبه أمي في ميدان المعرفة (وهذا ينطبق في الواقع على اغلب أن يكن جميع رجال الأحزاب في العراق). ولم يكن ذلك بدوره معزولا عن واقع كون الحزب والثقافة في العراق على طرفي نقيض.فقد استقى صدام تصوراته وأحكامه من أيديولوجيا البعث دون أن يعني ذلك تطابقهما. فأفكار البعث الكبرى تحتوي على رؤية قومية وجدانية متجانسة نسبيا. كما انها تحتفظ بقدر كبير من الأبعاد الإنسانية. وخلل الأيديولوجية البعثية يكمن في طابعها المذهبي السياسي الضيق، أي فقدانها لأبعاد الرؤية الفلسفية للتاريخ والدولة والأمة والثقافة والنظام السياسي. أما صدام فقد اخذ الأبعاد الوجدانية، أي غير العقلانية. كما كان محكوما بأصوله الاجتماعية الرثة، ومستوى معارفه الصغيرة والقليلة، ونوعية الصراع السياسي، وفكرة الانقلاب والثورة (المؤامرة والمغامرة). كل هذه المكونات جعلت من السلطة أداة سحرية. أما الدولة فهي حاضنة الأحلام. أما القومية والأمة فهي مجرد مفاهيم مجردة أسبغت عليهما "قدسية" سرعان ما جرى ابتذالها مع أول احتكاك بالواقع. وذلك لان السلوك العملي للبعث والصدامية لم يكن (ولن يكون) محكوما بقدسية الأفكار، بل بالمكونات الفعلية للتخلف.· إحدى المقاربات السوسيولوجية لولادة الظاهرة الصدامية تكمن في انحطاط الثقافة العراقية. ولم يكن ذلك معزولا عن النسيج التاريخي للثقافة العراقية الحديثة وانغلاقها البنيوي. ما هي مرتكزات الظاهرة الصدامية داخل الحقل الثقافي العراقي؟إن العلاقة بين الثقافة ومختلف مظاهر الحركات السياسية علاقة عضوية. إذ يحدد كل منها الآخر بما فيه وعلى قدر ما يحمله من قيم ومفاهيم وتأثير فعلي في الحياة المادية والمعنوية للمجتمع والأمم. بمعنى أن كل منهما مرآة للآخر و"أداة" قادرة على الفعل. وفيما لو تجردنا عن المطلب المتسامي بتحرر الثقافة والمثقف عن السلطة، فان ذلك لا يتعارض مع ضرورة تفعيل دوره السياسي. فالثقافة قوة سياسية من طراز خاص. وبالقدر ذاته يمكننا وصف السياسة بقوة ثقافية من طراز خاص. سواء ارتقت الثقافة والسياسة إلى مصاف المنظومة أو انحطت إلى مصاف العبارات والشعرات المتفرقة والطائشة. ففي حالة كونها منظومة فإنها تعمل على تنظيم الوعي والعمل، وفي حال خلاف ذلك فإنها تنتح ايضا تشتيت الوعي والمواقف.إضافة لذلك أن الحركات والتيارات السياسية تعبير عن واقع الثقافة، وذلك لأنها تمثل وتتمثل القيم الثقافية السائدة وأنماطها. وهي العلاقة الجلية فيما آلت إليه أحوال العراق الحالية. بمعنى أن انحطاطه الحالي ليس معزولا عن انحطاط حالته الثقافية. وقد تكون المشكلة الكبرى بالنسبة للعراق في ميدان الثقافة تقوم في انعدامها أو ضعفها بمعايير المنظومة. إذ لا توجد منظومة أو منظومات ثقافية فيه بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة. فالسائد فيها أشياء اقرب ما تكون إلى الأعراف والتقاليد والتقليد (العصري ايضا!).فقد كانت المرحلة الملكية، مرحلة التراكم الثقافي. انها مرحلة التجريب الحر. ومن ثم فهي ثقافة متراكمة وطبيعية. لكنها لم تبلغ درجة الثقافة الاجتماعية الوطنية والقومية لكي يجري تحولها النوعي صوب النفس، بوصفه المسار الطبيعي والتلقائي لوعي الذات التاريخي. وبدون ذلك لا يمكن تأسيس المسار الطبيعي لارتقاء الثقافة صوب الرؤية الثقافية المتسامية. أما التحول الراديكالي وصعود الفاعل السياسي والأحزاب منذ خمسينيات القرن العشرين فقد أدى إلى قطع هذه العملية الطبيعية. وهنا ظهرت للمرة الأولى فكرة ورغبة وممارسة وأساليب جعل الثقافة خادما وضيعا للسياسة والأحزاب.ففي تحول الثقافة إلى خادم وضيع للأحزاب والمثقف إلى تابع لرجال الأحزاب يكمن المصدر الاكبر لانحلال وتخلف الثقافة وسقوطها شبه التام. مع ما رافق ذلك من ازمة ذاتية بنيوية. ولعل أهم سماتها وخصوصيتها في العراق تقوم في تحول الأحزاب إلى ملجأ شبه وحيد للمثقفين. بحيث أصبح الصراع من اجل كسبهم لحضيرة الأحزاب مرجعية سياسية فكرية ثقافية كبرى، وليس للعقل الثقافي للأمة. وأصبح "المسئول الحزبي" يتحمل "مسئولية" تقديم المثقف للمجتمع! بمعنى فقدان المسئولية التامة. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار طبيعة ونوعية وحجم الجهل المعرفي المميز لرجال الأحزاب الراديكالية في العراق. عموما أن الحزبي لا يمكنه أن يكون مثقفا. تماما كما أن المثقف لا يمكنه أن يكون حزبيا. فالثقافة الكبرى منظومة حرة، أي متحركة وعاملة ومبدعة بمعايير المرجعيات المتسامية للأمة وتاريخها الذاتي. بينما الأحزاب أيا كانت تبقى جزئية وعابرة وأيديولوجية.إن سيطرة الحزب السياسي على الثقافة والمثقف أدى أولا وقبل كل شيء إلى انحلال وتحلل فكرة ومؤسسة النخبة بشكل عام والثقافية بشكل خاص. وقد تكون نماذج الشيوعية والبعثية، بوصفهما التياران الاكبر للفكرة والممارسة الراديكالية للأحزاب السياسية على امتداد النصف الثاني من القرن العشرين، يكشف عن أن معيار الارتقاء في سلم الحزب هو الجهل والحثالة والهامشية الاجتماعية أو القومية أو الدينية أو الثقافية أو مختلف تركيبتها أو بمجموعها! وهي إحدى المفارقات الكبرى للتاريخ الحديث والمعاصرة في العراق. إذ نقف أمام أحزاب تدعو للمعاصر والحداثة بينما في جوهرها هي تمثيل وتمثل لقيم التقليد والتخلف. مما أدى بدوره إلى ظهور ثقافة حزبية مسطحة ومثقف حزبي أجير ومثقف مرتزق. أما الثقافة فقد أصبحت جزء من مغامرة الأحزاب الراديكالية والحثالة الاجتماعية. وحصلت هذه الظاهرة على ذروتها وتجسيدها التام في الصدامية بوصفها الممارسة التي أكثر من تمّثل ومّثل هذه الظاهرة. وذلك لأنها كانت نتاجها الأكثر تجانسا وتشوها في الوقت نفسه، كما نعثر عليه في دفعها هذه الظاهرة إلى أقصى واقسي أطرافها وأشكالها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق