هل كان " البعث " العراقي نظاماً توتاليتارياً ؟
خالد سليمان
تاريخ النشر Friday, September 28, 2007
" لم تستطع حكومة في السابق السيطرة على مواطنيها بشكل ثابت ووضعهم تحت مراقبة دائمة . الآن ، تراقب شرطة الفكر العالم كله باستمرار" .
جورج أُورويل ، رواية1984
"الثوري لا يعرف سوى عِلم واحد وهو عِلم الهدم . فيه وحده، يدرس الميكانيك والفيزياء ، ربما الطب . إنما يدرس ليلاً ونهاراً علم الأحياء البشري ، المميزات فيه والأوضاع ، وجميع اشكال التنظيم الإجتماعية والتي توجد في الطبقات الإنسانية المختلفة . إذاً ليس لدى الثوري سوى هدف واحد ، هو الهدم الأسرع والتأكد منه في النسق الإجتماعي الكريه " .
" سيرج نيتشاييف " تعاليم الثوري "1868
كان " كامل " ناجياً ثانياً من الأنفال بعد أخيه خليل ، أستقر به الأمر في مدينة كلار التي كانت بمثابة ثكنة عسكرية في عراق عهد صدام . أشترى كامل " تراكتوراً " وبدأ يعمل ، وكأنه اطمأن على حياته بعدما فقد ابويه وشقيقته " سركول " . كان هذا في ربيع عام 1988 وفي صيف العام ذاته أجبره رتل من دبابات جيش صدام على ترك جسر كان يريد إجتيازه بتراكتوره ، ذاك ان أية عرقلة أو حاجز أمام العسكر في دولة صدام ، كان له عاقبة وخيمة إن لم يمت " المُعرقل " كما مات كامل في ذلك الصيف المدجج بالحرّ والدبابات . لقد أجبرته إحدى دبابات ذلك الرتل على التوجه نحو الهاوية وترك الجسر أمام " الفرضيات " العسكرية .لم يستطع شقيقه الوحيد الناجي " خليل " ولا أي كان من أقربائه – وأنا منهم واحداً - تقديم أية شكوى ضد الدبابة التي خيّرت كامل بين الهاوية أو السحق ، بل اكتفى الجميع بالصمت والبحث عن صور رآها أهل المنطقة والمارّة وسائقو النقل الداخلي عن "الحادث" كما فهم قسراً . وليست مبالغة إن قلت بأن ذوي كامل لم يريدوا متابعة الحدث خوفاً من مصيرهم ، ذاك انهم لا يحق لهم مساءلة الجيش أولاً وإنهم أكراد ثانياً ، وناجون من الأنفال ثالثاً ، إي انهم مجرّدون من الحقوق والسجلات المدنية وحتى الإحصائيات . ففي عام 1987 حرم جميع الذين كانوا يسكنون المناطق الخارجة عن سيطرة الجيش العراقي وفق قرار رسمي من الحكومة العراقية من حق التسجيل في عمليات الاحصاء السكاني الذي كان يجري كل عشر سنوات. هل يمكن المقارنة بين موت كامل بتلك الطريقة وبين الشمولية . ونظام صدام حسين ، هل كان شمولياً ؟ سؤالان ومقارنتان يقترنان على الأغلب بنظريات فكرية وسياسية أوروبية من جانب وبممارسات إستبدادية خصت ذاتها إمكانات صناعة المجتمع والسلطة وفقاً لمقاسات المستبد . تحاول هذه الورقة وضع السجال حول الشمولية في سياق التجربة البعثية في العراق ، والتي طالما اقتضت تطبيع العلاقة بين الدور الوظيفي المتمثل بإرهاب الدولة وبين المجتمع .فيما يتعلق بالتجارب الأُوروبية الفكرية والسياسية في صناعة المجتمع المُسطح عرقياً وآيديولوجياً كما في الحالة الهتلرية والستالينية ، هناك مراجع فلسفية ، دينية ، فكرية ، سياسية أسست للشمولية مقوماتها وركائزها . أما التجربة البعثية في العراق ، ففيها امتزج الخيال القومي بالعائلي والعشائري والعسكري ولا نجد عنها إمكانات تنظيرية بإستثناء كتابات كل من حازم صاغية وفالح عبدالجبار وكنعان مكية وزهير الجزائري . وكان قتل " كامل " أو إجباره على إختيار الهاوية بالتالي جزءاً من ذلك الخيال الذي لم يوفر للمجتمع سوى التسطيح أو الهاوية .النقطة الأُولى التي تبادر إلى الأذهان في ذلك الحدث هي تبعات ذلك التغيير الذي أجراه نظام البعث على المؤسسة العسكرية إذ جُرّدت من ضوابطها بعدما تم إخضاعها إلى المؤسسة المخابراتية التي كان يديرها الضباط البعثيون .فمنذ تأسيس " المكتب العسكري" التابع للقيادة القطرية لحزب البعث والبديل للمؤسسة العسكرية بدأ العمل الجاد على إدخال أكبر عدد من البعثيين غير الحاصلين على شهادات عسكرية إلى تشكيلات الضباط في الجيش . يقول الباحث والصحفي زهير الجزائري في كتابه ( المستبد ، صناعة قائد ، صناعة شعب ) : ( من خلال المكتب العسكري ،والذي تولى صدام قيادته في الفترة الممتدة من تموز 1969 إلى تموز 1970 ، أُدخل حوالي الفين من خريجي الثانويات والمتوسطات ، بعد حصولهم من المنظمات الحزبية أو من المخابرات ، في دورات سريعة حصلوا بعدها على ما يسمى "نائب ضابط موس " بإشارة حمراء على الكتف. احتل هؤلاء المواقع الإدارية بين الجنرالات الكبار والجنود ، واتبع المكتب العسكري قاعدة تقوم على وضع الضباط البعثيين في الموقع التي تخلو القيادة فيها بعد إنتهاء مدة خدمة الضباط غير البعثيين . وكلما احيل ضابط كبير إلى التقاعد حل محله بعثي لا يشترط ان يكون قد مر بفترة التدرج العسكرية التقليدية . في الوقت نفسه اقتصر القبول في الكلية العسكرية على البعثيين وحدهم . وكانت النتيجة ان ضباط الثمانينات سيكونون بعثيين بالكامل .(1) لقد أُجبر الناجي من عمليات الأنفال " كامل " على ترك الجسر وإختيار الهاوية في نهاية الثمانينات ؛ أي في زمن السيطرة الكلية للضباط البعثيين على الجيش العراقي . وكان الموت بتلك الطريقة إذاً ، شيئاً عادياً في " عُرف " الجيش ، بل روتيناً يومياً مارسته دولة صدام حسين لفترة 35 عام . ولذلك الروتين البعثي تاريخ في كل من التجربة الهتلرية والستالينية إذ تم فيهما تحويل مركزية المؤسسة العسكرية إلى الشرطة السرية وممارسة القتل بمقتضى الثقافة الوظيفية. وكان القتل ذاك (قتل كامل ) بمثابة تأدية واجب في تنظيف الطريق أو " الجسر " من أي مطب أمام الرتل العسكري .في جميع الأحوال لا يمكننا البحث عما تحتويه التجربة العراقية بين 1968 – 2003 بمعزل عن التجارب الأوروبية في الشمولية والإستبداد ممارسة وتنظيراً. ذاك ان الحداثة الغربية التي طالما أسست للرفاهية في المجتمعات الغربية بمقدار إنتاجها للمآسي تاريخاً ، كانت حقلاً "مركنتيلياً " لصناعة الموت في النظم القومية العربية والعالمثالثية . ولعل العلاقة بين الحداثة الغربية المولَّدة للفكر الشمولي وبين نظم سياسية عالمثالثية اعتمدت منتوجات الحداثة والثقافات المحلية في صناعة الدولة والمجتمع ، تُؤوَل في الغالب وفق مراجع تاريخية وفلسفية وأدبية متنوعة . ولا يمكن بالتالي حصر البحث عن مصادر الشمولية في الهتلرية أوالستالينية ، ذلك ان " طرق الهيمنة الشمولية ، حسب "هنه أرندت "، لا تمر عبر القوة المفرطة وحدها ، إنما عبر وقود أشكال أُخرى من الظلم السياسي مثل الطغيان والديكتاتورية .(2)والفكرة ذاتها تدفع الباحث فالح عبدالجبار لإعتبار الفيلسوف الإيطالي "جينتيل جيوفاني " مرجعاً فكرياً للشمولية .
يمكن القول تالياً ، ان التجربة البعثية التي طالما اعتمدت أشكال متعددة من الظلم السياسي والإجتماعي والإقتصادي ، كانت شمولية دون معان سجالية وتاريخية على غرار التجربة النازية وفيها ،الإمتداد الفكري والروحي المتمثل بآيديولوجيا الحركة الإشتراكية – المسيحية في كل من ألمانيا والنمسا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر . بينما الإمكانات الهائلة التي وفّرتها التجربة ذاتها في صناعة المجتمع البعثي ، كانت تستند بشكل أو بآخر إلى ذات الجوهر الذي تميزت به الشمولية الأوروبية وهي " الأنا الجماعية " المحتكرة لجميع الصفات الفردية والإجتماعية للإنسان ،و جعل " اللابعدية " فلسفة الدولة والمجتمع . ولا ننسى في جميع الأحوال بأن الشمولية لا تجعل من حشودها وجيوشها ومنظماتها السرية أدواتاً فحسب ، بل تُسَفَّهها وتخضعها لعلاقة وظيفية روتينية حتى فيما بينها .كانت صناعة الإنسان ذو البعد الواحد، هدف النازيين الرئيسي وساعدهم في ذلك تراث فكري وديني بدا فيه المرء موضوعاً للأُحادية المبتذلة . أُحادي الكلام والصورة والفكرة والإتجاه ، وأُحادي الإرادة أيضاً ، إذ ارتسمت فيها "البعدية المختارة " وفقاً لمفردات تعبيرية يومية كانت تحدد في الغالب وظائف موزعة بين الجسد والمخيلة . فالأوصاف التي كانت تطلق على الأتراك واليهود والعرق غير " الجرماني " في أوروبا بين مسيحيي ألمانيا والنمسا ، تمثلت بنعوت سردية كالمرضى ، القذرين ، الكلاب ، حاملي السموم والأوبئة ...إلخ من الأوصاف . وفي الأصل ،كان هدف الإستحواذ على صورة " الآخر " بصفاتها الكثيرة وفقاً للمتخيل ، زرع الخوف من التنوع البعدي أو إنسان الجهات المجاورة إن جاز التعبير . وكان غزل الألمانيات بهيئة أدولف هيتلر بالتالي جزءً من الجسد المتخيل في الثقافة النازية التي كرّست آلتها الإعلامية والآيديولوجية لـتأليه صورة " الفوهرر" . ولئن طمح هتلر لتوفير عناصر التأليه ذاته في مجتمعه المتخيل ، بدأ بإبادة " المثليين " قبل غيرهم . فهم وفقاً لآيديولوجيا الحركة الإشتراكية- المسيحية وإمتداداتها الفكرية والروحية في جمهورية الرايخ الثالثة والمتمثلة بشخص " الفوهرر" ، كانوا كأمراض وأوبئة مزروعة في الجسد " الجرماني " ولا بد من تحرير المجتمع منهم . ما حدث في عراق عهد البعث ، كان إعادة إنتاج تلك " البعدية المختارة " التي اعتمدها أبراهام سانتا كلارا وهوفمن وكارل لوغر والحزب النازي ، إنما بأشكال أُخرى ووفقاً لترنيمات مختلفة تربط بين الدين والقومية والمذهب والعقيدة والقبيلة . ولا ننسى أيضاً " التفرّد الرجولي " للقائد وتأثيره البالغ الأهمية في صناعة " اللابعدية " في المخيلة الجماعية . وهناك عدة عوامل ومستويات تستحوذ عليها ثقافة " اللابعدية " هذه ،أولها التفرّد المشار إليه ، إذ أصبح إيقونة مُزَوَّدة لإكتهال الوعي الإجتماعي .(3)
وفي اللابعدية وفقاً لهربرت مركوز ؛ يفتقد الإنسان للحضور والخيارات والمساحات الذاتية وآليات النقد ، وتختصر عند المفكر الفرنسي من أصل بلغاري " تزيفتان تودوروف " في مصطلحين أساسيين وهماdépersonnalisation أي التجريد الفرد من هويته و déshumanisation أي التجريد الفرد والمجتمع من الصفة الإنسانية . فالآيديولوجيا الشمولية برأي تودوروف تعتبر الأفراد أدوات ، وسائل متاحة لتأسيس وتطبيق المشروع السياسي . في ذات السياق يرجع تودوروف أُصول الفكر الشمولي إلى كتابات الفوضوي الروسي " سيرج نيتشاييف " إذ سبق البلاشفة في إعلانه عن صناعة المجتمع المسطح وكتب في عام 1868 تعاليمه الثورية " تلقين الثوري " قائلاً فيها " : (علي الثوري إختراق الطبقات المتوسطة والعليا ، المحلات التجارية ، الكنيسة ، فنادق النبلاء ، العالم البيروقراطي والعسكري ، المكتب الثالث وحتى قصر الشتاء " يقصد بذلك القصر الشتائي للقيصر" ). واعتبر " تودوروف " نظرية نيتشاييف الثورية والمقومات التي وضعها لخلق شخصية الثوري مقدمات أساسية للفكر الشمولي . ذاك انه (أي نيتشاييف ) اعتبر في تعاليمه التي شاركه فيها باكونين بأن الثوري :(رجل محكوم بالتقدم ، لا مصالح شخصية ، لا أعمال ، لا أحاسيس ، لا روابط لا املاك ولا حتى الإسم . فيه ،تذوب كل هذه الأشياء في مصلحة واحدة وفكرة واحدة وعشق واحد ، الثورة. في أعماقه ، قولاً وفعلاً ، يكسر كل علاقة مع النسق الشعبي وعالم المتحضر، مع كل قانون ، جميع القناعات والشروط المقبولة ، هكذا مع جميع الأخلاقيات .فيما يتعلق بهذا العالم المتحضر ، فهو له عدو شرس ، وان الإستمرار للحياة فيه ليس إلاّ نهاية هدمه بشكل كامل.الثوري يحتقر كل عقائدية ،يتخلى عن العلوم السلمية ويتركها للأجيال القادمة . لا يعرف سوى علم واحد وهو علم الهدم. ففي هذا الهدف وحده يدرس الميكانيك والفيزياء ، ربما الطب ، في هذا الهدف ذاته يدرس ليلاً ونهاراً علم الأحياء البشري ، المميزات ، الأوضاع ، جميع اشكال التنظيم الإجتماعي الموجودة في الطبقات الإنسانية المختلفة . وليس لهدفه سوى معنى واحد : الهدم الأسرع والأأكد من هذا النسق الكريه).(4)نفهم من هذا بأن " الثوري " هو الذي يؤسس للواقع الديكتاتوري مقوماته وعناصره وركائزه ، وإخضاع الواقع للإرادة الفردية أو الإستفراد بالمجتمع تالياً ، ليس إلاّ تكريساً للجموح الثوري الذي تتكون فيه ملامح المناضل الـــ " نيتشاييفي " ، رسول البلاشة الأول . فهو – الثوري بصفاته ومقوماته الأنارشية التي وضعها نيتشاييف – كان مشروع للـ " أنا الجماعية " أو " الأنوية " المجسدة في تحطيم المؤسسات والتقاليد والإرادات في النقطة التي تظهر فيها " الأنا " ممثلاً للجميع . وفي السياق ذاته نتذكر " نيتشة " حين رفض الإحتكام للطبيعة البشرية واعتبرها تبريراً دفاعياً بالغ السهولة للتفكير الطائش والفعل غير الإبداعي . فالثقافة السياسية والمعرفة بالسلطة في أوروبا ما قبل الهتلرية والستالينية والموسولونية ، كانتا شكلان معيارييان لإظهار معايير الإستبداد . ولا ننسى في كل الأحوال تخصيب الخيال السياسي الذي أسست له كل من المثاليات الهيغلية والــ "نيتشوية " والتيارات الفلسفية الأُخرى ، المقدمات الضرورية حين وفرت للـ " الأنا الجماعية " شروط الإستفراد بالمجتمع . وتلتقي تعليمات " البلشفية المبكرة " المتمثلة في نظرية " سيرج نيتشاييف " الآنفة الذكر بالخيال الخصب الذي وفرته مثاليات الفلسفة الأوروبية للسياسة والسلطة ، فالإرادة الثورية التي دعى لها نيتشاييف ، هي ذات الإرادة التي احتكم إليها نيتشة في بناء تصوره الفلسفي للعالم . ولا نعني هنا بأن رفض نيتشة ذاك كان فعلاً إبداعياً ، ذلك انه أخصب بفكرته تلك ، مقومات الديكتاتورية الفردية تحت شعار الإرادة . ونتذكر هنا رفض مؤسسي وأصحاب "دائرة فيينا " الفلسفية للمعايير الدينية والأعراف التقليدية الأُخرى في الفلسفة الغربية وتوجههم للعلم الذي بدا أكثر وضوحاً في علاقته مع الإنسان والطبيعة . بيد ان مشروع " القومية " الأوروبي قبل عام 1884بجوانبه المختلفة واسبابه الكامنة في التاريخ واللغة والإقتصاد والجغرافيا والاثنية، كان يعني ببساطة "مجموعة سكان مقاطعة أو اقليم او مملكة"، وما كانت للدولة علاقة بهذا المفهوم حتى العام ذاته (1884) .أما كلمة "وطن" التي طالما ارتبطت بالدولة فيما بعد، كانت تعني قبل ذلك العام وكما وردت في المعجم الاسباني لعام 1726 "المكان او الناحية او البلد الذي يولد فيه المرء".هذا يعني ان مفهوم الأُمة بمعناه الحديث السياسي هو مفهوم حديث العهد من الناحية التاريخية. ذلك انه حتى في المعجم الانكليزي كان يشمل أساساً الوحدة الاثنية. لكن الإستعمال الحديث يشدد بدلاً من ذلك على " فكرة الوحدة السياسية والإستقلال". يتضح مفهوم القومية عند آدم سميث بتأكيده على ان الأُمة تتكون من مجموعة من الأفراد يعيشون على أرض الدولة. والمعروف عن سميث انه ربط نجاح الأُمة وإزدهار إقتصادها بسياق ثقافي يسبق النشاط الإقتصادي وهو قيم العمل الأخلاقية والإخلاص والشركة والمجازفة. هناك إذاً، لكل أُمة "مركنتيلية" ثقافية تساعدها في بناء إقتصادها وقيمها. فإذا كانت المركنتيلية السياسية الاقتصادية دفعت الأُمم المتقدمة لإكتشاف العالم وإستعماره والبحث فيه عن مصادر إضافية للصدارة القومية، فقد ضمّن جانبها الثقافي شروط النجاح. الفرنسي سيمون ميشيل شفالييه يؤكد على المبدا "السميثي" ذاته ولو بشكل آخر ويقول: "إننا محكومون بأن نشغل أنفسنا بالمصالح العامة للمجتمعات البشرية وليس محظورا علينا ان ناخذ في الإعتبار الوضع الخاص في المجتمع الذي نعيش فيه". يمكننا القول هنا ان البحث عن المنزلة الرفيعة بين الأُمم، كان حلماً ومشروعاً أوروبياً في القرن التاسع عشر تم توظيف كل الطاقات البشرية من أجلهما. ولا يمكن في هذا المجال، نكران الوظائف الإقتصادية ولا منافع الدولة في البحث عن الذات القومية والصدارة العالمية الإقتصادية والسياسية.نفهم تالياً ان شروط نجاح الأُمة لم تقتض الإقتصاد القومي وتعزيزه المنهجي من جانب الدولة فحسب، بل ثقافة مُنَسّقة لسير العمل وأخلاقياته، وللشركة والمجازفة كما اشرت سابقاً. هناك جانب آخر لنشوء الأُمم يتمثل في التطور الإجتماعي والإرتقاء بالوحدات الإجتماعية الصغيرة من العائلة والقبيلة إلى المقاطعة والكانتون، من المحلي إلى الإقليمي فالقومي وأخيراً العالمي. اعتمدت هذه السياسة "اليوجينية"– أي علم تحسين النسل– على ثلاث قرائن رئيسة كما يحددها هوبسباوم وهي:-1 ارتباط تاريخي للمجتمع بدولة راهنة أو بدولة ذات ماضٍ عريق تماماً أو حديث. -2 وجود نخبة ثقافية عريقة تمتلك لغة بلدية، أدبية وإدارية قومية مكتوبة.-3 القدرة على الفتح الخارجي باعتباره نوعاً اجتماعياً للتطور.
أما العوامل الأُخرى وراء مشروع الأُمة، هي ذات طابع سوسيولوجي فتتمثل في نظام اللغة بالإضافة إلى الاثنية والدين. ذلك ان وجود لغة أدبية وإدارية نخبوية مهما تكن صغيرة من حيث عدد مستعمليها الحقيقيين، يمكنها أن تصبح عنصراً مهماً للإندماج الإرهاصي – القومي في حال ديمومتها مع المتطلبات الإقتصادية والسياسية والثقافية وتحديث ميكانيزماتها النخبوية حسب الأقاليم الإجتماعية، اي تحويلها من النخبوية إلى العامة.بالنسبة الى الاتنية فإنها ترتبط بالمجالين البيولوجي والسوسيولوجي للإنسان، يعني الأصل والنسب المشترك بين مجموعات إجتماعية من جانب، والاشكال ومنظومات علاقاتها من جانب آخر. وكما هو المعروف، ان موضوع الاثنية يتصل بالاشكال التي تربط افراد مجموعة ما من خلال "القرابة" وصلة "الدم" والإنغلاق الثقافي واستبعاد الغرباء. أما الدين وعلاقته بالهوية والإرهاص القومي، فله تعقيداته وغموضه إلى أقصى درجة. وعلاقة كهذه، تستعصي على التعميم البسيط، لكنها تسمح للجماعات الاثنية باكتساب مصادر قوة يمكن ان تساعد لاحقاً في تحول هذه الجماعة إلى كيان قومي.رغم جميع تلك الحجج الإقتصادية وملحقاتها العمالية والعسكرية التي تساند نظرية هوبسباوم، وتؤكد بأن الدولة الحديثة التي اخذت شكلها النظامي من مبادئ الثورة الفرنسية، إذ احتوت المجتمع في القرن التاسع عشر وحولته من ولاءاته المباشرة لحكام اقاليمه جغرافياً إلى مريدي الدولة ومؤسساتها التي كانت بحاجة ماسة لكي تباري منافسيها لكسب ولاء فئات الدنيا، يبقى للقيم الثقافية وموروثاتها في العلاقات الإجتماعية دور مهم ومؤثر في تحديد مفهوم القومية والصدارة العالمية. ذلك ان المركنتيلية الثقافية التي تنتج الثقة والرخاء النفسي قبل السلعة تحدد الكثير من ميزات العمل القومي والشركة القومية . في العالم العربي لم يكن هناك آدم سميث ونيتشة و هيغل وماركس و فرويد و إيريك هوبسباوم ولا حتى مركنتيلية إجتماعية وثقافية شبيهة بتلك التي للكولونيالية الأوروبية مقوماتها الحضارية ، بل كانت هناك بيئات إجتماعية غارقة في الوعي القبلي ، الديني "المذهبي " والقومي " العرقي " ، وفيها ، محاكاة ثقافية مزدوجة بين البيئات ذاتها وبين رؤية هؤلاء المفكرين الذين وضعوا الإنسان أمام حقيقته العارية بعدما أسسوا له نظريات المعرفة بالسلطة .ولم تتورع هذه المحاكاة الثقافية نفسها عن اللجوء إلى تنظيرات عرقية متمثلة في الأصالة العرقية والعقل العربي و"الفصاحة اللغوية " والثقافة غير الهجينة ، إلخ من المصطلحات . فكل من لينين وستالين كانا وريثان شرعيان لتعاليم المناضل " النيتشاييفي " سياسياً وسلطوياً ، وكان هيتلر نتاج بيئة سياسية ثقافية ودينية أسسها كل من أبراهام سانتا كلارا وفويرباخ وهيغل ونيتشة وهايدغر ، بينما كان ظهور صدام حسين وليد صدف إجتماعية ، عشائرية تخللتها السياسة بالصدفة أيضاً . فحين التجأ حزب البعث لصدام واختاره لإغتيال عبدالكريم قاسم ، كانت هناك مقدمات أساسية تثبت عدم تورعه عن الإتيان بتلك العملية بسبب جموح رغبة القتل لديه . وكان محاولته قتل مدرس اللغة العربية في المدرسة التي كان يدرس فيها في مدينة تكريت عام 1959 وقتله مسؤول منظمة حزب الشيوعي العرقي في المدينة ذاتها في نفس الفترة ، دافعاً أساسياً لتكليفه من قبل حزب البعث لإغتيال الرئيس قاسم حينئذ .ولكن الخيال القومي ، الديني ، القبلي ذاته ، والذي تلاشى فيه مفهوم الدولة الدستورية ، لم يخلو من تلك النقاط الرئيسية التي تربط بين كل من نيتشاييف الروسي وجيوفاني الإيطالي ومصادر النازية المتمثلة بالدرجة الأساس بالحركة الإشتراكية – المسيحية ومصدرها الديني التاريخي " أبراهام سانتا كلارا " . مجتمع الصغاركان مشروع التغيير وتحويل المجتمع العراقي إلى مجتمع مسطح وخال من الإختلافات هماً بعثياً بإمتياز . فرغم فظاظة السرديات القومية التي أصبحت جزءاً مهماً من خطابه السياسي والثقافي ، عمل البعث على جميع وسائل الهيمنة ونجح في الكثير منها في إخضاع المجتمع . لعل الإستحواذ على إبتذال العنف وتطبيعه مع الحياة اليومية ، بدا الأبرز بين الأساليب الأُخرى ، بينما الإشتغال على فكرة " المجتمع المُراد " وإطلاق مفهوم " السوبر-مان البعثي " كان مستوى آخر لم تكن أقل أهمية من العنف المبتذل في السياسة البعثية . ولئن بدت طرق الهيمنة السياسية على البلد وعرة بسبب وجود ثلاث كتل قومية وسياسية ومذهبية معارضة (الكرد والشيعة والشيوعيين ) ، استحوذت فكرة الهيمنة الإجتماعية على الآيديولوجيا البعثية . ذاك ان معالجة الفشل السياسي في تأسيس حشد من النوع الذي خلقه كل من هتلر وستالين من خلال إخضاع المؤسسة العسكرية وتبعيثها لم يكن مجدياً لمشروع هيمنة دائمة . في تلك النجاحات الإنقلابية التي حققها البعث في عهده الأول(1963) والثاني (1968) " لم تتمخض عنها جماهير بعثية مسطحة . فالبعث لم يكن صاحب جيل إجتماعي أساساً وبقي مشروع صناعة الجيل بالتالي خطاً بيانياً واضحاً في ممارساته السلطوية . كان الصعود من الخلف إلى السلطة حسب تعبير الكاتب والروائي "زهير الجزائري"، والذي أرسى لــ"صدام" فضاءاً واسعاً للحركة والتخطيط ، دفعه لإتباع ذات الاسلوب مع المجتمع والدخول على حين غرة إلى قلب العائلة العراقية المحافظة والظهور على أشكال رومانسية أُفترضت فيها الصفات الرجولية والكرم والولع بحياة الناس البسيطة ويومياتهم كشكل آخر للعنف الرمزي اللطيف إن صح التعبير. كان الرجل الأسمر بشاربيه الكثين وطوله والملابس العسكرية والشعبية والفلاحية التي زيّن بها السياسة ، ظاهرة جديدة في حياة العراقيين ، إنما في كل ذلك بدا حضور القائد في البيوت وفتح أبواب " الثلاجات " عهداً ثانياً من تكريس الصعود إلى السلطة من الخلف . في هذا السياق بدا الطفل العراقي مستهدفاً ، وأخذت فكرة الهيمنة على ذاكرة الطفولة تؤسس غرف للولادات القيصرية بغية صناعة الجيل المُراد . ولذلك نرى ان الرياض والمدارس الإبتدائية في عراق عهد البعث تحولت إلى وسائل ترويض الصغار وفقاً لصور الأب والعم والأخ الكبير على دفاتر الرسم . وكان عالم الطفل يتكون من رسومات ، تطوق فيها صور صدام والجندي والدبابة والطيارة الخيال الطفولي ، وكانت المظاهرات الجماهيرية التي طالما أصبحت واجهة الحياة اليومية في العراق حقلاً تجريبياً لنقش عالم البعث في وعي الطفل .يتناول كنعان مكية هذا الجانب من التوتاليتارية البعثية بكثير من الإهتمام في كتابه المعنون " جمهورية الخوف " . وفي فصل " البعث والجماهير " يركز الكاتب على تلك الانتهاكات التي اخترقت أدق خصوصيات العقل والشخصية عند الطفل العراقي . يقول مكية في تحليله لتلك الخطب التي كان يلقيها صدام حول خلق عراقي مثالي : (تتجسد الجدية التي يتعامل بها حزب البعث مع تأكيداته الايديولوجية العامة عن الواقع في أخطر أشكالها في تنظيمه للشباب . فأطفال المدارس الإبتدائية ينظمون للكشافة ، اما الصبية والبنات بين العاشرة والخامسة عشرة ، فينظمون في "الطلائع" ، والشباب بين الخامسة عشرة والعشرين فهم في " الفتوة " . ان تلك اكثر من كونها منظمات كشفية ، إذ انهم يساهمون في الثورة وحزب البعث(5). وقد فاتت على الكاتب الإشارة إلى منظمة " إتحاد الطلبة والشباب " التي كانت تنظم العمل الحزبي في المدارس والمعاهد وتراقب حركات الطلبة وترفع التقارير عن النشاطات السياسية والثقافية الخاصة بها ، أو التحركات المشبوهة كما كانت تسمى إلى المنظمة الحزبية الأعلى منها . ويبني مكية تحليله على خطاب من خطب صدام قال فيه : عليكم بتطويق الكبار عن طريق أبنائهم ، بالإضافة إلى الروافد والوسائل الأخرى ، علموا الطالب ان يعترض على والديه ، إذا سمعهما يتحدثان في اسرار الدولة ، وان ينبههما إلى ان هذا غير صحيح . علموهم ان يوجهوا النقد إلى آبائهم وأُمهاتهم ، وبإحترام ، إذا سموعهم يتحدثون عن أسرار منظماتهم الحزبية . عليكم ان تضعوا في كل زاوية إبناً للثورة ، وعيناُ أمينة وعقلاً سديداً يتلقى تعليماته من مراكز الثورة السليمة .علموه ان يعترض بإحترام على احد والديه اذا ما وجد يفرط بأموال الدولة وان يبلغه انها اعز من أمواله الشخصية إذ لا يمكن يكون لديه ملك شخصي إذا لم تكن للدولة أموالها ، وملكيتها التي هي للجميع . كما يجب ان تعلموا الطفل في هذه المرحلة ان يحذر من الأجنبي ، ذاك ان في الأجانب عين لبلادهم من جانب ووسائل مخربة للثورة من جانب آخر . لذلك فإن مصاحبة الأجنبي والحديث معه بغير ضوابط معلومة غير جائز وازرعوا في نفسه الحرص على ان لا يعطي للأجنبي من أسرار الدولة شيئاً . وان ينبه الآخرين صغاراً وكباراً وبشكل مهذب على ان لا يتحدثوا أمام الأجانب . ان الطفل من ناحية علاقته مع المعلم ، كقطعة المرمر البكر في يد النحات ، حيث يملك القدرة على أعطائها الشكل الجميل المطلوب ، دون ان يتركها للزمن وتقلبات عوامل الطبيعة . لا يختلف هذا التلقين البعثي عن مواعظ الأنارشيست الروسي " سيرج نيشتاييف" عن الثورة وصورة الثوري التي طالما ارتسمت على فكرة هدم كل ما سبقها من الرؤى والتصورات . فمشكلة البعث كما يراها مكية تكمن في عدائها المستميت للأجيال التي تشكلت فكرياً قبل الثلاثين من تموز عام 1968 ، ذاك ان التبعيث لم يتغلب علي ما يبدو على مجتمع الكبار . مما لا شك فيه ان المجتمع العراقي رغم تقسيمه القومي والطائفي تميز بسجالات وصراعات آيديولوجية وسياسية قبل سيطرة البعثيين على الحكم . ولو عدنا لتلك السجالات الفكرية والدينية والسياسية التي خاضها الشاعر معروف الرصافي مع البريطانيين والمؤسسات الشيعية ووقوفه مع حركة رشيد علي غيلاني في نهاية النصف الاول من القرن العشرين ، نستنتج بأن " المذهبية " كانت مصدراً للحراك الإجتماعي والسياسي . إنما عدم الإندماج القومي – الديني على غرار الحالة الألمانية – النمساوية قبل ولادة النازية ، كان سببها " المذهبية " ذاتها إذ تهيمن على الثقافة السياسية في العراق منذ مقتل الإمام علي . البعث ، كان مدركاً لهذا التراث المتمثل في فشل المشاريع الوطنوية في العراق ، وإستحالة صناعة حشد مغلق . وكان لا بد بالتالي من هدم كل شيء وإعلان ثورة تلقينية تعتمد رياض الأطفال بدل الجامعات . لوصف هذه التلقينية البعثية التي بدت في النهاية كفضاء تجريبي لحكم العائلة أكثر من أي شكل آخر للسلطة نستعين بسؤال يضعه "حازم صاغية" كعنوان لدراسة جديرة بالتأمل والقراءة وهو صدام حسين : أية توتاليتارية؟السلطوي أم التوتاليتاري ؟ بحسب حازم صاغية فإن كنعان مكية هو أول من وصف نظام البعث في العراق بالتوتاليتاري في كتابه " جمهورية الخوف " . إنما هو لم يكن بنظام توتاليتاري برأي صاغية ، ذاك ان التوتاليتارية ارتبطت منذ ظهورها بالحداثة وتلك السجالات الفكرية والسياسية والإجتماعية التي شهدتها التحولات الأوروبية بعدما أصبح التطور الصناعي ميزتها الأساسية . حتى في المجال التنظيمي فـ "أن ما هو متوافر من الحداثيّة التنظيميّة في التجارب الأوروبيّة يصعب توافره في التجارب "غير الأوروبيّة" برأي صاغية .لم يفقد السؤال عن طبيعة نظام صدام حسين قيمته حتى اليوم ان كانت سلطوية ، أم توتاليتارية . ذلك ان الكم الهائل من المعلومات والوثائق المنشورة وغير المنشورة عن حكم البعث لم تتحول بعد إلى مادة بحثية وتنظيرية حول عراق عهد البعث . وتحتاج تلك الوثائق البعثية التي تتجاوز عشرات الملايين إلى معاهد ومراكز خاصة بغية تمحيصها ووضعها في سياقها التاريخي لدراسة السلطة البعثية وآلياتها المتعددة الوجوه . ولذلك يبقى السجال عما إذا كان البعث توتاليتارياً أم لا ، دون مسح تاريخي لفترة (1967-2003) في بداياته . إنما في سياقه المفهومي والإصطلاحي ، فخص البعث ذاته صفات كثيرة قد تقرّبنا من التوتاليتارية أكثر من السلطوية ، ذاك انه فتح شهية الإستيلاء على السلطة وفقاً لمواصفات محددة أُريد بها صناعة المجتمع وليس عبادة شخص القائد وحده . ففي عراق عهد صدام ، تم تجريد الحاضر من ماضيه من خلال عملية تبعيث شاملة اقتضت ماكينة الآيدولوجيا والعنف والشراء والإبتذال . فيما يخص السلطوية (Autoritaire) يمكن إعتبارها الشكل الأقرب للتوتاليتارية أو عتبتها الرئيسية ان جاز الوصف ، ذاك انها تعني في آلياتها الجوهرية الإستبداد ،" الإرادوية المفرطة " ، جعل السلطة مقدسة ومطلقة ، ومنفلتة أيضاً . إنما كل ذلك لا يعني بطبيعة الأحوال القضاء الكامل على المجتمع . تالياً ، يمكن إعتبار الحكم البعثي في سوريا سلطوياً ، إستبدادياً طالما بقي هناك مجال للمعارضة "التنفيسية " داخل (الجبهة الوطنية التقدمية ) التي تضم الشيوعيين والناصريين والآخرين تحت راية البعث . ان صناعة الحشد البعثي في سوريا لم تلغ " الحاشيات " المختلفة ، بل جعلها جزءاً من إمكانية التسوية " المروضة " على سياسة الحزب القائد . وفي سياق السياسة الترويضية تلك بقي الشيوعيون السوريون يرفعون راياتهم الحمراء في مكاتبهم وساحات إحتفالاتهم المغلقة والبعيدة عن البؤر المدينية النابضة بالحركة ، إنما يشكلون دائماً جزءاً حيوياً من نبض الحشود البعثية . رغم ذلك تقف الدولة البعثية في سوريا كما ذكرت على عتبة التوتاليتارية ، ذاك انها قوّضت إمكانيات اللاعنف في التحول السيوسولوجي والسياسي ، كما انها وضعت المجتمع والأفراد في ليل مظلم ، بدا فيه خوف الإتصال مع المجهول أقوى من أي شيء آخر .كان البعث العراقي يسير على خط آخر ، خط عليه ، التقت ماكينات الحداثة والحزب والعشيرة والعائلة ، وصار زرع الخوف من الإتصال مع المجهول في نفوس الناس – أو العدو المفترض – ليس وسيلة للإخضاع فحسب ، بل طريقة مُمَنهجة للتجريد من الهوية الفردية والإنسانية . كانت السلطوية المنفلتة بالتالي تعريفاً إستيلادياً لمرحلة لاحقة تمثلت في وضع الدولة بديلاً للمجتمع . تعريف اقتضى السرعة القياسية في الهيمنة على الكيانات الإجتماعية والدينية والسياسة ، وفيه ، كانت فلسفة " الجماهيرية " المحتكمة لذات السرعة التي طالما وفرت آليات شخصنة الدولة .السلطوية البعثية خصت ذاتها صفات كثيرة موزعة بين الحداثة الأوروبية والإستبداد الشرقي الذي طالما وجدت له إمكانات الممارسة إجتماعياً قبل تسييسه عرقياً أو قومياً أو دينياً . إنما الأهم بين كل ذلك هو تلك الشروط السياسية والأمنية التي تمخض عن فرضها على المجتمع العراقي إحتضار كلي للثقافة والحيوية الإجتماعيتين . فالثقافة والفنون والآداب والرياضة في عراق عهد البعث لم ينقصها الإبداع والصفة " الخلاّقية " فحسب ، بل اصبحت جزءاً من الإحتضار ، في حين ان في السلطوية إفتراضاً مفاده ترك مساحة للصمت بين الأفراد . وكان الفرق بين كل من الفاشية الإيطالية والنازية الألمانية بحسب صاحب رواية 1984 جورج أورويل ، هو ان الأدب في الحالة الأُولى تعرض للإنتقاص ، أما في الحالة الألمانية فتعرض للإحتضار وكانت الثقافة النازية تتطلب حرق الكتب ، بينما النهضة الأدبية المرتجاة في روسيا برأي الكاتب ذاته ، لم تجهض فحسب بل واجه الكتاب في البلد ذاك الإنتحار والسجون . وما حصل في العراق لم يكن إنتقاصاً للثقافة والأدب ، بل كان إحتضاراً وسجناً وإنتحاراً . ونتذكر في هذا السياق العشرات من المثقفين والمفكرين والكتاب والفنانين العراقيين الذين أُعدموا أو نُحروا ، أو أختاروا المنافي في أحسن الأحوال . وتمخض عن النفي الإجباري أو الهروب من جحيم "البعث " ظاهرة غريبة في الثقافة العراقية وهي " ثقافة الداخل ، ثقافة الخارج " ، وهي حالة لم تحصل في التجارب الهتلرية ولا الستالينية ولا الإيطالية أو الإسبانية .وفي سياق الحديث عن الثقافة في عهد البعث ، هناك وثيقة صادرة من " مديرية أمن العامة " عام 1973 منعت بموجبها قائمة طويلة من الكتب الثقافية والفكرية والعلمية والتاريخية ، وتتضمن القائمة قصص للأطفال واليافعين مثل كتاب " أثينا في عهد بيركليس " وقصص بوليسية للأولاد للمؤلف محمود سالم . تعود هذه الوثيقة إلى المرحلة التأسيسية لاستتباب النظام الشمولي الذي أرساه "حزب البعث" في العراق. فبعد خمسة أعوام من الانقلاب الذي استولى به الحزب (مجدداً) على السلطة عام 1968، وبعد عامين على المناورة التي سمحت له بإقامة حالة من الهدنة في كردستان العراق عام 1971، كان حزب البعث منشغلاً في توطيد مقومات لسلطته واستبداده وتفرده بالمجتمع العراقي. وفي هذا الإطار جاء سعيه الدقيق إلى ضبط منافذ الاطلاع المتاحة للمواطن العراقي، سواءاً منها التي تمكن هذا المواطن من تحصيل النظرية المعرفية أو المضامين العلمية. "يلاحظ إذن أن الكتب التي منعها النظام تتراوح في طبيعتها من تلك التي تعني بحقبات تاريخية أو مناطق جغرافية بعيدة عن العراق وعن عقد السبعينات، مثل أثينا القديمة أو الصين الشعبية، إلى تلك التي تتطرق إلى مفاهيم عامة تطال المجتمع العراقي في فكره وتوجهاته العقائدية. وجميع تلك الكتب، لما كانت تحمله من أبعاد مقارنة ومن أفكار تنشيطية، كانت تشكل خطراً بالنسبة للنظام، في مشروعه الهادف إلى الاستيلاء على العقل العراقي. وتتضح أعماق هذا المشروع حين تدرج قائمة المنع كتاباً موجهاً للأطفال، فالتحكم بما يقرأه الطفل هو السبيل إلى التحكم به حينما يبلغ سن الرشد " بحسب الكاتب اللبناني حسن منيمنة .تالياً ، كانت السلطة البعثية مطلقة وشديدة التركيز على إفراغ جميع الميادين الإجتماعية والسياسية والثقافية من أية فكرة أو حالة خارجة عما تم رسمها في المشروع البعثي للمجتمع والدولة في العراق . أي ان السلطة الفردية المنفلتة التي تمثلت في شخص "صدام" منذ عام 1973 من الخلف ، رغم فبركة جبهة وطنية كارتونية ،أُسندت إليها إمكانات هائلة لصناعة المجتمع المسطح ، والمعبأ بالمُتَخيل القومي . وكان مجتمع الأجهزة الأمنية البيروقراطية المنبثق من أفكار صدام حسين بشكل خاص ، نموذجاً وبديلاً للمجتمع المثالي الذي طالما حلم به البعث . لقد انتهت السلطوية الـ صدامية حين أُلغيت الإتفاقات والتحالفات السياسية مع الحركة الكردية في أواسط السبعينات ، وبعد ذلك قمع الشيوعيين وضرب البنية التنظيمية والسياسية والإعلامية لحزبهم بعدما تم التأكد من إنهاء نقاباتهم ومنظماتهم الجماهيرية . ففي تلك المرحلة بدأت آليات تركز سلطة البعث تتوضح وتظهر معالمها الأساسية المتمثلة بصناعة مجتمع خال من الأغصان . ولو عدنا إلى المقولات الأساسية التي تطال مشروع المجتمع " المُقلم " ذاك ، نجدها في الأدبيات والوثائق الحزبية التي يرجع تاريخها إلى تلك المرحلة السبعينية التي طالما استقدم فيها البعث الإبتذال في أوجه . من هنا يمكن القول بأن النظام البعثي رغم إغراقه في قيم عائلية وعشائرية بحتة ، ولجوئه إلى وسائل جد بدائية في إبتذال العنف والإخضاع ، كان توتاليتارياً ، إذ إستقوّت فيه عناصر تجريد الأفراد والامجموعات من الصفة البشرية ليس أمام " القائد " والحزب وحدهما ، بل أمام المجتمع الذي فيه ، تحول الخوف إلى السلوك . فشعار " إذا قال صدام قال العراق ، وإذا قال العراق قال صدام " المستلهم من قول الألمان :" لأقوال فوهرر قوة القانون " ، أصبح الهوية الوحيدة للمواطنة . وكان الإيمان بتلك المقولة اليومية في حياة العراقيين ، يستوجب موطناً بعثياً ، عيناً حريصةً على كل " نسق كريه " لم يلقن الثورية . فكل بعثي جيد ، كان عراقياً جيداً . الترويض في وصفه للحراس في السجون والمجمعات القسرية في ألمانيا النازية يقول تزيفتان تودورف :" لم يتعرض المعتقلون وحدهم للتجريد من الهوية ، ففي النظام التوتاليتاري بشكل عام وفي المجمعات أو المخيمات بشكل خاص يتجه الحراس نحو الحالة ذاتها بدل أي طريق آخر . هدف النظام التوتاليتاري هو تحويل الأفراد إلى عجلات ماكينة ضخمة ، وبشكل لا يعون إرادتهم ثانية" .(6)ينطبق هذا الوصف على عناصر الأجهزة الأمنية البعثية . ففي العراق كانت المراقبة تدار ليس من قبل الأجهزة الأمنية نفسها فحسب ، بل جُعلت منها هوية المجتمع في ترويض ذاته أمام أي شك يساوره في الطاعة . ولم يبق المراقب الأمني موظفاً في مديرية الأمن العامة أو المخابرات أو الإستخبارات العسكرية أو الفرق الحزبية ، بل موظفاً في دائرة البريد والمواصلات أو طالباً في المدرسة الإبتدائية أو الجامعة ، أو شخصاً عادياً يترصد حارّته وجيرانه وأعضاء عائلته . بيد ان الأهم في توفير الشروط اللازمة لصناعة رجل الأمن تجسد في تحويله إلى أداة قابلة للإتهام وعدم الإخلاص ، وذلك من خلال وضعه في عالم سرّي شكّلت معالمه شُعب الأمن المتعددة الوظائف و" المُجَيَّشة " بثقافة الكراهية والروتين في علاقتها مع المواطن .كان الوصول إلى تلك الشُعب الأمنية وعقول موظفيها وأساليب عملها ومستوياتها المعرفية والتعليمية صعب للغاية ، ذلك ان المجتمع الأمني القابع في جوف المدن ليلاً والمنتشر في الشوارع والدوائر والمقاهي والجامعات والمدارس نهاراً ، كان مجتمع محاط بالأسوار والأسلاك وجميع مفردات الإذلال والموت ، له ثقافته الخاصة ووسائل عمل مُغايرة للحياة الطبيعية . هذه الأسباب وغيرها منعت قنوات الإتصال والإعلام بالوصول إلى ذلك العام السرّي الذي أسماه كنعان مكية بـ " جمهورية الخوف " وبقي بالتالي عالماً من التعتيم والكتمان . لقد خصّ " الغيستابو العراقي "(*) ذاته صفة نصف حقيقة وجود الفرد عندما دخل إلى زوايا حياته الحسية والنفسية ، محتكماً بذلك إلى إفشال الفعاليات القانونية والدستورية والمدنية داخل المجتمع ، أو إبدالها بمنظمات الأمن المتعددة . ولهذه الأسباب ذاتها أيضاًً بقي هذا " الغيستابو " بعيداً عن دوائر الصحافة .لقد تبين من خلال تلك الأعداد الهائلة من وثائق الأجهزة الأمنية العراقية التي تم الحصول عليها بعد حرب الخليج الثانية في عام 1991 ( وفي كردستان العراق بشكل خاص ) وبعد سقوط البعث في ربيع 2003 ، تبين ان الجميع كان يراقب الجميع ولم يستثن أحد !.وتالياً ، كان كشف الحلقة تلك ، والتي تعرّت من خلالها حقيقة المؤسسات الأمنية والمخابراتية العراقية الشنيعة، دافعاً مهماً لمنظمات الدفاع عن حقوق الإنسان والباحثين والأوساط الجامعية الأمريكية لوضع كل تلك الوثائق في إطار عمل أكاديمي وتوظيفها في تخليد الذكرى وترميمها .وكان نافذة أساسية للولوج في دهاليز المؤسسات ذاتها للتعرّف على عوالمها الغرائبية ووعي عملائها ومسؤوليها والمشرفين عليها .في وثيقة صادرة من الشعبة الثانية في مديرية أمن محافظة أربيل تحمل الرقم 12604 بتاريخ 23/8/1988 يكتب عميد الأمن في المديرية ذاتها تقريراً إلى مديرية أمن البلدة ويقول : 1) ان عم المقبور ( سفين .ن . س) والمدعو ( حميد .س ) هو بعثي بدرجة نصير متقدم من تنظيمات كويسنجق كان متأثراً بمقتل ابن شقيقه حيث لم يحلق وجهه وذهب إلى دار اخيه (والد المخرب) والساكن في اربيل لحضور الفاتحة. 2) ان والد المخرب كان بدرجة مؤيد في الحزب وطرد من الحزب وحالياً يسكن في أربيل.3) ان للمخرب المقبور سفين لم يعرف إسمه ويسكن اربيل – دور معمل النسيج وان الدار بإسم زوجته المدعوة (ب.م) والتي تعمل موظفة في معمل النسيج.يرجى تدقيق صحة المعلومات واعلامنا قبل كل شيء ،تحتاج هذه الوثيقة التي هي واحدة من ملايين الوثائق العراقية لدى مؤسسة الذاكرة العراقية إلى هامش أو أكثر، ذلك انها مكتوبة بلغة عربية لم يرع فيها كاتبها أولويات اللغة ، وكان يجهلها على الأغلب . والهامش الأهم الذي تقتضيه هذه الوثيقة فهو ان (حميد .س) كان واحداً من البعثيين ووالد المقتول أيضاً كان بعثياً وطرد من الحزب ولكن الوثيقة تقول انه كان بدرجة نصير والآخر بدرجة مؤيد في الحزب دون ذكر إسم البعث .الإستدراك الروتيني للقارئ العراقي لهذه الأوصاف الحزبية هو ان الحزب غير المُعرّف في هذا التقرير هو "البعث " الذي طالما تحول إلى مجموعة من الأوصاف القسرية في الحياة اليومية للناس . ولا يحتاج هذا الكتاب الرسمي برأي إلى أي شرح آخر طالما يعتمد في جوهره على مراقبة الحزن على ميت غير مرغوب فيه . وما أريد الدخول إليه من خلال هذه الوثيقة هو " عالم الأمن " العراقي في عهد البعث (1968-2003) وغرائبياته المحاطة بآليات تركز قوة تجريد الفرد من إنسانيته . لا يبدو (حميد .س) هنا – رغم بعثيته – جزءاً من العالم الذي رسمه حزب البعث ، لانه لم يحلق ذقنه ( وليس وجهه كما كتبت الجهة الأمنية ) وحزن على مقتل إبن شقيقه وذهب إلى مجلس العزاء الذي أقامته العائلة . وكان حرياً بهذا الشخص وفق الشروط المتخيّلة التي رسمتها الآيديولوجيا البعثية ان يجرّد ذاته من أية روابط إنسانية عند سماع مقتل إبن شقيقه . اما الفقرة الثالثة من التقرير فليست واضحة ويبدو ان زوجة المقتول التي كانت تعمل في معمل للنسيج في مدينة أربيل كانت مراقبة ايضاً . هناك وثائق أُخرى كثيرة تتناول حياة المواطنين وحركتهم اليومية وعلاقاتهم وأعمالهم واشكال ظهورهم على مسرح الحياة . نحاول هنا وصف بعض من هذا العالم السرّي ومعطياته البشرية ثقافةً وسلوكاً وإدراكاً . ولكن الغرابة تكمن في فكرة المراقبة داخل المراقبة كما نجدها في حال " حميد .س " إذ كان مراقباً أمنياً رغم انه كان كادراً بعثياً متقدماً . في سياق المراقبة داخل المراقبة هناك وثيقة أخرى تتضمن التنصت على تلفون أحد ضباط الأمن في قضاء " الصديق " في شهر 12 عام 1990 .تقول ديباجة التقرير ( أدناه نتائج مراقبة الهاتف "42128" العائد إلى ضابط أمن "فق 33" نقيب عاشور والمربوط على بدالة قضاء الصديق للفترة من 15/12/1990 لغاية .../12/1990 ).لقد تمت مراقبة 21 مكالمة هاتفية اجراها الضابط المذكور وتحديد المتصل أو المرسل إليه ، ويضع كاتب التقرير أو الجهة الأعلى منه خطوط سوداء تحت كل مكالمة تشك في مصدرها أو تجهلها . هذا ما نراه في مكالمة بتاريخ 25/12/1990 الساعة 1810 كما جاء في التقرير (أرسلان . س.ش مع نقيب عاشور بخصوص عزيمة ) . وفي اليوم ذاته يتصل نقيب عاشور بالشخص المذكور ويقول التقرير ( نقيب عاشور مع أرسلان .س. ش بخصوص المكالمة "7" ) ، أي المكالمة السابقة ويجدر الذكر هنا ان الأُولى تحمل الرقم 7 والثانية الرقم 8 . وفي يوم 28/12 يكتب المراقب (أحد الأشخاص يطلب يوسف ثم مع نقيب عاشور بخصوص قضاء أعمال نقيب عاشور ) . هناك سطر آخر في التقرير ذاته لم نستطع قراءته بسبب التشوهات التي تعرضت لها الوثيقة أما الجزء المقروء فيقول : ( .... لإحدى النساء بخصوص جندي يعمل ....) .قبل الحديث عن مضمون وأهداف هذه التقارير الداخلية المتمثلة في مراقبة الأجهوة الأمنية ذاتها علينا توضيح بعض الرموز المستخدمة في التقرير السابق وهي (فق 33) ، اي فرقة 33 وهي إحدى الفروع الأمنية ، أما الوقت المُشَفر بساعة 1810 أو 2205 فهي رموز أمنية عسكرية ولايمكن وضعها في سياق الوقت الطبيعي . ولا بد من الإشارة ان المراقبة الأمنية في عهد البعث (1968-2003) في العراق خصت ذاتها صفات كثيرة ومتنوعة وأبرمت مع المجتمع عقداً قسرياً اقتضى مئات الأيدي وكل يد كانت تجس مكانا إذ يمكننا تعريفها بالأيادي " الفيختوية " إشارة للإله الهندي فيختة في الحضارة الهندية القديمة. وكانت المراقبة داخل المراقبة بوسائلها المتعددة جزءاً من العقد الأمني ذاته مع إختلاف الهدف . فبينما كان يوضع المواطن تحت حراسة هلامية بغية زرع الرعب فيه ووضعه أمام تهديد دائم ، كان يخضع المراقب إلى المراقبة لأهداف عدة أهمها معرفة إخلاصه للعمل الأمني أو المخابراتي ، معرفة علاقاته الإجتماعية وتحديد أقرب دائرة في العلاقات ذاتها ، زرع الشك في درجة إخلاصه ودفعه بالتالي إلى التماهي مع " النموذج المخلص " في المهنة الامنية . فصله من محيطه الإجتماعي ، إعادة بناء تكوينه وفق الشروط التي تقتضيها المؤسسات الأمنية ، وكانت المراقبة داخل المراقبة بالتالي شكلاً من أشكال التجريبية البعثية لتأسيس الوعي الأمني في العراق . للحديث عن التجربة البعثية ومفهوم الأمن قد لانحتاج إلى القول النظري بقدر إحتياجنا إلى الآثار التي تركتها التجربة ذاتها على جميع المستويات السياسية والإجتماعية والثقافية والإقتصادية . ويمكن القول بالتالي بأن " المجتمع البعثي " الذي أُريد له النجاح والقفز على التاريخ وفق الرؤية البعثية ، هو مجال لتأسيس نظريات ومنهجيات موقعية ، ذلك ان الممارسات التي سلكها البعث ، والسياق التاريخي الذي ظهر فيه بالطبع يتركان مهمات صعبة أمام أي دارس يحاول الإقتراب من " عالم مُتخيل " ارتسمت أبعاده على " الشر المبتذل " إذا إستعرنا تعبير الفيلسوفة " حنه أرند ". كانت " التجريبية " لصناعة الدولة الأمنية التي اعتمدها البعث تقتضي رسم الجلاّد قبل الضحية ، لذلك اتت المراقبة داخل المراقبة وفقاً لآلياتها وأهدافها كـ " متن " داخلي للمراقبة الشمولية .الجريمة الوظيفيةلنفترض ان قاتلاً ما سيخترق الروتين في التكتم على الجرائم ويعلن ما في جعبته ولو بأسلوب روائي غليظ كما فعل الحفّار "عبد الحسن موحان مراد"، لكن يستحيل علينا افتراض نجاة شخص آخر كالصغير (تيمور أو عوزير) والأربعة الآخرين الذين أنقذتهم الصدفة من الطمر صيف 1988. لقد روى كل واحد من هذه المجموعة حكايات سريالية بشعة عن قتل ودفن كل تلك المجاميع البشرية "الأكراد" في الليل والنهار وداخل مقابر تكتشف ولا تكتشف . وكانت قصة الحفّار "عبد الحسن مراد" التي نأتي على ذكرها هنا تبسيطاً لتلك البشاعة الحكائية التي نسجها خيال "البعث"، ذاك انه يعيد انتاج صورة الدفن بعفوية وغلاظة وكأنما الذين طمرهم بحفّارته كانوا قطع غيار وليسوا بشر. عندما يدخل الروتين الى الثقافة السياسية للدولة القومية على طراز دولة "صدام" ويُدخل المجتمع إلى عنابر المسخ، يتحول الفرد إلى كائن متذاهن مع أدوات السلطة ويفقد إنسانيته كما حصل عند هذا الحفّار الذي نحن بصدد سيرته وتقنيات سرده الروائي عن قبور غير هادئة أو بالأحرى قبور هائجة حفر أرضها بعقل ودم باردين. القصة، تبدأ من هنا إذ يأخذ التحول السردي في حياة "أشبال صدام" منحىً جدياً في بناء شخصية موظف روتيني يؤدي وظيفة القتل دون معرفته بالأسباب التي تدفعه لذلك. فلنعاين سيرة الحفّار "عبد الحسن موحان مراد" كما دونها الصحفي الكردي "عارف قورباني" في لقاء طويل عنونه (من أُم الريعان إلى طوبزاوا). كان اللقاء بعد سقوط نظام الحكم في ربيع 2003 عندما قرر الحفّار المذكور التوجه إلى مركز كركوك لتنظيمات الإتحاد الوطني الكردستاني ووشى بنفسه بأنه كان حفّاراً لمقابر جماعية في منطقة كركوك عام 1988 ولا يزال يعرف موقعها. ولد "عبد الموحان " عام 1961 وسط عائلة مكونة من ثمانية أشخاص في قرية "أُم الريعان" الواقعة جنوب قضاء "الحي" التابع لمحافظة الكوت الجنوبية. يكمل سنوات دراسته الأُولى في القرية ذاتها ثم ينتقل إلى قضاء الحي لمواصلة الدراسة، لكنه يرسب في المرحلة الثالثة بعد الإبتدائية وينتسب لجهاز شرطة دائرة الجنسية والسفر في محافظة الكوت بتاريخ 30/3/1978. وكان عمره حينئذ 17 عاما، لكنه انتسب للدائرة المذكورة كمتطوع دون أن يُسأل عن عمره وباشر دوامه الرسمي لمدة ثلاثة اشهر، ثم تم نقله للمديرية العامة للجنسية والسفر في بغداد. عام 1980 قسمت الحكومة الدائرة المذكورة إلى ثلاثة أقسام، الإقامة والمخابرات للأجانب والجوازات ومديريات الجنسية والأحوال الشخصية، وينتقل عبد الموحان إلى قسم الأمن في دائرة الجوازات في منطقة عرعر الواقعة على الحدود العراقية السعودية. نلاحظ هنا انه أصبح واحداً من عناصر الأمن دون أي تكليف رسمي ولا حتي أية معارضة منه تجاه "مهنته" الجديدة . لقد صار عبد الموحان نموذجاً صغيراً للمجتمع الأورويلي بعد دخوله مديريات "الحقيقة" وفضاءات الأمن غير المكشوفة، ثم أصبح سائقاً معتمداً لجرّافات مديريات الأمن والإستخبارات وحفّاراتها، حاملاً أسرار الدولة بين دهاليزها الأمنية. ويتحول فيما بعد إلى راو متمكن لسيرته وأدائه الحرفي "بفتح الحاء" لفعل القسوة اليومي في الصمت والعلن. يقول الصحفي ستران عبدالله: لقد كان عبد الموحان راوياً حقيقياً لأفعاله كسائق حفّارة وتمكن بعفوية تامة رواية تفاصيل ليلة كاملة من القتل والدفن دون اية ملامح التأثر بما فعله ورآه. يظهر هذا جلياً عندما يسأله عارف قورباني: إن كانت الجريمة التي شارك فيها هي الأول من نوعها؟ ذلك ان جوابه يتضمن براءته المطلقة، لأنه لم يقم إلاّ بتأدية وظيفته بطمر هؤلاء البشر الذين قتلوا ودفنوا في صيف 1988 في كركوك، أما الذي شارك في الجريمة برأيه فهو الذي اصدر قرار القتل. والغرابة في قصة هذا الحفّار هي القدرة على رواية تفاصيل قصة وحيثياتها القابعة بين جدران مديريات الأمن والمقابر الجماعية التي ارتسمت على ليل التاريخ المكون من جميع مستلزمات الموت. ثم يضيف الصحفي ستران عبدالله ويقول: كانت قابلية عبدالحسن لرواية الحفر والقتل والدفن ومن ثم الطمر دون التأثر شيئاً يثير الإشمئزاز والقرف، لقد روى تفاصيل تلك الليلة الجهنمية مثل اية قصة عادية اُخرى حدثت في حياته. لا يمكنني هنا نقل الكثير من ذلك الحوار، لذا أقتصر على بعض مقاطع صغيرة تتعلق بتلك اللحظات التي قتل فيها المؤنفلون وتم دفنهم من قبل عبد الحسن وأصدقائه الحفّارين الذين يذكر اسماءهم وهم (فرحان جابر، احمد اسماعيل، وعلي وسعدي ) - لا يذكر الإسم الثاني لهذين الأخيرين.. ليلة الحفر يوم 11/8/1988 أمر كل من الرائد "عبد" مسؤول فرقة حماية علي حسن المجيد الكيمياوي والرائد نزهان طوغان الحفّار عبد الحسن وفرحان جابر بإحضار حفارتيهما والتوجه إلى مكان يدلهما عليه واحد من فرقة الحماية ذاتها. ويقول عبد الحسن: عندما وصلنا إلى هناك كان الرائد عبد موجوداً مع طوغان وبدأنا ننتظرهم إلى ان أمرونا بالحفر، في البداية قالوا لنا احفروا على شكل المربع ثم غيروا رأيهم وقالوا احفروا أشكالاً مستطيلة. حفرنا في ذلك اليوم الذي اشتغلنا فيه من التاسعة صباحاً إلى الثامنة مساء خمس حفر، طول كل واحدة منها 20 إلى 25 متراً وعمقها 2,5 إلى 3 أمتار. في 12/8 كان عبدالحسن وزملاؤه الحفارون يضحكون وينكتون فرحاً بمناسبة إنتهاء الحرب العراقية الإيرانية حسبما يروي، وفي حدود الساعة العاشرة أمرهم الرائد طوغان بالتوجه إلى ذات المكان الذي حفرا فيه في اليوم السابق (طريق كركوك بغداد) مع حفاراتهم وكانت أربع أو خمس سيارات من نوع "مرسيدس" معبأة بالحراس والعسكر جاهزة للتحرك معهم، ثم يتابع ويقول: لما وصلنا إلى هناك كان طوغان وعبد وطاهر جليل حبوش موجودين ولاحظنا ان المكان بأكمله مُطَوَق. أطفأنا الحفارات والجرافات وبدأنا ننتظر إلى أن وصلت فرقة الإعدام المكونة من 11 شخصا. ويذكر الحفار الراوي ان أفراد فرقة الموت لم يحملوا سوى المسدسات "كاتم الصوت" وكانت ملابسم خضراء ووجوههم مكشوفة . يسأله عارف قورباني عن مكانه في تلك اللحظات أكان فوق الحفّارة أم في مكان آخر فيقول: كنا واقفين على حافة الحفرة وننتظر الأوامر، كنت على معرفة شخصية بعدد غير قليل من أفراد فرقة الإعدام، ذلك اننا كنا مع بعضنا في المكان ذاته الذي قضينا فيه تلك الأيام واذكر أسماء بعض منهم وهم (الملازم الأول صائب مرافق علي كيمياوي الشخصي، الملازم الأول صائم من الأنبار الرمادي، الملازم الأول سعود والرائد عبد وعدد آخر من الضباط . بمجرد الاتيان بالمؤنفلين داخل سيارات ست طويلة كانت تشبه سيارات الإسعاف، أمر <<طاهر حبوش>> بتشغيل جميع الآليات وحتى نحن صعدنا إلى الجرافات وقالوا لنا ان نشغلها ونعلي صخبها. بعدها، أتوا بتلك السيارات الست المحملة بالأكراد والتي كانت تحاصرها القوات الخاصة واحدة تلو اخرى إلى حافة الحفرة. ومع تثبيت كل سيارة على الحافة كانت تفتح ابوابها من قبل فرقة الإعدام المكونة من 11 شخصاً والذين ذكرت أسماء بعض منهم. كان هناك حارسان داخل السيارة وكانا يشدان على معصمي كل كردي ويسلمانه إلى أفراد الفرقة، الذين يطلقون على رأسه طلقة مسدس واحدة ويدفعونه إلى الحفرة. بربرية يصف عبد الحسن بربرية تلك الليلة التي لا توصف بدم بارد ويسرد تفاصيل أخرى عن سلوك تلك المجموعة القاتلة المنظمة والمصغرة لدولة البعث: (لم يكن القتل عشوائيا، كان كل واحد من مجموعة ال11 يأتي بكردي إلى حافة الحفرة وينتظر الإيعاز، كانوا يطلقون النار في وقت واحد). أما عن وضعية المؤنفلين في تلك اللحظة فيقول: كانوا مقيدي الأيادي، أجثوهم على ركبهم على حافة الحفرة، وكان كل ضابط من هؤلاء يضع قدمه على يدي المؤنفل من الخلف ويمسك برأسه بيد ويضع مسدسه بأخرى وينتظر امر إطلاق النار. بعد القتل كانوا يدفعونهم بأخمص اقدامهم نحو الحفرة العميقة، وحتى لو لم تقتلهم الطلقة، فستنكسر رقابهم أو يلفظون أنفاسهم مختنقين تحت التراب الذي طمرناهم به. بعد ذلك التقبير الجماعي يأخذ الحفّار إجازة قصيرة لمدة ثلاثة ايام ويرجع إلى بيته في الجنوب ويحكي لزوجته ما فعله وما رآه. جواباً على سؤال حول ما إذا قالت له زوجته ان لا يعود أو يخفي نفسه يقول: لم تحبذ زوجتي ذلك العمل وكانت تفضل وظيفة لي قرب المنزل. يختزل هذا الجواب الشافي على مبررات تنفيذ تلك العملية البربرية سلوك نموذج الدولة البوليسة الصغير والمتمثل في شخصية الحفار عبدالحسن وبيئته الإجتماعية، ذلك انه لا يرى في طمر هؤلاء البشر أي عداء أو كراهية شخصية أو سياسية تاريخية، بل انه يؤدي وظيفته ويرزق عائلته. كان هذا بالضبط هدف حزب البعث، اي تحويل فكرة القتل إلى مهام وظيفية خارج مفهوم الجريمة أو أي عمل يهين حقوق البشر. انساقت وفق هذه النظرية التي تعتمد مبادئ الحلول النهائية لإنهاء <<الآخر>> شرائح عراقية واسعة وراء دولة صدام السرية . ففي سياق المهام الوظيفية ذاتها يعود الحفّار إلى كركوك لأداء عمله بعد إجازته القصيرة ويشارك في دفن مجموعة أُخرى من "أكراد الله" دون أن يراوده أي هاجس للهرب أو الإختفاء. بتاريخ 15/9 حسبما يتذكر يتجه مع افراد من فرق الموت إلى منطقة أُخرى سبقه إليها زملاؤه الحفّارون كما أخبروه. تتشكل فرقة الموت هذه المرة من نفس مجموعة 11 السابقة والضباط السابقين ولكن ليس في طوبزاوا بل في واد يقع بين قضاء "دووزخورماتوو" وسلسلة جبال حمرين. أما الأكراد كما يقول الحفّار الروائي فلم يكونوا شباباً هذه المرة: كانوا شباباً وعجائز ونساء وأطفالا، اتوا بالنساء والأطفال من "الدبس" والشباب والشيوخ من طوبزاوا، أما السيارات فكانت من ذات السيارات التي رأيناها في 12/8 في طوبزاوا ويايجي. كانت عملية القتل هذه المرة رمياً بأسلحة <<الكلاشينكوف>>. في البداية أتوا بالشباب والعجائز وبعد الإنتهاء منهم أتوا بالنساء والأطفال، بالقرب من الحفر أنزلوهم من السيارات وجمعوهم ثم أمر الرائد "عبد" بالرمي. كانت هناك بينهم إمراة بين 4035 تحمل بين يديها رضيعا، لا أظن إنها أُصيبت أو لم تكن ميتة بعد عندما طمرتها. ربما كان هناك آخرون لم يموتوا ايضا، لأنهم كانوا يقعون على بعضهم أثناء الرمي، لكنهم ظهروا مثل الأموات إلى أن طمرناهم. بعد هذه العمليات البربرية ينتقل عبدالحسن كمزارع إلى مزرعة "علي كيمياوي" في تل الورد الواقع في منطقة الدور التابعة لتكريت ثم إلى مديرية الأمن العامة في بغداد . في عام 1989 يصدر "مجلس قيادة الثورة" قراراً بتكريم العرب الذين يحولون "قيد النفوس" إلى كركوك ولا يتردد الحفّار في ذلك وينقل أفراد عائلته مع "شهادات ميلادهم" إلى كركوك بعدما يحصل على عشرة آلاف دينار "30 ألف دولار حينئذ" ومنزل ترجع ملكيته لعائلة تركمانية رحلت قسراً . لقد ذهب البعث في عملية تجريد مجتمعه الأمني من الهوية الإنسانية وجعل أفراده دواليباً لماكينة القتل إلى نقطة اللاعودة ، حيث تبين فيها للمواطنين العاديين غير المهتمين بالسياسة أساساً ، إنهم اصبحوا متفرجين منفعلين لإستعراضات عنف يومية ومتقمصين دور " شبيه البعثي " . وكانت " المَكنَنَة " بالتالي تطال طرفي معادلة فعل اللاأنسنة وهما البعثي الفاعل ، وضحيته كمشروع علاقة دائمة بينه وبين أدواته . فبينما تمثلت مكننة الطرف الأول بتطبيع العلاقة بين الجرائم وبين إجرائات روتينية يومية ، اصبح الثاني (الضحية ) آلة للصمت والهموم أو مشروع صدمة قد تجعله " كائناً أُورويلياً " على غرار شخصية وينستون سميث في رواية 1984 . وقد كتب عراقي بإسم أبو علي رسالة إلى كنعان مكية في العقد الأخير من القرن العشرين ، أي قبل عقد ونيف من سقوط النظام البعثي قال فيها بوضوح تام : ( أعتقد أن مجتمعنا أصبح اليوم مثل مجتمع "1984" وليس هناك من يتذكر أو حتى أن يتجاسر على تذكر معاني كلمات " الحرية " و" الديمقراطية " و" الأخوة " و" الإنسانية " . ولم يعودوا يعرفوا ما هي ( حقوق الإنسان ) وما له وما عليهم، صار واجبهم اليوم أن يصفقوا ويهتفوا للأخ الكبيرBig Brother بالروح بالدم نفديك يا صدام ).
الهوامش :
* الجيستابو او البوليس السري الألماني تأسس لحماية الدولة الألمانية والحزب النازي. أسسه النازي " هيرمان غورينغ " في 26 أبريل 1933 وقام بإختيار ضباط الشرطة المحترفين بعد حيازة ادولف هتلر على زمام الأمور في المانيا النازية في مارس 1933. وتمحور دور البوليس السري على حماية الدولة وتشكيل قوة ضاربة لما يتربص بالدولة من أعمال تخريب، تجسس، أو خيانة. وتم تغيير القانون الألماني بصورة تجعل الجيستابو يتحرك بصورة حرة وبعيداً عن المساءلة القانونية. وكما وصف قاضي الماني افعال الجيستابو بالتالي "طالما تتحرك الجيستابو بمشيئة الحزب، فإن حركات الجيستابو وأفعاله قانونية". ونص القانون الألماني نصاً صريحاً بإعفاء الجيستابو من المثول أمام المحاكم الألمانية مما حال بين المواطنين المدنيين ووصول شكواهم الى القضاء الألماني.ولعل من أهم صور تعسف الجيستابو يتمثل في سلطة الجهاز السري في احتجاز الأشخاص بدون دعوى قضائية. وكان الشخص المحجوز يقوم على التوقيع على ورقة تخوّل الجيستابو على احتجازه وينتزع هذا التخويل من الأشخاص عادة عن طريق التعذيب الجسدي. وفي عام 1934، تعرّض غورنغ لضغوط من قبل هينريك هيملر لضم الجيستابو تحت لواء الأخير مما قوّى من شوكة هيملر لأبعد الحدود. وخلال الحرب العالمية الثانية، بلغ عدد العاملين في جهاز البوليس السري الى 45,000 فرد. وعمل أفراد الجهاز خلال الأراضي التي احتلتها المانيا خلال الحرب العالمية الثانية وساهموا في التعرف على الشيوعيين، اليهود، والمثليين والعمل على تهجيرهم قسرياً الى معسكرات الاعتقال ثم القضاء عليهم. وخلال محاكم نورمبرغ، تمت ادانة جهاز الجيستابو بالجرائم الفضيعة التي ارتكبها الجهاز في حق البشرية.
المصادر :(1) المستبد ، صناعة شعب ، صناعة قائد . زهير الجزائري سنة 2006 ، من إصدارات مركز الدراسات الإستراتيجية /بيروت(2) Hannha Arendt, Les origines du totalitarisme , Édition Seuil , Paris 1972 (3) خالد سليمان (وكأن حالنا شبيهة بظاهرة فيينا ، صحيفة السفير ربيع 2007)(4) Serge Netchaeiv (le catéchismes de révolutionnaire ) (5) سمير الخليل (كنعان مكية )، جمهورية الخوف ، دار الثقافة الجديدة /القاهرة 1991 (6) Tzvetan Todorov , Façe à l'extrême , Édition Seuil 1991 Paris (7) Le livre noire de Saddam Hussein (sous la direction de Chris Kutschera) Edition HO