ميثم الجنابي
الصدامية ايديولوجيا تقوم على نسق الواحدية المطلقة
تقديم وحوار : يوسف محسن
· الدولة التوتاليتارية ظاهرة من ظواهر القرن العشرين. أنها تمثل الطور المكتمل للدولة البيروقراطية الحديثة، التي استطاعت اختراق المجتمع واحتكار السلطة. ما هي الأزمات التاريخية التي تعرضت لها هذه المجتمعات وأدت إلى ظهور هذا الشكل من الدولة التوتاليتارية؟
إن الدولة التوتاليتارية هي إحدى ثمار القرن العشرين المرة. ومرارتها تكمن في عدم قدرتها على تذوق الحياة بمعايير الحياة نفسها. وذلك لان معيارها الوحيد هو القيم الأيديولوجية. بمعنى انها محكومة في أذواقها بالأهواء الخاصة. وإذا كانت الأهواء هي النتيجة العرضية الملازمة لتطور الأمم والثقافات الكبرى، فان سيادتها في القرن العشرين جعل من الممكن انتقال الهامشية والراديكالية من الأطراف إلى المركز، ومن ثم جعل الزمن حاكما على التاريخ. بمعنى انقلاب القيم والمفاهيم والمبادئ. وضمن هذا السياق تكلمت عن "مرارة" التوتاليتارية. أما في الواقع، فان التوتاليتارية ليست خطأ في الذوق فحسب، بل وخطيئة تاريخية كبرى. غير انها، شأن كل "خطيئة تاريخية كبرى" هي نتاج "خطأ كبيرا" في السمار التاريخي للأمم والدول والثقافة. بمعنى خطأ الخروج على "منطق" التاريخ.
أما ارتباطها بالقرن العشرين، فيكمن في كونه القرن الذي جعل من فكرة "الحتمية" فلسفة سياسية تاريخية. وإذا كان ارتباطها الظاهري بالشيوعية الماركسية، فان جذورها النفسية والأيديولوجية تكمن في فكرة الحتمية القائمة في السيطرة "الفرحة" للمركزية الأوربية وقيمها وسهولة انتشارها وهيمنتها العالمية. لقد أنتج ذلك بوعي ودون وعي سهولة "البدائل الكبرى". لقد أصبح من السهل لكل برنامج ورؤية أوربية ادعاء العالمية. وهي نفسية وذهنية كانت أوربا ميدانها الأول. من هنا كانت الفكرة التوتاليتارية الوجه الآخر والمقلوب للنزوع الكوني الأوربي. لكنه نزوع أيديولوجي. وذلك لان الكونية الأوربية لم تكن في الواقع شيئا أكثر من "الأوربية" القومية. وهي مرحلة تاريخية لها جذورها الخاصة في التاريخ والثقافة الأوربيين. وليس مصادفة أن تنشأ فيها ظاهرة التوتاليتارية "الكونية"، مع أن حقيقتها محكومة بالنزوع القومي الذي يشكل جوهر وغاية النزوع الأوربي "الكوني". إذ لم تكن التوتاليتارية الفاشية والنازية سوى الوجه الباهت للتوتاليتارية الشيوعية، أو الصيغة الأشد تشويها عنها. من هنا نزوعهما صوب السيطرة العالمية، ومحاولة فرض "نموذجهما" بالقوة. الفاشية والنازية باسم القومية، والشيوعية باسم أممية مزيفة، وذلك لان حقيقتها هي قومية الأقليات (العرقية والدينية). والتناقض الظاهري بينهما هو تناقض مهانة القومية الكبرى وصعود الأقلية. وكلاهما ظواهر مختلفة لما أسميته بالخطأ التاريخي الذي ترتب عليه خطيئة سياسية كبرى. وليس مصادفة أن يكون صعودهما واندثارهما في القرن العشرين، بوصفه ذروة الصعود القومي (الأوربي) والعالمي ايضا.
لقد كان القرن العشرين ذروة الصعود القومي الأوربي. لكنه كان ايضا قرن المنافسة الكونية الجديدة. بمعنى صعود المركز الأمريكي العالمي، مع ما ترتب عليه من انتقال "المركز" أو بصورة أدق توزعه (الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة). وكمون الصراع الإمبراطوري فيهما. وإذا كانت التوتاليتارية السوفيتية جلية المظهر فأن الكمون الذائب في صعود "المركز" الأمريكي "العالمي" ليس إلا إحدى الصيغ الملطفة للنزعة القومية. الأمر الذي كان يحتوي في أعماقه على نزوع توتاليتاري يمكن رؤية نموذجه في أيديولوجية المحافظين الجدد وفكرة "الرسالة العالمية" و"القرن الأمريكي" وما شابه ذلك. لكنها توتاليتارية خارجية، بمعنى جرى توظيفها نحو الخارج، كما نرى صورته المقلوبة في عملها المثابر على غسل مخ ومخيخ الوعي الأمريكي بعد أحداث "الحادي عشر من أيلول". وهي قضية بحاجة إلى التأمل والبحث. وذلك لخصوصيتها ونتائجها المستقبلية الكامنة في طي "الغيب". لكنها لا تتعدى النتيجة التي أدت إليها كل محاولات ونماذج الإمبراطوريات الحديثة، والنظم التوتاليتارية، بوصفها إحدى الصيغة المشوهة للنزوع الإمبراطوري في العالم الحديث والمعاصر.
فقد كان انحلال القوة الأوربية واضمحلال فكرة الإمبراطورية وراء صعود التوتاليتارية الشيوعية والنازية والفاشية. كما أن زوالهم يتضمن زوال الإمبراطورية والتوتاليتارية. وفي هذه الظاهرة ينبغي البحث عن سر صعود وانهيار التوتاليتارية في أوربا القرن العشرين. أما البيروقراطية، فأنها مجرد أداة إضافية. وذلك لان البيروقراطية تتسم من حيث الجوهر بطابع محايد بهذا الصدد. بمعنى انها يمكن أن تعرقل ايضا النزوع التوتاليتاري. كما انها يمكن أن تخدم التفتح الديمقراطي وتقنين فكر الحقوق والواجبات والحرية. إذ لا توجد دولة ولا يمكنها الوجود والعمل بدون بيروقراطية.
إن جوهر القضية ليس في البيروقراطية، بل نمط إدارة الدولة والمجتمع. والتوتاليتارية تعمل وتفعل بمعايير ومقاييس القيادة السياسية الحزبية الأيديولوجية. انها لا تعرف الإدارة، بما في ذلك البيروقراطية. انها تعرف "الإرادة الفاعلة" و"التخطيط" غير العقلاني! هنا المفارقة الكبرى للتوتاليتارية. لهذا فهي لا تخترق الجميع، بسبب ما تصنعه من قطيع محكوم بإرادة القوة والقهر، وقيم شرطية (خارجية) مفروضة أيضا بالقوة والدعاية المكثفة وحاصرة العقل والضمير الفردي والاجتماعي. لهذا من الصواب الحديث عن تحكمها بالفرد والجماعة والمجتمع والأمة والدولة والثقافة من خلال منظومة "متجانسة" للقهر والإذلال والتوزيع والتحكم، باختصار انها تتحكم بالروح والجسد والعقل، منذ الولادة حتى الموت. وهي حالة تختلف مظاهرها وصورها، لكننا نستطيع العثور عليها في كافة النماذج التوتاليتارية الشيوعية والفاشية والنازية وغيرها.
أما ما يخص طبيعة الأزمات القائمة وراء ظهور وصعود التوتاليتارية، فإنها متنوعة، لكن الجامع بينها يعود إلى ازمة الدولة والأمة والثقافة و"حلها" من خلال صعود الراديكالية والعوام، أي حالما تصبح العوام "النخبة القائدة". ففي روسيا كانت الأزمة البنيوية الشاملة تتجسد في كونها "الحلقة الأضعف" في صراع البدائل. وفي ألمانيا في كونها "الحلقة الأضعف" في منظومة الهيمنة الكولونيالية، وفي ايطاليا في كونها "الحلقة الأضعف" في منظومة الاحتلال. ذلك يعني أن لكل منها خصوصيته في الأزمة. وجميعها محكوم بنزوع إمبراطوري متشنج. فالإمبراطورية الروسية لم تعرف الحدود. إذ كانت واسعة الاستعمار ولم تعرف حدود إمكاناتها الفعلية. انه توسع أفقي (جغرافي) فقط، رافقه إهمال للتكامل. أما ألمانيا وايطاليا، فأنهما كان يعانيان مما يمكن دعوته بالنقص الإمبراطوري والمهانة القومية التي تعرضا إليها. فقد كان تاريخ ألمانيا الحديث محاولات حثيثة من اجل إلغاء التجزئة والقضاء على مهانتها التاريخية القومية بأثر هزيمتها في الحرب العالمية الأولى. أما ايطاليا، فإنها كانت تعاني من ازمة العقدة القومية المترتبة على تجزئتها وخضوعها المتنوع للإمبراطوريات الأوربية الصغيرة، واستجماعها المتأخر، شأن ألمانيا (نهاية القرن التاسع عشر). وهي وريثة اقوي وأطول العهود الإمبراطورية في التاريخ الأوربي. والشيء نفسه يمكن قوله عن الأثر "الجرماني" في تاريخ القوة الأوربية. من هنا طغيان الأبعاد القومية في الفكرة التوتاليتارية. طبعا أن التوتاليتارية لم تكن حتما بالنسبة لأي من هذه الدول والقوميات، بقدر ما انها تراكمت في "انغلاق" تاريخها السياسي الحديث في أعين النخب السياسية. وهو انغلاق عادة ما تساهم به القوى السياسية جميعا، والسلطة بشكل خاص، منة خلال عدم قدرتها على إيجاد بدائل واقعية محكومة بفكرة المصالح الكبرى للفرد والمجتمع والدولة انطلاقا من قواها الخاصة وضمن حدودها الذاتية. بينما يؤدي الخروج على هذا المنطق البسيط للتاريخ إلى خطيئة سياسية كبرى تجعل من وهم التوتاليتارية بديلا فاضلا لما هو موجود وحلا معقولا وضروريا، بل و"حتميا" للازمة. أما في الواقع، فانه مجرد مؤشر على وجود واستمرا ما أسميته بأزمة الأمة والوعي التاريخي الثقافي والأزمة البنيوية لنظام الدولة السياسي.
· ما هي الأسباب التي جعلت الطبقة الوسطى العراقية تقطع جميع الصلات والروابط بالفكر الليبرالي العراقي رغم بدائية تكوينها الاجتماعي، الذي كان من المفترض أن يصلها بفكر التنوير وتجارب الإصلاح الديني والسياسي خلال حقبة الستينيات؟
إن الانقطاع الفعلي بين الطبقة الوسطى والفكرة الليبرالية هو نتاج حالة معقدة لازمت كيفية الانقطاع التاريخي للتطور الاجتماعي. فالطبقة الوسطى هي صانعة التاريخ الحديث والمستقبل بقدر واحد. انها القوة الفاعلة والفعالة على كافة المستويات وفي كافة الميادين. وبالتالي لم يكن إبعادها عن لعب دورها الخاص بها سوى الانحراف التاريخي الهائل للمجرى الطبيعي لارتقاء المجتمع والدولة. فقد لازم هذا الانحراف صعود الراديكاليات الرثة لما يسمى بالحركات الثورية.
فمن الناحية التاريخية ارتبط هذا الانحراف بالكيفية التي تهشمت بها السلطنة العثمانية. بمعنى تحللها الداخلي دون أن تنشأ بدائل سياسية قومية لمكوناتها في العالم العربي. بينما جرت تجزئته تحت وطأة الاحتلال الكولونيالي الأوربي (البريطاني والفرنسي)، مما أدى بدوره إلى بعثرة ما تبقى من ارث مرحلة النهضة بمختلف تياراتها الدينية والدنيوية. مما أدى بدوره إلى أن يصبح التاريخ الذاتي زمنا فقط، وذلك لدورانه في فلك الهيمنة الأوربية الكولونيالية ومشاكلها. ومنه ايضا وبأثره نشأت القيم والمفاهيم واستيراد النظريات، أي كل أشكال ومضامين التقليد الظاهرية والباطنية. ومن بين أكثرها تشوها بهذا الصدد هو انتشار الفكرة الراديكالية السهلة والمسطحة. فإذا كانت الفكرة الراديكالية الأوربية تسير على ضفاف التيار العقلاني العام، فان انتقالها إلى عالم (عربي) ضعيف ومنهك وخارج للتو من رحم العثمانية المتهرئ، قد جعل من الفكرة الراديكالية عروة وثقى. مع ما ترتب عليه لاحقا من قلب الأمور جميعا رأسا على عقب. فقد أدى ذلك في البداية إلى صعود الفكرة "السياسية" وأولوية الأحزاب ورجل السياسة على المجتمع والنخبة الثقافية العامة. وبلغت هذه العملية ذروتها بصعود الراديكاليات الثورية، أي تلك التي جعلت من الفئات الرثة وغير الناضجة "طبقات" محتوم عليها قيادة الدولة والأمة! ثم تجسد في تيارات متنوعة "قومية" محلية قبلية وعائلية هي النتيجة الحتمية لهذه العملية المقلوبة التي جعلت الأطراف مركزا والفئات الرثة نخبة. وهي إحدى المفارقات الغريبة التي جعلت ايضا من الغباء السياسي عقيدة عصماء! لقد أدى ذلك إلى أول انقطاع تاريخي بنيوي عنيف مازلت آثاره القوية سارية لحد الآن في الفكر والاجتماع والاقتصاد والسياسة والثقافة. بمعنى بقاء وسيادة وإعادة إنتاج البنية التقليدية. وفي هذا يكمن سر الانقطاع عن تراث النهضة.
فالفئات الرثة ومركزيتها الجديدة في السلطة والدولة جعلت من تدمير الطبقة الوسطى هدفها الأساسي، أو أن ذلك لازم بالضرورة نشاطها وفعلها. فالفئات الرثة لا تعاني ولا تنتج لا في المجال المادي ولا الروحي. انها مجرد نقال وحمال. وهي مهام كانت وما زالت باقية بوصفها جزء من تاريخ البحث عن عدالة معقولة هي بدورها جزء من لغز الحياة والوجود. غير انه حالما يتحول الحمال إلى "قائد" فانه يجعل من كل ما حوله مجرد بضاعة أو أشياء تجثم بثقلها على كاهله! وليس هناك من ثقل بالنسبة له اكبر من الفكر وتعقيداته. أما الفكرة الراديكالية المبنية على مجموعة شعارات وقيم وجدانية كاذبة فإنها مجرد تقليد أجوف. أما "الفكر" فيها فانه مجرد غلاف خارجي، فارغ، بلا معاناة. انه "فكر" بلا تلقائية. من هنا هجوم الأيديولوجية، بوصفها "عقلا" بلا تفكر، و"فكر" بلا معاناة، ومعاناة مغتربة عن التاريخ الذاتي والواقع ومن ثم بلا ماض ولا مستقبل. مما يجعل منها اجترارا للحاضر فقط أي لزمن وجود الأشياء.
مما سبق يتضح بان سبب الانقطاع لا يكمن في سلوك الطبقة الوسطى، بقدر ما انه جرى فطمها قبل أن تنمو. ومن ثم سحقها وتحويلها إلى ذرات متناثرة في الكتلة البشرية الرثة التابعة للسلطة التوتاليتارية. وقد ترتب على ذلك اضمحلال واندثار المقدمات الاجتماعية الضرورية للفكرة الليبرالية. فمن المعلوم إن الفكرة الليبرالي، بوصفها بحثا عن الحرية والعقلانية والاعتدال، عادة ما تتجذر في الوعي السياسي للطبقات الوسطى. بل أن الفكرة الليبرالية من الناحية التاريخية والاجتماعية والنفسية هي من صنع الطبقة الوسطى. وليس اعتباطا أن تشترك مختلف التوتاليتاريات السياسية والعقائدية (من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار) بمحاربة الطبقة الوسطى وتصويرها على انها مرتع "القلق" و"انعدام الثبات" في المواقف! أما في الواقع فإن حقيقة "القلق" تعادل نفسية وذهنية البحث الدائم عن الجديد أو ما يمكن دعوته بالثبات الديناميكي. أما اتهامها "بانعدام الثبات" فهي مجرد صيغة أيديولوجية مقلوبة للرؤية التوتاليتارية التي عادة ما تجد في الثبات أسلوبا لوجودها، مع ما يترتب على ذلك من استبداد وقمع لكل اختلاف وتباين وحركة تؤمي بإمكانية خلخلة الوضع القائم. من هنا عدائها السافر والمستتر لكل"خروج" على "ثوابتها" الوطنية والقومية والاجتماعية والفكرية وما شابه ذلك. وليس مصادفة أن تكون الطبقة الوسطى هي الأكثر تضررا ضمن سياق السيطرة التوتاليتارية. وذلك لان الطبقة الوسطى هي الأكثر "ثباتا" بمعايير الديناميكية التاريخية والاجتماعية. وهو ثبات نابع من موقعها الاجتماعي التاريخي بوصفها الطبقة الأكثر ارتباطا بفكرة الحرية والنظام الاجتماعي الديمقراطي. فالطبقات جميعا عرضة للتغير والتبدل من حيث موقعها الاجتماعي وأيديولوجياتها وأفكارها المتعلقة بماهية الدولة والمجتمع المدني وفكرة الحق والحقوق، بينما تبقى الطبقة الوسطى من حيث الإمكانية والواقع الممثل الفعلي لتيار البحث الدائم عن نسب الاعتدال والعقلانية والحرية الفردية والاجتماعية. الأمر الذي يجعلها اشد القوى الاجتماعية معارضة للتوتاليتارية. كما انه السبب الذي يجعلها هدا مباشرا وغير مباشر لسياسة التفكيك الواعية وغير الواعية من جانب السلطة التوتاليتارية. وليس مصادفة أن تكون فترة الستينيات وما لحقها هي مرحلة التدمير الشمال للطبقة الوسطى، كما انها مرحلة الصعود العنيف للنزعات الراديكالية والتوتاليتارية.
· تمثل حقبة منتصف الستينيات مرحلة حاسمة في تطور أجهزة الدولة التوتاليتارية العراقية عبر مجموعة من التشريعات والقوانين والإجراءات، التي سمحت للدولة بالتوسع على حساب المجتمع والتدخل الشامل والسافر في مجال الاقتصاد والسياسة. هل يمكننا ربط ظهور النزعة التوتاليتارية بهذه الحقبة من تاريخ العراق، أم أن لها جذور أعمق؟
إن صعود التوتاليتارية مرتبط من الناحية الفكرية والسياسية بصعود الفكرة الراديكالية في العراق، أي بصعود ما يسمى بالأيديولوجية واستحواذها على النفسية الاجتماعية للجمهور والعوام، والذهنية السياسية للأحزاب. والنتيجة هي تكوين سبيكة خطرة من نفسية العوام وذهنية الأحزاب الراديكالية. وفي هذه السبيكة كانت تكمن البذرة المميتة لأيديولوجية النزعة التوتاليتارية. وليس مصادفة أن تعدي هذه البذرة كل ما حولها أو تنتج مختلف نماذجها في قوى سياسية متصارعة ومستقتلة حتى الموت ومتضادة في المظاهر، كما نراه على سبيل المثال في التيارات الشيوعية والبعثية والإسلامية. إذ جسد كل منهم بطريقته الخاصة هذا الكمون. بمعنى اشتراكهم جميعا في سيادة الرؤية الأيديولوجية والعصمة الأبدية واحتقار التاريخ والمستقبل والمجتمع والحرية الفردية والاجتماعية والشرعية والقانون.
وإذا كان النزوع التوتاليتاري جزء من حالة الكمون النسبية القائمة في ثنايا الأزمة المتنقلة التي لازمت النظام الملكي، فان تفجيرها عبر انقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958 قد أدى إلى نشر الأزمة في كل ثنايا الوجود والوعي التاريخي العراقي المعاصر. كما انه أعطى للراديكالية صفة الصيغة المثلى لوجود الدولة والمجتمع والنظام السياسي والثقافة. بمعنى جعله من التيار الجزئي القائم على ضفاف التيار التاريخي لصيرورة الدولة والأمة والثقافة إلى التيار العارم والوحيد. من هنا إشراكه الجميع في هوس "الثورة" وأوهامها التي لم تكن في ظروف العراق آنذاك أكثر من مجرد انقلابات صغيرة ومؤامرات حزبية لقوى هامشية بالمعنى الاجتماعي والفكري والسياسي والجهوي والفئوي.
إن انقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958 هو بداية الزمن التوتاليتاري في العراق. ومن ثم انعدام التاريخ الفعلي للدولة والمجتمع. الأمر الذي يستلزم إعادة النظر بالتجربة المريرة لهذا الانقلاب التعيس في تاريخ العراق الحديث. والمهمة لا تقوم هنا في تأسيس الإدانة أو الدفاع عن الملكية. فكلاهما جزء من تاريخ ماض. والمهمة الكبرى تقوم أساسا في إرساء أسس الرؤية المستقبلية. ما يفترض بدوره تحرير الفكر السياسي والرؤية المستقبلية من هواجس الخواطر الأيديولوجية وأوهام الأحلام الحلوة للطفولة.
فالتاريخ يكشف عن أن أنبل الأهواء أشدها تدميرا وتخريبا للنبل. بينما الموقف السليم والحق يفترض السير مع منطق الحق والإخلاص له، أي مع منطق الحقيقة. مما يفترض بدوره تطهير العقل من ثقل الأهواء (الأيديولوجية). فالعاقل يحب أخاه وأباه وأمه وأخته وفي الوقت نفسه يمقت سلوكهم في حال خروجهم على الحق. والشيء نفسه يمكن قوله عن انقلاب الرابع عشر من تموز. فنحن جميعا "جيل الثورة". كما أن أثرها عميقا في كل هذا الكم الهائل من ثقل الأوهام الجميلة المرتسمة في خيال الطفولة عن "الزعماء" و"الأبطال". لكن الأمر يختلف حالما يجري النظر إلى التاريخ بمعايير العبرة التاريخية والمستقبل. فزلات الصغار محببة للقلوب، بينما أخطاء الكبار قد تصل حد الإجرام. كما أن أخطاء الكبار قد تصبح خطيئة تاريخية كبرى. والخطيئة الكبرى لانقلاب الرابع عشر من تموز تقوم في تحوله إلى "ثورة". وفي هذا التحول كانت تكمن بداية ما يمكن دعوته بسيادة زمن الغريزة.
لقد كان انقلاب الرابع عشر من تموز المقصلة التي حزت رقبة التاريخ الطبيعي للعراق الحديث. لقد تحول هذا الانقلاب العسكري، بفعل احتقان الحياة السياسية وضغط الأيديولوجيات الراديكالية إلى "ثورة". بعبارة أخرى، أنها "ثورة مصطنعة". من هنا سيادة الطابع المصطنع لكل ما جاء بعدها وحتى الآن. وهي الصفة التي تلازم وجود التوتاليتارية. بمعنى أن العراق لم يفلح في مجرى نصف قرن من الزمن ( حتى اليوم، أي عام2008) على أي تأسيس جدي لكافة مقومات الوجود الطبيعي للدولة والسلطة والمجتمع والثقافة والاقتصاد والعلم والتكنولوجيا. بل إننا نقف الآن أمام انهيار شبه تام لبنية الدولة في جميع مكوناتها وعلى كافة المستويات. إضافة إلى وطن ودولة ومجتمع تحت الاحتلال، مسلوب الإرادة شأن الحالات الشاذة لقرون الاستعمار والكولونيالية قبل بضعة قرون خلت!! واحتراب شامل يفتقد لأبسط مقومات الرؤية الاجتماعية والوطنية والعقلانية. بعبارة أخرى، إننا نقف أمام حالة انحطاط شامل. وعندما نتأمل تاريخ الثورات الفعلية الكبرى، فإننا نستطيع العثور على "مراحل تراجع"، لكنها جزئية بوصفها مقاطع التوقف الضرورية في معزوفة المستقبل. بينما لا يمكننا قول ذلك عن العراق لا بالمعنى السياسي ولا التاريخي ولا المجازي. وإذا كان الأمر كذلك، فان من الضروري البحث عن المقدمات الفعلية التي أدت إلى هذا الواقع المزري، أي التحولات التي مست بنية التطور الطبيعي للدولة، بحيث جعلت من مسارها اللاحق مجرد اجترار للزمن.
فقد كان المسار التاريخي للعراق حتى الرابع عشر من تموز عام 1958 مسارا طبيعيا. بمعنى انه كان يحتوي على مراحل التوقف والتراجع، لكنه كان في مجراه العام تقدما وتراكما بالمعنى التاريخي. لقد كان يحتوي على تراكم طبيعي في المؤسسات والبنية الذاتية للدولة والسلطة والمجتمع والفكر والثقافة والاقتصاد. وما بعد الرابع عشر من تموز عام 1958 تحول تاريخ العراق إلى زمن الراديكالية السياسية، أي زمن التجريب الخشن والاجترار الأجوف للأوهام. أما رفع الانقلاب العسكري إلى مصاف "الثورة" فهو انقلاب في المفاهيم يعكس استعداد الوعي السياسي لقبول كل ما يفرض عليه. وهي حالة تشير إلى أن المفاهيم السياسية ليست نتاج معاناة علمية ونقدية دقيقة، بل اقرب ما تكون إلى تأييد إعلان أو شعار سياسي. وهو خلل صنعته "ثورة" الرابع عشر من تموز.
إن الخطأ التاريخي لانقلاب الرابع عشر من تموز هو عين خطيئته السياسية. وسبب ذلك يقوم في أنه أسبغ الشرعية على إمكانية الانقلاب العسكري وتدخل الجيش المباشر في شئون الحياة السياسية والمدنية وتحكمه فيهما! وهو مؤشر على ضعف الدولة والمجتمع والنخب السياسية. وحالما جرى رفعه إلى مصاف "المقدس"، فان النتيجة الملازمة هي تقديس بواعث الخراب والتخريب. لقد أدى انقلاب الرابع عشر من تموز إلى جعل المؤامرة والمغامرة السياسية لحفنة من الحزبيين الجهلة ومحبي الجاه والسلطة ولاحقا الإجرام والسرقة، أمرا عاديا! وأصبح تاريخ العراق بعدها سلسلة متصلة من الانقلابات والجريمة السافرة والمستترة. والنتيجة انعدام الاستقرار والأمن والتراكم الضروري للمعرفة والاحتراف والكفاءة. أنها وضعت وأسست لإمكانية الخروج على كل شيء، ورفعته إلى مصاف الممارسة الشرعية. من هنا "شرعية الثورة" وما شابه ذلك من صيغ لا علاقة لها بالشرع والحقوق، باستثناء تحويل غريزة السلطة المتحكمة في نوعية الأحزاب السياسية العراقية إلى "حق شرعي". وهي طريقة أدت، كما تكشف عن نتائجها تجارب الأمم الحديثة جميعا، والعراق بشكل خاص، إلى الغوص في أوحال الدكتاتورية والتخلف والانحطاط.
لقد كان تحول انقلاب الرابع عشر من تموز إلى "ثورة"، الصيغة الملازمة للتشوه التاريخي ولسطحية الوعي السياسي الحزبي. وهي حالة لم يجر بعد دراستها بصورة علمية معمقة، استنادا إلى معطيات التاريخ السياسي والأبحاث السوسيولوجية المتعلقة برؤية طبيعة وحجم الخلل الفعلي في العراق الجمهوري. أما النتيجة كما نراها الآن، فإنها لا تحتاج إلى تدليل كبير لرؤية التخلف المزري. وهو تخلف يرتقي إلى ما مصاف ما ادعوه بمنظومة الانحطاط، بوصفه الوجه الآخر، أو الاسترجاع المعكوس للانقلاب التاريخي الذي أحدثه انقلاب الرابع عشر من تموز.
فعندما نتأمل تاريخ التراكم الطبيعي في ثورات الأمم الناجحة، فإننا نرى ملامح الثورات الفعلية في الانتقال (على مستوى الوعي السياسي والاجتماعي والثقافي وبنية الدولة والاقتصاد) من المستوى الديني إلى الليبرالي ثم إلى القومي ثم إلى الاشتراكي الديمقراطي (الاجتماعي). بمعنى الانتقال على مستوى الوعي والواقع من مرحلة الأمة الدينية إلى القومية العصرية ومنهما إلى المرحلة الاجتماعية. وهي العملية التي كانت تتراكم في تاريخ العراق الحديث قبل الرابع عشر من تموز، رغم كل حالة التخلف المزري التي ورثها من المرحلة العثمانية. بحيث كان بإمكاننا أيضا أن نرى ظهور حزب شيوعي بعد عقد ونيف من الزمن ممثلا "للبروليتاريا" الساعية للبناء الشيوعي!! أي في بلد كانت الأمية فيه تبلغ 90% وشبه انعدام للتصنيع ومستوى متخلف في الزراعة وعلاقات اجتماعية تقليدية وملك مستورد! وتعكس هذه الحالة بصورة مبطنة حالة التشوه الأولى للوعي الاجتماعي والسياسي، لكنها كانت تتعرض إلى عملية تهذيب وتشذيب ضمن السياق العام للتطور الطبيعي في انتقال الوعي السياسي من المرحلة الدينية والوعي الأسطوري واللاهوتي إلى الفكرة اللبرالية والوطنية. وكانت تتراكم في هذا المسار عناصر الفكرة القومية والاجتماعية. وهو مسار طبيعي. غير أن التحول الجذري (الراديكالي) الذي أحدثه انقلاب الرابع عشر من تموز قد قلب الأمور رأسا على عقب. بحيث تحولت الشيوعية إلى الفكرة السائدة (بعد 1958)، ثم تلتها الفكرة القومية (بعد 1963) ثم الفكرة الدينية (بعد 2003). وهو خط بياني يعكس ما يمكن دعوته بالانقلاب التاريخي للتاريخ مازال العراق يعاني من نتائجه المريرة، لكنه يسير الآن ضمن السياق التاريخي الطبيعي. وهي التعزية الوحيدة الكبرى لما يجري الآن. بمعنى أن رجوع العراق إلى "المرحلة الدينية" هو مقدمة صعود الفكرة الليبرالية اللاحقة فالقومية فالاجتماعية.
إن الرؤية المطروحة أعلاه تتضمن موقفي من طبيعة التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي أحدثها انقلاب الرابع عشر من تموز، الذي جعل من كل انجازاته اللاحقة أشياء اقرب ما تكون إلى وليمة سرقة! كبيرة ومبهرجة وسريعة الزوال! وليس التوتاليتارية سوى ذروتها الكبرى.
ذلك يعني أن نقد المرحلة التوتاليتارية في العراق ينبغي أن تبدأ من نقد انقلاب الرابع عشر من تموز الذي مازال يخيم بأوهامه على صدأ الذاكرة والفكر السياسي. بمعنى يمنعهما من التفكر بمعايير المستقبل. إن مهمة هذا النقد تقوم في تحرير العقل السياسي من قيود الأوهام الأيديولوجية. فالعراق بحاجة إلى منظومة إصلاح عقلانية وإنسانية وواقعية، أي منظومة إصلاح شاملة تعمل بمعايير المعاصرة والمستقبل. انه ليس بحاجة إلى انقلابات يجري تجليلها لاحقا بمسوح "الثورة" وما شابه ذلك لكي لا تتكرر مأساته من جديد. والخطوة الأولى هي تأسيس الوعي السياسي بالشكل الذي يحصنه من الوقوع في شبكة الأوهام العنكبوتية للراديكالية الدنيوية منها أو الدينية. وذلك لأنهما كلاهما يؤديان بالضرورة إلى مختلف أشكال ومظاهر ومستويات التوتاليتارية، أي الاستبداد والإرهاب الشامل.
· تقوم الدولة التوتاليتارية من الناحية البنيوية على الدمج بين المجالين السياسي والاقتصادي وتهيمن على الاقتصاد ككل، باعتبارها المالك الاكبر ولحد ما الوحيد للثروات المادية والبشرية. هل هناك علاقة بين الريع النفطي العراقي والاقتصاد السياسي للدولة الكليانية العراقية؟
لقد أشرت أعلاه إلى أن التمازج والتداخل والتوازي والترابط بين المجال الاقتصادي والسياسي في الدولة التوتاليتارية يحمل طابعا عضويا. وهو أمر طبيعي بالنسبة لها. فالدولة التوتاليتارية على اسمها، أي انها تتصف بهيمنة فكرة الكل والسيطرة التامة والتحكم المطلق والقيادة الشاملة، في ظل غياب شبه تام لفكرة الإدارة الاجتماعية والمدنية. بمعنى احتلال الحزب لكل مفاصل الدولة وأجهزتها، وتحوله إلى ثكنة عسكرية بمظهر هيكل مقدس! ويحمل كل مكونات اللاهوت المصطنع، كتب وخطابات مقدسة، وأجهزة مسترشدة بأوامر القائد، وقيم أيديولوجية خالصة، أي كل ما يهدف إلى تصنيع الوحدة والتمام فيها.
وبقدر ما ينطبق ذلك على دمج السياسة بالاقتصاد، فانه ينطبق على كل مظاهر الوجود التاريخي للدولة والمجتمع. أما بروز أهمية الاقتصاد، فلأنه العامل الحاسم في حياة السلطة والدولة والمجتمع. لكنه خصوصية هذا "الحسم" في الدولة التوتاليتارية يقوم في إركاع الاقتصاد إلى متطلبات ورغبات الإرادة السياسية. من هنا تحول الاقتصاد إلى وسيلة سياسية. وهو الانقلاب الخشن والمدمر الذي تنتجه الدولة التوتاليتارية. وهي آلية تتعارض مع المسار الطبيعي لتطور الدولة والمجتمع والعلم والتكنولوجيا والاقتصاد، أي مع المسار الطبيعي للتقدم الاجتماعي والرفاهية الاقتصادية. الأمر الذي يحاصر التوتاليتارية بالشكل الذي يجبرها على محاصرة المجتمع، بمعنى التحكم فيه بالشكل الذي يجعل من كل شيء وسيلة لبلوغ أهدافها. وليس هناك في الواقع من هدف عندها أكثر من إخضاع الكل بوصفه طفلها "الرضيع"! لكنها صيغة ليست رمزية فقط بل وواقعية. بمعنى انها تسعى لإرضاع المجتمع من ثدي مصادرتها التامة للثروة والإرادة. وفي هذا يكمن سر الاندماج البنيوي بين المجال السياسي والاقتصادي في الدولة التوتاليتارية. أما حجمه ونوعيته فيتوقف على كمية وحجم الثروات الطبيعية ومستوى التطور الاجتماعي والاقتصادي والعلمي والتكنولوجي والثقافي. فالجوهر واحد. انه يقوم في تكامل الهيمنة بما في ذلك على الاقتصاد بشكل عام والثروة الطبيعية والبشرية بشكل خاص.
وإذا كانت الصفة المميزة للدولة التوتاليتارية البعثية الصدامية تقوم في الهيمنة على النفط، فلاته الثروة الكبرى القادرة على التوظيف السياسي السريع. كما انها الثروة التي جعلت من طابعها الذاتي ذات الطابع المميز للتوتاليتارية. بمعنى تحول النفط بوصفه طاقة إلى طاقة الدولة التوتاليتارية. وعكست هذه المعادلة الواقعية واقع التخلف التاريخي والاجتماعي للراديكالية السياسية العراقية، بوصفها قوة هامشية وحثالة اجتماعية. مما طبع بدوره كل الزمن اللاحق للدولة التوتاليتارية البعثية الصدامية التي تحول النفط إلى طاقة "رسالتها القومية الخالدة"! أي إلى طاقة المصادرة الوحيدة والمحببة والأبدية. من هنا استعدادها لإهمال كل شيء - الدولة والأمة والروح والأخلاق والقيم والإنسان، باختصار كل شيء، بل وسحقه حالما يقف بينهما وبين النفط! هذه الشعلة الأبدية الوحيدة في توجيه رغباتها وغاياتها. الأمر الذي طبع علاقة الثروة النفطية بطابع القوة المقدسة الوحيدة!
وليس مصادفة أن يتحول النفط إلى سر الأسرار والسلعة الوحيدة في "إستراتيجية" السلطة الدكتاتورية. والسبب بسيط للغاية، ويقوم في الاستحواذ على الثروة الوحيدة من اجل توجيه كل شيء والتحكم به. فقد وصلت الدكتاتورية مع نمو وتراكم و"تكامل" الفشل التاريخي لمشاريعها للرجوع إلى مصادرها الأولى، مما أدى إلى كشف حقيقتها وهويتها بوصفها حثالة اجتماعية وفصيل من فصائل حيوانية ناطقة بمعايير الجهوية والفئوية التقليدية (عائلية عشائرية قبلية) وبدائية لا نظير لها! الأمر الذي جعل من الثروة النفطية بداية ونهاية "الاقتصاد السياسي" للتوتاليتارية البعثية الصدامية.
طبعا أن عبارة "الاقتصاد السياسي" تتسم بقدر كبير من الأبهة حال تطبيقها على واقع الدكتاتورية، لكنها تعكس الصيغة الواقعية لواقعية التخلف المريع الذي أدت إليه تقاليد الراديكالية السياسية العراقية بشكل عام والبعثية بشكل خاص. فإذا كان انقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958 قد أرسى أسس فكرة الخروج "الشرعي" على الشرعية وجعل الانقلاب والثورة أسلوب النمو والتقدم والحرية، فان مكوناته الاجتماعية وأيديولوجيته السياسية كانت خميرة خربة من العسكر والحثالة الاجتماعية وفقراء المدن والريف المتخلف والنخبة المثقفة المخدوعة بأوهام الشيوعية والفكرة القومية. وليس مصادفة أن يكون صراع واحتراب الشيوعية والبعثية في العراق اقرب إلى احتراب القبائل والفصائل الحيوانية المتناحرة! لكنهما كانا يشتركان في نوعية وآلية الخطاب السياسي الراديكالي، كما نراه في موقفهما من السلطة بوصفها الإرادة المكثفة للحزب، والأيديولوجية بوصفها الكتاب المقدس للأتباع! بمعنى اشتراكهما في عبادة أصنام السلطة والأيديولوجية والإرادة "الشعبية". وما وراءها كانت تقف الرغبة الخفية للحثالة الاجتماعية ونزواتها المحكوم بقوة الغريزة وانعدام العقل الثقافي. أما الفشل المحتوم فقد كان النتيجة الكامنة في هذه المقدمات. مع ما كان يترتب عليه من تعميق وتفسخ للفكرة الراديكالية نفسها.
إذ لم يكن صعود التوتاليتارية والدكتاتورية وتوليفهما في مسخ الصدامية سوى النتيجة الحتمية لهذا الفشل التاريخي أو الصيغة الوحيدة الكامنة في انسداد الأفق التاريخي لأيديولوجية الأوهام الكبرى (الشيوعية والبعثية)، التي وجدت في النفط ملاذها الأخير. فقد كانت عاجزة من حيث المقدمات التاريخية والاجتماعية ورؤيتها للمستقبل عن تأسيس أية بدائل أخرى عقلانية وواقعية ومستقبلية.
· أدت الوفرة المالية واستحواذ الجماعات القبلية على الثروة النفطية إلى إعاقة النمو الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للمجتمع. وبالمقابل "تكاملت" دولة شديدة المركزية. كيف نفسر العلاقة بين هذا النمط من الدولة والتمركز السياسي للجماعات الطائفية العراقية في السلطة ؟ وكيف استطاعت الدولة البعثية الصدامية إنشاء نظاما اقتصاديا سياسيا فريدا هو "رأسمالية القرابة" و"طبقة العشيرة"؟
إن خصوصية الدولة العراقية الحديثة تكمن في تراكمها البطيء الذي جرى في الوقت نفسه ضمن تيارات راديكالية جارفة. مما جعلها على "مهب الريح" في مجرى عقود من الصراع العنيف. بحيث كسر في نهاية المطاف عودها الطري.
فقد كانت الدولة العراقية الحديثة نتاج "مؤامرة" إقليمية ودولية تعكس أولا وقبل كل شيء ضعف العراق عند بداية القرن العشرين وتخلفه المزري. وبغض النظر عن كل ما يقال في وضعه "الآخذ بالنمو" أواخر المرحلة العثمانية، إلا انه كان يعاني من "سكرة الموت" التاريخي. والشيء الوحيد الحي فيه يقوم في إمكانية تجديد ذاكرته على أساس ذكرياته القديمة. ولا مجاز في هذه العبارة. فتاريخ الأمم ذكرى وذاكرة وذكريات. وحالما يجري وضعها في منظومة الحاضر والرؤية المستقبلية، عندها تصبح الخطوات الواقعية معقولة بمعايير الماضي والمستقبل. لاسيما وانه الشرط الضروري لبلورة الرؤية المعتدلة ومنظومة القيم العقلانية، بما في ذلك في ميدان العلاقات السياسية. وكان من الممكن أن تنمو وتتقوى وتتوسع وتغرس جذور هذه المنظومة أو المنظومات في تربة العراق الحديث لولا كمية من النواقص التي جرى رفعها إلى مصاف "الفضيلة" السياسية، كما نراها في ظاهرة الصعود المفاجئ وغير التاريخي (غير الطبيعي) لمختلف نماذج الراديكاليات السياسية المصطنعة. عندها تحول كل شيء إلى جزء من معترك الأحزاب والسياسة المغامرة، أي كل ما انتهى إلى انقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958.
وأدى ذلك ايضا إلى إبعاد الفكرة التاريخية ووعي الذات القومي عن جذورهما الخاصة. فإذا كان العراق عند تخوم القرنين التاسع عشر – العشرين يفتقد إلى فكر النهضة والإصلاح، فان قفزته السريعة صوب راديكاليات القرن العشرين الأوربية قد افسد على قواه السياسية بصورة تامة إمكانية الرؤية الواقعية والمستقبلية. بحيث أدى إلى نوع من القطيعة ما زال أثرها فاعلا وقويا في وعيه الذاتي بشكل عام والسياسي والوطني والقومي بشكل خاص. أما التيارات والأحزاب السياسية "العراقية" و"العربية" و"الطبقية" فإنها تخلو من حيث الجوهر من الأبعاد الفعلية والحقيقية للفكرة الوطنية والقومية والاجتماعية. وليس مصادفة أن يغلب على وعيها السياسي سذاجة الرؤية واليقين الإيماني العقائدي وابتذال الشعارات الرنانة وانعدام الشعور الإنساني.
وهنا كانت تكمن المقدمات الخفية لطبيعة الانقطاع التاريخي في العراق عن التاريخ. وعادة ما تكون الدولة ميدان التأثير المدمر لهذه الظاهرة الخربة. وذلك لان الانقطاع التاريخي عن التاريخ الذاتي والاستعاضة عنه أو ملئه بأوهام أيديولوجية ينخر بالضرورة كل مكونات وإمكانيات الوجود الطبيعي للأمم والدولة، أي تكاملهم العضوي والتاريخي. من هنا تحول كل شيء إلى أداة عابرة وجزئية. مع ما يترتب عليه من سيادة ما يمكن دعوته بنفسية وذهنية المساعي المحمومة للسيطرة والتحكم والهيمنة، باختصار إلى إثارة كل كوامن الغرائز البهيمية. من هنا إمكانية تحول الدولة ايضا إلى ميدان أو إطار الهيمنة الشاملة عبر دمج فكرة الدولة بالهيمنة والسيطرة والمصادرة أو رفعها إلى مصاف القوة الوحيدة المالكة لشرعية التحكم الشامل بكل شيء. وهي فكرة اختمرت في مجرى زمن مديد من نمو المنظومات النظرية والعملية للراديكاليات السياسية. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار مستوى التخلف الاجتماعي والاقتصادي والعلمي والثقافي العام للعراق في النصف الأول من القرن العشرين، فمن الممكن توقع سهولة انتشار هذا النمط من الذهنية والنفسية اللاهوتية. فالفكرة الراديكالية السياسية ما هي في الواقع سوى فمرة لاهوتية مقلوبة. لهذا عادة ما تتقبل بسهولة وإعجاب نموذج الإله الوحيد القادر العادل الحي الفاعل المميت المحي الرازق الصادق في كل ما يقول ويفعل، بعد إسباغه على الحزب أو أئمة الأيديولوجية "الثورية" أو القادة. وكلما يكون التيار أكثر تخافا من حيث أسسه الاجتماعية والثقافية كلما تكون فكرة الاستحواذ والهيمنة اشد قبولا للغرائز التقليدية. فالبنية التقليدية لا عقل نقدي فيها ولا ضمير اجتماعي. وحالما تتحول الغريزة إلى فكرة سياسية وأيديولوجية "متسامية" ومصاغة بقوالب "الوطنية" و"القومية" و"الطبقية" و"الإلهية" وغيرها، عندها تصبح العبودية الملاذ الأخير والوحيد للحرية والعدالة!! أي يجري قلب الأمور كلها رأسا على عقب والتلذذ بهذا الانقلاب على انه الصيغة "المستقيمة" للأشياء ومرتع الحقائق الأبدية! وليس تحول فكرة الهيمنة المطلقة للدولة من اجل بلوغ "الأهداف الكبرى" وتجسيد "المشاريع التاريخية العظمى" و"تحقيق الرسالة الخالدة" للطبقة أو القومية في "امة واحدة" أو "وطن حر وشعب سعيد" وما شابه ذلك سوى احد نماذجها الأكثر سخافة والأشد ابتذالا والأكثر إثارة لجذل أتباعها ويقينهم التام بعصمة هذه الشعارات الجوفاء.
بعبارة أخرى، إننا نقف أمام تقاليد أيديولوجية صماء في سمعها للتاريخ، وعمياء في نظرتها للمستقبل، وعصماء في يقينها الجازم بما تقول. الأمر الذي جعل من فكرة هيمنة الدولة مجرد "مبدأ" من مبادئ هذه الرؤية الراديكالية الأيديولوجية الحزبية. انها تنعم بخيلاء الرؤية الحالمة عن إمكانية استعمال الثروة والقوة من اجل "تحقيق" أهدافها. أما في الواقع فان كل ما تقوم به لا يتعدى استعادة أو استظهار الغرائز التقليدية. وإذا كانت هذه الحالة قد ارتبطت من الناحية التجريبية المباشرة بصعود حزب البعث إلى السلطة، فلأنه مجرد نتاج "القرعة" التي لازمت "انتصاره" في أحداث الانقلابات العسكرية (1963، 1969)، أي قرعة الفوز الناتجة من عمليات المغامرة والمقامرة الحزبية. وليس مصادفة أن يؤدي صعود البعث (والشيء نفسه كان يمكن قوله عن الشيوعيين أو أية قوى راديكالية أخرى آنذاك) إلى تضافر وتكامل الهامشية والفئوية والطائفية السياسية، أي هذا الثالوث الباطني للضعف الاجتماعي والتاريخي الكامن في التيارات الراديكالية السياسية.
وليس مصادفة أن يكون انحدار البعث والسلطة الصدامية صوب القوى الهامشية والفئوية والعشيرة، أي البنية التقليدية ملازما لها زمن "الانتصار" والهزيمة. فهو الوجه الفعلي لحقيقة الراديكالية السياسية. اذ ليست الصدامية في الواقع سوى التعبير النموذجي عن الهامشية الاجتماعية والفئوية والبنية التقليدية، أي أيديولوجية الريف المتخلف والملقح بأنصال العصابة المغامرة. فقد كان وصلها إلى السلطة حلقة من حلقات المغامرة والمقامرة التي لازمت حزب البعث من نشوئه في العراق حتى اندثاره المخزي. وتمسكها بالسلطة والأدوات التي جرى استعمالها من اجل ديمومتها هو تعبير عن نفسية وذهنية العصابة.
إذ لا شيء في السلطة الصدامية لغير السرقة والابتزاز. وكل ما كانت تقوم به تجاه "المجتمع" أشبه بما يقوم به مالك الخراف تجاه قطيعه، أي سلوك الهبات الفرحة. بينما كانت تختبئ في كل هبة طلقة مكتومة. ومجمل هذه الحالة العامة ومختلف جزئياتها لا يمكن أن تفعل إلا في اتجاه إعاقة التطور الاقتصادي. بل إنني أجد صعوبة في الحديث عن "اقتصاد" بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة. والأدق الحديث عن تبذير للثروة المنهوبة والمصادرة تحت شعار "التأميم" وما شابه ذلك من اجل الاستحواذ التام على الثروة والبشر. إذ لا يمكن للاقتصاد السياسي أن يفعل بوصفه منظومة مصالح اجتماعية ديناميكية تحت ثقل أيديولوجية متخلفة وفاقدة لكل الأبعاد الاجتماعية والحكومية والدولتية والقومية الحديثة.
فالأيديولوجية البعثية بشكل عام لا تفقه شيئا في قضايا الاجتماع والدولة والأمة. أما الصدامية فهي أيديولوجية الريف المتخلف والمتحلل والمستعد على توليد الجريمة. انها لا تعرف ماهية الإنسان والمجتمع. كما انها غريبة ومغتربة عن ماهية الدولة والتقدم الاجتماعي. وهي أمور كان يمكن رؤيتها على مثال صدام نفسه وأهله وأقاربه وحاشيته وخدمه وحشمه ومرافقيه وقيادته القطرية والقومية، باختصار في كل الصور الواقعية والمحتملة القائمة فيما يمكنه أن يكون مرآة مصغرة لما يريد ويرغب به، أي لكما هو كائن فيه ومستعد له. من هنا مظاهر "مركزية الدولة" الخشنة. وهو تعبير ليس دقيقا. فالسلطة الصدامية أنتجت مركزية سلطة متخلفة لا علاقة لها بمفهوم الدولة الحديثة. بعبارة أخرى أن ما كان في زمن الصدامية ليس دولة بل سلطة عصابة تحكم الدولة. وليس مصادفة أن يكون رجوعها إلى العشيرة والقبيلة أمرا حتميا. وذلك بسبب طبيعة الترابط بين الراديكالية البعثية وما أسميته بالثالوث الباطني للضعف الاجتماعي والتاريخي الكامن في التيارات الراديكالية السياسية، أي في تضافر الهامشية والفئوية والطائفية السياسية. فهي المكونات التقليدية الكامنة في الأحزاب الراديكالية. فالشعارات الراديكالية مجرد غلاف لبنية تقليدية. والسلطة ليست بحاجة إلى أوهام لأنها تفعل بمعايير ومقاييس أخرى. وحالما يجري اختبارها فان التمازج "الحي" والفعال للبنية التقليدية والزيف الأيديولوجي يصبح من "مقدسات" الملكية الجديدة. وهو ما حدث في عراق المرحلة الصدامية بصورة تامة. من هنا آلية الرجوع "المنظم" إلى مختلف مظاهر وأشكال البنية التقليدية، أي إلى مختلف أساليب ونماذج ما قبل التاريخ العراقي الحديث. بمعنى الانتقال أو بصور أدق الرجوع من الدولة إلى القبيلة على عكس ما جرى في دول الخليج العربية – من القبيلة إلى الدولة. أما "رأسمالية القرابة" و"طبقة العشيرة" فهي مجرد صيغة بلاغية "جميلة" لواقع قبيح! بعبارة أخرى، إننا حالما ننظر إلى هذه الظاهرة بمعايير العلم التاريخي والسياسي الدقيق، فان تفسيرها يقوم فيما أشرت إليه أعلاه، أي أن أسباب هذا التحول الغريب أو بصورة أدق النكوص المخزي تكمن في سيادة الراديكالية السياسية التي جعلت من الممكن وصول الهامشية والحثالة إلى السلطة بوصفها غنيمة. مع ما ترتب عليه من إفراغ السياسة من مضمونها الاجتماعي وخضوعها للقانون. حينذاك لم تعد السلطة والدولة شيئا غير ميدان المغامرة والمقامرة. أما الاستحواذ على كل شيء فهو مجرد "حق" من حقوقها فقط! أي كل ما أدى إلى إنشاء "لا نظام اقتصادي سياسي فريد" أو بصورة أدق إلى جعل الفوضى "قانون" الدولة والسلطة والمجتمع والفرد
الصدامية ايديولوجيا تقوم على نسق الواحدية المطلقة
تقديم وحوار : يوسف محسن
· الدولة التوتاليتارية ظاهرة من ظواهر القرن العشرين. أنها تمثل الطور المكتمل للدولة البيروقراطية الحديثة، التي استطاعت اختراق المجتمع واحتكار السلطة. ما هي الأزمات التاريخية التي تعرضت لها هذه المجتمعات وأدت إلى ظهور هذا الشكل من الدولة التوتاليتارية؟
إن الدولة التوتاليتارية هي إحدى ثمار القرن العشرين المرة. ومرارتها تكمن في عدم قدرتها على تذوق الحياة بمعايير الحياة نفسها. وذلك لان معيارها الوحيد هو القيم الأيديولوجية. بمعنى انها محكومة في أذواقها بالأهواء الخاصة. وإذا كانت الأهواء هي النتيجة العرضية الملازمة لتطور الأمم والثقافات الكبرى، فان سيادتها في القرن العشرين جعل من الممكن انتقال الهامشية والراديكالية من الأطراف إلى المركز، ومن ثم جعل الزمن حاكما على التاريخ. بمعنى انقلاب القيم والمفاهيم والمبادئ. وضمن هذا السياق تكلمت عن "مرارة" التوتاليتارية. أما في الواقع، فان التوتاليتارية ليست خطأ في الذوق فحسب، بل وخطيئة تاريخية كبرى. غير انها، شأن كل "خطيئة تاريخية كبرى" هي نتاج "خطأ كبيرا" في السمار التاريخي للأمم والدول والثقافة. بمعنى خطأ الخروج على "منطق" التاريخ.
أما ارتباطها بالقرن العشرين، فيكمن في كونه القرن الذي جعل من فكرة "الحتمية" فلسفة سياسية تاريخية. وإذا كان ارتباطها الظاهري بالشيوعية الماركسية، فان جذورها النفسية والأيديولوجية تكمن في فكرة الحتمية القائمة في السيطرة "الفرحة" للمركزية الأوربية وقيمها وسهولة انتشارها وهيمنتها العالمية. لقد أنتج ذلك بوعي ودون وعي سهولة "البدائل الكبرى". لقد أصبح من السهل لكل برنامج ورؤية أوربية ادعاء العالمية. وهي نفسية وذهنية كانت أوربا ميدانها الأول. من هنا كانت الفكرة التوتاليتارية الوجه الآخر والمقلوب للنزوع الكوني الأوربي. لكنه نزوع أيديولوجي. وذلك لان الكونية الأوربية لم تكن في الواقع شيئا أكثر من "الأوربية" القومية. وهي مرحلة تاريخية لها جذورها الخاصة في التاريخ والثقافة الأوربيين. وليس مصادفة أن تنشأ فيها ظاهرة التوتاليتارية "الكونية"، مع أن حقيقتها محكومة بالنزوع القومي الذي يشكل جوهر وغاية النزوع الأوربي "الكوني". إذ لم تكن التوتاليتارية الفاشية والنازية سوى الوجه الباهت للتوتاليتارية الشيوعية، أو الصيغة الأشد تشويها عنها. من هنا نزوعهما صوب السيطرة العالمية، ومحاولة فرض "نموذجهما" بالقوة. الفاشية والنازية باسم القومية، والشيوعية باسم أممية مزيفة، وذلك لان حقيقتها هي قومية الأقليات (العرقية والدينية). والتناقض الظاهري بينهما هو تناقض مهانة القومية الكبرى وصعود الأقلية. وكلاهما ظواهر مختلفة لما أسميته بالخطأ التاريخي الذي ترتب عليه خطيئة سياسية كبرى. وليس مصادفة أن يكون صعودهما واندثارهما في القرن العشرين، بوصفه ذروة الصعود القومي (الأوربي) والعالمي ايضا.
لقد كان القرن العشرين ذروة الصعود القومي الأوربي. لكنه كان ايضا قرن المنافسة الكونية الجديدة. بمعنى صعود المركز الأمريكي العالمي، مع ما ترتب عليه من انتقال "المركز" أو بصورة أدق توزعه (الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة). وكمون الصراع الإمبراطوري فيهما. وإذا كانت التوتاليتارية السوفيتية جلية المظهر فأن الكمون الذائب في صعود "المركز" الأمريكي "العالمي" ليس إلا إحدى الصيغ الملطفة للنزعة القومية. الأمر الذي كان يحتوي في أعماقه على نزوع توتاليتاري يمكن رؤية نموذجه في أيديولوجية المحافظين الجدد وفكرة "الرسالة العالمية" و"القرن الأمريكي" وما شابه ذلك. لكنها توتاليتارية خارجية، بمعنى جرى توظيفها نحو الخارج، كما نرى صورته المقلوبة في عملها المثابر على غسل مخ ومخيخ الوعي الأمريكي بعد أحداث "الحادي عشر من أيلول". وهي قضية بحاجة إلى التأمل والبحث. وذلك لخصوصيتها ونتائجها المستقبلية الكامنة في طي "الغيب". لكنها لا تتعدى النتيجة التي أدت إليها كل محاولات ونماذج الإمبراطوريات الحديثة، والنظم التوتاليتارية، بوصفها إحدى الصيغة المشوهة للنزوع الإمبراطوري في العالم الحديث والمعاصر.
فقد كان انحلال القوة الأوربية واضمحلال فكرة الإمبراطورية وراء صعود التوتاليتارية الشيوعية والنازية والفاشية. كما أن زوالهم يتضمن زوال الإمبراطورية والتوتاليتارية. وفي هذه الظاهرة ينبغي البحث عن سر صعود وانهيار التوتاليتارية في أوربا القرن العشرين. أما البيروقراطية، فأنها مجرد أداة إضافية. وذلك لان البيروقراطية تتسم من حيث الجوهر بطابع محايد بهذا الصدد. بمعنى انها يمكن أن تعرقل ايضا النزوع التوتاليتاري. كما انها يمكن أن تخدم التفتح الديمقراطي وتقنين فكر الحقوق والواجبات والحرية. إذ لا توجد دولة ولا يمكنها الوجود والعمل بدون بيروقراطية.
إن جوهر القضية ليس في البيروقراطية، بل نمط إدارة الدولة والمجتمع. والتوتاليتارية تعمل وتفعل بمعايير ومقاييس القيادة السياسية الحزبية الأيديولوجية. انها لا تعرف الإدارة، بما في ذلك البيروقراطية. انها تعرف "الإرادة الفاعلة" و"التخطيط" غير العقلاني! هنا المفارقة الكبرى للتوتاليتارية. لهذا فهي لا تخترق الجميع، بسبب ما تصنعه من قطيع محكوم بإرادة القوة والقهر، وقيم شرطية (خارجية) مفروضة أيضا بالقوة والدعاية المكثفة وحاصرة العقل والضمير الفردي والاجتماعي. لهذا من الصواب الحديث عن تحكمها بالفرد والجماعة والمجتمع والأمة والدولة والثقافة من خلال منظومة "متجانسة" للقهر والإذلال والتوزيع والتحكم، باختصار انها تتحكم بالروح والجسد والعقل، منذ الولادة حتى الموت. وهي حالة تختلف مظاهرها وصورها، لكننا نستطيع العثور عليها في كافة النماذج التوتاليتارية الشيوعية والفاشية والنازية وغيرها.
أما ما يخص طبيعة الأزمات القائمة وراء ظهور وصعود التوتاليتارية، فإنها متنوعة، لكن الجامع بينها يعود إلى ازمة الدولة والأمة والثقافة و"حلها" من خلال صعود الراديكالية والعوام، أي حالما تصبح العوام "النخبة القائدة". ففي روسيا كانت الأزمة البنيوية الشاملة تتجسد في كونها "الحلقة الأضعف" في صراع البدائل. وفي ألمانيا في كونها "الحلقة الأضعف" في منظومة الهيمنة الكولونيالية، وفي ايطاليا في كونها "الحلقة الأضعف" في منظومة الاحتلال. ذلك يعني أن لكل منها خصوصيته في الأزمة. وجميعها محكوم بنزوع إمبراطوري متشنج. فالإمبراطورية الروسية لم تعرف الحدود. إذ كانت واسعة الاستعمار ولم تعرف حدود إمكاناتها الفعلية. انه توسع أفقي (جغرافي) فقط، رافقه إهمال للتكامل. أما ألمانيا وايطاليا، فأنهما كان يعانيان مما يمكن دعوته بالنقص الإمبراطوري والمهانة القومية التي تعرضا إليها. فقد كان تاريخ ألمانيا الحديث محاولات حثيثة من اجل إلغاء التجزئة والقضاء على مهانتها التاريخية القومية بأثر هزيمتها في الحرب العالمية الأولى. أما ايطاليا، فإنها كانت تعاني من ازمة العقدة القومية المترتبة على تجزئتها وخضوعها المتنوع للإمبراطوريات الأوربية الصغيرة، واستجماعها المتأخر، شأن ألمانيا (نهاية القرن التاسع عشر). وهي وريثة اقوي وأطول العهود الإمبراطورية في التاريخ الأوربي. والشيء نفسه يمكن قوله عن الأثر "الجرماني" في تاريخ القوة الأوربية. من هنا طغيان الأبعاد القومية في الفكرة التوتاليتارية. طبعا أن التوتاليتارية لم تكن حتما بالنسبة لأي من هذه الدول والقوميات، بقدر ما انها تراكمت في "انغلاق" تاريخها السياسي الحديث في أعين النخب السياسية. وهو انغلاق عادة ما تساهم به القوى السياسية جميعا، والسلطة بشكل خاص، منة خلال عدم قدرتها على إيجاد بدائل واقعية محكومة بفكرة المصالح الكبرى للفرد والمجتمع والدولة انطلاقا من قواها الخاصة وضمن حدودها الذاتية. بينما يؤدي الخروج على هذا المنطق البسيط للتاريخ إلى خطيئة سياسية كبرى تجعل من وهم التوتاليتارية بديلا فاضلا لما هو موجود وحلا معقولا وضروريا، بل و"حتميا" للازمة. أما في الواقع، فانه مجرد مؤشر على وجود واستمرا ما أسميته بأزمة الأمة والوعي التاريخي الثقافي والأزمة البنيوية لنظام الدولة السياسي.
· ما هي الأسباب التي جعلت الطبقة الوسطى العراقية تقطع جميع الصلات والروابط بالفكر الليبرالي العراقي رغم بدائية تكوينها الاجتماعي، الذي كان من المفترض أن يصلها بفكر التنوير وتجارب الإصلاح الديني والسياسي خلال حقبة الستينيات؟
إن الانقطاع الفعلي بين الطبقة الوسطى والفكرة الليبرالية هو نتاج حالة معقدة لازمت كيفية الانقطاع التاريخي للتطور الاجتماعي. فالطبقة الوسطى هي صانعة التاريخ الحديث والمستقبل بقدر واحد. انها القوة الفاعلة والفعالة على كافة المستويات وفي كافة الميادين. وبالتالي لم يكن إبعادها عن لعب دورها الخاص بها سوى الانحراف التاريخي الهائل للمجرى الطبيعي لارتقاء المجتمع والدولة. فقد لازم هذا الانحراف صعود الراديكاليات الرثة لما يسمى بالحركات الثورية.
فمن الناحية التاريخية ارتبط هذا الانحراف بالكيفية التي تهشمت بها السلطنة العثمانية. بمعنى تحللها الداخلي دون أن تنشأ بدائل سياسية قومية لمكوناتها في العالم العربي. بينما جرت تجزئته تحت وطأة الاحتلال الكولونيالي الأوربي (البريطاني والفرنسي)، مما أدى بدوره إلى بعثرة ما تبقى من ارث مرحلة النهضة بمختلف تياراتها الدينية والدنيوية. مما أدى بدوره إلى أن يصبح التاريخ الذاتي زمنا فقط، وذلك لدورانه في فلك الهيمنة الأوربية الكولونيالية ومشاكلها. ومنه ايضا وبأثره نشأت القيم والمفاهيم واستيراد النظريات، أي كل أشكال ومضامين التقليد الظاهرية والباطنية. ومن بين أكثرها تشوها بهذا الصدد هو انتشار الفكرة الراديكالية السهلة والمسطحة. فإذا كانت الفكرة الراديكالية الأوربية تسير على ضفاف التيار العقلاني العام، فان انتقالها إلى عالم (عربي) ضعيف ومنهك وخارج للتو من رحم العثمانية المتهرئ، قد جعل من الفكرة الراديكالية عروة وثقى. مع ما ترتب عليه لاحقا من قلب الأمور جميعا رأسا على عقب. فقد أدى ذلك في البداية إلى صعود الفكرة "السياسية" وأولوية الأحزاب ورجل السياسة على المجتمع والنخبة الثقافية العامة. وبلغت هذه العملية ذروتها بصعود الراديكاليات الثورية، أي تلك التي جعلت من الفئات الرثة وغير الناضجة "طبقات" محتوم عليها قيادة الدولة والأمة! ثم تجسد في تيارات متنوعة "قومية" محلية قبلية وعائلية هي النتيجة الحتمية لهذه العملية المقلوبة التي جعلت الأطراف مركزا والفئات الرثة نخبة. وهي إحدى المفارقات الغريبة التي جعلت ايضا من الغباء السياسي عقيدة عصماء! لقد أدى ذلك إلى أول انقطاع تاريخي بنيوي عنيف مازلت آثاره القوية سارية لحد الآن في الفكر والاجتماع والاقتصاد والسياسة والثقافة. بمعنى بقاء وسيادة وإعادة إنتاج البنية التقليدية. وفي هذا يكمن سر الانقطاع عن تراث النهضة.
فالفئات الرثة ومركزيتها الجديدة في السلطة والدولة جعلت من تدمير الطبقة الوسطى هدفها الأساسي، أو أن ذلك لازم بالضرورة نشاطها وفعلها. فالفئات الرثة لا تعاني ولا تنتج لا في المجال المادي ولا الروحي. انها مجرد نقال وحمال. وهي مهام كانت وما زالت باقية بوصفها جزء من تاريخ البحث عن عدالة معقولة هي بدورها جزء من لغز الحياة والوجود. غير انه حالما يتحول الحمال إلى "قائد" فانه يجعل من كل ما حوله مجرد بضاعة أو أشياء تجثم بثقلها على كاهله! وليس هناك من ثقل بالنسبة له اكبر من الفكر وتعقيداته. أما الفكرة الراديكالية المبنية على مجموعة شعارات وقيم وجدانية كاذبة فإنها مجرد تقليد أجوف. أما "الفكر" فيها فانه مجرد غلاف خارجي، فارغ، بلا معاناة. انه "فكر" بلا تلقائية. من هنا هجوم الأيديولوجية، بوصفها "عقلا" بلا تفكر، و"فكر" بلا معاناة، ومعاناة مغتربة عن التاريخ الذاتي والواقع ومن ثم بلا ماض ولا مستقبل. مما يجعل منها اجترارا للحاضر فقط أي لزمن وجود الأشياء.
مما سبق يتضح بان سبب الانقطاع لا يكمن في سلوك الطبقة الوسطى، بقدر ما انه جرى فطمها قبل أن تنمو. ومن ثم سحقها وتحويلها إلى ذرات متناثرة في الكتلة البشرية الرثة التابعة للسلطة التوتاليتارية. وقد ترتب على ذلك اضمحلال واندثار المقدمات الاجتماعية الضرورية للفكرة الليبرالية. فمن المعلوم إن الفكرة الليبرالي، بوصفها بحثا عن الحرية والعقلانية والاعتدال، عادة ما تتجذر في الوعي السياسي للطبقات الوسطى. بل أن الفكرة الليبرالية من الناحية التاريخية والاجتماعية والنفسية هي من صنع الطبقة الوسطى. وليس اعتباطا أن تشترك مختلف التوتاليتاريات السياسية والعقائدية (من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار) بمحاربة الطبقة الوسطى وتصويرها على انها مرتع "القلق" و"انعدام الثبات" في المواقف! أما في الواقع فإن حقيقة "القلق" تعادل نفسية وذهنية البحث الدائم عن الجديد أو ما يمكن دعوته بالثبات الديناميكي. أما اتهامها "بانعدام الثبات" فهي مجرد صيغة أيديولوجية مقلوبة للرؤية التوتاليتارية التي عادة ما تجد في الثبات أسلوبا لوجودها، مع ما يترتب على ذلك من استبداد وقمع لكل اختلاف وتباين وحركة تؤمي بإمكانية خلخلة الوضع القائم. من هنا عدائها السافر والمستتر لكل"خروج" على "ثوابتها" الوطنية والقومية والاجتماعية والفكرية وما شابه ذلك. وليس مصادفة أن تكون الطبقة الوسطى هي الأكثر تضررا ضمن سياق السيطرة التوتاليتارية. وذلك لان الطبقة الوسطى هي الأكثر "ثباتا" بمعايير الديناميكية التاريخية والاجتماعية. وهو ثبات نابع من موقعها الاجتماعي التاريخي بوصفها الطبقة الأكثر ارتباطا بفكرة الحرية والنظام الاجتماعي الديمقراطي. فالطبقات جميعا عرضة للتغير والتبدل من حيث موقعها الاجتماعي وأيديولوجياتها وأفكارها المتعلقة بماهية الدولة والمجتمع المدني وفكرة الحق والحقوق، بينما تبقى الطبقة الوسطى من حيث الإمكانية والواقع الممثل الفعلي لتيار البحث الدائم عن نسب الاعتدال والعقلانية والحرية الفردية والاجتماعية. الأمر الذي يجعلها اشد القوى الاجتماعية معارضة للتوتاليتارية. كما انه السبب الذي يجعلها هدا مباشرا وغير مباشر لسياسة التفكيك الواعية وغير الواعية من جانب السلطة التوتاليتارية. وليس مصادفة أن تكون فترة الستينيات وما لحقها هي مرحلة التدمير الشمال للطبقة الوسطى، كما انها مرحلة الصعود العنيف للنزعات الراديكالية والتوتاليتارية.
· تمثل حقبة منتصف الستينيات مرحلة حاسمة في تطور أجهزة الدولة التوتاليتارية العراقية عبر مجموعة من التشريعات والقوانين والإجراءات، التي سمحت للدولة بالتوسع على حساب المجتمع والتدخل الشامل والسافر في مجال الاقتصاد والسياسة. هل يمكننا ربط ظهور النزعة التوتاليتارية بهذه الحقبة من تاريخ العراق، أم أن لها جذور أعمق؟
إن صعود التوتاليتارية مرتبط من الناحية الفكرية والسياسية بصعود الفكرة الراديكالية في العراق، أي بصعود ما يسمى بالأيديولوجية واستحواذها على النفسية الاجتماعية للجمهور والعوام، والذهنية السياسية للأحزاب. والنتيجة هي تكوين سبيكة خطرة من نفسية العوام وذهنية الأحزاب الراديكالية. وفي هذه السبيكة كانت تكمن البذرة المميتة لأيديولوجية النزعة التوتاليتارية. وليس مصادفة أن تعدي هذه البذرة كل ما حولها أو تنتج مختلف نماذجها في قوى سياسية متصارعة ومستقتلة حتى الموت ومتضادة في المظاهر، كما نراه على سبيل المثال في التيارات الشيوعية والبعثية والإسلامية. إذ جسد كل منهم بطريقته الخاصة هذا الكمون. بمعنى اشتراكهم جميعا في سيادة الرؤية الأيديولوجية والعصمة الأبدية واحتقار التاريخ والمستقبل والمجتمع والحرية الفردية والاجتماعية والشرعية والقانون.
وإذا كان النزوع التوتاليتاري جزء من حالة الكمون النسبية القائمة في ثنايا الأزمة المتنقلة التي لازمت النظام الملكي، فان تفجيرها عبر انقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958 قد أدى إلى نشر الأزمة في كل ثنايا الوجود والوعي التاريخي العراقي المعاصر. كما انه أعطى للراديكالية صفة الصيغة المثلى لوجود الدولة والمجتمع والنظام السياسي والثقافة. بمعنى جعله من التيار الجزئي القائم على ضفاف التيار التاريخي لصيرورة الدولة والأمة والثقافة إلى التيار العارم والوحيد. من هنا إشراكه الجميع في هوس "الثورة" وأوهامها التي لم تكن في ظروف العراق آنذاك أكثر من مجرد انقلابات صغيرة ومؤامرات حزبية لقوى هامشية بالمعنى الاجتماعي والفكري والسياسي والجهوي والفئوي.
إن انقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958 هو بداية الزمن التوتاليتاري في العراق. ومن ثم انعدام التاريخ الفعلي للدولة والمجتمع. الأمر الذي يستلزم إعادة النظر بالتجربة المريرة لهذا الانقلاب التعيس في تاريخ العراق الحديث. والمهمة لا تقوم هنا في تأسيس الإدانة أو الدفاع عن الملكية. فكلاهما جزء من تاريخ ماض. والمهمة الكبرى تقوم أساسا في إرساء أسس الرؤية المستقبلية. ما يفترض بدوره تحرير الفكر السياسي والرؤية المستقبلية من هواجس الخواطر الأيديولوجية وأوهام الأحلام الحلوة للطفولة.
فالتاريخ يكشف عن أن أنبل الأهواء أشدها تدميرا وتخريبا للنبل. بينما الموقف السليم والحق يفترض السير مع منطق الحق والإخلاص له، أي مع منطق الحقيقة. مما يفترض بدوره تطهير العقل من ثقل الأهواء (الأيديولوجية). فالعاقل يحب أخاه وأباه وأمه وأخته وفي الوقت نفسه يمقت سلوكهم في حال خروجهم على الحق. والشيء نفسه يمكن قوله عن انقلاب الرابع عشر من تموز. فنحن جميعا "جيل الثورة". كما أن أثرها عميقا في كل هذا الكم الهائل من ثقل الأوهام الجميلة المرتسمة في خيال الطفولة عن "الزعماء" و"الأبطال". لكن الأمر يختلف حالما يجري النظر إلى التاريخ بمعايير العبرة التاريخية والمستقبل. فزلات الصغار محببة للقلوب، بينما أخطاء الكبار قد تصل حد الإجرام. كما أن أخطاء الكبار قد تصبح خطيئة تاريخية كبرى. والخطيئة الكبرى لانقلاب الرابع عشر من تموز تقوم في تحوله إلى "ثورة". وفي هذا التحول كانت تكمن بداية ما يمكن دعوته بسيادة زمن الغريزة.
لقد كان انقلاب الرابع عشر من تموز المقصلة التي حزت رقبة التاريخ الطبيعي للعراق الحديث. لقد تحول هذا الانقلاب العسكري، بفعل احتقان الحياة السياسية وضغط الأيديولوجيات الراديكالية إلى "ثورة". بعبارة أخرى، أنها "ثورة مصطنعة". من هنا سيادة الطابع المصطنع لكل ما جاء بعدها وحتى الآن. وهي الصفة التي تلازم وجود التوتاليتارية. بمعنى أن العراق لم يفلح في مجرى نصف قرن من الزمن ( حتى اليوم، أي عام2008) على أي تأسيس جدي لكافة مقومات الوجود الطبيعي للدولة والسلطة والمجتمع والثقافة والاقتصاد والعلم والتكنولوجيا. بل إننا نقف الآن أمام انهيار شبه تام لبنية الدولة في جميع مكوناتها وعلى كافة المستويات. إضافة إلى وطن ودولة ومجتمع تحت الاحتلال، مسلوب الإرادة شأن الحالات الشاذة لقرون الاستعمار والكولونيالية قبل بضعة قرون خلت!! واحتراب شامل يفتقد لأبسط مقومات الرؤية الاجتماعية والوطنية والعقلانية. بعبارة أخرى، إننا نقف أمام حالة انحطاط شامل. وعندما نتأمل تاريخ الثورات الفعلية الكبرى، فإننا نستطيع العثور على "مراحل تراجع"، لكنها جزئية بوصفها مقاطع التوقف الضرورية في معزوفة المستقبل. بينما لا يمكننا قول ذلك عن العراق لا بالمعنى السياسي ولا التاريخي ولا المجازي. وإذا كان الأمر كذلك، فان من الضروري البحث عن المقدمات الفعلية التي أدت إلى هذا الواقع المزري، أي التحولات التي مست بنية التطور الطبيعي للدولة، بحيث جعلت من مسارها اللاحق مجرد اجترار للزمن.
فقد كان المسار التاريخي للعراق حتى الرابع عشر من تموز عام 1958 مسارا طبيعيا. بمعنى انه كان يحتوي على مراحل التوقف والتراجع، لكنه كان في مجراه العام تقدما وتراكما بالمعنى التاريخي. لقد كان يحتوي على تراكم طبيعي في المؤسسات والبنية الذاتية للدولة والسلطة والمجتمع والفكر والثقافة والاقتصاد. وما بعد الرابع عشر من تموز عام 1958 تحول تاريخ العراق إلى زمن الراديكالية السياسية، أي زمن التجريب الخشن والاجترار الأجوف للأوهام. أما رفع الانقلاب العسكري إلى مصاف "الثورة" فهو انقلاب في المفاهيم يعكس استعداد الوعي السياسي لقبول كل ما يفرض عليه. وهي حالة تشير إلى أن المفاهيم السياسية ليست نتاج معاناة علمية ونقدية دقيقة، بل اقرب ما تكون إلى تأييد إعلان أو شعار سياسي. وهو خلل صنعته "ثورة" الرابع عشر من تموز.
إن الخطأ التاريخي لانقلاب الرابع عشر من تموز هو عين خطيئته السياسية. وسبب ذلك يقوم في أنه أسبغ الشرعية على إمكانية الانقلاب العسكري وتدخل الجيش المباشر في شئون الحياة السياسية والمدنية وتحكمه فيهما! وهو مؤشر على ضعف الدولة والمجتمع والنخب السياسية. وحالما جرى رفعه إلى مصاف "المقدس"، فان النتيجة الملازمة هي تقديس بواعث الخراب والتخريب. لقد أدى انقلاب الرابع عشر من تموز إلى جعل المؤامرة والمغامرة السياسية لحفنة من الحزبيين الجهلة ومحبي الجاه والسلطة ولاحقا الإجرام والسرقة، أمرا عاديا! وأصبح تاريخ العراق بعدها سلسلة متصلة من الانقلابات والجريمة السافرة والمستترة. والنتيجة انعدام الاستقرار والأمن والتراكم الضروري للمعرفة والاحتراف والكفاءة. أنها وضعت وأسست لإمكانية الخروج على كل شيء، ورفعته إلى مصاف الممارسة الشرعية. من هنا "شرعية الثورة" وما شابه ذلك من صيغ لا علاقة لها بالشرع والحقوق، باستثناء تحويل غريزة السلطة المتحكمة في نوعية الأحزاب السياسية العراقية إلى "حق شرعي". وهي طريقة أدت، كما تكشف عن نتائجها تجارب الأمم الحديثة جميعا، والعراق بشكل خاص، إلى الغوص في أوحال الدكتاتورية والتخلف والانحطاط.
لقد كان تحول انقلاب الرابع عشر من تموز إلى "ثورة"، الصيغة الملازمة للتشوه التاريخي ولسطحية الوعي السياسي الحزبي. وهي حالة لم يجر بعد دراستها بصورة علمية معمقة، استنادا إلى معطيات التاريخ السياسي والأبحاث السوسيولوجية المتعلقة برؤية طبيعة وحجم الخلل الفعلي في العراق الجمهوري. أما النتيجة كما نراها الآن، فإنها لا تحتاج إلى تدليل كبير لرؤية التخلف المزري. وهو تخلف يرتقي إلى ما مصاف ما ادعوه بمنظومة الانحطاط، بوصفه الوجه الآخر، أو الاسترجاع المعكوس للانقلاب التاريخي الذي أحدثه انقلاب الرابع عشر من تموز.
فعندما نتأمل تاريخ التراكم الطبيعي في ثورات الأمم الناجحة، فإننا نرى ملامح الثورات الفعلية في الانتقال (على مستوى الوعي السياسي والاجتماعي والثقافي وبنية الدولة والاقتصاد) من المستوى الديني إلى الليبرالي ثم إلى القومي ثم إلى الاشتراكي الديمقراطي (الاجتماعي). بمعنى الانتقال على مستوى الوعي والواقع من مرحلة الأمة الدينية إلى القومية العصرية ومنهما إلى المرحلة الاجتماعية. وهي العملية التي كانت تتراكم في تاريخ العراق الحديث قبل الرابع عشر من تموز، رغم كل حالة التخلف المزري التي ورثها من المرحلة العثمانية. بحيث كان بإمكاننا أيضا أن نرى ظهور حزب شيوعي بعد عقد ونيف من الزمن ممثلا "للبروليتاريا" الساعية للبناء الشيوعي!! أي في بلد كانت الأمية فيه تبلغ 90% وشبه انعدام للتصنيع ومستوى متخلف في الزراعة وعلاقات اجتماعية تقليدية وملك مستورد! وتعكس هذه الحالة بصورة مبطنة حالة التشوه الأولى للوعي الاجتماعي والسياسي، لكنها كانت تتعرض إلى عملية تهذيب وتشذيب ضمن السياق العام للتطور الطبيعي في انتقال الوعي السياسي من المرحلة الدينية والوعي الأسطوري واللاهوتي إلى الفكرة اللبرالية والوطنية. وكانت تتراكم في هذا المسار عناصر الفكرة القومية والاجتماعية. وهو مسار طبيعي. غير أن التحول الجذري (الراديكالي) الذي أحدثه انقلاب الرابع عشر من تموز قد قلب الأمور رأسا على عقب. بحيث تحولت الشيوعية إلى الفكرة السائدة (بعد 1958)، ثم تلتها الفكرة القومية (بعد 1963) ثم الفكرة الدينية (بعد 2003). وهو خط بياني يعكس ما يمكن دعوته بالانقلاب التاريخي للتاريخ مازال العراق يعاني من نتائجه المريرة، لكنه يسير الآن ضمن السياق التاريخي الطبيعي. وهي التعزية الوحيدة الكبرى لما يجري الآن. بمعنى أن رجوع العراق إلى "المرحلة الدينية" هو مقدمة صعود الفكرة الليبرالية اللاحقة فالقومية فالاجتماعية.
إن الرؤية المطروحة أعلاه تتضمن موقفي من طبيعة التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي أحدثها انقلاب الرابع عشر من تموز، الذي جعل من كل انجازاته اللاحقة أشياء اقرب ما تكون إلى وليمة سرقة! كبيرة ومبهرجة وسريعة الزوال! وليس التوتاليتارية سوى ذروتها الكبرى.
ذلك يعني أن نقد المرحلة التوتاليتارية في العراق ينبغي أن تبدأ من نقد انقلاب الرابع عشر من تموز الذي مازال يخيم بأوهامه على صدأ الذاكرة والفكر السياسي. بمعنى يمنعهما من التفكر بمعايير المستقبل. إن مهمة هذا النقد تقوم في تحرير العقل السياسي من قيود الأوهام الأيديولوجية. فالعراق بحاجة إلى منظومة إصلاح عقلانية وإنسانية وواقعية، أي منظومة إصلاح شاملة تعمل بمعايير المعاصرة والمستقبل. انه ليس بحاجة إلى انقلابات يجري تجليلها لاحقا بمسوح "الثورة" وما شابه ذلك لكي لا تتكرر مأساته من جديد. والخطوة الأولى هي تأسيس الوعي السياسي بالشكل الذي يحصنه من الوقوع في شبكة الأوهام العنكبوتية للراديكالية الدنيوية منها أو الدينية. وذلك لأنهما كلاهما يؤديان بالضرورة إلى مختلف أشكال ومظاهر ومستويات التوتاليتارية، أي الاستبداد والإرهاب الشامل.
· تقوم الدولة التوتاليتارية من الناحية البنيوية على الدمج بين المجالين السياسي والاقتصادي وتهيمن على الاقتصاد ككل، باعتبارها المالك الاكبر ولحد ما الوحيد للثروات المادية والبشرية. هل هناك علاقة بين الريع النفطي العراقي والاقتصاد السياسي للدولة الكليانية العراقية؟
لقد أشرت أعلاه إلى أن التمازج والتداخل والتوازي والترابط بين المجال الاقتصادي والسياسي في الدولة التوتاليتارية يحمل طابعا عضويا. وهو أمر طبيعي بالنسبة لها. فالدولة التوتاليتارية على اسمها، أي انها تتصف بهيمنة فكرة الكل والسيطرة التامة والتحكم المطلق والقيادة الشاملة، في ظل غياب شبه تام لفكرة الإدارة الاجتماعية والمدنية. بمعنى احتلال الحزب لكل مفاصل الدولة وأجهزتها، وتحوله إلى ثكنة عسكرية بمظهر هيكل مقدس! ويحمل كل مكونات اللاهوت المصطنع، كتب وخطابات مقدسة، وأجهزة مسترشدة بأوامر القائد، وقيم أيديولوجية خالصة، أي كل ما يهدف إلى تصنيع الوحدة والتمام فيها.
وبقدر ما ينطبق ذلك على دمج السياسة بالاقتصاد، فانه ينطبق على كل مظاهر الوجود التاريخي للدولة والمجتمع. أما بروز أهمية الاقتصاد، فلأنه العامل الحاسم في حياة السلطة والدولة والمجتمع. لكنه خصوصية هذا "الحسم" في الدولة التوتاليتارية يقوم في إركاع الاقتصاد إلى متطلبات ورغبات الإرادة السياسية. من هنا تحول الاقتصاد إلى وسيلة سياسية. وهو الانقلاب الخشن والمدمر الذي تنتجه الدولة التوتاليتارية. وهي آلية تتعارض مع المسار الطبيعي لتطور الدولة والمجتمع والعلم والتكنولوجيا والاقتصاد، أي مع المسار الطبيعي للتقدم الاجتماعي والرفاهية الاقتصادية. الأمر الذي يحاصر التوتاليتارية بالشكل الذي يجبرها على محاصرة المجتمع، بمعنى التحكم فيه بالشكل الذي يجعل من كل شيء وسيلة لبلوغ أهدافها. وليس هناك في الواقع من هدف عندها أكثر من إخضاع الكل بوصفه طفلها "الرضيع"! لكنها صيغة ليست رمزية فقط بل وواقعية. بمعنى انها تسعى لإرضاع المجتمع من ثدي مصادرتها التامة للثروة والإرادة. وفي هذا يكمن سر الاندماج البنيوي بين المجال السياسي والاقتصادي في الدولة التوتاليتارية. أما حجمه ونوعيته فيتوقف على كمية وحجم الثروات الطبيعية ومستوى التطور الاجتماعي والاقتصادي والعلمي والتكنولوجي والثقافي. فالجوهر واحد. انه يقوم في تكامل الهيمنة بما في ذلك على الاقتصاد بشكل عام والثروة الطبيعية والبشرية بشكل خاص.
وإذا كانت الصفة المميزة للدولة التوتاليتارية البعثية الصدامية تقوم في الهيمنة على النفط، فلاته الثروة الكبرى القادرة على التوظيف السياسي السريع. كما انها الثروة التي جعلت من طابعها الذاتي ذات الطابع المميز للتوتاليتارية. بمعنى تحول النفط بوصفه طاقة إلى طاقة الدولة التوتاليتارية. وعكست هذه المعادلة الواقعية واقع التخلف التاريخي والاجتماعي للراديكالية السياسية العراقية، بوصفها قوة هامشية وحثالة اجتماعية. مما طبع بدوره كل الزمن اللاحق للدولة التوتاليتارية البعثية الصدامية التي تحول النفط إلى طاقة "رسالتها القومية الخالدة"! أي إلى طاقة المصادرة الوحيدة والمحببة والأبدية. من هنا استعدادها لإهمال كل شيء - الدولة والأمة والروح والأخلاق والقيم والإنسان، باختصار كل شيء، بل وسحقه حالما يقف بينهما وبين النفط! هذه الشعلة الأبدية الوحيدة في توجيه رغباتها وغاياتها. الأمر الذي طبع علاقة الثروة النفطية بطابع القوة المقدسة الوحيدة!
وليس مصادفة أن يتحول النفط إلى سر الأسرار والسلعة الوحيدة في "إستراتيجية" السلطة الدكتاتورية. والسبب بسيط للغاية، ويقوم في الاستحواذ على الثروة الوحيدة من اجل توجيه كل شيء والتحكم به. فقد وصلت الدكتاتورية مع نمو وتراكم و"تكامل" الفشل التاريخي لمشاريعها للرجوع إلى مصادرها الأولى، مما أدى إلى كشف حقيقتها وهويتها بوصفها حثالة اجتماعية وفصيل من فصائل حيوانية ناطقة بمعايير الجهوية والفئوية التقليدية (عائلية عشائرية قبلية) وبدائية لا نظير لها! الأمر الذي جعل من الثروة النفطية بداية ونهاية "الاقتصاد السياسي" للتوتاليتارية البعثية الصدامية.
طبعا أن عبارة "الاقتصاد السياسي" تتسم بقدر كبير من الأبهة حال تطبيقها على واقع الدكتاتورية، لكنها تعكس الصيغة الواقعية لواقعية التخلف المريع الذي أدت إليه تقاليد الراديكالية السياسية العراقية بشكل عام والبعثية بشكل خاص. فإذا كان انقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958 قد أرسى أسس فكرة الخروج "الشرعي" على الشرعية وجعل الانقلاب والثورة أسلوب النمو والتقدم والحرية، فان مكوناته الاجتماعية وأيديولوجيته السياسية كانت خميرة خربة من العسكر والحثالة الاجتماعية وفقراء المدن والريف المتخلف والنخبة المثقفة المخدوعة بأوهام الشيوعية والفكرة القومية. وليس مصادفة أن يكون صراع واحتراب الشيوعية والبعثية في العراق اقرب إلى احتراب القبائل والفصائل الحيوانية المتناحرة! لكنهما كانا يشتركان في نوعية وآلية الخطاب السياسي الراديكالي، كما نراه في موقفهما من السلطة بوصفها الإرادة المكثفة للحزب، والأيديولوجية بوصفها الكتاب المقدس للأتباع! بمعنى اشتراكهما في عبادة أصنام السلطة والأيديولوجية والإرادة "الشعبية". وما وراءها كانت تقف الرغبة الخفية للحثالة الاجتماعية ونزواتها المحكوم بقوة الغريزة وانعدام العقل الثقافي. أما الفشل المحتوم فقد كان النتيجة الكامنة في هذه المقدمات. مع ما كان يترتب عليه من تعميق وتفسخ للفكرة الراديكالية نفسها.
إذ لم يكن صعود التوتاليتارية والدكتاتورية وتوليفهما في مسخ الصدامية سوى النتيجة الحتمية لهذا الفشل التاريخي أو الصيغة الوحيدة الكامنة في انسداد الأفق التاريخي لأيديولوجية الأوهام الكبرى (الشيوعية والبعثية)، التي وجدت في النفط ملاذها الأخير. فقد كانت عاجزة من حيث المقدمات التاريخية والاجتماعية ورؤيتها للمستقبل عن تأسيس أية بدائل أخرى عقلانية وواقعية ومستقبلية.
· أدت الوفرة المالية واستحواذ الجماعات القبلية على الثروة النفطية إلى إعاقة النمو الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للمجتمع. وبالمقابل "تكاملت" دولة شديدة المركزية. كيف نفسر العلاقة بين هذا النمط من الدولة والتمركز السياسي للجماعات الطائفية العراقية في السلطة ؟ وكيف استطاعت الدولة البعثية الصدامية إنشاء نظاما اقتصاديا سياسيا فريدا هو "رأسمالية القرابة" و"طبقة العشيرة"؟
إن خصوصية الدولة العراقية الحديثة تكمن في تراكمها البطيء الذي جرى في الوقت نفسه ضمن تيارات راديكالية جارفة. مما جعلها على "مهب الريح" في مجرى عقود من الصراع العنيف. بحيث كسر في نهاية المطاف عودها الطري.
فقد كانت الدولة العراقية الحديثة نتاج "مؤامرة" إقليمية ودولية تعكس أولا وقبل كل شيء ضعف العراق عند بداية القرن العشرين وتخلفه المزري. وبغض النظر عن كل ما يقال في وضعه "الآخذ بالنمو" أواخر المرحلة العثمانية، إلا انه كان يعاني من "سكرة الموت" التاريخي. والشيء الوحيد الحي فيه يقوم في إمكانية تجديد ذاكرته على أساس ذكرياته القديمة. ولا مجاز في هذه العبارة. فتاريخ الأمم ذكرى وذاكرة وذكريات. وحالما يجري وضعها في منظومة الحاضر والرؤية المستقبلية، عندها تصبح الخطوات الواقعية معقولة بمعايير الماضي والمستقبل. لاسيما وانه الشرط الضروري لبلورة الرؤية المعتدلة ومنظومة القيم العقلانية، بما في ذلك في ميدان العلاقات السياسية. وكان من الممكن أن تنمو وتتقوى وتتوسع وتغرس جذور هذه المنظومة أو المنظومات في تربة العراق الحديث لولا كمية من النواقص التي جرى رفعها إلى مصاف "الفضيلة" السياسية، كما نراها في ظاهرة الصعود المفاجئ وغير التاريخي (غير الطبيعي) لمختلف نماذج الراديكاليات السياسية المصطنعة. عندها تحول كل شيء إلى جزء من معترك الأحزاب والسياسة المغامرة، أي كل ما انتهى إلى انقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958.
وأدى ذلك ايضا إلى إبعاد الفكرة التاريخية ووعي الذات القومي عن جذورهما الخاصة. فإذا كان العراق عند تخوم القرنين التاسع عشر – العشرين يفتقد إلى فكر النهضة والإصلاح، فان قفزته السريعة صوب راديكاليات القرن العشرين الأوربية قد افسد على قواه السياسية بصورة تامة إمكانية الرؤية الواقعية والمستقبلية. بحيث أدى إلى نوع من القطيعة ما زال أثرها فاعلا وقويا في وعيه الذاتي بشكل عام والسياسي والوطني والقومي بشكل خاص. أما التيارات والأحزاب السياسية "العراقية" و"العربية" و"الطبقية" فإنها تخلو من حيث الجوهر من الأبعاد الفعلية والحقيقية للفكرة الوطنية والقومية والاجتماعية. وليس مصادفة أن يغلب على وعيها السياسي سذاجة الرؤية واليقين الإيماني العقائدي وابتذال الشعارات الرنانة وانعدام الشعور الإنساني.
وهنا كانت تكمن المقدمات الخفية لطبيعة الانقطاع التاريخي في العراق عن التاريخ. وعادة ما تكون الدولة ميدان التأثير المدمر لهذه الظاهرة الخربة. وذلك لان الانقطاع التاريخي عن التاريخ الذاتي والاستعاضة عنه أو ملئه بأوهام أيديولوجية ينخر بالضرورة كل مكونات وإمكانيات الوجود الطبيعي للأمم والدولة، أي تكاملهم العضوي والتاريخي. من هنا تحول كل شيء إلى أداة عابرة وجزئية. مع ما يترتب عليه من سيادة ما يمكن دعوته بنفسية وذهنية المساعي المحمومة للسيطرة والتحكم والهيمنة، باختصار إلى إثارة كل كوامن الغرائز البهيمية. من هنا إمكانية تحول الدولة ايضا إلى ميدان أو إطار الهيمنة الشاملة عبر دمج فكرة الدولة بالهيمنة والسيطرة والمصادرة أو رفعها إلى مصاف القوة الوحيدة المالكة لشرعية التحكم الشامل بكل شيء. وهي فكرة اختمرت في مجرى زمن مديد من نمو المنظومات النظرية والعملية للراديكاليات السياسية. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار مستوى التخلف الاجتماعي والاقتصادي والعلمي والثقافي العام للعراق في النصف الأول من القرن العشرين، فمن الممكن توقع سهولة انتشار هذا النمط من الذهنية والنفسية اللاهوتية. فالفكرة الراديكالية السياسية ما هي في الواقع سوى فمرة لاهوتية مقلوبة. لهذا عادة ما تتقبل بسهولة وإعجاب نموذج الإله الوحيد القادر العادل الحي الفاعل المميت المحي الرازق الصادق في كل ما يقول ويفعل، بعد إسباغه على الحزب أو أئمة الأيديولوجية "الثورية" أو القادة. وكلما يكون التيار أكثر تخافا من حيث أسسه الاجتماعية والثقافية كلما تكون فكرة الاستحواذ والهيمنة اشد قبولا للغرائز التقليدية. فالبنية التقليدية لا عقل نقدي فيها ولا ضمير اجتماعي. وحالما تتحول الغريزة إلى فكرة سياسية وأيديولوجية "متسامية" ومصاغة بقوالب "الوطنية" و"القومية" و"الطبقية" و"الإلهية" وغيرها، عندها تصبح العبودية الملاذ الأخير والوحيد للحرية والعدالة!! أي يجري قلب الأمور كلها رأسا على عقب والتلذذ بهذا الانقلاب على انه الصيغة "المستقيمة" للأشياء ومرتع الحقائق الأبدية! وليس تحول فكرة الهيمنة المطلقة للدولة من اجل بلوغ "الأهداف الكبرى" وتجسيد "المشاريع التاريخية العظمى" و"تحقيق الرسالة الخالدة" للطبقة أو القومية في "امة واحدة" أو "وطن حر وشعب سعيد" وما شابه ذلك سوى احد نماذجها الأكثر سخافة والأشد ابتذالا والأكثر إثارة لجذل أتباعها ويقينهم التام بعصمة هذه الشعارات الجوفاء.
بعبارة أخرى، إننا نقف أمام تقاليد أيديولوجية صماء في سمعها للتاريخ، وعمياء في نظرتها للمستقبل، وعصماء في يقينها الجازم بما تقول. الأمر الذي جعل من فكرة هيمنة الدولة مجرد "مبدأ" من مبادئ هذه الرؤية الراديكالية الأيديولوجية الحزبية. انها تنعم بخيلاء الرؤية الحالمة عن إمكانية استعمال الثروة والقوة من اجل "تحقيق" أهدافها. أما في الواقع فان كل ما تقوم به لا يتعدى استعادة أو استظهار الغرائز التقليدية. وإذا كانت هذه الحالة قد ارتبطت من الناحية التجريبية المباشرة بصعود حزب البعث إلى السلطة، فلأنه مجرد نتاج "القرعة" التي لازمت "انتصاره" في أحداث الانقلابات العسكرية (1963، 1969)، أي قرعة الفوز الناتجة من عمليات المغامرة والمقامرة الحزبية. وليس مصادفة أن يؤدي صعود البعث (والشيء نفسه كان يمكن قوله عن الشيوعيين أو أية قوى راديكالية أخرى آنذاك) إلى تضافر وتكامل الهامشية والفئوية والطائفية السياسية، أي هذا الثالوث الباطني للضعف الاجتماعي والتاريخي الكامن في التيارات الراديكالية السياسية.
وليس مصادفة أن يكون انحدار البعث والسلطة الصدامية صوب القوى الهامشية والفئوية والعشيرة، أي البنية التقليدية ملازما لها زمن "الانتصار" والهزيمة. فهو الوجه الفعلي لحقيقة الراديكالية السياسية. اذ ليست الصدامية في الواقع سوى التعبير النموذجي عن الهامشية الاجتماعية والفئوية والبنية التقليدية، أي أيديولوجية الريف المتخلف والملقح بأنصال العصابة المغامرة. فقد كان وصلها إلى السلطة حلقة من حلقات المغامرة والمقامرة التي لازمت حزب البعث من نشوئه في العراق حتى اندثاره المخزي. وتمسكها بالسلطة والأدوات التي جرى استعمالها من اجل ديمومتها هو تعبير عن نفسية وذهنية العصابة.
إذ لا شيء في السلطة الصدامية لغير السرقة والابتزاز. وكل ما كانت تقوم به تجاه "المجتمع" أشبه بما يقوم به مالك الخراف تجاه قطيعه، أي سلوك الهبات الفرحة. بينما كانت تختبئ في كل هبة طلقة مكتومة. ومجمل هذه الحالة العامة ومختلف جزئياتها لا يمكن أن تفعل إلا في اتجاه إعاقة التطور الاقتصادي. بل إنني أجد صعوبة في الحديث عن "اقتصاد" بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة. والأدق الحديث عن تبذير للثروة المنهوبة والمصادرة تحت شعار "التأميم" وما شابه ذلك من اجل الاستحواذ التام على الثروة والبشر. إذ لا يمكن للاقتصاد السياسي أن يفعل بوصفه منظومة مصالح اجتماعية ديناميكية تحت ثقل أيديولوجية متخلفة وفاقدة لكل الأبعاد الاجتماعية والحكومية والدولتية والقومية الحديثة.
فالأيديولوجية البعثية بشكل عام لا تفقه شيئا في قضايا الاجتماع والدولة والأمة. أما الصدامية فهي أيديولوجية الريف المتخلف والمتحلل والمستعد على توليد الجريمة. انها لا تعرف ماهية الإنسان والمجتمع. كما انها غريبة ومغتربة عن ماهية الدولة والتقدم الاجتماعي. وهي أمور كان يمكن رؤيتها على مثال صدام نفسه وأهله وأقاربه وحاشيته وخدمه وحشمه ومرافقيه وقيادته القطرية والقومية، باختصار في كل الصور الواقعية والمحتملة القائمة فيما يمكنه أن يكون مرآة مصغرة لما يريد ويرغب به، أي لكما هو كائن فيه ومستعد له. من هنا مظاهر "مركزية الدولة" الخشنة. وهو تعبير ليس دقيقا. فالسلطة الصدامية أنتجت مركزية سلطة متخلفة لا علاقة لها بمفهوم الدولة الحديثة. بعبارة أخرى أن ما كان في زمن الصدامية ليس دولة بل سلطة عصابة تحكم الدولة. وليس مصادفة أن يكون رجوعها إلى العشيرة والقبيلة أمرا حتميا. وذلك بسبب طبيعة الترابط بين الراديكالية البعثية وما أسميته بالثالوث الباطني للضعف الاجتماعي والتاريخي الكامن في التيارات الراديكالية السياسية، أي في تضافر الهامشية والفئوية والطائفية السياسية. فهي المكونات التقليدية الكامنة في الأحزاب الراديكالية. فالشعارات الراديكالية مجرد غلاف لبنية تقليدية. والسلطة ليست بحاجة إلى أوهام لأنها تفعل بمعايير ومقاييس أخرى. وحالما يجري اختبارها فان التمازج "الحي" والفعال للبنية التقليدية والزيف الأيديولوجي يصبح من "مقدسات" الملكية الجديدة. وهو ما حدث في عراق المرحلة الصدامية بصورة تامة. من هنا آلية الرجوع "المنظم" إلى مختلف مظاهر وأشكال البنية التقليدية، أي إلى مختلف أساليب ونماذج ما قبل التاريخ العراقي الحديث. بمعنى الانتقال أو بصور أدق الرجوع من الدولة إلى القبيلة على عكس ما جرى في دول الخليج العربية – من القبيلة إلى الدولة. أما "رأسمالية القرابة" و"طبقة العشيرة" فهي مجرد صيغة بلاغية "جميلة" لواقع قبيح! بعبارة أخرى، إننا حالما ننظر إلى هذه الظاهرة بمعايير العلم التاريخي والسياسي الدقيق، فان تفسيرها يقوم فيما أشرت إليه أعلاه، أي أن أسباب هذا التحول الغريب أو بصورة أدق النكوص المخزي تكمن في سيادة الراديكالية السياسية التي جعلت من الممكن وصول الهامشية والحثالة إلى السلطة بوصفها غنيمة. مع ما ترتب عليه من إفراغ السياسة من مضمونها الاجتماعي وخضوعها للقانون. حينذاك لم تعد السلطة والدولة شيئا غير ميدان المغامرة والمقامرة. أما الاستحواذ على كل شيء فهو مجرد "حق" من حقوقها فقط! أي كل ما أدى إلى إنشاء "لا نظام اقتصادي سياسي فريد" أو بصورة أدق إلى جعل الفوضى "قانون" الدولة والسلطة والمجتمع والفرد