الأربعاء، 6 مايو 2009

الراديكالية الشيوعية

الراديكالية الشيوعية
والبعثية العراقية
وانقلاب القيم!

ميثم الجنابي

أدت ظاهرة انتشار وسيادة الراديكالية السياسية في العراق الحديث إلى جعلها إحدى اخطر الظواهر الاجتماعية والثقافية بالنسبة لوجود وآفاق تطور البدائل فيه. ولعل أهم نتائجها الخطرة الحالية تقوم في صعود واستفحال الحركات الراديكالية الإسلامية المتطرفة (الأصولية). إذ لم تكن هذه الحركات سوى الاستظهار المقلوب لزمن الراديكالية الطبقية والقومية الدنيوية الفارغ، أي لزمن السيادة شبه المطلقة للراديكالية الدنيوية (العلمانية) الشيوعية والبعثية. بمعنى إن الراديكالية التي استطاعت إفراغ التاريخ المعاصر للعراق من خلال تهشيم المشاريع الواقعية لبناء الدولة والمجتمع المدني والثقافة العقلانية أدت إلى إنتاج «بديلها» في الراديكالية الإسلامية. إذ تكشف التجارب التاريخية للعراق عن حقيقة تقول، بأنه كلما كانت الراديكالية المتسلطة همجية كلما أصبحت الراديكالية المناوئة لها اشد همجية منها.
ويقف العراق الآن أمام حالة استفحال نماذج من الراديكالية لا تقل همجية من تلك التي أنتجتها. وهي حالة «طبيعية» لا يمكن توقع صيغة أخرى لها في ظروفه الحالية. بل يمكن القول، بأنها ظاهرة سوف تستقوي تدريجيا إلى أن تبلغ ذروة انحطاطها بعد خروجها العارم من سجن التوتاليتارية البعثية «العلمانية» والدكتاتورية الصدامية الطائفية.
فقد اندثر حزب البعث وتحولت بقاياه المتربية بتقاليد التسلط إلى قوى همجية تحترف القتل العشوائي عوضا عن القتل المنظم!! ولم يبق من الحزب الشيوعي الأقدم والأعرق والأوسع جماهيرية والأكثر تأثيرا وتنظيما وقوة دعائية سوى أطلال خربة. بحيث انقلبت كل موازينه الداخلية. وأصبح اقرب ما يكون إلى هيئة هلامية قابلة لكل الصور، من قبول «الامبريالية الأمريكية» والتحالف معها إلى الاندراج في قوائم دينية (شيعية) وقومية صغيرة (كردية) وتابع للبعثيين الجدد (علاوي) وأخيرا إلى ذيل صغير لقوى قومية عرقية صغرى (كردية كما جرى في انتمائه لقائمة "التآخي" في الموصل). بمعنى فقدانه لبوصلة الوطنية العراقية والقومية العربية والرؤية الاجتماعية. وهو فقدان عريق كان في أكثر جوانبه الوجه الآخر لحزب البعث. بحيث جعل منه في نهاية المطاف حزب الأقليات القومية والعرقية. لكنها مكونات لا يمكنه منافسة الآخرين بها أو فيها لأنها محجوزة مسبقا من قبل أحزاب أكثر تماهيا مع مكوناتها! لاسيما وأنها الحالة العادية في ظروف التجزئة العميقة والفعلية للعراق الحالي. وهي نتيجة أظهرتها نسبة الأصوات التي حصل عليها في الانتخابات الأولى عام 2005 بحيث لم تتجاوز نسبة 1%. وهي ذات النسبة التي حصل عليها في كنف أياد علاوي (نهاية 2005)، أي في ظل تغطية سياسية ودعائية ومالية لشخصية سياسية فردية، وليس حتى لحركة أو حزب اجتماعي سياسي بالمعنى الدقيق للكلمة. بينما انحدر في الانتخابات المحلية الأخيرة (2009) إلى حالة التلاشي الفعلي، بحيث تحول إلى "حالة سلبية" تامة في الوعي الاجتماعي. وليس مصادفة أن تكشف الانتخابات الأخيرة عن إمكانية فوز أفراد لحالهم على أحزاب سياسية كبرى. بينما لم يفز أي من ممثلي الحزب الشيوعي والحزب نفسه في أية منطقة من مناطق العراق العربي! وهو مؤشر على انه حزب لا عراقية فيه، أو أنها مجرد بقايا ديناصورية مندثرة ضخمة العظام "هيبتها" أمام عيون الأطفال ومراهقي التفكير السياسي! ذلك يعني إننا نقف أمام حالة تعكس طبيعة الانحدار السياسي للحزب وتحوله إلى كيان من الماضي، مع أن الادعاء الأيديولوجي بالمستقبل يرتقي عنده دوما إلى مصاف المطلق! أما في الواقع فإن المطلق الوحيد هو الإصرار على الابتعاد عن منطق الرؤية الواقعية والعقلانية تجاه الإشكاليات التي يواجهها العراق من خلال الانتماء إلى مكوناته الفعلية، وبالأخص القومية العربية. بحيث جعل منه الحزب "السياسي" الوحيد في ظروف العراق الحالية الذي يفتقد إلى ابسط مقومات المنطق السياسي والاجتماعي والوطني والقومي والطبقي والأخلاقي. ولعل تحالفه الأخير مع حركات قومية عرقية صغيرة كما جرى في الموصل سوى احد الأدلة المثيرة والغريبة في الوقت نفسه. حزب "أممي" وطني عراقي ينطوي تحت جناح أقلية متخلفة بمعايير السياسة والاجتماع والمستقبل في منطقة عربية "متعصبة" في انتمائها القومي! إلا أن هذه الصورة المفارقة والغريبة لا تثير في الحزب الشيوعي "العراقي" شيئا غير "الاعتزاز" الذي يعادل من حيث الجوهر حالة الانفصام التام في الشخصية والرؤية.
لكننا حالما نضع هذه الحالة الغريبة ونتائج الانتخابات الأخيرة (2009) في العراق، فإننا نتوصل إلى كونها ليست حالة عرضية أو طارئة، بقدر ما أنها نتيجة تراكمت في نسق الرؤية النفسية والذهنية الأيديولوجية للحزب التي حكمت تاريخه الحديث. وليس مصادفة أيضا أن يكون تاريخه السياسي وما يزال بهذا الصدد هو زمن الابتعاد العلني والمستتر عن القومية العربية. وفي هذا يكمن سر هزيمته التاريخية في العراق. وهي عقدة أكثر مما هي عقيدة. ويمكننا تتبع زمنها في زمن العداء المبطن للقومية العربية وصراعه العنيف مع أحزابها، كما تجسد بصورة حادة مع حزب البعث. وهو صراع لا علاقة له بحقيقة العقيدة بقدر ما يعكس عقدة الأقليات عند الشيوعيين وعقدة الهامشية عند القوميين العرب. أما النتيجة فهي إفساد الفكرة القومية والشيوعية، البعث باسم قومية مزيفة، والشيوعي باسم أممية أكثر زيفا.
لم يكن مصير الشيوعيين والبعثيين بوصفهم القوى السياسية التي وحّدت بواعث التمزيق الهمجي للفكرة الوطنية والاجتماعية، سوى النتيجة المترتبة على الخضوع المتعصب لأيديولوجيات مقلوبة من حيث أولوياتها، ومحكومة منذ البدء بفشل محتوم بسبب ابتعادها الفعلي عن إدراك طبيعة المشاكل التي تعاني منها الدولة والأمة. كما أنهما مثلا وتمثلا بطريقة لا تخلو من السذاجة التاريخية فورة الراديكالية العالمية المتراكمة في التقاليد الأوربية. لكن إذا كانت التقاليد الراديكالية الأوربية هي النتاج الوجداني المتناثر على طريق العقلانية العريقة والرأسمالية الأشد تنظيما، فإنها في ظروف العراق المتخلفة لم يكن بإمكانها أن تكون أكثر من نزوع إرادي عادي، عادة ما يلازم الذهنية المتطفلة على مظاهر المعرفة. من هنا تحولها إلى مرتع للجهلة وأنصاف المتعلمين، الذين تحولوا بين ليلة وضحاها إلى«طبقة عاملة» و«جماهير كادحة». ولم تعني هذه الكلمات في الدعاوي الأيديولوجية للشيوعيين والبعثيين في أفضل الأحوال أكثر من مصطلحات منتقاة من قواميس التعليم الابتدائي للطلبة بدون وعي فلسفي يناسبها. بينما كان تاريخ العراق ضعيفا بمعايير التراكم النظري والعملي للأفكار السياسية. بل يمكننا القول، بأنه كان يخلو من تقاليد الفكر النظري السياسي العلمي. من هنا لم تعن كلمات الجماهير والعمال والكادحين وأمثالها في الأيديولوجيات العملية للشيوعية والقومية (البعثية) سوى الوقود التي لا تحتاج لغير شرارة «الفكرة الثورية» لكي تحترق في أتون معارك «وطن حر وشعب سعيد» أو معارك «الوحدة والحرية والاشتراكية». لهذا لم ينتج تاريخ الحرية السعيدة والوحدة الاشتراكية غير دخان الراديكالية الخانق. وتحته كانت الجماهير والعمال والكادحين، أي الفئات الاجتماعية العريضة ترزح تحت عبودية غاية في التعاسة وإفقار مريع وتجزئة جعلت من رجوعها إلى «مصادرها الأولى» أمرا مقبولا ومعقولا بمعايير العقل والوجدان. من هنا رجوع الأقليات القومية إلى أعراقها، والطوائف إلى طائفيتها، والقلقين والفقراء إلى «الإيمان». وهو نكوص جعلت منه الدكتاتورية الصدامية أداتها السياسية الجديدة في حملاتها الإيمانية وهمجيتها القومية وشراستها الطائفية. وفيها نعثر على حالة الانحطاط وذروتها التامة القائمة في مفارقة تعايش راديكالية وعبودية في "أحزاب جماهيرية"!! لكنها مفارقة تطرح بعد قرن من الزمن الضائع، مهمة البحث عن بدائل واقعية لما خلفته الراديكالية السياسية للشيوعية والبعثية في العراق من شيوع الجهل وانبعاث القتل الشامل للعقل والضمير الاجتماعي. وهي بدائل لا يمكنها الاستقرار والنمو ألا في حال استنادها إلى فكرة اجتماعية وطنية ذات أبعاد قومية عربية في العراق. بمعنى قلب المعادلة التاريخية المشوهة التي ابتدأت بفكرة أممية مزيفة و"تكاملت" في أيديولوجية قومية جهوية فئوية طائفية، إلى معادلة تاريخية عقلانية تبدأ بالفكرة الاجتماعية وتتكامل بالفكرة الوطنية لتنتهي بالفكرة القومية، بوصفها حلقات واقعية وضرورية ومستقبلية.

السرديات الاسطورية للدولة التوتاليتارية العراقية


السرديات الاسطورية للدولة التوتاليتارية العراقية
مقدمات في الركود المستديم
يوسف محسن
كلما قررنا ان هذا هو العراق نكتشف عراقا اخر عراق محير وفوضى من الافكار والمشاريع والطموحات والاكاذيب يتطلب في كل مرحلة العودة الى الوضعية السياسية المشخصة لمعرفة (المسألة العراقية) مساراتها،عناصر تكوينها، اصولها.
فطول السنوات الاربعة الماضية وبكل تفاصيلها الثقيلة والمأساوية لم يضع المثقفين والمفكرين العراقيين مفهوم (الاحتلال) تحت القراءة النقدية لمعرفة المتغيرات السوسيولوجيه التي ادخلت على هذا المفهوم الملتبس والغامض فقد حقق (الاحتلال ) بين علامتي تنصيص استحقاق وطني باسقاط النظام الفاشي البدوي والذي لم تستطع القوى الوطنية العراقية بكل تكويناتها من تحقيق هذه المهمة التاريخية بسبب ستراتيجية السلطة التوتاليتارية المعقدة والتي قامت عليها الدولة العراقية قبل عام2003 حيث شيدت نظام متشابك من البنى القرابية والايديولوجية الريعية والحزب الجماهيري الواحد والاقتصاد المركزي المخطط والهيمنة على وسائل الاعلام والجيش والاجهزة البوليسية (مخابرات، امن وطني، استخبارات............ اضافة الى التلاعب بالمؤسسات الاجتماعية التقليدية الاهلية وسيطرة نظام العصبية السياسية مما منح هذه الدولة درجة عالية من الضبط والقسوة الجامحة وصلت الى مرحلة الابادات الجماعية للمكونات الدينية والقومية المناوئة.
وهنا نلاحظ سهولة الطرح في تناول المشاكل التي يرزخ تحتها المجتمع العراقي وعدم تمكن المثقفين في كشف الابعاد الفكرية والثقافية والسياسية وتنقيب عن الجذور التاريخية للتوترات والصراعات اضافة الى ذلك لم يطرح سؤال التعددية (القومية والدينية والعرقية والثقافية) وقضية علاقة الدين بالدولة ومصادر التشريع واقتسام الثروات /السلطة.
حيث ان ديناميكات النزاع الان في العراق تتطلب العودة الى قراءة السرديات الكبرى التاريخية للدولة الوطنية العراقية حتى الانهيار الشامل تتوصول الى فهم المنحى السياسي للحقل الايديولوجي العراقي (تفكك اليسار التقليدي، السبات المستديم للتيارات الليبرالية، نمو وتبلور الاصوليات الدينية بوصفها ازمة اجتماعية شاملة وتشكل الهويات الفرعية القومية والعرقية وظهور الطائفية السياسية العراقية التي تتناسل نتيجة استمرار اشتغال نظام البنى التقليدية وازمة تبلور مؤسسات الدولة الحديثة وهيمنة الرموز الاسطورية في الفكر السياسي العراقي الجديد.
(1)
عندما نطرح سؤال قد يبدوا ملتبسا الان..
لماذا اختار البريطانيون العمل من خلال نظام ملكي في عراق 1921 حيث تشكلت الدولة العراقية، كانت نتاجا مشوها لنمط الهيمنة الكولونيالية ولكن هذه الدولة استجابة للنظام الثقافي والاجتماعي والسياسي السائد في المجتمع العراق انذاك وقد تكونت الجماعات التي ساهمت في تاسيس الدولة العراقية من شيوخ القبائل العربية والاغوات الاكراد وكبار التجار والضباط الاشراف تمكن هذا التحالف التقليدي من البقاء في السلطة حتى 1958 ومع مجي العسكر الى السلطة ولعدم تمكن اوامتلاك هذه المؤسسة العسكرية نسقا ايديولوجيا واضحا تحولت هذه المجموعات من الضباط العسكريين الى بؤرة ازمات مزمنة ادت الى تعطيل الدستور وانهيار جبهة الاتحاد الوطني واندلاع الصراعات السياسية حتى مجيئ انقلابي 1963 -1968 لكي يتم تبلور تاريخ الدولة الشمولية القومية حيث تسلم حزب البعث العراقي السلطة السياسية في تشكيلة اجتماعية اقتصادية مفككة ونظام الدولة يقوم على احتكار السلطة للزعامات الفردية وهيمنة العنف السياسي امام هذا النسق التاريخي المجتمعي بدات الدولة القومية بتخطي الشكل التقليدي وصياغة تشكلية جديدة تتطامن مع التاطيرات القانونية والوظائفية للدولة البعثية حيث تم دمج مؤسسة الحزب وجهاز الدولة بكيان واحد يرمز للهيمنة السياسية والمالية متزامنا من تفكك وانهيار الزعامة القومية الناصرية وارتفاع اسعار البترول 1973 (نتيجة ازمة الطاقة) وقد شكلت الدولة البعثية نظاما مركزيا صارما يستند الى شبكة معقدة من الروابط القبلية والجيش ومؤسسات الشرطة والامن الوطني.
ان هذا المسار التاريخي ادى الى ازمة تكوين الطبقة البرجوازية الوطنية العراقية وصعود الفئات الريفية بايديولوجيتها القومية الرثة التي تتسم بالنزعات الشوفينية مما انتج بناء دولة توتاليتارية تلغي الاختلاف والتعددية وتمارس العنف والاقصاء والتهميش للجماعات الدينية والقومية.
ان ظهور الدولة الشمولية القومية في احد اطوار التاريخ السياسي للمجتمع العراقي كان نتيجة لازمة تشكل نظام البنى الاجتماعية التاريخية ومحيط جغرافي - سياسي ضاغط اضافة الى طبيعة النظام الدولي المهيمن انذاك حيث ولدت هذه الدولة من رحم الوسط القومي العلماني تقوم بنيتها الايديو لوجية على حاكمية الحزب الواحد ونزعت الاستبداد والتفرد والاحتكار الاليات العنف والعدوان والشوفينية القومية واستنصار (مؤسسة العشيرة والجماعات الطائفية) حيث ان هذا الشكل من الدولة يعود تاريخيا الى حقبة الاستقلال السياسي عن الهيمنة الكولونيالية التي رفعت فيها الحركات القومية ايديولوجية ضخمة استطاعة ان تدمج سائر الطبقات الاجتماعية والسياسية في وحدة كفاحية..
لقد تمكن النموذج البعثي للدولة في صورها الاولى ان يهيمن ويحقق السيطرة الشاملة على المجالين الاقتصادي والسياسي وينفذ سلسلة من الاجراءات حسبت من قبل اليسار العراقي بوصفها المسار الحقيقي للاشتراكية.......... الاصلاح الزراعي..تاميم الثروات...
وبسبب ازمة التكوين للدولة الوطنبة العراقية خلال عشرينيات القرن الماضي لم يستطع المجتمع العراقي ان يبلور تنظيما مؤسساتيا/سياسيا قادر على تحجيم بواكير الدولة التوتاليتارية يضاف الى ذلك ضعف القطاع الخاص وهشاشة الطبقة البراجوازية الوطنية العراقية وعدم وضوح مشروعها الفكري والطبقي والتي كان من الممكن ان تحول دون تضخم الدولة البعثية اقتصاديا وسياسيا.
استطاع البعث العراقي ان يصنع دولة (كراسمالي ضخم) حيث تم الاستيلاء على ثروات المجتمع واتسعت السيطرة الاقتصادية والسياسية والعسكرية والفكرية بعد عسكرة المجتمع ودمج الاجهزة السياسية والامنية في جهاز الدولة خلال حقبة الثمانينات من القرن الماضية وهي خطوات لهندسة تاريخية الدولة الكليانية القومية رافقتها ظهور النزعات العدوانية العسكرية بعد اطلاق اول مغامرة عسكرية ضد ايران نتيجة صعود تيار راديكالي الى السلطة السياسية هذه المغامرة العسكرية ادت الى تحجيم خطط التنمية الوطنية والثقافية وتكريس هيمنة الدولة على الفضاءات السياسية والاقتصادية والاجتماعية واستخدام سياسة الاقصاء والاستبعاد واحتكار السلطة.
بعد انهيار الفكر السوفيتية دخلت الدولة الوطنية العراقية الكليانية في الطور الاخير من ازماتها الدورية وخاصة بعد تبلور ايديولوجية التوسع الراسمالي في النيوليبرالية وسعيها للهيمنة حيث تم حتلال العراق وتفكيك الدولة وبداية (الهيمنة المركبة) للسلطة السياسية.
(2)
ان الوصول الى فهم المنحنى الاسطوري للدولة العراقية ما بعد الهيمنة الكولونيالية الجديدة يتطلب كمدخل اولى تحلليل الخطوط العريضة لبنيات الخطاب السياسي للجماعات الدينية والقومية والاثنية والسياسية والتي تشكل الفضاء العام للمجتمع العراقي فقد شكل مفهوم (الديمقراطية) حجر الزاويا في هذا الخطاب السياسي حيث وقع منتجوا هذا الخطاب في الوهم القائل بان الديمقراطية تعني تماثل الدولة او المؤسسة التمثيلة مع تركيبة المجتمع لكون هذه التركيبة تمثل اصالة المجتمع العراقي (المخترع سياسيا )من قبل هذه الجماعات.
هذا الخطاب السياسي يفتقد الى صيرورات التمركز حول نواة حقيقية او هوية حيث انه نتاج الفكر (البلقانوني) الذي تم اعادة هيكلتة عبر االيات الهويات والاصالة والتفرد في (المخيلة)الايديولوجية ادى الى تمركزات حول (طوائف، قوميات، اعراق، اثينات ) وتوترات سياسية للجماعات المقصية والمهمشة عن الدورة السياسية او الشراكة في السلطة/الثروة.
بعد هذه القراءة السريعة للنسق العام للخطاب السياسي لتلك النخب السياسي (افتراضا )التي تهيمن على الفضاء السياسي بعد التغير 2003والتي تتشكل من مزيج فسيفسائي اي انتاج مجتمع يعاني ازمة تكوين البنى الاجتماعية والاقتصادي والتشظي الشديد والتمركز حول هويات ومرجعيات سياسية وفكرية تتراوح بين التعايش والنزاع ونتيجة للعنف المنظم والقهر الذي مارسته الدولة التوتاليتارية منذ ستينيات القرن الماضي داخل المجتمع العراقي حيث هذه الجماعات الفسيفسائية تبحث عن اسطورة مرجعية او طقس مشترك يمثل اعادة انتاج للراسمال الرمزي للدولة الوطنية العراقية بعد الانهيار الكلي حيث ان هذا الانهيار العاجل للدولة حدد الفشل الاخير لها كما صممت لكثر من ثمانين سنة خلت في اعقاب مواجهة عسكرية اخرى انتهاء باختفاء نهائي لاحد ابطالها ( امبراطوية العثمانية قبالة الامبراطورية البريطانية ).
ان اعادة انتاج هذه النخب السياسية (القرابية، الطائفية )كحامل تاريخي يشير الى مجموعة من الدلالات الملتبسة التي يمكن اكتشافها في المشهد الممسرح حيث انها مرهونة بروح الاسلاف (شعائرهم،طقوسهم) ان ماضي العراق الكولونيالي هو حاضر العراق الكولونيالي.
هذه النخب السياسية لاتمتلك البعد المستقبلي لعراق مابعد صدام حيث ركود البنى الاجتماعية، الازمات المستديمة ضعف الحراك السياسي للطبقات الاجتماعية عدم تبلور جماعات الانتلجستيا...
وهنا تكمن عملية الاخفاء الايديولوجي لجماعات النخب السياسية فهي تكرار مهيب وهزلي للنخب السياسية القديمة التي حكمت الدولة الوطنية العراقية ابان ظهورها، حيث تنطوي هذه الفكرة على المشروعية لتجاوز الظهورات المتعاقبة للدولة (انقلابات، ثورات) فكان رهان الجماعات السياسية ولحد الان الامساك بتاريخية الاسطورة من اجل توسيع المعنى /القوى واضفى الشرعية على مجموعة النخب الجديدة.
فالمسالة العراقية تؤرخ لانهيارات التاريخية المستمرة (للدولةالدستورية الدولة لعسكرية، دولة الحزب الواحد ) وهنا تكمن هزيمة الاستعارة المستعادة امام خطاب النخب السياسية لصعوبة الانسان بمصدرالاسطورة او البحث عن تاطيرات مرجعية –تاريخية نتيجة الترقيعات والتحويرات التي طالت (المأتم الجنائزي العراقي) في تاريخه الحديث حيث ان هذه التحويرات تطال الذاكره الشعبية لكون تاريخ المجتمع يعمل وفق انساق بنيوية خارج الارادات الذاتية للافراد.
فان البحث عن الشرعية مرهون بتغير نمط الحقل السياسي وتجاوز العناصر الطموطمية في تاريخية الفكر وامتلاك المستقبل وتاسيس عناصر المجتمع المدني وتحديث المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وبناء دولة قانون وفتح حوار عقلاني تنوير لاستيعاب الاخر التعددي (الديني والقومي والاثني والطائفي) والخروج التام من دين التوتاليتارية.
.........................................
هوامش
1>ان العمل الضخم لحنا بطاطو يتميز بتصميم مثير للدهشة لتاريخ المجتمع العراقي.
2>دراسة ايديولوجية الاستقلال الوطني. الشفرات ,الوقائع الادبيات السياسية والاقتصادية والفكرية لاكتشاف النزعات التوتاليتارية في الحقل المجتمعي العراقي.
3>لم يتم تحليل طبيعة الازمات الدورية للدولة القومية في العالم العربي والتي اطلق عليها في حقبة السبعينيات (الانظمة التقدمية) سوريا العراق مصر بأستثناء المفكر الماركسي مهدي عامل الذي وصفها كونها انظمة استبدادية وكليانية رثة.
4>الاسطورة هي عبارة عن قصر ايديولوجي مبني بواسطة حصى وانقاض.خطاب اجتماعي قديم (ليفي ستراوس).
5>قراءة الكيفية التي تعيد بها الدولة الفوارق والتمايزات بين الافراد والجماعات كمفتاح الفهم البنى الاجتماعية للمجتمع العراقي ونمو وتدهور الدولة التوتاليتارية البعثية

جذور التوتاليتارية لحنة آرندت: ستالين وهتلر معًا...


جذور التوتاليتارية لحنة آرندت: ستالين وهتلر معًا...

ابراهيم العريس

لم يكن استخدام مصطلح «توتاليتارية» (أي «حكم شمولي»)، بالأمر الجديد في سنة 1945. ذلك أن هذا المصطلح السياسي كان يستخدم، في الكتابة الفكرية كما في اللغة السياسية، منذ زمن بعيد، ومع هذا كان من نوع التجديد أن تستخدمه الكاتبة والمفكرة الألمانية الأصل حنة آرندت، في ذلك العام لتتحدث من خلاله، وبشكل مقارن، عن النازية والستالينية في آن معًا. ففي سنة 1951 حتى حين كان المفكرون ينددون بالستالينية، فإنهم لم يكونوا قد قطعوا بعد الخطوة التي تماثل بين فكر ورث ماركس ولينين، بحسب زعم ستالين وجماعته، الذي يحكم في واحدة من أكبر الأمبراطوريات في العالم، وبين ذلك الوباء النازي الذي كان قد كف عن الحكم، بعد أن جرّ على الإنسانية طوال عقود من السنين ويلات كثيرة. حنة آرندت قطعت تلك الخطوة لتنشر في ذلك العام كتابها جذور التوتاليتارية[1] الذي صار منذ ذلك الحين مرجعًا معتمدًا في الفكر السياسي، ناهيك عن كونه قد صار أيضًا واحدًا من أهم كتب تلك المفكرة التي ستحقق لاحقًا شهرة أكبر حين تكتب، انطلاقًا من ريبورتاج كلفت به من قبل مجلة نيويوركر الأميركية، ذلك النص المدهش حول إيخمان في القدس والذي كان أول ضربة فكرية عميقة توجه إلى السلطات الإسرائيلية من قبل مفكرة يهودية. ولئن كان إيخمان في القدس قد تميز بعمق فلسفي في قراءة الشر وعاديته، على مستوى الفرد، فإن جذور التوتاليتارية تميز بعمقه في دراسة ظواهر سياسية على مستوى الدول والجماعات، ليصبح من فوره واحدًا من كلاسيكيات الفكر السياسي. إضافة إلى أن المفكرين لم يعودوا من بعده قادرين على استبعاد فكرة المقارنة والتقارب بين الظاهرتين الفاشيتين الأكثر حضورًا في القرن العشرين: النازية والستالينية. علمًا أن الكتاب يتناول، كذلك، كجزء مكمل لهاتين الظاهرتين مسألة معاداة السامية، ليس كظاهرة سياسية، بل كمفهوم فكري. ومن هنا اكتملت لهذا الكتاب العناصر التي جعلت منه، محاولة أولى وجريئة لـ «التأريخ الفكري للنصف الأول من القرن العشرين» على الأقل.
ومع هذا، سنلاحظ بسرعة أن الكتاب يبدأ بدراسة ظاهرة نشوء معاداة السامية وتطورها في وسط أوروبا وغربها، منذ أواسط القرن التاسع عشر، رابطة إياها في شكل أو آخر، في فصل تال، بصعود الإمبريالية خلال الفترة الفاصلة بين منتصف ذلك القرن واندلاع الحرب العالمية الأولى. ولعل الجديد الذي أتت به آرندت في هذا المجال، هنا، هو التحليل العميق الذي أوصلها إلى التأكيد على أن التمييز العنصري إنما كان في ذلك الحين السلاح الإيديولوجي الأكثر قوة ومَضاء في يد الإمبريالية الناشئة. ومن هنا، وكما تشير آرندت، صار ذلك التمييز، إضافة إلى البيروقراطية (التي تفيدنا آرندت هنا بأنها اختبرت بأفضل ما اختبرت في مصر خاصة من قبل اللورد كرومر)، صارا معًا السمة الرئيسية للنزعة الكولونيالية الإمبريالية، التي اتسمت في الوقت نفسه بنزعة توسعية لا تعرف حدودًا. ولقد قامت هذه النزعة بالتعارض المطلق مع مفهوم الدولة - الأمة، الذي كان من مقوماته الأساسية انحصاره في جغرافية أرضية محددة. وفي هذا الإطار نلاحظ كيف أن آرندت تهتم هنا بدراسة نمو وتراكم الرأسمال في الأمة - الدولة الأوروبية (فرنسا، بريطانيا، ألمانيا...) خلال القرن التاسع عشر، لتقول لنا، إن هذا الرأسمال كان في حاجة إلى أن يستثمر خارج الأرض الأوروبية المحدودة، كي يصبح مثمرًا، ما تطلب في الوقت نفسه توسيع الرقابة والسيطرة السياسيتين على مناطق عدة خارج القارة الأوروبية، من أجل توظيف الرساميل وحمايتها في شكل دائم. وانطلاقًا من هنا تنتقل آرندت لدراسة ما سمته بـ «الإمبريالية القارية»، عبر دراسة النزعة الجرمانية والنزعة السلافية، ونشوء حركات في البلدان المركزية للشعوب المرتبطة بهذه النزعة، حركات سرعان ما تحولت إلى أحزاب سياسية. وتقول آرندت هنا إن هذه الأحزاب أتت جميعها معادية للفكرة البرلمانية، وجعلت من نفسها بسرعة قوى تستخدم التمييز العنصري ومعاداة السامية أداة لتمكين نفسها. ومن أجل ذلك كان لا بد لها كلها من أن تكون مناهضة لفكرة الدولة، حيث تحل أسطورة العرف لديها مكان هذه الدولة. واللافت هنا هو أن آرندت بعد أن تشرح هذا كله تتوقف لتقول لنا إن ثمة فارقًا كبيرًا بين النازية والستالينية (كتعبيرين على أسطرة النزعة الجرمانية لدى الأولى، والنزعة السلافية لدى الثانية وحلولهما مكان الدولة الحديثة)، وبين الفاشية الإيطالية من ناحية أخرى، حين تقول لنا إن الفاشية في إيطاليا هي على العكس من ذلك
حركة تمجد فكرة الدولة وتاريخها، حتى وإن ظلت حركة قومية تسلطية.
وآرندت تنطلق من تفسير هذا، لتقول إن الستالينية أقرب إلى النازية الهتلرية من الفاشية الموسولينية، طالما أن الستالينية والنازية، بدتا حركتين همهما وهدفهما الرئيسي تدمير الدولة. وعطفًا على هذا تتوقف حنة آرندت في هذا القسم من كتابها، عند ظهور وتفجر مشكلة الأقليات العرقية والأنزياحات الشعبية (اللجوء) خلال السنوات التي تلت الحرب العالمية الأولى مباشرة.
أما في القسم الأخير من كتابها، فإن حنة آرندت تدرس وتناقش كل ما يرتبط بالحركات الشمولية من مؤسسات وممارسات، مركزّة هنا على ما ترى أنه كان التجلي الأكثر بروزًا للتوتاليتارية خلال النصف الأول من القرن العشرين، أي ألمانيا النازية وروسيا الستالينية، فتدرس أول ما تدرس، تحول الطبقات إلى جماهير، ودور الدعاية السياسية (البروباغندا)، في تعامل هذين النظامين مع العالم الخارجي، ناهيك عن استخدام الإرهاب ولا سيما إرهاب الدولة. وهنا، وبحسب دارسيها، تقول آرندت، وبإسهاب، كيف أن الأنظمة التوتاليتارية تختلف عن أنظمة الحكم الفردي الأوتوقراطي، من حيث أن هذه الأنظمة الأخيرة
تسعى للهيمنة على السلطة السياسية المطلقة وجعل المعارضة خارج القانون لإلغائها بعد اضطهادها، بينما تسعى الأنظمة التوتاليتارية إلى السيطرة الشاملة على حياة كل فرد وكل إنسان، كخطوة أولى على طريق السيطرة على العالم.
وفي هذا الإطار تدرس حنة آرندت، وبتعمق، الدور الذي تلعبه في هذا المجال ممارسات مثل إنشاء الجبهات السياسية الوهمية والتي تستخدم كواجهة للحكم، وتأسيس المنظمات الحكومية الوهمية، ونشر النظريات الغيبية كوسيلة للتوفيق
بين الطبيعة الجذرية للأهداف التوتاليتارية، والعالم الخارجي.
وأخيرًا في الفصل الختامي، والذي أضافته آرندت إلى طبعة العام 1958 من هذا الكتاب، تسعى الكاتبة إلى دراسة طبيعة عزل الأفراد عن بعضهم البعض كوسيلة ضرورية لسيادة مبدأ السيطرة الشاملة على المجتمع.
كما أشرنا، تعتبر هذه الدراسة (التي لا شك في أن مفكرين كثرًا تبعوا خطاها وتجاوزوها لاحقًا) واحدًا من أهم الأعمال الفكرية التي درست ظاهرة التوتاليتارية، مميزة إياها بخاصة عن الإمبريالية من ناحية، وعن الحكم الفردي من ناحية ثانية. وصاحبة الدراسة حنة آرندت (1906 - 1975)، فهي الفيلسوفة والمفكرة السياسية الألمانية الأصل والتي عاشت لاحقًا وكتبت في أميركا، وعرفت بمواقفها التقدمية، ناهيك عن صداقتها للفيلسوف مارتن هايدغر ومن قبله علاقاتها مع كارل باسبرز. ومن أعمال آرندت الأساسية الأخرى: حياة العقل، الشرط الإنساني، الإنسان في الأزمان المظلمة، واليهودي كمنبوذ.

بروفسور ميثم الجنابي


الراديكالية العراقية - الطريق المسدود 1-4

الراديكالية العراقية - الطريق المسدود 1-4

ميثم الجنابي m-aljanabi@mail.ru
إن المفارقة التاريخية للراديكالية تقوم في كونها النقيض الفعال للتاريخ، والفاعلة في الوقت نفسه على إفراغه الدائم من علوم الأجيال وأعمالهم! إذ ليست الراديكالية في الواقع سوى الصيغة النظرية والعملية لاقتلاع التاريخ من جذوره من خلال رفض الحاضر وتسخيف الماضي. وهي رؤية لم تبن على أساس استمداد قصائد البطولة والبدائل من المستقبل فحسب، بل ومحاولة تمثيله في كل ما تقول وتفعل. وهي رؤية كما يبرهن التاريخ على انها مجرد وهم سياسي وفكري لا يفعل في نهاية المطاف الا على إفراغ الماضي والحاضر والمستقبل من كل معنى خاص بهم. وبالتالي لا تعني فاعلية ونشاط الراديكالية في ظروف العراق الحالية سوى استمرار زمن الخراب الدائم. إذ يبرهن تاريخ الراديكالية في العراق على انها بلا تاريخ فعلي بمقاييس الدولة الحديثة والفكر النظري العلمي. وذلك لان حياة الراديكالية وعلمها وعملها وحياتها ونشاطها ما هو الا الإفراغ الدائم للحياة والعلم والعمل والنشاط من كل عناصر الوعي الذاتي. بمعنى انها التمثيل الدائم لإفراغ تجارب الأجيال الدائم من تراكم وعيها الذاتي. وبالتالي فإن استمرارها ونشاطها وفاعليتها في الحياة السياسة هو مؤشر على بقاء المجتمع في مرحلة ما قبل الدولة الشرعية والنظام المدني والديمقراطي. وهي حالة ميزت وما تزال تميز العراق في ظرفه الراهن.فقد كانت الراديكالية السياسية بمختلف أطيافها وما تزال تشكل التيار الساري في تاريخ العراق المعاصر، والعنصر المكون لأغلب الرؤى السياسية "اليسارية" و"اليمينية"، "الدينية" و"الدنيوية" (العلمانية). مما جعل منها عاملا فاعلا ومؤثرا في ونفسية وذهنية اغلب حركاته السياسية ومواقفها من النفس والآخرين. وهو الأمر الذي جعل منها وما يزال يجعلها إحدى اخطر الظواهر السياسية والثقافية بالنسبة لوجوده وآفاق تطور البدائل فيه.فمن الناحية التاريخية والنظرية ليس في الراديكالية ما هو معيب بحد ذاته. كما أنها بحد ذاتها ليست رذيلة أو فضيلة. بمعنى انها كانت وما تزال جزءا من العملية الطبيعية لتطور الدولة والمجتمع والثقافة. وإذا كان لهذا الأسلوب ما يبرره في المسار العام للتطور التاريخي العالمي وخصوصية تمظهره في مختلف الدول والأمم والثقافات، فإن ذلك لا يعني ضرورة الراديكالية بحد ذاتها. فمن الناحية الواقعية لا يمكن للدولة والحضارة والحركات الفكرية والسياسية الكبرى أن تظهر دون أن تتعايش معها مختلف أصناف الراديكالية. من هنا كان الإبداع الراديكالي يصب عموما في اتجاه تحسين وترسيخ وتوسيع المدى الثقافي للتقاليد العقلانية الكبرى ونماذج الاعتدال فيها. وذلك لان هذه الراديكاليات كانت تلعب في الأغلب دور المستفز الدائم والعقل النقاد والنزوع الشكاك تجاه ما هو موجود من قيم ومفاهيم وما يجري من أحداث. الا أن هذا الدور "الإيجابي" والطبيعي للراديكالية مرتبط بسيادة المرجعيات العقلانية الكبرى التي تبدعها الثقافة. فهي المرجعيات التي تعمل على تحجيم دور الخميرة الراديكالية في الحياة الاجتماعية من جهة، وتستمد من عنفوانها النقدي طاقة التهذيب العقلاني للإشكاليات التي تواجهها.أما في العراق، فإنها تحولت بسبب غياب تاريخ الدولة وتقاليدها السياسية لقرون عديدة في ظل السيطرة التركية، والانكسار المفاجئ للتقاليد المتراكمة في أواخر المرحلة العثمانية إلى صعود النفس السياسية فقط. وبما أن السياسة هي الخيط والميدان الرابط للناس والأشياء جميعا، وبما أنها الموضوع الذي يمكن أن يتحدث فيه العالم والجاهل، والرفيع والوضيع، والصادق والدجال، والرجال والنساء، والشيوخ والأطفال، لهذا أصبحت في ظل فقدان تقاليد الدولة ومؤسساتها أسلوبا لامتصاص الحثالات الاجتماعية ورميها إلى "مدن" السياسة، أي كل ما شكل أحد المصادر الكبرى لإنعاش الراديكالية نفسها. ولعل أهم نماذجها الحالية العنيفة هي الحركات الراديكالية الإسلامية المتطرفة (الأصولية). إذ لم تكن هذه الحركات سوى الاستظهار المقلوب لزمن الراديكالية الفارغ في العالم العربي. بمعنى إن الراديكالية التي استطاعت إفراغ التاريخ المعاصر للعالم العربي من خلال تهشيم المشاريع الواقعية لبناء الدولة والمجتمع المدني والثقافة العقلانية قد أدت إلى إنتاج "بديلها" في الراديكالية الإسلامية. إذ تكشف التجارب التاريخية للعالم العربي عن حقيقة تقول، بأنه كلما كانت الراديكالية المتسلطة همجية كلما أصبحت الراديكالية المناوئة لها اشد همجية منها.ويقف العراق الآن أمام حالة نتوء الراديكالية الأكثر همجية من تلك التي أنتجتها. وهي حالة "طبيعية" لا يمكن توقع صيغة أخرى لها في ظروفه الحالية. بل يمكن القول، بأنها ظاهرة سوف تستفحل تدريجيا إلى أن تبلغ ذروة انحطاطها بعد خروجها العارم من سجن التوتاليتارية البعثية "العلمانية" والدكتاتورية الصدامية الطائفية. بعبارة أخرى، إن خروجها العارم هذا سوف يضفي على كل الاصوليات الممكنة طابعا متطرفا ويجعلها اشد همجية في علمها وعملها. الا أن مفارقة هذه الظاهرة المدمرة تقوم أيضا في أن استفحال الراديكالية المعاصرة في العراق سوف ينفي بصورة سريعة زمن الدكتاتورية والتوتاليتارية، ومن ثم الراديكالية الهمجية نفسها. وذلك لأنها تعمل بوعي وبدون وعي على استعادة تقاليد العنف الذي تدعي مواجهته والقضاء عليه. وهي حالة لها مقدماتها في توسع المدى المادي والمعنوي لنفسية وذهنية الحثالة الاجتماعية والفئات الرثة التي لازمت استحكام التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية. وهي حالة تكشف عنها نادرة واقعية في العراق تحكي عن أحد "ممثلي" الحثالات الاجتماعية عندا قال لشخص "مثقف" قبل أن يقتله "كيف تعتدي علي وأنا حوذي ابن حوذي ابن حوذي!" أي عندما تتحول الحثالة إلى قيمة "أرستقراطية" تستعلي على الجميع من حيث قدرتها على مواجهة الثقافة باعتبارها قيمة تافهة وضعيفة!وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن العراق في ظرفه الحالي هو بلد الحثالات الاجتماعية، فيمكننا توقع اثر ذلك في نفسية وذهنية لراديكالية الممكنة فيه. وهي راديكالية لا يمكنها الا تكون همجية تامة بسبب طبيعة ومستوى الخراب الداخلي للعراق والهامشية الاجتماعية والتهميش فيه. فالخراب الذي حدث وطبيعة ومستوى التهميش والهامشية هو ليس نتاجا لامزة اجتماعية اقتصادية قاهرة، بل لقهر الدكتاتورية الصدامية والتوتاليتارية البعثية، أي لقهر مركب وشامل وبنيوي. وهو الأمر الذي يفرض على الراديكاليات الممكنة نمطا من التفكير الأيديولوجي والنفسية الاجتماعية هي خليطا من أيديولوجية الحثالات الاجتماعية والرثة السياسية. مما يضعها بالضرورة على خلاف حاد ومواجهة شاملة مع مشاريع البدائل العقلانية في العراق.وهو خلاف ومواجهة سوف تضع بالضرورة هذه الراديكاليات الفاعلة والممكنة ضد المسار العام لمشروع بناء الدولة الشرعية والمجتمع المدني والثقافة العقلانية. غير أن هذه العملية المؤذية تحتوي على قدر من الفائدة السياسية لترسيخ قيمة الرؤية الواقعية والعقلانية. وذلك لان استفحال المواجهة الهمجية من جانب الراديكاليات لمشاريع البدائل العقلانية في العراق سوف يؤدي بالضرورة إلى انحسارها السريع. وهو انحسار محكوم بخلخلة القاعدة الاجتماعية التي ترسبت في اعمق اعماقها كراهية شديدة للفكرة التوتاليتارية والدكتاتورية وممارساتها، أي للراديكالية الهمجية بحد ذاتها. وذلك لان الراديكالية المعاصرة في العراق، وبالأخص في نماذجها الدينية الشيعية منها والسنية لا تعمل في الواقع الا على استعادة العنف المنظم للسلطة بطريقة "اجتماعية". بمعنى محاولتها توسيع مدى العنف من خلال إشراك الفئات الاجتماعية المهمشة. وهي عملية متناقضة سوف تسرع من اغترابها الشامل عن المجتمع نفسه. وذلك لأنها لا تمتلك إمكانية التأثير المادي والمعنوي الذي تمتلكه الراديكالية المتسلطة. وفي مجرى هذه العملية المتناقضة تساهم الراديكالية الدينية والدنيوية والقومية (الأقلية) في تأسيس الرؤية العقلانية والاعتدال عند مختلف الشرائح الاجتماعية. وهي ظاهرة يمكن تلمسها في نمط تفكير الناس العاديين "البسطاء" من العراقيين الذين تخلوا عباراتهم وتصوراتهم وأحكامهم وتقييمهم للأحداث والأشخاص من الدموية وشعور الانتقام والعنف والقسوة. بمعنى إننا نعثر فيها على أجنة الإدراك العادي لقيمة الاعتدال والديمومة العادية في وجود الأشياء.إن تعمق وتوسع وترسخ الإدراك الضروري لقيم الاعتدال والعقلانية هو الاتجاه الواقعي والفعلي المضاد لمضمون الراديكالية نفسها التي تجعل من قطع العلاقة بالتاريخ والتقاليد عقيدة مقدسة. بينما يفترض المقدس هوية الثبات. وهو "فرض" تمارسه الراديكالية بحمية بالغة عبر مطابقته مع التجريب الخشن المبني على احتقار الشكوك والاعتراض. كما أنها تطابق بين فكرة الثابت المقدس مع يقينها الخاص عن أن الفعل التجريبي هو الوحيد المطلق.من هنا ارتفاع زئيفها وزعيقها ونعيقها وتناثر زبدها المتطاير من افواه "الرعية" بكلمات لا تفقه حقيقة معناها. فالراديكالية بشكل عام لا تفقه المعنى في الكلمة والعبارة والحدث. والشيء الوحيد الذي تراه وتمارسه بحمية بالغة وحماسة منقطعة النظير هو جهلها المرفوع إلى مصاف "المقدس". من هنا اكتظاظ كلامها وشعرها وشعارها بكلمة "المقدس". حيث تصبح اتفه الأمور واشدها ابتذالا "مقدسة"، ويصبح "الدفاع عن مقدساتنا" الأسلوب الهمجي لتبرير أفعالها في كل ما تجهله من مقدمات وتعتقده من غايات! وهو تناقض يعبر في الواقع عن طبيعة الراديكالية نفسها التي لا تتقن غير فصل الكلمات عن العبارة والمضمون عن المعنى والواقع عن الحقيقة والماضي عن الحاضر والتاريخ عن الزمن والمستقبل عن أفعالها! وهو الأمر الذي يجعلها اكثر القوى طغيانا في تغييب المجتمع والدولة والثقافة عن فكرة "المقدس". أما المقدس الوحيد فيصبح لهوها بالعبارة وإهمالها المريع للذاكرة التاريخية. وفي هذا بالذات تكمن خطورتها الفعلية بالنسبة لمصير الأمم والدولة والثقافة. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن النفسية والذهنية الراديكالية هي التمثل النموذجي لمساعي "الحسم الشامل والجذري" في تغيير الواقع والمؤسسات والأفكار والقيم، حينذاك يتضح طبيعة أسلوبها في العلم والعمل. وهو أسلوب يؤدي في النهاية إلى تدمير تجارب الماضي وخزين الذاكرة التاريخية ومرتكزات التقاليد الكبرى والقيم والمؤسسات. بمعنى انها لا تعمل في الواقع الا على كسر ونثر حلقات السلسلة الفعلية للذاكرة التاريخية. مع ما يترتب على ذلك من تخريب التجارب الخاصة للأمم وتسخيف فكرة القانون والنظام. حينذاك تصبح قسوتها في "النظام" هو امتهان لفكرة الحق والحقوق والشرعية، مع ما يترتب على ذلك من تحطيم لفكرة الدولة والقانون والأخلاق والمجتمع المدني. أما الحصيلة النهاية لذلك فتقوم في تحول الراديكالية إلى قوة مدمرة لا تنتج في نهاية المطاف غير الخراب والتوغل الدائم فيه. وفي هذا التناقض الدائم والمميز للراديكالية تكمن عوامل رؤيتها المأزومة، التي تحول العقل إلى هوى، والحدس إلى هراوة.أما في الممارسة العملية فإن المصير المحتوم للرؤية المأزومة للراديكالية يقوم في جعل منطق السلاح سلاح المنطق الوحيد! مع ما يترتب على ذلك من استظهار واستبطان لنفسية القوة وتقاليد التجييش والتسليح الشامل. وهو أمر يمكن ملاحظته بجلاء في ظاهرة الاهتمام المفرط بصنع "جيش المهدي" الشيعي وجيوش السنة المتناثرة التي يحمل بعضها ألقاب الإسلام والبعض الآخر أسم الجهاد وثالثها أسم التوحيد ورابعها أسماء الصحابة مثل أبي بكر الصديق والتي سيتبعها ألقاب التابعين إلى أن تصل إلى يزيد (بن معاوية!). وسوف تتزايد (من يزيد) هذه "الجيوش"، أي تتشرذم إلى أن تصل إلى "توحيد" نفسها بصورة علنية تحت راية الصدامية المجاهدة! ألم يكن صدام داعية "الصحوة الإيمانية" التي التفت حولها وشكلت جيوشها "المقدسة" (من القدس) وفدائييها الذين مهروا في جعل العراق وما فيه من غيرهم مجرد كبش فداء للرذيلة "المقدسة"؟!إن هذا "التسلسل" المحتوم في تعميق وتوسيع نفسية وذهنية التجييش والتسلح يؤدي بالضرورة إلى تجذر نفسية وذهنية العنف والإرهاب المميز للراديكالية بشكل عام والإسلامية بشقيها الشيعي والسني بشكل خاص في ظروف العراق الحالية. حيث تجري استعادة العبارة "الثورية" عن العنف و"العنف الشرعي" وما شابه ذلك من اجل تبرير نفسية وذهنية العنف نفسها. وهي ظاهرة تشير أولا وقبل كل شئ إلى ضعف فكرة المجتمع المدني والدولة الشرعية. وفيها ينعكس أيضا انعدام وعي الذات التاريخي في ميادين الثقافة السياسية والاجتماعية والحقوقية. بحيث يجري تحويل الفكرة المتسامية عن ضرورة القوة الداعية إلى "إرهاب أعداء الله" إلى جزء من "إرهاب عدوكم". وإذا كان العدو الدائم للراديكالية هو المؤسسات ووعي الذات التاريخي حينذاك يصبح الإرهاب الشامل ضدهما هو الأسلوب النموذجي لتخريب الحرية والنظام ووعي الذات (الثقافي). أما النتيجة المترتبة على ذلك فهي خراب المجتمع والفضيلة. وهي نتيجة كشف عنها تاريخ العراق الحديث بصورة نموذجية بحيث يمكننا الحديث عن راديكالية عراقية هي بحد ذاتها نموذج كلاسيكي لما يمكن أن تؤدي إليه الراديكالية من طريق مسدود في ميدان بناء الدولة والمجتمع والثقافة.وهو الأمر الذي يجعل من مواجهة الراديكالية بمختلف أصنافها وأشكالها وألوانها ومستوياتها أمرا ضروريا بالنسبة لمشاريع البدائل لعقلانية. وهي مهمة ممكنة التنفيذ من خلال نفي منطق السلاح بسلاح المنطق المبني على فكرة الديمقراطية السياسية والثقافة المدنية وفكرة الحرية. كل ذلك يتطلب جعل الرؤية العقلانية فلسفة الاعتدال العام والسياسي منه بالأخص. فهي الضمانة التي يمكنها أن تؤسس وترسخ تقاليد الثبات الضرورية لوحدة المجتمع وتراثه. وبالتالي قطع الطريق على الراديكالية، بحيث لا يؤدي حتى ظهور مختلف أشكالها وأصنافها وأطيافها، إلا إلى ترسيخ الرؤية العقلانية وفكرة الحقوق والدولة الاجتماعية. وفي ذلك فقط تكمن ضمانة تحطيم الطرق المسدودة! (يتبع)***

الراديكالية والرؤية المأزومة في العراق – 2-4

الراديكالية والرؤية المأزومة في العراق – 2-4


ميثم الجنابي m-aljanabi@mail.ru
يبرهن تاريخ الراديكالية في العراق على انها بلا تاريخ فعلي بمقاييس الدولة الحديثة والفكر النظري العلمي. وذلك لان حياة الراديكالية وعلمها وعملها وحياتها ونشاطها ما هو الا الإفراغ الدائم للحياة والعلم والعمل والنشاط من كل عناصر الوعي الذاتي. بمعنى انها التمثيل الدائم لإفراغ تجارب الأجيال الدائم من تراكم وعيها الذاتي. وبالتالي فإن استمرارها ونشاطها وفاعليتها في الحياة السياسة هو مؤشر على بقاء المجتمع في مرحلة ما قبل الدولة الشرعية والنظام المدني والديمقراطي. وهي حالة ميزت وما تزال تميز العراق في ظرفه الراهن. فقد كانت الراديكالية السياسية بمختلف أطيافها وما تزال تشكل التيار الساري في تاريخ العراق المعاصر، والعنصر المكون لأغلب الرؤى السياسية "اليسارية" و"اليمينية"، "الدينية" و"الدنيوية" (العلمانية).فمن الناحية التاريخية والنظرية كانت الراديكالية وما تزال جزءا من العملية الطبيعية لتطور الدولة والمجتمع والثقافة. وإذا كان لهذا الأسلوب ما يبرره في المسار العام للتطور التاريخي العالمي وخصوصية تمظهره في مختلف الدول والأمم والثقافات، فإن ذلك لا يعني ضرورة الراديكالية بحد ذاتها. فمن الناحية الواقعية لا يمكن للدولة والحضارة والحركات الفكرية والسياسية الكبرى أن تظهر دون أن تتعايش معها مختلف أصناف الراديكالية. من هنا كان الإبداع الراديكالي يصب عموما في اتجاه تحسين وترسيخ وتوسيع المدى الثقافي للتقاليد العقلانية الكبرى ونماذج الاعتدال فيها. وذلك لان هذه الراديكاليات كانت تلعب في الأغلب دور المستفز الدائم والعقل النقاد والنزوع الشكاك تجاه ما هو موجود من قيم ومفاهيم وما يجري من أحداث. الا أن هذا الدور "الإيجابي" والطبيعي للراديكالية مرتبط بسيادة المرجعيات العقلانية الكبرى التي تبدعها الثقافة.أما في العراق، فإنها تحولت بسبب غياب تاريخ الدولة وتقاليدها السياسية لقرون عديدة إلى قوة مخربة فقط.ولعل أهم نماذجها الحالية العنيفة هي الحركات الراديكالية الإسلامية المتطرفة (الأصولية). إذ لم تكن هذه الحركات سوى الاستظهار المقلوب لزمن الراديكالية الفارغ في العراق كما جسدتها التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية. فقد استطاعت إفراغ التاريخ العراقي من كل مكونات وعيه الذاتي من خلال تهشيم المشاريع الواقعية لبناء الدولة والمجتمع المدني والثقافة العقلانية. وأدت في النهاية إلى إنتاج "بديلها" في الراديكالية الإسلامية. إذ تكشف التجارب التاريخية للعراق عن حقيقة تقول، بأنه كلما كانت الراديكالية المتسلطة همجية كلما أصبحت الراديكالية المناوئة لها اشد همجية منها.وهي الحالة التي يقف العراق أمامها الآن. وهي حالة "طبيعية" لا يمكن توقع صيغة أخرى لها في ظروفه الحالية. بل يمكن القول، بأنها ظاهرة سوف تستفحل تدريجيا إلى أن تبلغ ذروة انحطاطها بعد خروجها العارم من سجن التوتاليتارية البعثية "العلمانية" والدكتاتورية الصدامية الطائفية. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن العراق في ظرفه الحالي هو بلد الحثالات الاجتماعية، فيمكننا توقع اثر ذلك في نفسية وذهنية لراديكالية الممكنة فيه. فالخراب الذي حدث وطبيعة ومستوى التهميش والهامشية هو نتاج لقهر مركب وشامل وبنيوي. مما سيفرض بدوره على الراديكاليات الممكنة نمطا من التفكير الأيديولوجي والنفسية الاجتماعية هي خليطا من أيديولوجية الحثالات الاجتماعية والرثة السياسية. الا أن مفارقة هذه الظاهرة المدمرة تقوم أيضا في أن استفحال الراديكالية المعاصرة في العراق سوف ينفي بصورة سريعة زمن الدكتاتورية والتوتاليتارية، ومن ثم الراديكالية الهمجية نفسها. وذلك لأنها تعمل بوعي وبدون وعي على استعادة تقاليد العنف الذي تدعي مواجهته والقضاء عليه. وهي حالة سوف تضع هذه الراديكاليات الفاعلة والممكنة ضد المسار العام لمشروع بناء الدولة الشرعية والمجتمع المدني والثقافة العقلانية. وذلك لان الراديكالية المعاصرة في العراق، وبالأخص في نماذجها الدينية الشيعية منها والسنية لا تعمل في الواقع الا على استعادة العنف المنظم للسلطة بطريقة "اجتماعية". بمعنى محاولتها توسيع مدى العنف من خلال إشراك الفئات الاجتماعية المهمشة. وهي عملية متناقضة سوف تسرع من اغترابها الشامل عن المجتمع نفسه. وذلك لأنها لا تمتلك إمكانية التأثير المادي والمعنوي الذي تمتلكه الراديكالية المتسلطة.إن تعمق وتوسع وترسخ الإدراك الضروري لقيم الاعتدال والعقلانية هو الاتجاه الواقعي والفعلي المضاد لمضمون الراديكالية نفسها التي تجعل من قطع العلاقة بالتاريخ والتقاليد عقيدة مقدسة. بينما يفترض المقدس هوية الثبات. وهو "فرض" تمارسه الراديكالية بحمية بالغة عبر مطابقته مع التجريب الخشن المبني على احتقار الشكوك والاعتراض. كما أنها تطابق بين فكرة الثابت المقدس مع يقينها الخاص عن أن الفعل التجريبي هو الوحيد المطلق.وهو تناقض يعبر في الواقع عن طبيعة الراديكالية نفسها التي لا تتقن غير فصل الكلمات عن العبارة والمضمون عن المعنى والواقع عن الحقيقة والماضي عن الحاضر والتاريخ عن الزمن والمستقبل عن أفعالها! وهو الأمر الذي يأزم على الدوام رؤيتها للواقع والمستقبل. مما يؤدي بها بالضرورة إلى تدمير تجارب الماضي وخزين الذاكرة التاريخية ومرتكزات التقاليد الكبرى والقيم والمؤسسات. بمعنى انها لا تعمل في الواقع الا على كسر ونثر حلقات السلسلة الفعلية للذاكرة التاريخية. مع ما يترتب على ذلك من تخريب التجارب الخاصة للأمم وتسخيف فكرة القانون والنظام. حينذاك تصبح أفعالها مجرد سلسلة في امتهان فكرة الحق والحقوق والشرعية، مع ما يترتب على ذلك من تحطيم لفكرة الدولة والقانون والأخلاق والمجتمع المدني. أما الحصيلة النهاية لذلك فتقوم في تحول الراديكالية إلى قوة مدمرة لا تنتج في نهاية المطاف غير الخراب والتوغل الدائم فيه. مع ما يترتب على ذلك من رؤية مأزومة تجاه كل شئ ومطلب! أما المخرج الوحيد لها هنا فهو ممارسة العنف بمختلف أشكاله "الشرعية" وغير الشرعية. وهي ممارسة معبرة عن تنامي نفسية وذهنية العنف نفسها. بمعنى عن أزمتها المتزايدة.وهي ظاهرة تشير أولا وقبل كل شئ إلى ضعف فكرة المجتمع المدني والدولة الشرعية. وفيها ينعكس أيضا انعدام وعي الذات التاريخي في ميادين الثقافة السياسية والاجتماعية والحقوقية. أما النتيجة المترتبة على ذلك فهي خراب المجتمع والفضيلة. وهي نتيجة كشف عنها تاريخ العراق الحديث وما يواجهه الآن من مشاكل بنيوية مستعصية وهائلة تشمل كل مكونات وجوده. وهو الأمر الذي يجعل من مواجهة الراديكالية بمختلف أصنافها وأشكالها وألوانها ومستوياتها أمرا ضروريا بالنسبة لمشاريع البدائل العقلانية. وهي مهمة ممكنة التنفيذ من خلال إرساء أسس الرؤية العقلانية وفلسفة الاعتدال. فهو الأسلوب الوحيد لتذليل الأزمة الشاملة في العراق ونموذجها الخاص في الرؤية الراديكالية. وهو تذليل يستحيل دون بناء مقدماتها المادية في إعادة توحيد المجتمع تراثه على أسس الشرعية والديمقراطية الاجتماعية والعدالة.فهي مقومات الرؤية العقلانية وفكرة الحقوق والدولة الاجتماعية. وفيها فقط يمكن بناء سد مأرب جديد في وجه التيار الكاسح للراديكالية. بمعنى وضع أسس الرؤية العقلانية ضد تيار الخراب النابع من واقع العراق وزمنه الحديث

الراديكالية الشيعية المعاصرة وآفاق البدائل السياسية في العراق – 3-4

الراديكالية الشيعية المعاصرة وآفاق البدائل السياسية في العراق – 3-4


ميثم الجنابي m-aljanabi@mail.ru
إن ظهور الحركات الراديكالية السياسية في عراق ما بعد التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية هو أحد المؤشرات الكبرى على استمرار التاريخ السالف بمكوناته اللاعقلانية وانعدام الإدراك السياسي والاجتماعي لأثر الراديكالية بحد ذاتها على مجمل المسار التاريخي للدولة والمجتمع والثقافة.فقد كانت الراديكالية السياسية في تاريخ العراق الحديث مصدر مأساته المعاصرة. إذ تبرهن التجربة التاريخية للعراق الحديث بصورة قاطعة على أن خطورة الراديكالية تقوم في رفعها قطع العلاقة بالتاريخ والتقاليد إلى مصاف العقيدة المقدسة. بينما يفترض المقدس هوية الثبات. وهو فرض تمارسه الراديكالية بحمية بالغة عبر مطابقته مع التجريب الخشن المبني على احتقار الشكوك والاعتراض. كما أنها تطابق بين فكرة الثابت المقدس ويقينها الخاص عن أن الفعل التجريبي هو المطلق الوحيد. مما يجعل منها في الأغلب قوة مدمرة لا تنتج في نهاية المطاف سوى الخراب والتوغل الدائم فيه.ولعل تجربة العراق في مجرى سيطرة التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية هو نموذج "كلاسيكي" لذلك.وبالتالي فنه ظهورها من جديد واستفحالها بين التيارات الإسلامية هو مؤشر بحد ذاته على الخطورة العميقة فيها وذلك بسبب استعدادها على جمع الأبعاد السياسية والدينية في الظاهرة الراديكالية نفسها. مما يجعل منها قوة اكثر خشونة وتخريبا وذلك بفعل إمكانية تمثلها المشوه لفكرة المقدس. وهو أمر يمكن ملاحظته بجلاء في التيارات الأصولية الإسلامية السنية والشيعية. أما في هذا المقال فسوف أتطرق أساسا إلى التيار الشيعي وذلك لما فيه من اثر فعال بالنسبة لآفاق البدائل السياسية في العراق. وذلك بسبب طبيعة التجربة التاريخية العريقة للتشيع في العراق وتغريبهم المفتعل عن تاريخ الدولة وإبعادهم عن السلطة. وهي عملية أدت في الواقع إلى اغتراب العراق عن ذاته. مما يجعل من تذليل الراديكالية بشكل عام والشيعية المحتملة مهمة غاية في الأهمية من اجل إعادة بناء العراق ووضعه على "السراط المستقيم"، بمعنى تبليط كينونته الذاتية بصورة تلقائية لا تعرف تجزئته المفتعلة تحي أي شعار كان.إن الراديكالية السياسية في ظروف العراق الحالية هي ظاهرة طبيعية من حيث كونها النتاج المباشر وغير المباشر لحالة التهميش الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الهائل لأغلب الفئات الاجتماعية وتدمير الطبقة الوسطى الذي ميز زمن التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية. بل يمكن القول، بان الراديكالية نفسها كانت من الناحية التاريخية أسلوبا لامتصاص الحثالات الاجتماعية ورميها إلى "مدن" السياسة. وفي هذه "العملية" ينبغي البحث عن نموذج الصيرورة الراديكالية في الوعي الاجتماعي والسياسي في العراق الحديث والمعاصر. إذ شكل تاريخ الراديكالية وخصوصيتها في العراق وثمارها المرة المتراكمة في تاريخ التدمير الهائل للبنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للدولة في الزمن التوتاليتاري والدكتاتوري المقدمة الملازمة لإمكانية إعادة إنتاجها بصيغ مختلفة. فإذا كان تاريخ الراديكالية في العراق هو تاريخ الراديكالية الدنيوية من قومية واشتراكية (شيوعية) فإن نهاية القرن العشرين وبداية الحادي والعشرين تؤشر بصعود الراديكالية الإسلامية السنية منها والشيعية.بعبارة أخرى، ينبغي النظر إلى الراديكالية الإسلامية المعاصرة في العراق على انها جزء من تاريخ الراديكالية السياسية العراقية. لكنها تمتلك في الوقت نفسه خصوصية ضمن ما يمكن دعوته "بمنظومة" الراديكالية العراقية. فمن المعلوم أن من أهم خصوصيات الراديكالية في تاريخ العراق الحديث هو تحولها إلى "منهج عمل" عند الأغلبية الساحقة للأحزاب السياسية العراقية، بحيث تحول "الشارع" إلى قاطرة تجر خلفها "النخب" السياسية. وهي نخب كانت في الأغلب اقرب إلى نفسية ومزاج الشوارع والعوام. وعوضا عن أن توضع الشوارع في محلها الجغرافي والاجتماعي، فانه جرى تحويلها إلى مقولة سياسية. وهو تاريخ يحمل خطورته ليس للحاضر بوصفه حالة انتقالية من التوتاليتارية إلى الديمقراطية، بل والى المستقبل، وذلك لأنه مؤشر على بقاء الوعي السياسي ضمن تقاليد ما قبل الدولة والحق. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار كون الراديكالية الإسلامية تعتقد حد الإيمان الجازم بأنها الممثل "الشرعي" لتقاليد الإسلام والإسلام نفسه. وهو تمثيل لا علاقة صميمية له بالتاريخ والفكر والثقافة. انه مجرد جزء من تاريخ العقائد. والعقائد بلا تاريخ! وهو الأمر الذي يعطي لتقاليد الراديكالية الإسلامية أبعادا اكثر تخريبا من حيث كونها خروجا على تقاليد الاعتدال وجهلا بنتائجه وممانعة على تأمل حالة الانتقال الضروري من الاستبداد إلى الحرية. وفيما يتعلق بالتيار الشيعي الراديكالي، فان نموه الحالي يشير إلى جهل الاستمرار في نمط الإبعاد القسري لهم عن السلطة وتغريبهم عن الدولة واقتلاعهم من جذر الوجود التاريخي والثقافي للعراق نفسه. كما انه استعادة فجة لتقاليد جزئية وعارضة في تاريخ التشيع نفسه. إذ لم يكن الغلو الشيعي سوى الصيغة الوجدانية العارمة السارية على ضفاف التيار العقلاني والإنساني المعتدل للتشيع. وهي ظاهرة كان لها قيمتها الإيجابية الهائلة بالنسبة للتطور الثقافي العام والفلسفي والسياسي بشكل خاص. وذلك لان القول الفصل كان يحسم عادة للتيار الأكثر اعتدالا وتمثيلا للتقاليد التاريخية.وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أيضا الحقيقة القائلة، بان الغلو الشيعي القديم في مختلف مدارسه هو جزء من عقائد لا تشكل مرجعية بالنسبة للفكر الشيعي السياسي المعاصر، من هنا يتضح نضوب رصيده المعنوي والثقافي وضعف قاعدته الاجتماعية. إضافة إلى ما في تاريخ التشيع السياسي نفسه من خصوصية تباينه عن المدارس السنية بهذا الصدد تقوم في انه لم يجعل من القرآن والحديث إمام التأويل السياسي ومصدره الرئيس. على العكس، لقد كان التأويل السياسي جزء من تقاليد ما يمكن دعوته بانسنة المطلق، التي وجدت نموذجها الأعلى في تاريخ الأئمة. وهو تاريخ بشري إنساني يتصف بدرجة عالية من الإعلان الظاهري والباطني بفكرة الحق والعدل والمساواة. وهو الأمر الذي يفسر صعوبة بل استحالة ظهور "أصولية شيعية"، الا انه لا ينفي إمكانية ظهور راديكالية وتطرف وغلو جزئي فيه. بعبارة أخرى إن "الأصولية" في التشيع لا تتمتع باستعداد ديني ولا بشرعية دينية، أي انها لا تستطيع النشوء تلقائيا من "النصوص المقدسة". انها يمكن أن تظهر على هيئة رد فعل سياسي أو اجتماعي أو ثقافي أو تجمع بين هذه المكونات بنسب تبقي عليها مع ذلك ضمن المسار العام لتقاليد الغلو الشيعي القديم. وهو الأمر الذي يجعلها عرضة للانحلال والزوال.فعندما نتأمل تاريخ وواقع ومسار "التيار الصدري" في العراق المعاصر بوصفه أحد النماذج الكلاسيكية للراديكالية السياسية الشيعية، فإننا نلاحظ ظهوره السريع وزواله السريع على خلفية القدرة الهائلة التي تمتع بها في غضون اشهر قليلة من استقطاب قواه الاجتماعية من كمية الفئات الرثة والمهمشة في العراق المعاصر. إننا نعثر في ظهور السريع والقوى على خلفية الانفجار الهائل للقوى الاجتماعية المهمشة التي كانت محبوسة وسجينة في سجن الدكتاتورية. بعبارة أخرى إن "التيار الصدري" بوصفه حركة راديكالية هو مؤشر على سعة انتشار الفئات الرثة في العراق. وبهذا المعنى يمكن النظر إلى هذا التيار بوصفه النتاج الطبيعي لاستمرار بقايا ومخلفات التوتاليتارية والدكتاتورية. وهو الأمر الذي جعل منه أيضا التيار الأكثر نموذجية لتمركز وفعالية القوى الرثة. وهي قوى اجتماعية عراقية معبرة عن حالة عراقية فعلية. أما في وسائله، فانه التجسيد الأكثر تخلفا لكيفية إدارة الصراع الاجتماعي والسياسي، وذلك لان "منطقه" الوحيد هو منطق السلاح لا سلاح المنطق. وهي أيضا وسيلة معبرة عن حالة عراقية فعلية. وفي نيته يسعى للهيمنة، وهي أيضا نية معبرة عن حالة عراقية فعلية، أما غايته المعلنة عن طرد الاحتلال وغايته الباطنة عن إحلال النظام الإسلامي، فهما الوجهان المكملان للرؤية الراديكالية التي لا ترى ولا تسمع ولا تتذوق حقيقة ما يجري في العراق وحوله والعالم. إننا نعثر في الراديكالية الشيعية العراقية كما جسدها "التيار الصدري" على رد فعل موجه ضد أصولية منحلة وراديكالية فاسدة جسدتها التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية في توليف مفتعل للدين والدنيا الممزوجين بنزعة طائفة مستترة وجهوية علنية. مما جعل من ردة الفعل عليها في الراديكالية الشيعية كما جسدها "التيار الصدري" استمرارا لها ولكن بنفسية وذهنية ومزاج اقرب ما يكون إلى حلم الانتظار الطويل للجموع الشيعية التي أنهكتها "الغيبة الكبرى" للمهدي. وهو الأمر الذي يمكنه أن يجعل من "التيار الصدري" راديكالية اشد تخريبا في ظروف العراق الحالية. وسبب ذلك ليس فقط في انه لم تستفد من تجارب الاضطهاد التاريخي الهائل الذي تعرض له الشيعة، بل ولتكراره نفس ممارسات التوتاليتارية والدكتاتورية. ومن ثم وضع نفسه بالضد من المجرى العام للتيار الشيعي والوطني والاجتماعي العراقي. وهو الأمر الذي يمكن أن يوحي بإمكانية ظهور توتاليتارية ودكتاتورية شيعية في العراق. كل ذلك يجعل من كل حركة راديكالية شيعية في ظروف العراق الحالية قوة عنيفة في تدمير البدائل العقلانية لبناء الدولة والمجتمع والثقافة. وفي الإطار العام يمكن القول، بان الراديكالية الشيعية، شأن كل راديكالية في ظروف العراق الحالية، تبرهن من جديد على أنها ليست مستعدة وغير قادرة على بلورة رؤية سياسية أخلاقية قادرة على تجاوز مفاهيم الحثالة وتصوراتها وأحكامها عما جرى ويجري. ومن ثم فان ممارساتها ككل لا تفعل الا على إعادة إنتاج مختلف مظاهر الإفساد والانحطاط والتخلف والاستبداد. مما سبق نستطيع التوصل إلى أن تذليل الضعف التاريخي للراديكالية السياسة العراقية، والحديث هنا عن الشيعية منها كما هو متجسد في "التيار الصدري"، يفترض أولا وقبل كل شئ العمل من اجل بناء الدولة الشرعية ومؤسساتها والنظام الديمقراطي السياسي والمجتمع المدني والثقافة العقلانية. فهو الأسلوب الوحيد الواقعي والعقلاني لإعادة بناء العراق بالشكل الذي يجعل من الصراع مع التيارات الراديكالية (الشيعية) صراعا من اجل اضعف النفسية الراديكالية بشكل عام والسياسية بشكل خاص. فهو أيضا الأسلوب الضروري أيضا لتذليل بقايا التوتاليتارية والدكتاتورية. وهي مهمة عامة يمكن تنفيذها فيما يتعلق بالتيار الراديكالي الشيعي من خلال تنفيذ ثلاث مبادئ عملية عامة وهي:· تحويل التشيع إلى حركة اجتماعية سياسية متحررة من ضيق المذهبية· التمازج والتجانس مع الدولة والعمل من خلال مؤسساتها لإلغاء نفسية وذهنية الطائفية والجهوية· التطابق مع فكرة الوطنية العراقية (الاستعراق).ويفترض تجسيد هذه المبادئ العملية تذليل مقدمات وشروط الراديكالية السياسية من خلال · محاربتها بوصفها ظاهرة غير عقلانية· العمل من اجل نقل الفئات الرثة إلى مصاف الوجود الطبيعي والإنساني· كفالة حقوق المواطنة عبر إشراك مختلف الفئات في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والإدارية لشئون الدولة والمجتمع.· رفع الصراع مع الظاهرة الراديكالية إلى مصاف الصراع السياسي والفكري والثقافي من خلال جعل الصراع في الحالة المعنية صراعا سياسيا معها لا علاقة له بالإسلام بشكل عام والشيعي بشكل خاص.إن تنفيذ هذه المبادئ العملية وشروط تحقيقها الهادفة إلى تذليل النفسية الراديكالية وذهنيتها هي من حيث الجوهر مهمة وطنية كبرى تقع على عاتق الجميع. انها المهمة العملية السياسية المباشرة في ظروف العراق الحالية بالنسبة للأحزاب السياسية والنخب من رجال العلم والأدب والصحافة والإعلام والأندية من اجل تلافي الخطر الكامن في تحويل الراديكالية إلى تيار سائد في حياة الدولة والمجتمع.

الراديكالية العراقية - التيار الصدري وآفاقة المسدودة – 4-4

الراديكالية العراقية - التيار الصدري وآفاقة المسدودة – 4-4

ميثم الجنابي m-aljanabi@mail.ru
إننا نقف من جديد أمام الخطورة التاريخية للنزعة الراديكالية في العراق، التي شكلت مصدر مأساته المعاصرة. إذ تبرهن التجربة التاريخية للعراق المعاصر بصورة قاطعة على أن خطورة الراديكالية تقوم في رفعها قطع العلاقة بالتاريخ والتقاليد إلى مصاف العقيدة المقدسة. بينما يفترض المقدس هوية الثبات. وهو فرض تمارسه الراديكالية بحمية بالغة عبر مطابقته مع التجريب الخشن المبني على احتقار الشكوك والاعتراض. كما أنها تطابق بين فكرة الثابت المقدس ويقينها الخاص عن أن الفعل التجريبي هو المطلق الوحيد. مما يجعل منها في الأغلب قوة مدمرة لا تنتج في نهاية المطاف سوى الخراب والتوغل الدائم فيه. وهو الأمر الذي كشف عنه "التيار الصدري" وسوف يكشف عنه الزمن اللاحق وبالأخص ضمن التيارات الإسلامية السياسية عموما.فمن المعلوم إن الراديكاليات قد لعبت على امتداد التاريخ دور المستفز الدائم والعقل النقاد والنزوع الشكاك تجاه ما هو موجود من قيم ومفاهيم وما يجري من أحداث. مما يعطي لنا إمكانية القول، بأنه كلما كانت منظومة العلاقات الاجتماعية والسياسية والثقافية اكثر سعة وعمقا وثباتا من حيث تقاليدها، كلما كانت الراديكالية اشد فاعلية وأسرع زوالا. وهي سمة يمكن ملاحظتها في تاريخ جميع الحضارات الكبرى القديمة منها والمعاصرة. وهي الفكرة التي ينبغي وضعها في الموقف من الراديكاليات العراقية المعاصرة وآفاق زوالها. بمعنى إدراك الحقيقة القائلة، بان خراب منظومة العلاقات الاجتماعية والسياسية والثقافية في العراق المعاصر يجعل من التيارات الراديكالية اكثر تخريبا وأطول بقاءً.وهو الأمر الذي طبع وسوف يطبع خصوصية الظاهرة الراديكالية في العراق، التي اصبح من أهم خصائصها في تاريخه الحديث هو تحولها إلى "منهج عمل" عند الأغلبية الساحقة للأحزاب السياسية العراقية، بحيث تحول "الشارع" إلى قاطرة تجر خلفها "النخب" السياسية. وهي نخب كانت في الأغلب اقرب إلى نفسية ومزاج الشوارع والعوام. وعوضا عن أن توضع الشوارع في محلها الجغرافي والاجتماعي، فانه جرى تحويلها إلى مقولة سياسية. وفي هذا الواقع كان وما يزال كمون الخطر الهائل للراديكالية بشكل عام والسياسية بشكل خاص في حياة الدولة والمجتمع في العراق. ولعل تجربة العراق في مجرى سيطرة التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية هو نموذجا "كلاسيكيا" لذلك. وفيها ينبغي البحث عن جذور الراديكاليات الرثة التي شكل "التيار الصدري" نموذجه الفاعل الأول على مستوى العراق ككل.وهو الأمر الذي يجعل من هذا التيار الحركة التي تمثلت في ظروف العراق الحالية مضمون الراديكالية بأكثر أشكالها تخريبا وتدميرا. وسبب ذلك يقوم في كونها لم تستفد من تجارب الاضطهاد التاريخي الهائل الذي تعرض له الشيعة، بوصفهم المكون الأساسي والرئيسي والأكبر للعراق. كما أن ممارسته التي ترافقت مع ظهورها السريع على خلفية زوال البعثية الصدامية تشابهت بصورة شبه تامة مع ممارساتها التوتاليتارية والدكتاتورية. ومن ثم وضع نفسه بالضد من المجرى العام للتيار الشيعي والوطني والاجتماعي العراقي.ولعل أهم ما يميزه بهذا الصدد هو نظرته الضيقة المقيدة بنفسية ومزاح وأهواء الحثالات الاجتماعية. وهو الأمر الذي يحد من إمكانية نموه العقلاني، كما يجعله بالضرورة أسير الحدود الضيقة في رؤيته لآفاق تطوير الدولة والنظام السياسي والمجتمع والثقافة. إذ أننا لا نرى ولا نسمع ولا نعثر على برنامج "صدري" له علاقة بمكونات الدولة المعاصرة والنظام السياسي والمجتمع والثقافة البديلة للتوتاليتارية والدكتاتورية. وهو أمر يشير إلى افتقاد الرؤية السياسية الاستراتيجية وفقدان المشروع السياسي وانعدام لرؤية الواقعية والعقلانية لطبيعة التغيرات التي جرت في العراق. وليست العبارات العامة عن "الدولة الإسلامية" و"المجتمع المسلم" و"الثقافة الإسلامية" وما شابه ذلك سوى عبارات لا معنى لها في حال انعدام تحديدها الدقيق بمعايير الرؤية السياسية والاجتماعية والثقافية، أي في حال انعدام برنامج نظري وعملي يحدد الغايات والوسائل بصورة دقيقة.كل ذلك يشير إلى الآفاق المسدودة "للتيار الصدري"، أي الآفاق المسدود للظاهرة الراديكالية بشكل عام. وذلك بسبب عدم إدراكها طبيعة التحولات الجارية في العراق، وعدم قدرتها على الانخراط الفعال في الحياة السياسية الاجتماعية. من هنا بقاء خطابه السياسي ضمن العبارات التي لا تتعدى في افضل الأحوال لغة الشعار السياسي المهيج لنفسية الفئات الرثة. وهو الأمر الذي يقلص مع مرور الزمن قاعدته الاجتماعية ويجعله قوة مناهضة لأبسط مفاهيم الحرية والتقدم الاجتماعي. وهي عملية يمكن ملاحظتها الآن في تزايد وتوسع وتعمق الشرخ السياسي والفكري والمعنوي بينه وبين المجتمع. إذ تحول "التيار الصدري" إلى جزر متناثرة لا يربطها سوى الاستعداد للعنف. كما نراه أيضا في مستوى وحدود وديناميكية الاغتراب السريع بينه وبين المجتمع.وفي الإطار العام يمكن القول، بان "التيار الصدري" بوصفه ظاهرة راديكالية تبرهن من جديد على أن الحثالات الاجتماعية ليست مستعدة على بلورة رؤية سياسية أخلاقية قادرة على تجاوز مفاهيم الحثالة وتصوراتها وأحكامها لما جرى ويجري. ومن ثم فان ممارساتها ككل لا تفعل الا على إعادة إنتاج مختلف مظاهر الإفساد والانحطاط والتخلف والاستبداد. وهو أمر يشير بدوره إلى طبيعة الضعف التاريخي والثقافي للظاهرة الراديكالية في العراق. من هنا فان الأسلوب الوحيد لتذليل هذا الضعف التاريخي للراديكالية السياسية في العراق كما هي مجسدة في "التيار الصدري" هو العمل من اجل بناء الدولة الشرعية ومؤسساتها والنظام الديمقراطي السياسي والمجتمع المدني والثقافة العقلانية. وهذا بدوره يجعل من تذليل النفسية الراديكالية وذهنيتها مهمة وطنية كبرى تقع على عاتق الجميع.إن تذليل النفسية الراديكالية وذهنيتها هي المهمة العملية السياسية المباشرة للأحزاب السياسية العراقية ونخبها من رجال العلم والأدب والصحافة والإعلام والأندية في ظروف العراق الحالية من اجل تلافي الخطر الكامن في تحويل الراديكالية إلى تيار سائد في الحياة السياسية، عوضا عن أن يفسح لها المجال بوصفها تيارا إضافيا على ضفاف المجرى العام لتوحيد الرافدين ماديا ومعنويا في حركة عقلانية ترمي إلى إرساء أسس الدولة الشرعية وجوهرية الحقوق والنظام الديمقراطي الاجتماعي. لاسيما وانه الأسلوب الوحيد الواقعي والعقلاني لإعادة بناء العراق بالشكل الذي يجعل من الصراع مع "التيار الصدري" صراعا من اجل إضعاف النفسية الراديكالية بشكل عام والسياسية بشكل خاص، بوصفه أيضا الأسلوب الضروري لتذليل بقايا التوتاليتارية والراديكالية وإحقاق الحق والعدالة. وفيه فقط يمكن بيان وكشف الآفاق المسدودة للظاهرة الراديكالية بشكل عام. (انتهى).

الموجة الأخيرة للزمن الراديكالي

الموجة الأخيرة للزمن الراديكالي


ميثم الجنابي m-aljanabi@mail.ru
عندما نتأمل التجارب التاريخية العاصفة لصعود الراديكالية السياسية العربية الحديثة، فإننا نقف أمام استفحال دورها وتكاملها التدريجي في "منظومة" الاستبداد والانغلاق الثقافي. وترافقت هذه الظاهرة بطبيعة التغير الهائل الذي جرى على تاريخ الجغرافيا السياسية للعالم العربي وتجزئة وتفتيت تراكمه الطبيعي للرقي المدني والدولتي والاجتماعي. ومن ثم لم يكن صعود الفكرة الوطنية والقومية في ظل انتفاء شروطها الضرورية منذ عشرينيات القرن العشرين، سوى المقدمة المشوهة لتصنيع آلية الراديكالية السياسية، أي آلية الإنتاج الدائم للحثالة والهامشية والأوهام والأيديولوجيات التوتاليتارية والعقائد الأصولية. مع ما كان يرافقها من تفعيل لا عقلاني للجماهير، أي "للقوى السياسية" المتحزبة والهائجة.فقد احتوت هذه العملية في أعماقها على احتمال صعود الزعماء والأبطال والقواد الجماهيريين والجمهور، بوصفه الوجه الآخر لسيادة نفسية الغوغاء والرعاع. لكنها كانت تحتوي بالنسبة للعالم العربي على مخاطر الإعاقة التاريخية للتاريخ، أو التشويه المفتعل للمسار الطبيعي الملازم للدولة والمجتمع والثقافة والأمة. وحالما أصبحت هذه الظاهرة آلية قائمة بذاتها منذ خمسينيات القرن العشرين، فإنها تحولت إلى "مرجعية متسامية" بالنسبة للوعي السياسي الراديكالي، أو أنها جعلت من الراديكالية فكرة متسامية عبر مطابقتها مع أيديولوجيا الثورة والانقلاب بوصفها العقيدة المقدسة لحرق مراحل التاريخ. وليس مصادفة أن تصبح فكرة حرق مراحل التاريخ الصراط المستقيم لبلوغ الجنة القومية والتقدم، أو المطّهر الذي ينبغي أن تحترق في مجرى عبوره كل الأوساخ العالقة على الجسد والضمير والعقل العربي. من هنا تحول انقلاب يونيو عام 1952 العسكري في مصر إلى "نموذج" الثورة، و"الضباط الأحرار" إلى نموذج "القوة السياسية" الجديدة. وسوف تكرر سوريا هذه المزاوجة بين الثورة والحرية في الأفعال والرجال عام 1954، ثم يعيد العراق تفعيلها عام 1958. بمعنى تكامل الفكرة الراديكالية وقواها السياسية الجديدة في المثلث الفعال (مصر وسوريا والعراق) للفكرة السياسية العربية في القرن العشرين.إن تحول الظاهرة الراديكالية إلى آلية تصنيع وتفعيل القوى السياسية "الجديدة"، وتحولها إلى نموذج في القيادة، كان يحتوي في أعماقه على سحق وحدة المنطق والتاريخ في الفكرة السياسية بوصفها اجتهادا عقلانيا في إدارة شئون الدولة والمجتمع. وليس مصادفة أن تضمحل تدريجيا وتتلاشى فكرة المجتمع المدني والحرية والإدارة، وعوضا عنها تبرز الملامح الناتئة "للزعيم السياسي" و"القائد الجماهيري" و"الأب الروحي". وهي صيغة كانت تتآكل فيها كل الاحتمالات العقلانية للبدائل. ومن ثم كانت تحتوي في أعماقها على تذليلها التدريجي بوصفها اجترارا للزمن أكثر مما هي تجارب التاريخ.وكان ينبغي لهذه الظاهرة أن تبلغ ذروتها لكي تبدأ بالانحسار. وذلك لأن حقيقة "القائد الجماهيري" هي نفي للجمهور من جهة، وتمّثل للعوام من جهة أخرى. وفي هذا التناقض يكمن سرّ اللعبة التي سرعان ما يدركها القادة والزعماء والجمهور. وحالما يبلغ كل منهم إدراك حقيقتها، فإنها تتحول عند القادة إلى مصدر النزعة الكلبية، مع ما يلازمها بالضرورة من سيادة الرذيلة السياسية، أي العمل بالضد من المعنى الأولي والجوهري للسياسة بوصفها فنا من فنون تحقيق الفضائل العملية للدولة والمجتمع. بينما تتحول عند الجمهور إلى نفور من "السياسة" وبحث عن يقين خارج التاريخ والبشر! وهي معادلة لا عقلانية من حيث مقدماتها ومخربة من حيث نتائجها. بمعنى أنها تدفع قادة الأمس "الجماهيريين" إلى الانزواء في قلاع "الثورة" المزيفة وتحصينها بقوى القهر والقمع والاستبداد، بينما "تتعالى" الجماهير صوب "الله" بوصفه القيمة المعوضة عن اغتراب السياسة! وكلما تقترب من الله، كلما تبتعد عن الواقع. وذلك لأن الاقتراب هنا هو الوجه الآخر لاستفحال الدكتاتورية والاستبداد. وتجد هذه المفارقة تعبيرها في ظهور "القادة الجدد" للقوى الأصولية، أي للسلب التاريخي الذي تعرض له العقل السياسي وبنية البدائل العقلانية، بوصفها الطاقة الكامنة للنخب الاجتماعية الحرة بشكل عام والفكرية بشكل خاص.غير أن آلية تأليه القادة التي تجعل من نفسها آلهة الفضيلة السياسية وأنبيائها، أو رب الأرباب وخاتم الرسالة الأبدية، كما نراه على سبيل المثال في شعار البعث "ذو الرسالة الخالدة"، فإنها عادة ما تؤدي إلى تصنيع نظيرها المعاكس! إذ ليست الأصوليات المتطرفة المعاصرة سوى الوجه الآخر للراديكاليات السياسية الدنيوية. وهي نتيجة كانت تتراكم في ظاهرة تحول القائد إلى اله! أي في استكمال التشوه التاريخي من خلال صنع النموذج المفتعل للقائد أو الزعيم الجماهيري بوصفه مسخا خالصا لسلب العقل والجمهور. وذلك لأن القائد الجماهيري المصطنع لا يعيش إلا على أساس وحدة جمهور بلا عقل! وهو السبب الذي يفسر ظاهرة تحول "القادة الثوريين" إلى دكتاتوريين في الحكم وجماهيريين في القتل والسرقة!وليس مصادفة أن يصبح السلوك السياسي لهذا النمط من القادة سلسلة من انعدام الرؤية النقدية، وزوال الحدود، والاندفاع الأهوج صوب المغامرة والمؤامرة والمقامرة. إذ تكشف هذه العملية بدورها عن أن كل توغل فيها هو تصنيع "منظومي" للانحطاط كما كان يمكن رؤية صيغتها "النموذجية" في العراق قبيل سقوط الدكتاتورية الصدامية، وليبيا القذافية، بوصفها التجسيد السياسي الوحيد و"الرسمي" للفكرة "الجماهيرية"، أي النموذج الكلاسيكي لتمام الابتذال السياسي للقوة السياسية. فقد جعلت من القوة السياسية طاقة بلا احتراف. مع ما يترتب عليه من "تهذيب" دائم لآلية جعل العوام (الجماهير) الوجه الوحيد للنخبة! وهي الصيغة الماكرة لإعدام النخبة باسم الجمهور، وتحويل الجمهور إلى قطيع الأضحية الدائمة لنزوات السلطة ورغباتها وإرادتها وتجاربها. وذلك لأن جمهور بلا نخبة هو أسلوب تآكل الجمهور. أما النتيجة فهي حرب الجميع ضد الجميع باسم الجميع! والنتيجة لا شيء! وهو الحد الأقصى الذي تبلغه الراديكالية. بمعنى تفريغها المجتمع من قواه السياسية (المحترفة) عبر دمج الجمهور في سبيكة الخضوع والتبعية. وعند هذا الحد تبلغ السياسة الراديكالية ذروتها بوصفها قوة مغتربة عن المجتمع والفضائل العملية (السياسية)، أي عن المكونات الجوهرية لحقيقة الفكرة السياسة. إن بلوغ هذه الحالة هو مؤشر على نهاية الزمن الراديكالي، التي يمكن رؤيتها في العالم العربي المعاصر على ظاهرة أفول الراديكاليات الدنيوية وصعود الأصوليات الإسلامية. فصعود الأصوليات الإسلامية بمختلف نماذجها ومستوياتها هو الاستكمال الطبيعي لسقوط الراديكاليات الدنيوية. والأصولية الإسلامية هي التعبير الأيديولوجي والعملي عن الرغبة المسطحة ببلوغ اليقين الأبدي، تماما كما هو الحال بالنسبة للعقائد الراديكالية الدنيوية التي تجعل من تصوراتها المبتذلة ذروة الحق والحقيقة. وكما كانت الراديكالية الدنيوية تشكك بالماضي وترفضه ولا تؤمن إلا بمستقبلها التجريبي، فإن الأصولية الإسلامية تكرر نفس المضمون بعد إسباغ مسحة اليقين المقدس عليه. من هنا التقاءهما في مواجهة الشكوك المحتملة أيا كان شكلها ومضمونها ومستوياتها، بما في ذلك أكثرها عقلية وعقلانية. وهي الحالة التي تؤدي بالضرورة إلى التقائهما في صراع دام لكي يندثرا كما لو أنها الموجة الأخيرة من طوفان الزمن الراديكالي. ومن الممكن رؤية الملامح الجلية لهذه الحالة في ظروف العالم المعاصر، وفي العراق بشكل خاص. فهي النهاية التي تتلألأ من خلالها بداية تأسيس التاريخ الاجتماعي للقوى السياسية الجديدة. كما أنها النموذج الذي يمكن من خلاله رؤية الاحتمالات القائمة في آفاق القوى السياسية الجديدة فيه وفي غيره من الدول العربية.

قبر صدام أو القبور الجماعية للحق والحقيقة؟ من يرعب من؟

قبر صدام أو القبور الجماعية للحق والحقيقة؟ من يرعب من؟

ميثم الجنابي m-aljanabi@mail.ru
نشرت (القدس العربي) مقالا بعنوان (سيظل يرعبهم حتى في قبره)!! والمقصود بالمرعب هنا هو "صدام حسين"! وهو مقال يصعب الإمساك بطرف منه، شأن كل ما في تقاليد الدفاع عن الطغاة والاستبداد. وهي تقاليد يصعب إدراك مقدماتها وغاياتها بالنسبة لفكر يدمج في اسمه "القدس" و"العرب". لكننا نعرف بان المغالاة في الاسم لا تعني بالضرورة تطابق الشكل والمعنى، ولهذا قيل اسم على مسمى، واسم لا على مسمى. وهي حالة يمكن أن تكون صدفة في أشخاص البشر وأسمائهم، لكنها لا ينبغي أن تكون مصادفة بالنسبة للمواقف السياسية الواعية، مثل تلك التي تحمل عنوانا للحرية وهي عين الاستبداد. ولا بأس أن تتعلم "القدس العربي" من صدام شيئا يمكنها التجانس بمعاييره. فصدام اسم على مسمى! لقد صدم في حياته العقل والقلب والضمير العراقي بطريقة يصعب وصفها. بحيث جعل كل ما فيه مصدوم لفترة طويلة. وإذا كانت الدعوة الحالية للمطالبة بإعدام صدام تنسجم حتى مع سجع العبارة، فلأنها تعكس المزاج المعذب للعراق في الاقتصاص من احد اكبر واخطر مجرمي تاريخه السياسي القديم والحديث المعاصر.من هنا غرابة الفكرة التي تخلطها "القدس العربي" بين ما تدعوه بعدم قانونية الحكم وانعدام العدالة فيه!! والسبب بسيط للغاية وهو أن صدام عاقب من كان يسعى لقلب الحكم والنيل منه شأن كل حاكم(!). ليس هذا فحسب، بل وان صدام حسين، كما نقرأ في "القدس العربي" "لم يدّع مطلقا بأنه كان زعيما ديمقراطيا متسامحا مع خصومه، ولكنه لم يكن طائفيا حاقدا، بشهادة السيد السيستاني نفسه. وكان المواطن العراقي في عهده ينام آمنا وباب بيته مفتوحا علي مصراعيه"، و"يذهب إلى عمله أو حقله وأطفاله مطمئنون إلى عودته سالما(!) فلم تكن الجثث تنتشر في الشوارع والأزقة، أو تطفو بالعشرات علي مياه دجلة والفرات مقطعة الأوصال، وممثلا فيها بطرق بشعة". هكذا وبكل بساطة! لنفترض أن السيستاني قال هذه الكلمة. فانه لا لزوم بها بالنسبة للواقع والتاريخ الفعلي للدكتاتورية الصدامية. وذلك لان صوت الوقائع وحكم الحقائق من طراز آخر. إذ لن يغير من طبيعة وتطبع صدام بالجريمة الشاملة شيئا، حتى في حال افتراض تبرئته من جانب المحكمة. آنذاك سيقول الضمير العراقي الحر، بان ما جرى ليس محكمة عادلة بل مضاربة سياسية. ولكنها مضاربة صعبة التنفيذ في ظروف العراقية وطبيعة الصراع الجاري فيه. كما أنها شبه مستحيلة في معترك العملية التاريخية التي لا يمكنها الانتهاء دون بسط منظومة البدائل فيه. من هنا سطحية وسخافة العبارات المتعلقة بانعدام طائفية السلطة الصدامية وكثرة الأمان الحياتي وعدم طوفان الجثث في دجلة والفرات وما شابه ذلك من ابتذال للوقائع. لقد كانت الجثث لا تطفو بالعشرات في نهري العراق، ولكنها كانت تدفن بالآلاف تحت الأرض ومجهولة المكان! وتشرد الملايين إلى الغربة والاغتراب والهجرة القسرية بمختلف أشكالها! وهي نتاج لطبيعة الاحتقان الشامل والاغتراب المطلق للسلطة الصدامية عن ابسط مقومات الرؤية الوطنية والاجتماعية لمفهوم الدولة والسلطة. أما ما يتعلق بأمان المواطن" و"أبوابه المفتوحة ليلا"، فان ذلك لم يكن نتاجا للامان والاطمئنان، بقدر ما كان عملا مدركا باستحالة غلقه بمفاتيح صيانة الحقوق المدنية للفرد أمام سلطة قل ما كان لها مثيلا في انتهاك ابسط المحرمات. فقد كانت الصدامية التجسيد التام لانتهاك المحرمات في كل شيء. بحيث لم يبق أي شيء خارج متابعتها ومراقبتها وتعقبها الدائم العلني والمستتر، الظاهر والباطن. من هنا استسلام المواطن لهذا الأمان العبودي. وهو "أمان" محكوم بدوره بما يمكن دعوته بمنظومة الإرهاب والتخويف التي لا مثيل لها في التاريخ الحديث.كل ذلك يجعل من الأحكام الممكنة بما في ذلك عقوبة الإعدام الشرط الضروري لتثبيت فكرة القانون والحكم العادل. وهو أمر لا يختلف عليه عراقيان يتمتعان بحس سليم وعقل أمين وقلب مخلص لقيم الحق والعدالة. مع أن تنفيذ الحكم ليس ضرورة. غير أن إعلانه وتطبيقه الشكلي أسلوب ضروري لإعادة ترتيب حياة الدولة والسلطة والمجتمع بطريقة سوف تضع الجميع أمام اختبار النفس. وهي العبرة التاريخية والسياسية والأخلاقية الكبرى بالنسبة للنخبة السياسية والمجتمع ككل من اجل العيش بقواعد الحق ومعايير المجتمع المدني والديمقراطية السياسية. وبالتالي لا معنى للفكرة التي توردها "القدس العربي" عن أن صدام "ربما يستحق أن يقف في قفص الاتهام لو أن الذين يحاكمونه قدموا نموذجا أفضل في الحكم". إن قيمة الحكم تكمن في موضوعيته وفي استجابته لمطلب الحق المجرد والتاريخي والأخلاقي عما جرى اقترافه من ظلم وانتهاك للحقوق. والسياسة الصدامية هي سلسلة من الجرائم التي لا تحصى. وتطبيق القصاص عليه هو ضمانة تطبيقه لاحقا على من يستعيد في سلوكه نموذج الصدامية. بعبارة أخرى، إن تنفيذ القانون يخدم فكرة الحق والشرعية ويهذب النخبة السياسية بما في ذلك الحالية. فخرابها من خراب الماضي، لأنها نتاجه. غير أن جرأتها في تنفيذ الحد الأدنى هو الشرط الضروري لتقدم العملية التاريخية صوب تحقيق العدالة الفعلية والنظام الاجتماعي الشرعي. وهي عملية لا يمكن انجازها بين ليلة وضحاها. إن تجارب الأمم جميعا تكشف عن دموية مراحل الانتقال والاحتراب العنيف فيها. وذلك بسبب غياب تقاليد العقلانية وقوة القانون والمجتمع المدني. وهي الثمرة المرّة للسلطة الصدامية. إن تاريخ الأمم في مراحل الصراع هو تاريخ دموي. القديم لا يحب الاستسلام والجديد ينشأ بصعوبة بالغة خصوصا بعد تركة هائلة من الخراب والانحطاط. ولهذا تبدو قباحة استنتاج "القدس العربي" عن أن "هذه المحاكمة وأحكامها هي حلقة جديدة لبيع الوهم للشعب العراقي، وتأتي استكمالا لحلقات سابقة مثل الانتخابات التشريعية، وأكذوبة نقل السلطة، والاستفتاءات علي الدستور، والهدف هو تحويل الأنظار عن الواقع المأساوي للشعب العراقي تحت حكم الاحتلال وأعوانه". مما لاشك فيه أن واقع الاحتلال يتصف بقدر هائل من المرارة. لكنها مرارة الزمن الدكتاتوري الذي صنع هزيمة الدولة والمجتمع والقوى الحية. وهو سر الانهيار التام والشامل للسلطة الصدامية والدولة التوتاليتارية. وهي التركة التي يعاني منها العراق في محاولاته الخروج من مأزق شامل، تماما كما حاول الخروج قبل قرن من الزمن في محاولاته تأسيس الدولة الجديدة في عشرينيات القرن العشرين. ولا مجاز في هذه المقارنة، لأنها تضع في جدول الأولويات كل القضايا السابقة من مفهوم الدولة والنظام السياسي والبنية الإدارية والفكرة الوطنية والموقف من المحتل. من هنا فان الخراب الحالي، بما في ذلك بالنسبة للنخب السياسية الحالية، هو نتاج الصدامية. بمعنى انه الوجه المشوه والتاريخ المقلوب للصدامية بوصفها أسلوب العنف والتخريب الشامل. وضمن هذا السياق يمكن الاتفاق مع الوصف الذي أطلقته "القدس العربي" في مقالها عن أن "حكام العراق الجديد وأنصارهم، مصابون بمرض مزمن اسمه صدام حسين". وهو حكم عام وظاهري سليم. غير أن الحقيقة تفترض رؤية هذه الأبعاد بمعنى مغاير لما تقول به الجريدة. إذ ليس النخبة السياسية الحالية فحسب، بل والعراق جميعه مصاب بمرض مزمن هو صدام حسين. فالصدامية هي مرض عضال ومزمن! وإذا كان الأمر كذلك، وهو ما لم تعيه الجريدة في تصويرها، من هنا استحالة العلاج منه في غضون فترة صغيرة شأن كل الإمراض المزمنة القاتلة. إن ما يميز مقال "القدس العربي" في الموقف من المضمون التاريخي لمحاكمة صدام وإصدار الحكم فيه، هو الخروج على معنى القدسية والعروبة في تناول إشكاليات العرب الجوهرية في العراق، أي إشكالية النظام الشرعي والتخلي والتخلص والتحرر من نظم الاستبداد والفساد. ومن المكن انتقاد النخبة السياسية الحالية بأشد وأقسى الصيغ، إلا أن ذلك يفترض دوما البقاء ضمن منطق البدائل وليس بالرجوع إلى نموذج هو الأشد تفاهة سواء في شخوصه أو ذكراه في الضمير العراقي. من هنا تطاول المقال وخروجه على ابسط قواعد اللياقة والتحليل العلمي عندما يجد فيما جرى يجري من محاكمة ونتائجها مجرد "وهم" شأن أوهام الانتخابات والاستفتاء وغيرها يجري بيعها للعراقيين. كما لو انه يقف أمام شعب جاهل لا يدرك ولا يميز ابسط مقومات المصلحة الاجتماعية والوطنية، ولا يفقه في شئون السياسة شيئا. كما لو انه شعب بلا ذاكرة يمكن تلهيته بسهولة بحيث يحول أبطاله إلى أقزام وأقزامه إلى أبطال ولا يفرق بين البهجة في الانتصار والحزن في الهزيمة!! وهو اعتقاد لا يخلو من قبح، لكنه فيما يبدو متغلغل في هذا النمط من الكتابة السياسية، التي أوصلها إلى الاعتقاد بان من الممكن قول كل شيء للعراقيين لكي يصدقوه، كما في العبارة الواردة في المقال عن أن "عائلة صدام وأحفاده ومعظم المسئولين الذين شاركوه الحكم يعيشون حاليا علي الصدقات في الأردن وسورية وقطر والإمارات"(!!)ولنفترض أن واقع العراق الحالي لا يخلو من بعض هذه الوقائع. غير أن منطق الحقيقة والمستقبل يفترض السير معها إلى النهاية بوصفها جزء من معاناة الصيرورة التاريخية للرؤية الواقعية والنظام الديمقراطي التي حرمت التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية منها العراق لمدة أربع عقود متتالية. وهي مجاراة ضرورية لكي لا تقف "القدس العربي" في نفس موقع القاعدة الزرقاوية التي نعثر في إحدى "رسائلها" المتعلقة "بتحليل" أوضاع العراق عندما اعتبرت أن العراق لا يحكم إلا بيد قوية. والدليل على ذلك هو تاريخه الذي لم يعرف الهدوء والاستقرار إلا زمن زياد ابن أبيه والمغيرة بن شعبة والحجاج الثقفي وصدام(!) وهو ذات الأمان والدعة والوداعة والاستقرار والطمأنينة التي عثرت عليها "القدس العربي" في مرحلة الدكتاتورية الصدامية. وهي مواقف مشينة في تغطيتها للجريمة التاريخية.إن الجريمة التاريخية للصدامية شيء لا علاقة لها بالحرب الدائرة والاحتلال وغيرها. أنها جريمة قائمة بذاتها من حيث كونها فكرة وممارسة وأفراد. ولا معنى لخلط الأوراق بطريق بحيث تصبح المصادفة سحر الوجود الحق. كما في العبارة التي يختتم بها المقال قوله: "ختاماً نقول انه قد يأتي يوم يندم فيه الأمريكيون وحلفاؤهم فيه علي إصدار هذا الحكم، وتنفيذه مثلما يعضون أصابعهم ندما علي اتخاذ قرار الغزو والاحتلال". وهي صيغة غير واضحة المرام. فإن كان المقصود بها أن قوى الاحتلال بحاجة إلى صدام فهو أمر ممكن. لكنه استنتاج يسحب البساط من كل هذه المواقف التعيسة في معارضة الاحتلال ومساندة الصدامية. وإن كان المقصود به ما هو موجود في عنوان المقال وخاتمة من أن"صدام حسين أرعبهم وهو في قفص الاتهام، مثلما أرعبهم وهو في الحكم، وسيظل يرعبهم حتى من قبره"!! فهو استنتاج غاية في السطحية ولا علاقة له بالحاضر والمستقبل. وهو حكم اقرب إلى عمى الضمير الأخلاقي وانسداد الرؤية التاريخية. إن مصدر القلق التاريخي للاحتلال هي القوى العقلانية والضمير الحي للعراق والعراقيين وليس أولئك الذين كان مبدأ وجودهم وغاية سلوكهم الاستفراد في الحكم وانتهاك ابسط مقومات الوجود الإنساني. وهو الدرس الذي ينبغي أن تتعلم منه "القدس العربي" ضرورة التمسك بالحد الأدنى من فكرة القدسية في احترام الإنسان وتقاليد الحرية والضمير العربي. وبالتالي توجيه الرؤية الاجتماعية صوب الدفاع عن فكرة الحق والحقوق والشرعية وليس من خلال جعل "مواجهة الاحتلال الأمريكي" أسلوب استعادة الزمن الميت والأنظمة المتهرئة ومصدر الجريمة التاريخية بما في ذلك للاحتلال الأجنبي. بمعنى توجيه الرأي العام صوب البحث عن بدائل لا علاقة لها بزمن صدام والصدامية، بل بالخروج عليهما، كما لا يمكن للقدس أن تصبح عربية وهي قابعة تحت أغطية عرفات في انتظار بعثه من جديد!!إن العراق ليس بحاجة لشبح صدام! لقد انهار منذ عقود في ضمير العراق وذاكرته الحية. وسوف لن يرعب الوعي بأكثر مما تركه الإرهاب القديم لإسلافه أمثال زياد بن أبيه والحجاج. وبالتالي فان صدام سوف لن يرعب إلا أتباعه. وهي الصدمة التي ينبغي أن يأخذها معه ابد الآبدين! فقد كان صدام نكرة لا قيمة لها إلا بالنسبة لأولئك الذين يعتقدون بان الأشباح قادرة على الحياة أكثر من أسوياء البشر وعقلائهم!! ***