
الخميس، 7 مايو 2009
التوتاليتارية والتخريب
التوتاليتارية والتخريب
التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية وتخريب الكلّ العراقي
البرفسور ميثم الجنابي
البعثية الصدامية مجرد غشاء استمد (حيويته) من المقدرة على امتصاص ألوان الأشياء وأشعتها، وبالتالي ليست التوتاليتارية البعثية الصدامية سوى ذلك الغشاء الذي سرعان ما جف بعد أول انتزاع له من جسد المجتمع والدولة.
كشف تاريخ البعث العفلقي والصدامية عن ظاهرة معقدة، لعل مفارقتها الكبرى تقوم في أنها استطاعت أن تعزل الزمن عن التاريخ، وأن تجرد زمن وجود الأشياء والناس والأفعال من تاريخها. وهو الواقع الذي يفسر سر انهيارها السريع وهروبها المريع، ليكشفا عن حقيقة تقول بأن التوتاليتارية البعثية-الصدامية هي زمن بلا تأريخ. من هنا اندثارها الخاطف وبقاياها الخربة في كل مكان. وهي نتيجة تشير إلى فقدان التوتاليتارية البعثية في العراق إلى جذور طبيعية، والى أنها مجرد ظاهرة عرضية ومرضية تمثلت العناصر الرخوية المميزة للهامشية الاجتماعية والسياسية في العراق.
كانت البعثية الصدامية مجرد غشاء استمد (حيويته) من المقدرة على امتصاص ألوان الأشياء وأشعتها، وبالتالي ليست التوتاليتارية البعثية الصدامية سوى ذلك الغشاء الذي سرعان ما جف بعد أول انتزاع له من جسد المجتمع والدولة. وهي حالة فريدة من نوعها في تاريخ التوتاليتاريات، ولربما هي النموذج الأكثر سوءا وتفاهة.
وفي تناقض هذين الجانبين تكمن خصوصية التوتاليتارية البعثية في العراق، فمن الناحية المجردة يمكن النظر إليها على أنها جزء من تاريخ التوتاليتارية بشكل عام، إلا أن رخاوتها الفجة وانهيارها السريع واضمحلالها الخاطف يعطي لها في الوقت نفسه طابعاً متميزا. وان أهم ما تميزت به بهذا الصدد هو أنها كانت في حصيلتها مجرد فعل خارج التاريخ، وبالتالي خارج الحقيقة والقانون والأخلاق، مما جعل منها في نهاية المطاف آلة تفريغ المعنى من كل شيء، بينما المعنى هو الكيان الوحيد الذي يعطي لكل وجود حدوده وقيمته وأثره في التاريخ.
التوتاليتارية عادة ما تفرغ الزمن من التاريخ وذلك بفعل مساعيها (تبرئة) الحاضر من الماضي، وتحويل رغباتها وتصوراتها إلى يقين المستقبل. وهو تناقض يضعها في صراع يتحول من محال إلى مستحيل بحيث يجعل منها بالضرورة قوة عاتية تجعل من كل ما تجهله (عثرة) ينبغي إزالتها. وبما أن جهلها بالتاريخ هو شرط وجودها التاريخي، لهذا عادة ما تجعل من تغييب وعي الذات التاريخي سلاحها الفعال في مواجهة الحاضر والمستقبل. وفي هذه المواجهة تجرّب كل الصيغ الممكنة للجهل الذاتي لكي تقف في نهاية المطاف أمام نفس هاوية الانحطاط والسقوط المميز للتوتاليتاريات جميعا. إلا أن لكل انحطاط وسقوط معناه التاريخي وعبرته السياسية وقيمته الثقافية، فالتوتاليتارية في نهاية المطاف هي تعبير عن النقص التاريخي في وعي الذات القومي وخلل تقاليده السياسية وضعف حصانته الثقافية. وتجربة العراق لا تشذ عن هذه (القانونية) الصارمة، التي جعلت من تاريخ العراق الحديث حلقة في زمن الضياع والتيه السياسي والوطني والثقافي.
يرتبط ظهور التوتاليتارية في الأغلب بحالة الخلل الشامل في بنية الدولة والأمة والثقافة (السياسية بشكل خاص)، أي عندما تغيب إمكانية التأسيس الواقعي والعقلاني للبدائل ضمن سياق الشرعية والعلاقات المدنية. عندها تصبح التوتاليتارية (جوابا شاملا)، مما يجعل منها قوة شرسة في مواجهة الإشكاليات التاريخية الكبرى القائمة أمام الدولة والأمة. وهو الأمر الذي يعطي للأيديولوجية فيها أبعادا هائلة القيمة والتأثير، تصل إلى مصاف الإيمان الديني وتتفوق عليه أحيانا. ويتحول حكم الأيديولوجية الشامل فيها إلى (منطق) مطلق، لا يستثنى من قواعده أي شيء! بحيث تخضع كل شيء لمبضعها البارد بما في ذلك السلطة، ويتحول الصراع من أجل (المبدأ) إلى تعصب تام،.. كما أنها تجعل من (الأيديولوجية الثورية) و(أيديولوجيا التغيير) أداة لتنفيذ كل ما تهواه، مما يؤدي بالضرورة إلى ممارسة القمع الشامل والسافر. وهي ممارسة عادة ما تؤدي إلى أن تصبح الأيديولوجيا سلطة مطلقة لا ترضى بشيء أقل من العبودية التامة لها ولحملتها. من هنا قدرتها على استعمال كل شيء من أجل إحكام سيطرتها التامة بما في ذلك استعمال الأساطير والخرافات والدين والعلم والعواطف،.. مازالت تؤدي إلى إجبار الجميع على اعتناقها والعمل بها واتخاذها عقيدة لا تقبل الجدل. كل ذلك يدغدغ مشاعرها لكي (تتسامى) إلى مصاف المقدس، بحيث تجعل من كل ما تقوله حقيقة مقدسة. من هنا سعي التوتاليتارية الدائم في البحث عن (نص مقدس)، وهي ممارسة تؤدي بها إلى أن تكون هي نفسها عبدا للنص، بل يصبح الحرف أحيانا مصدرا للخلاف والشقاق والمذابح!
الحصيلة النهائية للتوتاليتارية في كل مكان هي التحكم التام من جانب السلطة في كل شيء وتحويل نفسها إلى إله بلا قلب، لكنه قادر على فعل كل شيء بما في ذلك تغير طبيعة الإنسان. وهو اعتقاد يؤدي بالضرورة إلى احتقار الإنسان وجعله مجرد جزء من آلة باردة لا حياة فيها، وهو سلوك واعتقاد مبني على اليقين التام بأنّ ما تقوله وتفعله هو تجل للمطلق والحقيقة النهائية، مما يجعل من رؤيتها وهواجسها وأهوائها حقائق مطلقة يحق لها تأويل كل فعل وقول وحادثة مهما قرب أو بعد حدوثها، انطلاقا من يقينها بأنها ممثلة المستقبل. وهو الأمر الذي يجعلها على الدوام تحتقر الماضي و(مخلفاته) في كل شيء، وبالتالي تجعل من تحطيم التقاليد أسلوبا لكسر (أصنام) الماضي، ومن ثم إخلاء المعبد من أصنام الماضي وإحلال سدنتها فيها،.. وهو الأسلوب الذي يعبر عن رغبتها في تثبيت ما تقوله وتفعله وتراه وتتذوقه وتشمه وتلمسه. من هنا ينطلق عدم تسامحها مع كل مخالف واحتقارها لكل تعددية، وذلك لأنها تجد فيهما تعبيرا عن الشك في الحقيقة، ولا يؤدي ذلك في نهاية المطاف إلا إلى صنع أنصاف الوعي. أنها تنتج وتعيد إنتاج أيديولوجية الرعاع والغوغاء عبر بلورة وتقديم ألف باء المعرفة. من هنا نفهم معارضتها للمثقفين والإبداع، ودفاعها المستميت في الوقت نفسه لكسبهم إلى جانبها،.. أنها تجعل منهم ألسنة بلا قلوب وهراوات خشنة.. وتؤدي في نهاية المطاف إلى أن تجعل الجميع عراة دون أن يرى أحدهم عورته، مع ما يترتب على ذلك من احتقار للحقوق والأخلاق. ومن كل ذلك تصنع سبيكة الإرهاب المنظم، فهو الشيء الوحيد الذي تبرع في تهذيبه، بحيث تجعل من العنف المنظم وتنظيم العنف الدورة الدائمة لوجودها،.. ومن هنا أيضاً تسود الشعارات ويستمر دورانها في فلك العداوة بمختلف أشكالها، بحيث يصبح كل ما لا يخضع لعبوديتها عدوا. وفي النهاية تجعل من مساواة الجميع في العبودية أسلوب تبريرها لرفض الديمقراطية وتصويرها على أنها مجرد وساخة جماعية، وتصبح معارضتها مهما كانت طفيفة ذريعة لبهجة الإنتقام والقتل، وتجعل من كل ذلك طقوسا وعبادات مبرمجة بحيث يتحول الحماس والابتهاج في القتل والانتقام إلى فصول في مسرحياتها الدموية. وهي (مسرحية) خاتمتها السقوط، لأنها لا تستطيع أن تقتل إلى ما لا نهاية، وفي موتها تمثل أتفه الأدوار لأنها تختتم فعلاً درامياً دماؤه وقتلاه التاريخ والمجتمع والدولة.
التصوير المتنوع لماهية التوتاليتارية ومنشؤها وصفاتها ونتائجها عادة ما يتجسد بطريقة ومستوى يحدده في الأغلب المسار التاريخي للأمم، أي كيفية تمثل الانقطاع الراديكالي لتاريخ الأمم والثقافة. فمن الناحية الشكلية (والعملية أيضا) تسعى التوتاليتارية إلى تمثل وتمثيل الوحدانية من خلال تحويلها إلى واحدية شاملة لوجود الأشياء والأفعال والناس، وهو تناقض لا يمكن حله إلا بانحلال التوتاليتارية نفسها. وذلك لأنّ التوتاليتارية لا تعقل خارج هذا التناقض التاريخي الذي يميز مساعي العقائد الكبرى لتمثيل (الحقائق الكبرى). بمعنى محاولتها تمثل وتمثيل ما تعتقده نموذجا أفضل وأسمى لوجود الأشياء ونظام البشر. بهذا المعنى يمكن القول، بان التوتاليتارية عريقة شأن عراقة البحث عن واحدية مثلى لنظام الأشياء ووجود البشر، وبالتالي فإنها يمكن أن تتمظهر من خلال العقائد الدينية والدنيوية على السواء.
آلية توليد وإعادة إنتاج التوتاليتارية، ترتبط أساسا بثلاثة أسباب، هي: فقدان الحدود العقلانية في العلم والعمل، وفقدان الاعتدال العقلي-الأخلاقي، وخلل التوازن الداخلي الذي يجد انعكاسه في سيادة الغلو والراديكالية العملية. وهي أسباب تحدد بالضرورة ظهور وسيطرة وفاعلية أربعة عناصر كبرى مميزة للتوتاليتارية، وهي: (مشروع بلا بدائل)، و(يقين بلا احتمالات)، و(إرادة بلا رادع)، و(واحدية عقائدية-سياسية بلا روح ثقافي.
النتيجة الحتمية لكل ذلك هو تخريب المجتمع والدولة والوعي. وفي الإطار العام يمكن القول، بأنّ نتيجة التوتاليتارية (الكليانية) هي تخريب الكلّ، وذلك لأنّ كل سعي لفرض نموذج كليّ سوف يؤدي بالضرورة إلى تدمير الكلّ، وذلك لأنّ مفهوم الكلّ بحد ذاته صعب البلوغ حتى بالنسبة للوعي المجرد. إضافة لذلك أن الكلّ يتعارض مع الإجبار، كما انه بحد ذاته يفترض تلقائية ارتقاء جميع مكوناته، بينما التوتاليتارية في جوهرها هي نتاج الخروج على الكلّ الاجتماعي والتاريخي من جانب حفنة صغيرة لا علاقة لها بالكلّ سوى ادعاء تمثيله المطلق، وهو الوهم الذي يصنع أشد المفاهيم غلوا، والقيم رذالة، والممارسات شناعة.
جسدت البعثية الصدامية في العراق نموذجاً خاصاً للتوتاليتارية أدى إلى (صناعة) نوع ربما هو الأتفه في تاريخ التوتاليتاريات بأسرها. فقد كانت في ممارساتها تجسيداً لفقدان الحدود العقلانية في العلم والعمل، وفقدان الاعتدال العقلي-الأخلاقي، وخلل التوازن الداخلي، الذي وجد انعكاسه في سيادة الغلو والراديكالية العملية. أما النتيجة فهي (تنظيم) دكتاتورية بلا حدود ولا قيود، (نظامها) الوحيد هو تقنين العنف والإرهاب، بحيث جعلت من (مشروعها) لبناء العراق عقداً أبدياً لا علاقة له بالتاريخ والمجتمع، وتطاولت إلى درجة لم تسمح بأي قدر من البدائل، بما في ذلك من جانب (الحزب) الذي تمثله. وأكملت ذلك بيقينها القاطع لكل احتمالات من جانب أي فرد وجماعة ومنطقة وطائفة وحزب وقومية. باختصار، أنها وجدت في كل (احتمال) مهما صغر جريمة ومؤامرة وتخريبا للحق والحقيقة. مما جعلها تمارس أقسى أنواع القهر والإكراه، وأعطت لكل أفعالها المنافية للقانون والأعراف والأخلاق والحق والحقيقة صفة (الإرادة الثورية)، مما أفقدها تدريجياً من كل رادع عقلي وأخلاقي، بحيث دفع بها في نهاية المطاف إلى أن تلتهم نفسها بنفسها بعد إفراغ مستمر للمجتمع من كل قواه الحية. أما النتيجة فهي سيادة رؤية عقائدية لا علاقة لها بالمفهوم الحقيقي للسياسة بوصفها إدارة شؤون الدولة ومصالح المجتمع العامة، وهي رؤية لا مكان فيها للثقافة بالمعنى الدقيق للكلمة، بعبارة أخرى أنها أدت إلى واحدية عقائدية- سياسية بلا روح ثقافي. والنتيجة هي إنتاج مستمر للرخوية والرخويات في كل مكونات الدولة والمجتمع، فقد مزقت التوتاليتارية البعثية الصدامية نسيج الوجود العراقي وشوهت مكوناته الطبيعية مما جعل منها مجرد آلة اجترار للزمن وقتل الحياة. لقد حاولت التوتاليتارية البعثية-الصدامية إحلال نفسها محل المطلق والتاريخ، مع ما ترتب عليه بالضرورة من تمزيق للنسيج التاريخي والثقافي
التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية وتخريب الكلّ العراقي
البرفسور ميثم الجنابي
البعثية الصدامية مجرد غشاء استمد (حيويته) من المقدرة على امتصاص ألوان الأشياء وأشعتها، وبالتالي ليست التوتاليتارية البعثية الصدامية سوى ذلك الغشاء الذي سرعان ما جف بعد أول انتزاع له من جسد المجتمع والدولة.
كشف تاريخ البعث العفلقي والصدامية عن ظاهرة معقدة، لعل مفارقتها الكبرى تقوم في أنها استطاعت أن تعزل الزمن عن التاريخ، وأن تجرد زمن وجود الأشياء والناس والأفعال من تاريخها. وهو الواقع الذي يفسر سر انهيارها السريع وهروبها المريع، ليكشفا عن حقيقة تقول بأن التوتاليتارية البعثية-الصدامية هي زمن بلا تأريخ. من هنا اندثارها الخاطف وبقاياها الخربة في كل مكان. وهي نتيجة تشير إلى فقدان التوتاليتارية البعثية في العراق إلى جذور طبيعية، والى أنها مجرد ظاهرة عرضية ومرضية تمثلت العناصر الرخوية المميزة للهامشية الاجتماعية والسياسية في العراق.
كانت البعثية الصدامية مجرد غشاء استمد (حيويته) من المقدرة على امتصاص ألوان الأشياء وأشعتها، وبالتالي ليست التوتاليتارية البعثية الصدامية سوى ذلك الغشاء الذي سرعان ما جف بعد أول انتزاع له من جسد المجتمع والدولة. وهي حالة فريدة من نوعها في تاريخ التوتاليتاريات، ولربما هي النموذج الأكثر سوءا وتفاهة.
وفي تناقض هذين الجانبين تكمن خصوصية التوتاليتارية البعثية في العراق، فمن الناحية المجردة يمكن النظر إليها على أنها جزء من تاريخ التوتاليتارية بشكل عام، إلا أن رخاوتها الفجة وانهيارها السريع واضمحلالها الخاطف يعطي لها في الوقت نفسه طابعاً متميزا. وان أهم ما تميزت به بهذا الصدد هو أنها كانت في حصيلتها مجرد فعل خارج التاريخ، وبالتالي خارج الحقيقة والقانون والأخلاق، مما جعل منها في نهاية المطاف آلة تفريغ المعنى من كل شيء، بينما المعنى هو الكيان الوحيد الذي يعطي لكل وجود حدوده وقيمته وأثره في التاريخ.
التوتاليتارية عادة ما تفرغ الزمن من التاريخ وذلك بفعل مساعيها (تبرئة) الحاضر من الماضي، وتحويل رغباتها وتصوراتها إلى يقين المستقبل. وهو تناقض يضعها في صراع يتحول من محال إلى مستحيل بحيث يجعل منها بالضرورة قوة عاتية تجعل من كل ما تجهله (عثرة) ينبغي إزالتها. وبما أن جهلها بالتاريخ هو شرط وجودها التاريخي، لهذا عادة ما تجعل من تغييب وعي الذات التاريخي سلاحها الفعال في مواجهة الحاضر والمستقبل. وفي هذه المواجهة تجرّب كل الصيغ الممكنة للجهل الذاتي لكي تقف في نهاية المطاف أمام نفس هاوية الانحطاط والسقوط المميز للتوتاليتاريات جميعا. إلا أن لكل انحطاط وسقوط معناه التاريخي وعبرته السياسية وقيمته الثقافية، فالتوتاليتارية في نهاية المطاف هي تعبير عن النقص التاريخي في وعي الذات القومي وخلل تقاليده السياسية وضعف حصانته الثقافية. وتجربة العراق لا تشذ عن هذه (القانونية) الصارمة، التي جعلت من تاريخ العراق الحديث حلقة في زمن الضياع والتيه السياسي والوطني والثقافي.
يرتبط ظهور التوتاليتارية في الأغلب بحالة الخلل الشامل في بنية الدولة والأمة والثقافة (السياسية بشكل خاص)، أي عندما تغيب إمكانية التأسيس الواقعي والعقلاني للبدائل ضمن سياق الشرعية والعلاقات المدنية. عندها تصبح التوتاليتارية (جوابا شاملا)، مما يجعل منها قوة شرسة في مواجهة الإشكاليات التاريخية الكبرى القائمة أمام الدولة والأمة. وهو الأمر الذي يعطي للأيديولوجية فيها أبعادا هائلة القيمة والتأثير، تصل إلى مصاف الإيمان الديني وتتفوق عليه أحيانا. ويتحول حكم الأيديولوجية الشامل فيها إلى (منطق) مطلق، لا يستثنى من قواعده أي شيء! بحيث تخضع كل شيء لمبضعها البارد بما في ذلك السلطة، ويتحول الصراع من أجل (المبدأ) إلى تعصب تام،.. كما أنها تجعل من (الأيديولوجية الثورية) و(أيديولوجيا التغيير) أداة لتنفيذ كل ما تهواه، مما يؤدي بالضرورة إلى ممارسة القمع الشامل والسافر. وهي ممارسة عادة ما تؤدي إلى أن تصبح الأيديولوجيا سلطة مطلقة لا ترضى بشيء أقل من العبودية التامة لها ولحملتها. من هنا قدرتها على استعمال كل شيء من أجل إحكام سيطرتها التامة بما في ذلك استعمال الأساطير والخرافات والدين والعلم والعواطف،.. مازالت تؤدي إلى إجبار الجميع على اعتناقها والعمل بها واتخاذها عقيدة لا تقبل الجدل. كل ذلك يدغدغ مشاعرها لكي (تتسامى) إلى مصاف المقدس، بحيث تجعل من كل ما تقوله حقيقة مقدسة. من هنا سعي التوتاليتارية الدائم في البحث عن (نص مقدس)، وهي ممارسة تؤدي بها إلى أن تكون هي نفسها عبدا للنص، بل يصبح الحرف أحيانا مصدرا للخلاف والشقاق والمذابح!
الحصيلة النهائية للتوتاليتارية في كل مكان هي التحكم التام من جانب السلطة في كل شيء وتحويل نفسها إلى إله بلا قلب، لكنه قادر على فعل كل شيء بما في ذلك تغير طبيعة الإنسان. وهو اعتقاد يؤدي بالضرورة إلى احتقار الإنسان وجعله مجرد جزء من آلة باردة لا حياة فيها، وهو سلوك واعتقاد مبني على اليقين التام بأنّ ما تقوله وتفعله هو تجل للمطلق والحقيقة النهائية، مما يجعل من رؤيتها وهواجسها وأهوائها حقائق مطلقة يحق لها تأويل كل فعل وقول وحادثة مهما قرب أو بعد حدوثها، انطلاقا من يقينها بأنها ممثلة المستقبل. وهو الأمر الذي يجعلها على الدوام تحتقر الماضي و(مخلفاته) في كل شيء، وبالتالي تجعل من تحطيم التقاليد أسلوبا لكسر (أصنام) الماضي، ومن ثم إخلاء المعبد من أصنام الماضي وإحلال سدنتها فيها،.. وهو الأسلوب الذي يعبر عن رغبتها في تثبيت ما تقوله وتفعله وتراه وتتذوقه وتشمه وتلمسه. من هنا ينطلق عدم تسامحها مع كل مخالف واحتقارها لكل تعددية، وذلك لأنها تجد فيهما تعبيرا عن الشك في الحقيقة، ولا يؤدي ذلك في نهاية المطاف إلا إلى صنع أنصاف الوعي. أنها تنتج وتعيد إنتاج أيديولوجية الرعاع والغوغاء عبر بلورة وتقديم ألف باء المعرفة. من هنا نفهم معارضتها للمثقفين والإبداع، ودفاعها المستميت في الوقت نفسه لكسبهم إلى جانبها،.. أنها تجعل منهم ألسنة بلا قلوب وهراوات خشنة.. وتؤدي في نهاية المطاف إلى أن تجعل الجميع عراة دون أن يرى أحدهم عورته، مع ما يترتب على ذلك من احتقار للحقوق والأخلاق. ومن كل ذلك تصنع سبيكة الإرهاب المنظم، فهو الشيء الوحيد الذي تبرع في تهذيبه، بحيث تجعل من العنف المنظم وتنظيم العنف الدورة الدائمة لوجودها،.. ومن هنا أيضاً تسود الشعارات ويستمر دورانها في فلك العداوة بمختلف أشكالها، بحيث يصبح كل ما لا يخضع لعبوديتها عدوا. وفي النهاية تجعل من مساواة الجميع في العبودية أسلوب تبريرها لرفض الديمقراطية وتصويرها على أنها مجرد وساخة جماعية، وتصبح معارضتها مهما كانت طفيفة ذريعة لبهجة الإنتقام والقتل، وتجعل من كل ذلك طقوسا وعبادات مبرمجة بحيث يتحول الحماس والابتهاج في القتل والانتقام إلى فصول في مسرحياتها الدموية. وهي (مسرحية) خاتمتها السقوط، لأنها لا تستطيع أن تقتل إلى ما لا نهاية، وفي موتها تمثل أتفه الأدوار لأنها تختتم فعلاً درامياً دماؤه وقتلاه التاريخ والمجتمع والدولة.
التصوير المتنوع لماهية التوتاليتارية ومنشؤها وصفاتها ونتائجها عادة ما يتجسد بطريقة ومستوى يحدده في الأغلب المسار التاريخي للأمم، أي كيفية تمثل الانقطاع الراديكالي لتاريخ الأمم والثقافة. فمن الناحية الشكلية (والعملية أيضا) تسعى التوتاليتارية إلى تمثل وتمثيل الوحدانية من خلال تحويلها إلى واحدية شاملة لوجود الأشياء والأفعال والناس، وهو تناقض لا يمكن حله إلا بانحلال التوتاليتارية نفسها. وذلك لأنّ التوتاليتارية لا تعقل خارج هذا التناقض التاريخي الذي يميز مساعي العقائد الكبرى لتمثيل (الحقائق الكبرى). بمعنى محاولتها تمثل وتمثيل ما تعتقده نموذجا أفضل وأسمى لوجود الأشياء ونظام البشر. بهذا المعنى يمكن القول، بان التوتاليتارية عريقة شأن عراقة البحث عن واحدية مثلى لنظام الأشياء ووجود البشر، وبالتالي فإنها يمكن أن تتمظهر من خلال العقائد الدينية والدنيوية على السواء.
آلية توليد وإعادة إنتاج التوتاليتارية، ترتبط أساسا بثلاثة أسباب، هي: فقدان الحدود العقلانية في العلم والعمل، وفقدان الاعتدال العقلي-الأخلاقي، وخلل التوازن الداخلي الذي يجد انعكاسه في سيادة الغلو والراديكالية العملية. وهي أسباب تحدد بالضرورة ظهور وسيطرة وفاعلية أربعة عناصر كبرى مميزة للتوتاليتارية، وهي: (مشروع بلا بدائل)، و(يقين بلا احتمالات)، و(إرادة بلا رادع)، و(واحدية عقائدية-سياسية بلا روح ثقافي.
النتيجة الحتمية لكل ذلك هو تخريب المجتمع والدولة والوعي. وفي الإطار العام يمكن القول، بأنّ نتيجة التوتاليتارية (الكليانية) هي تخريب الكلّ، وذلك لأنّ كل سعي لفرض نموذج كليّ سوف يؤدي بالضرورة إلى تدمير الكلّ، وذلك لأنّ مفهوم الكلّ بحد ذاته صعب البلوغ حتى بالنسبة للوعي المجرد. إضافة لذلك أن الكلّ يتعارض مع الإجبار، كما انه بحد ذاته يفترض تلقائية ارتقاء جميع مكوناته، بينما التوتاليتارية في جوهرها هي نتاج الخروج على الكلّ الاجتماعي والتاريخي من جانب حفنة صغيرة لا علاقة لها بالكلّ سوى ادعاء تمثيله المطلق، وهو الوهم الذي يصنع أشد المفاهيم غلوا، والقيم رذالة، والممارسات شناعة.
جسدت البعثية الصدامية في العراق نموذجاً خاصاً للتوتاليتارية أدى إلى (صناعة) نوع ربما هو الأتفه في تاريخ التوتاليتاريات بأسرها. فقد كانت في ممارساتها تجسيداً لفقدان الحدود العقلانية في العلم والعمل، وفقدان الاعتدال العقلي-الأخلاقي، وخلل التوازن الداخلي، الذي وجد انعكاسه في سيادة الغلو والراديكالية العملية. أما النتيجة فهي (تنظيم) دكتاتورية بلا حدود ولا قيود، (نظامها) الوحيد هو تقنين العنف والإرهاب، بحيث جعلت من (مشروعها) لبناء العراق عقداً أبدياً لا علاقة له بالتاريخ والمجتمع، وتطاولت إلى درجة لم تسمح بأي قدر من البدائل، بما في ذلك من جانب (الحزب) الذي تمثله. وأكملت ذلك بيقينها القاطع لكل احتمالات من جانب أي فرد وجماعة ومنطقة وطائفة وحزب وقومية. باختصار، أنها وجدت في كل (احتمال) مهما صغر جريمة ومؤامرة وتخريبا للحق والحقيقة. مما جعلها تمارس أقسى أنواع القهر والإكراه، وأعطت لكل أفعالها المنافية للقانون والأعراف والأخلاق والحق والحقيقة صفة (الإرادة الثورية)، مما أفقدها تدريجياً من كل رادع عقلي وأخلاقي، بحيث دفع بها في نهاية المطاف إلى أن تلتهم نفسها بنفسها بعد إفراغ مستمر للمجتمع من كل قواه الحية. أما النتيجة فهي سيادة رؤية عقائدية لا علاقة لها بالمفهوم الحقيقي للسياسة بوصفها إدارة شؤون الدولة ومصالح المجتمع العامة، وهي رؤية لا مكان فيها للثقافة بالمعنى الدقيق للكلمة، بعبارة أخرى أنها أدت إلى واحدية عقائدية- سياسية بلا روح ثقافي. والنتيجة هي إنتاج مستمر للرخوية والرخويات في كل مكونات الدولة والمجتمع، فقد مزقت التوتاليتارية البعثية الصدامية نسيج الوجود العراقي وشوهت مكوناته الطبيعية مما جعل منها مجرد آلة اجترار للزمن وقتل الحياة. لقد حاولت التوتاليتارية البعثية-الصدامية إحلال نفسها محل المطلق والتاريخ، مع ما ترتب عليه بالضرورة من تمزيق للنسيج التاريخي والثقافي
: انهيار النظام التوتاليتاري البعثي العراقي نتيجة حتميه
البروفسور ميثم الجنابي: انهيار النظام التوتاليتاري البعثي العراقي نتيجة حتميه
يوسف محسن
كيف تنظر إلى انهيار النظام السياسي السابق في 9/ 4؟.. ألم يكن تتويجاً للسياسات اللاعقلانية وبرهانا على إفلاس نمط الدولة الوطنية العراقية ما بعد الاستقلال؟ لقد كان انهيار النظام التوتاليتاري الدكتاتوري نتيجة حتمية. وهي نتيجة ملازمة لهذا النمط من التحكم السياسي البوليسي في مختلف بلدان العالم. وإذا كان له ما يبرره في بعض مراحل التاريخ الحديث، فلانه نتاج مرحلة عاصفة في الأزمات القومية والدولتية تجعل من صعوده "حلا معقولا". أما في العراق فانه كان نتاج سيادة النفسية الراديكالية. ومن ثم لم يكن محاولة للرد على "تحديات" كبرى كما جرى في روسيا وألمانيا وايطاليا وغيرها. من هنا قوته التخريبية الهائلة.لقد كان صعود الراديكالية السياسية في العراق نتاجا لخلل الدولة ومؤسساتها في العهد الملكي. وأعطى له انقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958 بعدا "ثوريا"، جعل من المغامرة الصيغة المثلى للشرعية! والنتيجة هي سيادة كل ما يتعارض مع فكرة الشرعية. وحصلت العملية على صيغتها النموذجية في العقدين الأخيرين للدكتاتورية الصدامية.وما قبلها كان تمهيدا لها. بمعنى أنها ليست نتاج ذاتها، بقدر ما انه تعكس خواء التجربة السياسية العرقي الحديثة وأحزابها السياسية قاطبة. من هنا عمق ومنظومية العداء الدفين بينها، وليس منظومة المنافسة السياسية. وهو الأمر الذي جعل من القضاء على المعارضة مضمونا للسلطة والدولة والحزب والايدولوجيا! وبلغت هذه الظاهرة مرحلتها القصوى والقاسية في ظل الدكتاتورية الصدامية، بحيث فرغت المجتمع من قواه السياسية، والجسد العراقي من روحه وأبقت على الطحالب والمستنقعات بوصفها الوسط الوحيد للحياة! مما جعل من انغلاق الدولة والسلطة أمرا محتوما. وافقد الدولة مع مرور الزمن مبرر وجودها، بينما أعطى للسلطة طابعا مقدسا! والنتيجة هو افقارها وضعفها الاجتماعي الدائم و"غناها وقوتها المفرطة" في القمع والإرهاب، بوصفه تعويضا عن انغلاقها الذاتي. مما أدى في نهاية المطاف إلى انغلاق الأفق والانحسار التام للدولة والنظام السياسي والإدارة، وبالتالي الرجوع إلى ما قبل الدولة – عصابة وحكم العائلة. من هنا فان ما حدث لم يكن إفلاسا للدولة الوطنية بقدر ما انه إفلاس نمط من الزمن السياسي أدى إلى عدم بناء الدولة الوطنية بوصفها تاريخا متراكما للمؤسسات والخبرات والتجارب. إذ لم يكن في العراق دولة بالمعنى الدقيق للكلمة، بل جغرافيا محكومة بسلطة القوة. وهي حالة وضع انقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958 بدايتها. بمعنى استبدال تاريخ الدولة بزمن السلطة، ورجل الدولة بأزلام السلطة، والقانون بالقرارات الحزبية. وجعل من المغامرة أسلوب التعامل مع كل شيء بما في ذلك الدولة. لقد جرى استصغار واستسهال فكرة الدولة من خلال إرجاعها إلى نفسية السلطة المجردة عن كل شيء باستثناء إيديولوجيا الزيف والعنف. مما أدى تدريجيا إلى غياب فكرة القانون والشرعية والثبات وتراكم الخبرة ولتقاليد والاحتراف. والنتيجة هي تراكم ما يناقضه من القمع والإرهاب وعدم الاستقرار والمحسوبية والوساطة والعلاقات الشخصية والعائلية والقبلية والعشائرية والجهوية والطائفية، باختصار كل أصناف وأنواع البنية التقليدية. وهو سر انهيارها السريع والمريع.العراق مخزن ضخم للاثنيات والطوائف والقوميات والأديان. هل تعيق هذه الوضعية إمكانية تشكيل دولة مدنية حديثة؟ وما هي أفاق حل هذه المشكلة؟ إن هذه الفكرة ليست دقيقة. بل أنها ليس دقيقة تماما. وهي فكرة واسعة الانتشار في الفترة الأخيرة بما في ذلك ما يسمى بفسيفساء المكونات العراقية وما شابه ذلك. نعم! يمكننا استعمال هذه الكلمات بمعناها البلاغي والتصويري وليس بمعناها العلمي والواقعي الدقيق. أولا لان العراق من الناحية التاريخية والثقافية ليس تجمع أعراق وأقليات وطوائف وقوميات. ومن الناحية الكمية هو بلد موحد القومية، أي يعتبر بالمقاييس الدولية دولة ذات قومية واحدة، انطلاقا من أن كل دولة تبلغ فيها نسبة القومية السائدة 80% تعتبر دولة قومية واحدة. ونسبة العرب إن لم تتجاوز هذه النسبة فإنها لا تقل عنها. وإذا أضفنا إلى كل ذلك تاريخ العراق الكوني ودور العربية – الإسلامية بوصفها جوهر الكينونة التاريخية الثقافية للعراق يتضح حجم التضخيم الكبير لفكرة الأثر السلبي للتعددية العرقية والقومية والدينية والطائفية.إن العراق يتمتع بتاريخ عريق. والعراقة تحتوي بالضرورة على تجارب مختلف الأقوام والطوائف والأعراق والأديان، وبالتالي على صدى وبقايا تجاربها المتنوعة. وهي مكونات ايجابية كبرى بالنسبة لتوسيع المدى الثقافي والروحي للعراق في حال انسجامها ضمن بنية الدولة وثقافتها السياسية. لاسيما وان تاريخ العراق القديم والحديث لم يكن في يوم ما محددا بالعرق أو القومية أو الدين، بل بالثقافة. وهي أحد المصادر الجوهرية والواقعية بالنسبة للبدائل. فالدولة المدنية لا تتحدد بكمية من فيها وأصولهم، بل بنموذج النظام السياسي وتفعيل التقاليد الثقافية. ومن ثم فان أفاق حل المشكلة التي تثيرها الآن ظاهرة استفحال "التعددية"، أو لا عقلانيتها تقوم في كيفية تحويل مختلف مكونات العراق إلى أجزاء فاعلة في منظومة الانسجام والازدهار المادي والمعنوي. وهي مهمة مرهونة بطبيعة النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي. صاحب سقوط النظام السابق استفحال ظاهرة العنف السياسي والطائفي والإرهاب. وتحت هذه الظروف العسيرة تم سن دستور دائم للبلاد وانتخاب برلمان وتثبيت مبدأ التداول السلمي للسلطة السياسية. باعتقادكم هل يمثل هذا الذي تحقق منعطفاً في تاريخ العراق؟ إن ما جرى ويجري من عنف وإرهاب متنوع الأشكال والمصادر هو "تفعيل" لبقايا ما ادعوه بالزمن التوتاليتاري والدكتاتوري. وهو زمن سوف يطبع لفترة طويلة نفسية وذهنية الأفراد والجماعات والمجتمع عموما، بما في ذلك نخبه الاجتماعية والسياسية. وهو أمر جلي يمكن رؤية ملامحه الخشنة حتى في صراع المثقفين وكيفية تعاملهم مع البعض الآخر ومستوى الاستعداد السريع للتخوين والتجريم والتحريم، مع أن منطق الثقافة يفترض الارتقاء إلى مصاف العقل المجرد والقلب الوجداني والمعاناة الإنسانية النبيلة. إلا أن الأمور تصبح مفهومة وقابلة للتفسير الواقعي عندما نضعها ضمن فكرة الزمن التوتاليتاري وتقاليده الراديكالية في العراق. فهو الزمن الذي دمر فكرة التاريخ بوصفه أسلوب ووريث الشرعية والحق والخبرة والكفاءة والمؤسسات والتقاليد الكبرى. وهي مكونات حالما تندثر وتلاشي، لا يبقى في الواقع سوى السراب المتراكم في ظنون الايدولوجيا وقدرتها على شحذ قيم "الأوهام المقدسة" مع ما يترتب عليه من قدرة على اقتراف اشد الجرائم بدم بارد! وما يحدث في ظروف العراق الحالية ليس إلا الاستمرار غير المباشر للماضي القريب. فقد كان زمن التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية هو تيار جارف للتخريب المادي والمعنوي، وإرهاب شامل ومنظم، وعنف سياسي وطائفي. وبالتالي ليس خروجها الحالي إلى السطح سوى الصيغة "الطبيعية" في ظروف الانتقال من حالة إلى أخرى. وفيما لو تأملنا تجارب الأمم في تاريخها المشابه لحالة العراق، واقصد بذلك حالات الانعطافات الكبرى الحادة، فانه عادة ما ترافقها أهوال الحروب الدامية، ولعل أكثرها انتشارا هي الحروب الأهلية والقومية والعرقية والدينية وما شابه ذلك. ويقف العراق أمام كل هذه الاحتمالات، وذلك لأنه لم يحسم حتى الآن بطريقة واضحة المعالم مرحلة الانتقال بصورة هائية وقاطعة. بمعنى أن التحول العاصف الكبير لم تتم معالمه، ولم تكتمل آليته. فالقوى الاجتماعية والسياسية في العراق لم تتعود على فكرة ومبدأ تداول السلطة السلمي. بل ان العراق لم يعرف بصورة عملية هذا المبدأ. من هنا اشتداد العنف. فقوى الماضي لا ترمي السلاح بسرعة، والجديدة غير مهيأة بما فيه الكفاية. وهي مأساة العراق الحديث، بحيث أصبح الاحتراب غير العقلاني والدموي هو الأسلوب "السياسي" الوحيد لوجود القوى المصارعة. وهو نكوص إلى الوراء أو استعادة حية لتقاليد الهمجية والبنية التقليدية لما قبل الدولة العصرية. وعلى خلفية هذا الزمن المرير ظهرت للمرة الأولى إمكانية أو احتمال بناء الدولة الشرعية.فقد كان عراق المرحلة الأخيرة من الصدامية عراق بائسا متخلفا همجيا. لقد كان اقرب إلى قرية بائسة كبيرة! لهذا لم يكن بإمكان سن الدستور وإجراء الانتخابات أن تتجرد من ثقل هذه الحالة المزرية، لكنها كانت تتمتع بقدر كبير من المستقبل. وذلك لأنها المرة الأولى التي جرت فيها محالة سن دستور بصورة علنية واجتماعية وسياسية. والشيء نفسه يمكن قوله عن الانتخابات. أما النتيجة فهي على قدر ما في المقدمات! وهي الحالة التي كان يمكن رؤية ملامحها في كمية ونوعية الاستفتاء عليه الانتخابات اللاحقة. إلا أنها تعكس مع ذلك حالة العراق الفعلية. وهي حالة كانت تتسم (ولا تزال في اغلب مكوناتها) بالبؤس والتخلف المريع في كل ميادين الحياة. لكنها تبقى مع ذلك جزءا من تجربة الفكرة الشرعية. وهي تجربة مريرة وتتصف بقدر كبير من الضعف المادي والمعنوي. وضمن هذا السياق والتقييم يمكن استعمال عبارة إن "ما حدث هو منعطف تاريخي". بمعنى انه منعطف تاريخي من حيث كونه يحتوي للمرة الأولى في تاريخ العراق الحديث على تنوع الاحتمالات والبدائل، أي انه منعطف تاريخي هائل بالنسبة للاحتمالات والبدائل. فقد كان المستقبل فيما مضى واضحا وجليا ولا حياد فيه! أما انحدار نحو الهاوية أو موت بطيء. أما الآن فان المجهول يعادل البحث عن بدائل.تم توصيف المشكلة العراقية الراهنة بأنها صراع سياسي. ماذا يعني ذلك؟ وهل يمكن من وجهة نظرك أن تتوصل الجماعات العراقية إلى مستويات مقبولة؟ إن الصراع الحالي في العراق هو صراع من اجل السلطة. وبالتالي فانه صراع سياسي. لكنه صراع سياسي غير عقلاني، وذلك لان المتحكم فيه ليس فكرة الدولة، بل نفسية السلطة. وهي مضلة أو إن شئت الدقة العاهة الكبرى للأحزاب السياسية في العراق. وهي عاهة لم تكن معزولة عن صعود تقاليد ونفسية وذهنية الراديكالية السياسية على مستوى الايدولوجيا والعمل. من هنا خضوع فكرة السياسة لفكرة الحزب. وهو الأمر الذي يعطي لنا إمكانية القول، بان الصراع السياسي في العراق هو صراع حزبي. وهو احد الأسباب الكامنة وراء نفسية وذهنية المؤامرة والمغامرة وحب الجاه والشعور الرقيق أمام استرقاق السلطة! وهي حالة جعل منها الزمن الدكتاتوري "منظومة" متحكمة في سلوك اغلب الأحزاب. وليس مصادفة أن يكون اغلبها ضعيفا ضعفا ذاتيا، بحيث يكون سلوكه العملي الشامل متناقضا تناقضا شاملا مع معتقداته وشعاراته المعلنة! ولعل الموقف من التعامل مع قوى الاحتلال هو نموذج "كلاسيكي" بهذا الصدد. وهي "الضريبة" التي تدفع القوى السياسية وسوف يدفع العراق لفترة طويلة ثمنها الباهظ ما لم يجر ارتقاء الأحزاب السياسية إلى مصاف القوى الاجتماعي السياسية الوطنية. بمعنى أن الحالة ستبقى هكذا ما لم يتحول العراق والمصلحة الوطنية العامة إلى العروة الوثقى لها في تعاملها مع النفس والآخرين. وذلك لان حقيقة السياسة الاجتماعية تفترض سيادة فكرة الوطنية والمواطنة. وهو الاحتمال الضروري الوحيد بالنسبة للقوى السياسية والاجتماعية. وما عدا ذلك، فان النتيجة هي الاندثار المكلل بالخزي والعار. وأمام أعيننا نهاية الزمرة الصدامية!!ما تصوراتك السياسية بشأن قانون النفط والغاز الجديد الذي طرحته الحكومة على مجلس النواب العراقي؟ من الناحية المجردة يمكن تأييد فكرة سن القوانين تجاه كل شيء في العراق. فهو الفراغ الهائل في تاريخه الحديث. والعراق بحاجة إلى بناء قانوني حقوقي جديد. وهي العملية الأكثر تعقيدا وصعوبة في ظل الخراب المادي والمعنوي والثقافي الفظيع. إلا إننا هنا نقف أمام نفس الحالة التعيسة التي ميزت الصراع من اجل الدستور. بمعنى أن الحافز ليس فكرة الحق والحقوق، بل المصالح المادية الجزئية. إن قانون النفط قد يكون ضروريا، مع أن من الممكن الاكتفاء بلوائح فنية تعود للوزارة مازال النفط ملك الدولة. والتحكم والرقابة من خلال السلطة التنفيذية والبرلمان. وهو الحد الكافي والضروري في ظروف العراق الحالية. إلا إننا هنا نقف أيضا أمام نفسية وذهنية الاستحواذ والغنيمة المميزة للنزعة العرقية الكردية. بمعنى صعود النزعة العميقة للمطابقة بين المصالح الجزئية والقانون العام. وهو أمر جلي على خلفية انعدام أو ضعف عشرات بل مئات القوانين الضرورية الملحة بالنسبة لبناء الدولة الشرعية والاقتصاد الديناميكي والمجتمع المدني والثقافة وحقوق المواطن والتعليم والعلم والأطفال والنساء والعجزة والصحة والطب وكثير غيرها. أما بروز واندفاع "قانون النفط" إلى الأمام في هذه الظروف التي لم تحسم فيها آلية فعل الدولة ومؤسساتها والمجتمع وقواه السياسية والاجتماعية والاحتلال والأمن وكثير غيرها، فهو دليل على فقدان أو ضعف رؤية الأولويات. وهي الصفة الملازمة لضعف أو فقدان ذهنية الحقوق والقانون. مما يعطي لي إمكانية القول، بان القوى السياسية القائمة وراءه لا تتمتع بمصداقية في ميدان الرؤية الحقوقية والدولة الشرعية. والسبب بسيط، كما كان الحال في مجرى العقود السابقة، ألا وهي سيادة الحزب والحزبية في التعامل مع الإشكاليات والقضايا الوطنية الكبرى.اعتماد الشكل الفيدرالي للدولة العراقية يتطلب مركزاً قوياً قادراً على إدارة الدولة الاتحادية ضمن ضوابط دستورية ومؤسساتية. هل العراق الراهن قابل للتشكيل الفيدرالي؟ وجهة نظري، إن العراق ليس بحاجة إلى فكرة الفيدرالية. وهي فكرة خاطئة وليست ذات معنى بالنسبة للعراق. إن العراق بحاجة إلى استعادة قوية للمركز ومستوى من الشرعية يوازيه. وهي العملية التي ينبغي أن تستعيد فكرة وأسلوب المحافظات واستقلالها النسبي، بمعنى بناء وحدة معقولة ومقبولة للمركزية واللامركزية، مع التلبية الكاملة للحقوق القومية الثقافية للأقليات جميعا على أساس فكرة المواطنة الدستورية. أما الصيغة الحالية فهي مسخ للفيدرالية والكونفدرالية العرقية(!) مع ما فيها من تجزئة داخلية دفينة. وهنا أيضا تقدم الحركة القومية الكردية نموذجا سيئا للغاية بالنسبة لفكرة المركزية واللامركزية. وهو أمر "طبيعي" بسبب ما ادعوه بالضعف التاريخي الذاتي للحركات القومية الكردية. إذ ليست "الفيدرالية" الكردية سوى تأطير "قانوني" للنزعة الانفصالية والتجزئة. إنها الصيغة المغلفة لتقاليد الدكتاتوريات الصغيرة والإقطاعيات القبلية. وهي نماذج صغيرة سوف تستعيد مع مرور الزمن كل سيئات الصدامية، ولكن بفرق واحد، وهي شحة إمكانياتها الذاتية. وهو الأمر الذي سيجعل منها مع مرور الزمن عقبة أمام فكرة بناء الدولة الشرعية في العراق. وليس مصادفة أن يكون سلوكها في مجرى السنوات الأربع يتسم بقدر كبير من "الذكاء" في تفتيت كل محاولة لاستعادة هيبة الدولة المركزية، واستغلال كل حالة ضعف فيها من اجل تقديم مطالب وليس حلولا وطنية عامة. وهي ظاهرة سوف تستغرق وقتا من الزمن لكي تسير ضمن طاقتها الفعلية. والشيء نفسه يمكن قوله عما يسمى بفيدرالية الجنوب والوسط. فهي تجزئة لا معنى لها ولا ضرورة. إن العراق الآن وفي مجرى العقدين القادمين بحاجة إلى فكرة المركزية، والفكرة الوطنية العامة. وحالما تتحول المركزية الشرعية والوطنية العراقية إلى مكون جوهري في الوعي السياسي والاجتماعي، آنذاك يمكن إيجاد الصيغة الواقعية والضرورية لتوسيع حدود وقواعد اللامركزية بالشكل الذي يخدم ديناميكية التطور العام والحرية الفردية والاجتماعية وفكرة المواطنة وحقوق المواطن.العنف الطائفي والإرهاب الحاضر في العراق هل هو نتاج خلل ما في تكوين الدولة ما بعد سقوط النظام السابق أم هو صراع بين مشروعين متباينين المشروع الأصولي الإسلامي والمشروع الأمريكي؟ إن الظاهرة الإرهابية في العراق تحتوي في أعماقها على جذور سياسية واجتماعية واقتصادية وطائفية. إنها الوجه الآخر لبقايا الصدامية. لكنها اتخذت في مظهرها طابع الصراع الدموي بين ما تدعوه بالمشروع الأصولي والأمريكي. طبعا ان من الصعب الحديث عن مشروع أصولي. وذلك لان الأصولية المتطرفة في العراق (من أصول إسلامية أو عربية أو عراقية بحتة) تفتقد لفكرة المشروع. وهو السبب القائم وراء احترافها للإرهاب. أما المشروع الأمريكي في العراق، فانه ليس محكوما أو محددا بالصراع مع "الإرهاب الأصولي". فالأخير هو حلقة في سلسلة المشروع الكوني الأمريكي ومصالحه الجيوسياسية والاقتصادية والعسكرية. وهو مشروع "أصولي" أيضا، على الأقل في صيغته المتداولة بمعايير ومفاهيم المحافظين الجدد. من هنا انسداده وفشله في العراق. وليس ازدياد واستفحال العنف الطائفي والإرهاب سوى احد مظاهر هذا الفشل. والسبب يكمن في أن المشروع الأمريكي والأصولي لا علاقة جوهرية له بمصالح العراق الجوهرية. من هنا مواجهتهما العنيفة شأن ثيران الحلبة! أما الصراع الفعلي والقوى المحركة للعنف الطائفي والإرهاب فهو النتيجة الملازمة لمرحلة الانتقال العنيفة في العراق وضعف قواه الوطنية والاجتماعية العقلانية. وهي نتاج مرحلة الدكتاتورية. وما بعد سقوطها هو استمرار لها من حيث أن القوى السياسية جميعا هي نتاج التخريب الدائم لفكرة المعارضة الشرعية والثقافة السياسية. مما جعل منها فريسة القوى الأجنبية. إن "وطنية" السلطة الصدامية وقواها التابعة محكومة بالسلطة والعنف والاستحواذ ومصادرة العراق، والقوى "الديمقراطية" المغلوب على أمرها محكومة بخضوعها المباشر وغير المباشر لقوى الاحتلال. مما جعل منها قوة مسلوبة الإرادة ومقيدة وعاجزة في حالات كثيرة عن أن تسلك السلوك الواقعي والعقلاني. وبالتالي، فان كلا منهما يكمل الآخر في الإبقاء على جذوة الاحتراب. وهي عملية تحتاج إلى وقت من اجل استنفاد قوى الماضي لرصيدها المادي الهائل الذي جرى سرقته على امتداد عقود. لكنه غير قادر على تعويض رصيدها المعنوي الشحيح. من هنا عنفها الدموي الهائل. وهو تقليد وتقاليد وجودها. بعبارة أخرى، إن الجذر التاريخي والسياسي الرئيس للعنف والإرهاب الحالي يكمن في بقاء وفاعلية الزمن التوتاليتاري والدكتاتوري والقوى المرتبطة به. وعنفها الحالي هو نتاج موتها العنيف. إلا أن ذلك لا يقلل من مسؤولية القوى الحاكمة الحالية. وذلك لان مسؤولية ما يجري بعد إسقاط الدكتاتورية تتحمله السلطة الحالية وقواها السياسية.انحسار نفوذ التيارات الليبرالية والعلمانية في العراق؟ يوصف دائماً بأنه ضحية السياسية الأميركية في العراق باعتقادكم ألا يشكل ذلك عائقاً أمام تطور نظام سياسي ديمقراطي تعددي حقيقي؟ إن انحسار أو صعود التيارات السياسية والفكرية هو نتاج لطبيعة المسار التاريخي والسياسي للدول والأمم. والعوامل الخارجية تفعل فعلها لكنها ليست حاسمة. وتاريخ الأفكار والقيم في العراق اعرق مما في الولايات المتحدة بآلاف السنين. كما أن تاريخ العراق الحديث لم يكن شديد التأثر بالسياسة الأمريكية. ونشوء مختلف الأفكار والإيديولوجيات منذ عشرينيات القرن العشرين وحتى الآن قد جرى بتأثير مختلف البلدان والثقافات، لكنه لم يتأثر بتراث أو سياسة الولايات المتحدة بشكل كبير. وقد يكون احتلال العراق في بداية القرن الحادي والعشرين هو التجربة المرة والمريرة للولايات المتحدة في المنطقة بشكل عام، التي شكل العراق ميدانها التجريبي. إضافة لذلك، أن تاريخ الأفكار والإيديولوجيات السياسية في العراق الحديث كان يغلب عليها الطابع الدنيوي (العلماني). ولم يكن للإيديولوجية الدينية وزنا يذكر. غير أن الأمر يخلف بالنسبة للفكرة الليبرالية. وعندما نتأمل تاريخ العراق الحديث بل والعالم العربي ككل، فإننا نلحظ ضعف أو شبه غياب الفكرة الليبرالية. وهي ظاهرة ليس للولايات المتحدة دخل فيها لا عن قرب ولا عن بعد. إن الأسباب الجوهرية بالنسبة لحالة الهزيمة المريعة للتيار الدنيوي (العلماني) وعدم نضوج الفكرة الليبرالية يرتبط أساسا بصعود التيارات الراديكالية السياسية الحزبية والفكرة الثورية بشقيها القومي والاشتراكي (الشيوعي). وفشلهما في تجسيد الشعارات المرفوعة. وهي ظاهرة معقدة لكنها تاريخية أيضا. والسبب يقوم في أن تاريخ الأمم والأفكار الحديثة يفترض أسبقية الإصلاح الديني ومن خلاله تراكم المفاهيم والقيم الدنيوية. بينما الذي جرى عندنا بالعكس. من هنا استرجاع "المرحلة المفقودة" في نمو المجتمعات، أي أهمية وقيمة وفاعلية الفكرة الدينية. وهي ظاهرة صحية بالمعنى التاريخي السياسي والثقافي. لكنها عملية لن تطول أمام الاسترجاع الجديد للفكرة الدنيوية والليبرالية، بعد أن تتخذ صيغة الفكرة الواقعية، أي المبنية على أسس اجتماعية عريضة وليست هامشية المدن والأرياف. فالإيديولوجية الدينية غير قادر على مواجهة إشكاليات المعاصرة، لكنها قادرة على تفعيل الطاقة الاجتماعية. وهي الوظيفة التاريخية التي يمكنها أن تسهم لاحقا في رفع الوعي الجمعي إلى مصاف الرؤية الاجتماعية السياسية. بمعنى صعود الفكرة الدنيوية من خلال إدراك محدودية الإيديولوجية الدينية. وهي عملية تتوقف سرعتها على عوامل كثيرة لكنها حتمية! جاءت العملية الدستورية فرصة لبناء دولة جديدة تقوم على أسس مؤسساتية وقانونية. وقد كان العقد الاجتماعي الجديد بين المكونات السياسية العراقية ثورة حقيقة لإعادة توزيع السلطة/ الثروة. باعتقادكم هل يمثل الدستور العراقي الجديد تأسيساً للديمقراطية؟ إن سن الدستور ليس معيارا للديمقراطية. بل أن اشد الدساتير "ديمقراطية" في موادها ليس معيارا للديمقراطية. وذلك لان الديمقراطية هي منظومة سياسية اجتماعية اقتصادية ثقافية متكاملة. بعبارة أخرى، انها صيرورة تاريخية معقدة يشكل الدستور الحقوقي وليس السياسي احد أهم شروطها. أما بالنسبة للعراق، فان قضية الدستور هي مرآة تاريخه السياسي الحديث. إننا نقف أمام سلسلة من الدساتير الثابتة والمؤقتة. وهو بحد ذاته مؤشر على خراب فكرة الدستور بوصفه القانون الأعلى الحاكم للدولة والسلطة والمجتمع. إن كثرة الدساتير هو دليل على انعدام حقيقة الدستور، كما أن كثرة المؤقت بينها هو دليل على عدم قيمة القانون وفكرة الحق. ولا يشذ تاريخ الدستور الأخير عن هذه الحالة. بمعنى انه يسير في الواقع ضمن نفس السياق السابق. ولا يغير من حقيقة ذلك انه يحمل عنوان "الدستور الثابت". وهو أمر جلي في طبيعة الصراع السياسي السابق على الاستفتاء عليه ومواده. فقد تحول سن الدستور إلى معركة سياسية محكومة بنفسية وذهنية المصالح الجزئية وليس بفكرة ومعايير الحق العام. وليس مصادفة أن تكون القوى القومية الكردية هي أكثر من "افلح" في هذا المجال. وهو احد الأسباب الجوهرية لخرابه وعدم نضجه. فالدستور لا ينبغي أن يكتب بمساهمة الأقليات، بل بمعايير الرؤية الوطنية والحقوقية. لهذا أصبح الدستور خليطا غير متجانس من المواد الحقوقية والطالب السياسية والقيم الإيديولوجية. انه يحتوي على أفكار ومواد قيمة وممتازة وفي الوقت نفسه تفوح منه رائحة العرقية والنزعة الانفصالية واقتناص الغنيمة ومختلف الأشكال المبطنة للطائفية السياسية والمذهبية. بمعنى انه كان نتاج مساومة سياسية سريعة ومحكومة بقوة الاحتلال وضغوط نفسية الغنيمة والتجزئة. وهي حالة لا يمكنها أن تؤسس للشرعية والمؤسساتية في إدارة شؤون الدولة. أما "العقد الاجتماعي" فلا وجود له! إن العقد الاجتماعي ليس "محاصصة" سياسية. والشرعية المؤسساتية والعقد الاجتماعي السليم يفترضان توزيع الثروة والسلطة بصورة عادلة. والواقع ليس كذلك. بعبارة أخرى، إن الطريقة التي جرى فيها ومن خلالها سن الدستور والاستفتاء عليه لم تستجب لمتطلبات تأسيس وإرساء النظام الديمقراطي الاجتماعي. إن تأسيس الديمقراطية الاجتماعية والحقوقية في العراق هي مهمة المستقبل، وبالتالي قوى المستقبل. وما جرى لم يكن من إبداع قوى المستقبل. القوى السياسية والدينية بالغت في تدخل الدين في الدستور العراقي الدائم 2005. أين يقف الدين وتبدأ الدولة السياسية؟ إن إحدى الإشكاليات الكبرى القائمة أمام العراق وانتقاله من الدكتاتورية إلى الديمقراطية، تقوم في كيفية إيجاد الصيغة المناسبة لعلاقة الدين بالدنيا، أو الديني بالدنيوي (العلماني). فالديمقراطية هي أولا وقبل كل شيء نظام دنيوي. وفكرة الحق فيه هي فكرة وضعية. ولا يمكنها أن تكون بشكل أو طريقة أخرى. بمعنى ان الديمقراطية تتعارض تعارضا تاما مع النزعة التوتاليتارية الدنيوية والدينية على السواء. طبعا ان ذلك لا يتعارض مع إمكانية ظهور وتبلور أحزاب إسلامية ديمقراطية. وهي إمكانية لها طابعها الاحتمالي حالما يجري تحرير السياسي من المقدس، وتحويل الرؤية الإسلامية إلى رصيد فكري ومعنوي في مواجهة إشكاليات المعاصرة وحلها بالطريقة التي تخدم تطوير الدولة والمجتمع والثقافة بصورة حرة. وهي إشكالية بحد ذاتها لكنها تتمتع بقدر من الاحتمال الواقعي أيضا. وقد يكون الإجماع شبه الخفي عن عدم القبول بفكرة "ولاية الفقيه" الشيعية و"الخلافة" السنية هي مؤشر أولي. لكن تطويرها صوب تأسيس الأبعاد الاجتماعية للرؤية السياسية المحكومة بفكرة الحق الشرعية والحرية هو جزء من صراع اجتماعي وسياسي كبير. ولا يمكن تحقيق ذلك في ظرف العراق الحالية والمستقبلية دون تأسيس الفكرة القومية العربية وإعادة إنتاجها ودمجها العقلاني في بنية الدولة العراقية. حينذاك فقط يمكن لفكرة الدولة العراقية أن تتخذ مداها الفعلي ويعود الدين إلى موقعه بوصفه جزءا من التراث الثقافي والروحي القادر على المساهمة الايجابية في إرساء أسس الدولة الشرعية والديمقراطية.المادة (140) من الدستور العراقي الجديد ظهرت بشكل إنشائي قابل للتأويلات المتعددة وهي تعالج مسألة معقدة قومية وسياسية وإنسانية. ما هو الحل لمشكلة كركوك؟ إن احد الأسباب التي تجعل من الدستور العراقي الأخير فاشلا فشلا مذهلا هو وجود ما يسمى بالمادة 140. فهي مطلب سياسي لأحزاب قومية صغيرة! والقبول بها باعتبارها مادة "دستورية" هو عين الاستهزاء بفكرة الدستور. ليس هذا فحسب، بل وجرى نقلها من "قانون إدارة الدولة المؤقت"، أي من لوائح حالة الاحتلال الأجنبي إلى "الدستور الدائم"، وجعلها مادة "مؤقتة" حسب مزاج الأحزاب القومية الكردية!! لهذا السبب أشرت إلى انه لا ينبغي إدخال الأقليات (لقومية والعرقية والدينية وأمثالها) أو إشراكها في سن الدستور العراقي. وذلك لان الأقلية هي بقايا لم تكتمل. وعادة ما تفرز نفسية وذهنية التقوقع والانعزال. والدستور فكرة عامة. إن الأقلية (بوصفها أقلية، أي عندما تمثل نفسها بمفاهيم الأقلية) يمكنها المشاركة، بوصفه حقا من حقوقها، في كل ما يخصها (القوانين الجزئية). أما القضايا العامة فإنها بحاجة إلى رؤية وطنية عامة، بمعنى مجردة عن نفسية وذهنية الأقلية والانعزال أيا كان منبعها ونموذجها. بمعنى أن الأحزاب القومية الكردية يمكنها المساهمة في كل ما له علاقة بالأكراد ومنطقة الحكم الذاتي من وجهة نظر "المصالح الكردية"، لكنها ينبغي أن تسلك سلوك الأحزاب العراقية فيما يخص العراق عموما. وهي حالة يصعب توقعها الآن بفعل أسباب كثيرة. وعموما هي مواقف مرتبطة بمستوى الاندماج السياسي والثقافي والوطني. وهو احتمال متأرجح. وهي الحالة التي يمكن رؤيتها على مثال ما يسمى بقضية كركوك.إن كركوك مدينة عراقية بعيش فيها مختلف مواطني الدولة العراقية. ومن الناحية التاريخية والثقافية هي مدينة عراقية خالصة لا علاقة للأكراد بها إلا من حيث الانتقال إليها من مناطق الجبل إلى السهول والمدن في غضون القرن العشرين بشكل عام وتأسيس الدولة العراقية الحديثة بشكل خاص. وفيما لو صحت لنا إمكانية استعمال الصيغة القومية الضيقة عليها، لأمكننا القول، بأنها مدينة تركمانية خالصة من وجهة نظر التاريخ الدولتي والسياسي والقومي والثقافي. وان تاريخ كركوك يخلو تماما من أي اثر وقيمة مادية أو معنوية للأكراد. طبعا أن هذا ينطبق أيضا على مدن أربيل ودهوك وغيرها. غير أن النزعة العرقية الضيقة للحركات والأحزاب القومية الكردية مازالت تختمر بطريقة تفقدها في حالات كثيرة الرؤية الواقعية والعقلانية. كما أنها شبه خالية من أبعاد الرؤية الوطنية العراقية. وان حالة كركوك "المعقدة" هي نتاج للعقدة الكردية المحكومة في الفترة الأخيرة بنفسية الغنيمة. وهي نفسية مخربة!إن الحل الواقعي والضروري لقضية كركوك يقوم في :1 - الإبقاء عليها بصفتها مدينة عراقية عامة جامعة، ويعني إخلاءها من فكرة "القومية". 2 - الاستمرار بحالتها انطلاقا من صيغتها الأولية في الدولة العراقية وتطورها اللاحق بوصفها محافظة عراقية. 3 - إلغاء المادة 140 من الدستور. 4 - إلغاء فكرة الاستفتاء، انطلاقا من انه ليس في العراق "ارض قومية". 5 - حل كل المشاكل المتراكمة فيها بوصفها جزءا من مشاكل اجتماعية واقتصادية وثقافية ضمن معايير المواطنة والقانون. وعموما يمكنني القول، بان "قضية كركوك" هي جزء من أزمة الحركات القومية الكردية. وهي ليست الأخيرة. والأفضل بالنسبة للعراق، عندما نستقري تاريخه السياسي الحديث، هو القيام باستفتاء عربي حول فصل العراق عن الأكراد. وفي حال تأييد الأغلبية، عندها يمكن طرح مهمة الفصل استنادا إلى وحدة العراق الجغرافية منذ تأسيس الدولة الحديثة عام 1921. إن العراق ليس بحاجة إلى "قضية كردية" أو أية قضية قومية صغيرة. على العكس انه بحاجة ماسة لإعادة بنائه الذاتي الوطني والقومي. فهو الأسلوب الفعلي لإعادة بناء هويته الوطنية الممزقة حاليا ومن ثم الانطلاق بخطوات كبيرة وسريعة. وكل ما فيه يؤهله للقيام بذلك. الولايات المتحدة الأمريكية تعاني من مشكلات حقيقية في العراق بصرف النظر عن الشعارات. ما أهداف أميركا في العراق هل هي السيطرة على النفط؟ أم إعادة تشكيل المنطقة من جديد؟ ليس هناك من أهمية جوهرية بالنسبة للتخمين أو التحليل أو التكهن بصدد الأهداف الأمريكية في العراق. والشيء نفسه يمكن قوله عن الشعارات المعلنة. إن الشيء الجوهري في السياسة الأمريكية تجاه العراق يقوم في خدمة مصالحها الإستراتيجية. وهي مصالح تلتقي وتتعارض مع مصالح الدول الأخرى، بما في ذلك العراق. والمهمة تقوم في إيجاد الصيغة المثلى لتحسن وتطوير العلاقات العراقية – الأمريكية. بل يمكنني القول، بان من الضروري بالنسبة للعراق والعالم العربي عموما البحث عن صيغة متوازنة ومعقولة لعلاقة إستراتيجية بالولايات المتحدة. وهي علاقة يمكن وضع أسسها من خلال التحليل العلمي الدقيق لتاريخها المتعرج في مجرى القرن العشرين وحتى احتلال العراق.وهو الهدف الأكثر أهمية بالنسبة للعراق، بسبب تعرضه للاحتلال الأمريكي. وهو احتلال يكشف عن طبيعة الخلل في الدولة العراقية من جهة، والخلل بينه وبين الولايات المتحدة. باختصار، إن كل ما جرى ويجري مؤشر ودليل على وجود خلل بنيوي. بما في ذلك تجاه المشروع الأمريكي في العراق. وهو مشروع فاشل بالمعنى التاريخي والقومي والسياسي. والفشل ليس نتاجا لنية سيئة أو سوء فهم وتقدير أو عدم دراية وجهل وغيرها، بقدر ما انه الخاتمة الطبيعية لكل مشروع خارجي. بمعنى أنه محكوم أولا وقبل كل شيء بالحقيقة القائلة، بان مشاريع البدائل الكبرى تفترض المعاناة الذاتية من اجلها. وأنها مشاريع وطنية أولا وقبل كل شيء من حيث القوى والرؤية والأساليب والإمكانيات والغاية. إضافة لذلك، أن البدائل المستقبلية الكبرى ينبغي استمدادها من المستقبل. وهو أفق لا علاقة للقوى الأجنبية به إلا بالقدر الذي يستجيب لمصالحها الآنية والبعيدة المدى. والمشروع الأمريكي محكوم بالتاريخ الأمريكي ومصالحه ومرجعياته. والشيء نفسه عن المشروع العراقي. وفشل المشروع الأمريكي في العراق هو النتاج الطبيعي لهذا الاختلاف والتباين. كما انه يبرهن على جملة حقائق كبرى لعل أهمها بهذا الصدد هي، إن المشاريع الأجنبية هي مؤشر على خراب ذاتي، ودليل على اختلال في توازن القوى. وبالتالي لا يمكن الاعتماد عليها. وبالتالي، لا يمكن تفصيل المنطقة حسب الذوق الأمريكي. والمنطقة العربية لا يمكنها الآن الخضوع، كما كان الحال في بداية القرن العشرين، لأية قوة أجنبية. على العكس. إن تطوره اللاحق يجعل منه بالضرورة قوة قائمة بذاتها. وتجربة العراق الحالية، رغم كل ضعفه الشديد وتمزقه الداخلي ونتائج الحروب المدمرة وزمن الدكتاتورية الرهيب، يبرن على أن العراق ليس هوليوود. وبالتالي لا يمكن تمثيل السيناريو الأمريكي فيه بطريقة مثيرة للإعجاب ومختومة بنهاية سعيدة! *** *** ***
يوسف محسن
كيف تنظر إلى انهيار النظام السياسي السابق في 9/ 4؟.. ألم يكن تتويجاً للسياسات اللاعقلانية وبرهانا على إفلاس نمط الدولة الوطنية العراقية ما بعد الاستقلال؟ لقد كان انهيار النظام التوتاليتاري الدكتاتوري نتيجة حتمية. وهي نتيجة ملازمة لهذا النمط من التحكم السياسي البوليسي في مختلف بلدان العالم. وإذا كان له ما يبرره في بعض مراحل التاريخ الحديث، فلانه نتاج مرحلة عاصفة في الأزمات القومية والدولتية تجعل من صعوده "حلا معقولا". أما في العراق فانه كان نتاج سيادة النفسية الراديكالية. ومن ثم لم يكن محاولة للرد على "تحديات" كبرى كما جرى في روسيا وألمانيا وايطاليا وغيرها. من هنا قوته التخريبية الهائلة.لقد كان صعود الراديكالية السياسية في العراق نتاجا لخلل الدولة ومؤسساتها في العهد الملكي. وأعطى له انقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958 بعدا "ثوريا"، جعل من المغامرة الصيغة المثلى للشرعية! والنتيجة هي سيادة كل ما يتعارض مع فكرة الشرعية. وحصلت العملية على صيغتها النموذجية في العقدين الأخيرين للدكتاتورية الصدامية.وما قبلها كان تمهيدا لها. بمعنى أنها ليست نتاج ذاتها، بقدر ما انه تعكس خواء التجربة السياسية العرقي الحديثة وأحزابها السياسية قاطبة. من هنا عمق ومنظومية العداء الدفين بينها، وليس منظومة المنافسة السياسية. وهو الأمر الذي جعل من القضاء على المعارضة مضمونا للسلطة والدولة والحزب والايدولوجيا! وبلغت هذه الظاهرة مرحلتها القصوى والقاسية في ظل الدكتاتورية الصدامية، بحيث فرغت المجتمع من قواه السياسية، والجسد العراقي من روحه وأبقت على الطحالب والمستنقعات بوصفها الوسط الوحيد للحياة! مما جعل من انغلاق الدولة والسلطة أمرا محتوما. وافقد الدولة مع مرور الزمن مبرر وجودها، بينما أعطى للسلطة طابعا مقدسا! والنتيجة هو افقارها وضعفها الاجتماعي الدائم و"غناها وقوتها المفرطة" في القمع والإرهاب، بوصفه تعويضا عن انغلاقها الذاتي. مما أدى في نهاية المطاف إلى انغلاق الأفق والانحسار التام للدولة والنظام السياسي والإدارة، وبالتالي الرجوع إلى ما قبل الدولة – عصابة وحكم العائلة. من هنا فان ما حدث لم يكن إفلاسا للدولة الوطنية بقدر ما انه إفلاس نمط من الزمن السياسي أدى إلى عدم بناء الدولة الوطنية بوصفها تاريخا متراكما للمؤسسات والخبرات والتجارب. إذ لم يكن في العراق دولة بالمعنى الدقيق للكلمة، بل جغرافيا محكومة بسلطة القوة. وهي حالة وضع انقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958 بدايتها. بمعنى استبدال تاريخ الدولة بزمن السلطة، ورجل الدولة بأزلام السلطة، والقانون بالقرارات الحزبية. وجعل من المغامرة أسلوب التعامل مع كل شيء بما في ذلك الدولة. لقد جرى استصغار واستسهال فكرة الدولة من خلال إرجاعها إلى نفسية السلطة المجردة عن كل شيء باستثناء إيديولوجيا الزيف والعنف. مما أدى تدريجيا إلى غياب فكرة القانون والشرعية والثبات وتراكم الخبرة ولتقاليد والاحتراف. والنتيجة هي تراكم ما يناقضه من القمع والإرهاب وعدم الاستقرار والمحسوبية والوساطة والعلاقات الشخصية والعائلية والقبلية والعشائرية والجهوية والطائفية، باختصار كل أصناف وأنواع البنية التقليدية. وهو سر انهيارها السريع والمريع.العراق مخزن ضخم للاثنيات والطوائف والقوميات والأديان. هل تعيق هذه الوضعية إمكانية تشكيل دولة مدنية حديثة؟ وما هي أفاق حل هذه المشكلة؟ إن هذه الفكرة ليست دقيقة. بل أنها ليس دقيقة تماما. وهي فكرة واسعة الانتشار في الفترة الأخيرة بما في ذلك ما يسمى بفسيفساء المكونات العراقية وما شابه ذلك. نعم! يمكننا استعمال هذه الكلمات بمعناها البلاغي والتصويري وليس بمعناها العلمي والواقعي الدقيق. أولا لان العراق من الناحية التاريخية والثقافية ليس تجمع أعراق وأقليات وطوائف وقوميات. ومن الناحية الكمية هو بلد موحد القومية، أي يعتبر بالمقاييس الدولية دولة ذات قومية واحدة، انطلاقا من أن كل دولة تبلغ فيها نسبة القومية السائدة 80% تعتبر دولة قومية واحدة. ونسبة العرب إن لم تتجاوز هذه النسبة فإنها لا تقل عنها. وإذا أضفنا إلى كل ذلك تاريخ العراق الكوني ودور العربية – الإسلامية بوصفها جوهر الكينونة التاريخية الثقافية للعراق يتضح حجم التضخيم الكبير لفكرة الأثر السلبي للتعددية العرقية والقومية والدينية والطائفية.إن العراق يتمتع بتاريخ عريق. والعراقة تحتوي بالضرورة على تجارب مختلف الأقوام والطوائف والأعراق والأديان، وبالتالي على صدى وبقايا تجاربها المتنوعة. وهي مكونات ايجابية كبرى بالنسبة لتوسيع المدى الثقافي والروحي للعراق في حال انسجامها ضمن بنية الدولة وثقافتها السياسية. لاسيما وان تاريخ العراق القديم والحديث لم يكن في يوم ما محددا بالعرق أو القومية أو الدين، بل بالثقافة. وهي أحد المصادر الجوهرية والواقعية بالنسبة للبدائل. فالدولة المدنية لا تتحدد بكمية من فيها وأصولهم، بل بنموذج النظام السياسي وتفعيل التقاليد الثقافية. ومن ثم فان أفاق حل المشكلة التي تثيرها الآن ظاهرة استفحال "التعددية"، أو لا عقلانيتها تقوم في كيفية تحويل مختلف مكونات العراق إلى أجزاء فاعلة في منظومة الانسجام والازدهار المادي والمعنوي. وهي مهمة مرهونة بطبيعة النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي. صاحب سقوط النظام السابق استفحال ظاهرة العنف السياسي والطائفي والإرهاب. وتحت هذه الظروف العسيرة تم سن دستور دائم للبلاد وانتخاب برلمان وتثبيت مبدأ التداول السلمي للسلطة السياسية. باعتقادكم هل يمثل هذا الذي تحقق منعطفاً في تاريخ العراق؟ إن ما جرى ويجري من عنف وإرهاب متنوع الأشكال والمصادر هو "تفعيل" لبقايا ما ادعوه بالزمن التوتاليتاري والدكتاتوري. وهو زمن سوف يطبع لفترة طويلة نفسية وذهنية الأفراد والجماعات والمجتمع عموما، بما في ذلك نخبه الاجتماعية والسياسية. وهو أمر جلي يمكن رؤية ملامحه الخشنة حتى في صراع المثقفين وكيفية تعاملهم مع البعض الآخر ومستوى الاستعداد السريع للتخوين والتجريم والتحريم، مع أن منطق الثقافة يفترض الارتقاء إلى مصاف العقل المجرد والقلب الوجداني والمعاناة الإنسانية النبيلة. إلا أن الأمور تصبح مفهومة وقابلة للتفسير الواقعي عندما نضعها ضمن فكرة الزمن التوتاليتاري وتقاليده الراديكالية في العراق. فهو الزمن الذي دمر فكرة التاريخ بوصفه أسلوب ووريث الشرعية والحق والخبرة والكفاءة والمؤسسات والتقاليد الكبرى. وهي مكونات حالما تندثر وتلاشي، لا يبقى في الواقع سوى السراب المتراكم في ظنون الايدولوجيا وقدرتها على شحذ قيم "الأوهام المقدسة" مع ما يترتب عليه من قدرة على اقتراف اشد الجرائم بدم بارد! وما يحدث في ظروف العراق الحالية ليس إلا الاستمرار غير المباشر للماضي القريب. فقد كان زمن التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية هو تيار جارف للتخريب المادي والمعنوي، وإرهاب شامل ومنظم، وعنف سياسي وطائفي. وبالتالي ليس خروجها الحالي إلى السطح سوى الصيغة "الطبيعية" في ظروف الانتقال من حالة إلى أخرى. وفيما لو تأملنا تجارب الأمم في تاريخها المشابه لحالة العراق، واقصد بذلك حالات الانعطافات الكبرى الحادة، فانه عادة ما ترافقها أهوال الحروب الدامية، ولعل أكثرها انتشارا هي الحروب الأهلية والقومية والعرقية والدينية وما شابه ذلك. ويقف العراق أمام كل هذه الاحتمالات، وذلك لأنه لم يحسم حتى الآن بطريقة واضحة المعالم مرحلة الانتقال بصورة هائية وقاطعة. بمعنى أن التحول العاصف الكبير لم تتم معالمه، ولم تكتمل آليته. فالقوى الاجتماعية والسياسية في العراق لم تتعود على فكرة ومبدأ تداول السلطة السلمي. بل ان العراق لم يعرف بصورة عملية هذا المبدأ. من هنا اشتداد العنف. فقوى الماضي لا ترمي السلاح بسرعة، والجديدة غير مهيأة بما فيه الكفاية. وهي مأساة العراق الحديث، بحيث أصبح الاحتراب غير العقلاني والدموي هو الأسلوب "السياسي" الوحيد لوجود القوى المصارعة. وهو نكوص إلى الوراء أو استعادة حية لتقاليد الهمجية والبنية التقليدية لما قبل الدولة العصرية. وعلى خلفية هذا الزمن المرير ظهرت للمرة الأولى إمكانية أو احتمال بناء الدولة الشرعية.فقد كان عراق المرحلة الأخيرة من الصدامية عراق بائسا متخلفا همجيا. لقد كان اقرب إلى قرية بائسة كبيرة! لهذا لم يكن بإمكان سن الدستور وإجراء الانتخابات أن تتجرد من ثقل هذه الحالة المزرية، لكنها كانت تتمتع بقدر كبير من المستقبل. وذلك لأنها المرة الأولى التي جرت فيها محالة سن دستور بصورة علنية واجتماعية وسياسية. والشيء نفسه يمكن قوله عن الانتخابات. أما النتيجة فهي على قدر ما في المقدمات! وهي الحالة التي كان يمكن رؤية ملامحها في كمية ونوعية الاستفتاء عليه الانتخابات اللاحقة. إلا أنها تعكس مع ذلك حالة العراق الفعلية. وهي حالة كانت تتسم (ولا تزال في اغلب مكوناتها) بالبؤس والتخلف المريع في كل ميادين الحياة. لكنها تبقى مع ذلك جزءا من تجربة الفكرة الشرعية. وهي تجربة مريرة وتتصف بقدر كبير من الضعف المادي والمعنوي. وضمن هذا السياق والتقييم يمكن استعمال عبارة إن "ما حدث هو منعطف تاريخي". بمعنى انه منعطف تاريخي من حيث كونه يحتوي للمرة الأولى في تاريخ العراق الحديث على تنوع الاحتمالات والبدائل، أي انه منعطف تاريخي هائل بالنسبة للاحتمالات والبدائل. فقد كان المستقبل فيما مضى واضحا وجليا ولا حياد فيه! أما انحدار نحو الهاوية أو موت بطيء. أما الآن فان المجهول يعادل البحث عن بدائل.تم توصيف المشكلة العراقية الراهنة بأنها صراع سياسي. ماذا يعني ذلك؟ وهل يمكن من وجهة نظرك أن تتوصل الجماعات العراقية إلى مستويات مقبولة؟ إن الصراع الحالي في العراق هو صراع من اجل السلطة. وبالتالي فانه صراع سياسي. لكنه صراع سياسي غير عقلاني، وذلك لان المتحكم فيه ليس فكرة الدولة، بل نفسية السلطة. وهي مضلة أو إن شئت الدقة العاهة الكبرى للأحزاب السياسية في العراق. وهي عاهة لم تكن معزولة عن صعود تقاليد ونفسية وذهنية الراديكالية السياسية على مستوى الايدولوجيا والعمل. من هنا خضوع فكرة السياسة لفكرة الحزب. وهو الأمر الذي يعطي لنا إمكانية القول، بان الصراع السياسي في العراق هو صراع حزبي. وهو احد الأسباب الكامنة وراء نفسية وذهنية المؤامرة والمغامرة وحب الجاه والشعور الرقيق أمام استرقاق السلطة! وهي حالة جعل منها الزمن الدكتاتوري "منظومة" متحكمة في سلوك اغلب الأحزاب. وليس مصادفة أن يكون اغلبها ضعيفا ضعفا ذاتيا، بحيث يكون سلوكه العملي الشامل متناقضا تناقضا شاملا مع معتقداته وشعاراته المعلنة! ولعل الموقف من التعامل مع قوى الاحتلال هو نموذج "كلاسيكي" بهذا الصدد. وهي "الضريبة" التي تدفع القوى السياسية وسوف يدفع العراق لفترة طويلة ثمنها الباهظ ما لم يجر ارتقاء الأحزاب السياسية إلى مصاف القوى الاجتماعي السياسية الوطنية. بمعنى أن الحالة ستبقى هكذا ما لم يتحول العراق والمصلحة الوطنية العامة إلى العروة الوثقى لها في تعاملها مع النفس والآخرين. وذلك لان حقيقة السياسة الاجتماعية تفترض سيادة فكرة الوطنية والمواطنة. وهو الاحتمال الضروري الوحيد بالنسبة للقوى السياسية والاجتماعية. وما عدا ذلك، فان النتيجة هي الاندثار المكلل بالخزي والعار. وأمام أعيننا نهاية الزمرة الصدامية!!ما تصوراتك السياسية بشأن قانون النفط والغاز الجديد الذي طرحته الحكومة على مجلس النواب العراقي؟ من الناحية المجردة يمكن تأييد فكرة سن القوانين تجاه كل شيء في العراق. فهو الفراغ الهائل في تاريخه الحديث. والعراق بحاجة إلى بناء قانوني حقوقي جديد. وهي العملية الأكثر تعقيدا وصعوبة في ظل الخراب المادي والمعنوي والثقافي الفظيع. إلا إننا هنا نقف أمام نفس الحالة التعيسة التي ميزت الصراع من اجل الدستور. بمعنى أن الحافز ليس فكرة الحق والحقوق، بل المصالح المادية الجزئية. إن قانون النفط قد يكون ضروريا، مع أن من الممكن الاكتفاء بلوائح فنية تعود للوزارة مازال النفط ملك الدولة. والتحكم والرقابة من خلال السلطة التنفيذية والبرلمان. وهو الحد الكافي والضروري في ظروف العراق الحالية. إلا إننا هنا نقف أيضا أمام نفسية وذهنية الاستحواذ والغنيمة المميزة للنزعة العرقية الكردية. بمعنى صعود النزعة العميقة للمطابقة بين المصالح الجزئية والقانون العام. وهو أمر جلي على خلفية انعدام أو ضعف عشرات بل مئات القوانين الضرورية الملحة بالنسبة لبناء الدولة الشرعية والاقتصاد الديناميكي والمجتمع المدني والثقافة وحقوق المواطن والتعليم والعلم والأطفال والنساء والعجزة والصحة والطب وكثير غيرها. أما بروز واندفاع "قانون النفط" إلى الأمام في هذه الظروف التي لم تحسم فيها آلية فعل الدولة ومؤسساتها والمجتمع وقواه السياسية والاجتماعية والاحتلال والأمن وكثير غيرها، فهو دليل على فقدان أو ضعف رؤية الأولويات. وهي الصفة الملازمة لضعف أو فقدان ذهنية الحقوق والقانون. مما يعطي لي إمكانية القول، بان القوى السياسية القائمة وراءه لا تتمتع بمصداقية في ميدان الرؤية الحقوقية والدولة الشرعية. والسبب بسيط، كما كان الحال في مجرى العقود السابقة، ألا وهي سيادة الحزب والحزبية في التعامل مع الإشكاليات والقضايا الوطنية الكبرى.اعتماد الشكل الفيدرالي للدولة العراقية يتطلب مركزاً قوياً قادراً على إدارة الدولة الاتحادية ضمن ضوابط دستورية ومؤسساتية. هل العراق الراهن قابل للتشكيل الفيدرالي؟ وجهة نظري، إن العراق ليس بحاجة إلى فكرة الفيدرالية. وهي فكرة خاطئة وليست ذات معنى بالنسبة للعراق. إن العراق بحاجة إلى استعادة قوية للمركز ومستوى من الشرعية يوازيه. وهي العملية التي ينبغي أن تستعيد فكرة وأسلوب المحافظات واستقلالها النسبي، بمعنى بناء وحدة معقولة ومقبولة للمركزية واللامركزية، مع التلبية الكاملة للحقوق القومية الثقافية للأقليات جميعا على أساس فكرة المواطنة الدستورية. أما الصيغة الحالية فهي مسخ للفيدرالية والكونفدرالية العرقية(!) مع ما فيها من تجزئة داخلية دفينة. وهنا أيضا تقدم الحركة القومية الكردية نموذجا سيئا للغاية بالنسبة لفكرة المركزية واللامركزية. وهو أمر "طبيعي" بسبب ما ادعوه بالضعف التاريخي الذاتي للحركات القومية الكردية. إذ ليست "الفيدرالية" الكردية سوى تأطير "قانوني" للنزعة الانفصالية والتجزئة. إنها الصيغة المغلفة لتقاليد الدكتاتوريات الصغيرة والإقطاعيات القبلية. وهي نماذج صغيرة سوف تستعيد مع مرور الزمن كل سيئات الصدامية، ولكن بفرق واحد، وهي شحة إمكانياتها الذاتية. وهو الأمر الذي سيجعل منها مع مرور الزمن عقبة أمام فكرة بناء الدولة الشرعية في العراق. وليس مصادفة أن يكون سلوكها في مجرى السنوات الأربع يتسم بقدر كبير من "الذكاء" في تفتيت كل محاولة لاستعادة هيبة الدولة المركزية، واستغلال كل حالة ضعف فيها من اجل تقديم مطالب وليس حلولا وطنية عامة. وهي ظاهرة سوف تستغرق وقتا من الزمن لكي تسير ضمن طاقتها الفعلية. والشيء نفسه يمكن قوله عما يسمى بفيدرالية الجنوب والوسط. فهي تجزئة لا معنى لها ولا ضرورة. إن العراق الآن وفي مجرى العقدين القادمين بحاجة إلى فكرة المركزية، والفكرة الوطنية العامة. وحالما تتحول المركزية الشرعية والوطنية العراقية إلى مكون جوهري في الوعي السياسي والاجتماعي، آنذاك يمكن إيجاد الصيغة الواقعية والضرورية لتوسيع حدود وقواعد اللامركزية بالشكل الذي يخدم ديناميكية التطور العام والحرية الفردية والاجتماعية وفكرة المواطنة وحقوق المواطن.العنف الطائفي والإرهاب الحاضر في العراق هل هو نتاج خلل ما في تكوين الدولة ما بعد سقوط النظام السابق أم هو صراع بين مشروعين متباينين المشروع الأصولي الإسلامي والمشروع الأمريكي؟ إن الظاهرة الإرهابية في العراق تحتوي في أعماقها على جذور سياسية واجتماعية واقتصادية وطائفية. إنها الوجه الآخر لبقايا الصدامية. لكنها اتخذت في مظهرها طابع الصراع الدموي بين ما تدعوه بالمشروع الأصولي والأمريكي. طبعا ان من الصعب الحديث عن مشروع أصولي. وذلك لان الأصولية المتطرفة في العراق (من أصول إسلامية أو عربية أو عراقية بحتة) تفتقد لفكرة المشروع. وهو السبب القائم وراء احترافها للإرهاب. أما المشروع الأمريكي في العراق، فانه ليس محكوما أو محددا بالصراع مع "الإرهاب الأصولي". فالأخير هو حلقة في سلسلة المشروع الكوني الأمريكي ومصالحه الجيوسياسية والاقتصادية والعسكرية. وهو مشروع "أصولي" أيضا، على الأقل في صيغته المتداولة بمعايير ومفاهيم المحافظين الجدد. من هنا انسداده وفشله في العراق. وليس ازدياد واستفحال العنف الطائفي والإرهاب سوى احد مظاهر هذا الفشل. والسبب يكمن في أن المشروع الأمريكي والأصولي لا علاقة جوهرية له بمصالح العراق الجوهرية. من هنا مواجهتهما العنيفة شأن ثيران الحلبة! أما الصراع الفعلي والقوى المحركة للعنف الطائفي والإرهاب فهو النتيجة الملازمة لمرحلة الانتقال العنيفة في العراق وضعف قواه الوطنية والاجتماعية العقلانية. وهي نتاج مرحلة الدكتاتورية. وما بعد سقوطها هو استمرار لها من حيث أن القوى السياسية جميعا هي نتاج التخريب الدائم لفكرة المعارضة الشرعية والثقافة السياسية. مما جعل منها فريسة القوى الأجنبية. إن "وطنية" السلطة الصدامية وقواها التابعة محكومة بالسلطة والعنف والاستحواذ ومصادرة العراق، والقوى "الديمقراطية" المغلوب على أمرها محكومة بخضوعها المباشر وغير المباشر لقوى الاحتلال. مما جعل منها قوة مسلوبة الإرادة ومقيدة وعاجزة في حالات كثيرة عن أن تسلك السلوك الواقعي والعقلاني. وبالتالي، فان كلا منهما يكمل الآخر في الإبقاء على جذوة الاحتراب. وهي عملية تحتاج إلى وقت من اجل استنفاد قوى الماضي لرصيدها المادي الهائل الذي جرى سرقته على امتداد عقود. لكنه غير قادر على تعويض رصيدها المعنوي الشحيح. من هنا عنفها الدموي الهائل. وهو تقليد وتقاليد وجودها. بعبارة أخرى، إن الجذر التاريخي والسياسي الرئيس للعنف والإرهاب الحالي يكمن في بقاء وفاعلية الزمن التوتاليتاري والدكتاتوري والقوى المرتبطة به. وعنفها الحالي هو نتاج موتها العنيف. إلا أن ذلك لا يقلل من مسؤولية القوى الحاكمة الحالية. وذلك لان مسؤولية ما يجري بعد إسقاط الدكتاتورية تتحمله السلطة الحالية وقواها السياسية.انحسار نفوذ التيارات الليبرالية والعلمانية في العراق؟ يوصف دائماً بأنه ضحية السياسية الأميركية في العراق باعتقادكم ألا يشكل ذلك عائقاً أمام تطور نظام سياسي ديمقراطي تعددي حقيقي؟ إن انحسار أو صعود التيارات السياسية والفكرية هو نتاج لطبيعة المسار التاريخي والسياسي للدول والأمم. والعوامل الخارجية تفعل فعلها لكنها ليست حاسمة. وتاريخ الأفكار والقيم في العراق اعرق مما في الولايات المتحدة بآلاف السنين. كما أن تاريخ العراق الحديث لم يكن شديد التأثر بالسياسة الأمريكية. ونشوء مختلف الأفكار والإيديولوجيات منذ عشرينيات القرن العشرين وحتى الآن قد جرى بتأثير مختلف البلدان والثقافات، لكنه لم يتأثر بتراث أو سياسة الولايات المتحدة بشكل كبير. وقد يكون احتلال العراق في بداية القرن الحادي والعشرين هو التجربة المرة والمريرة للولايات المتحدة في المنطقة بشكل عام، التي شكل العراق ميدانها التجريبي. إضافة لذلك، أن تاريخ الأفكار والإيديولوجيات السياسية في العراق الحديث كان يغلب عليها الطابع الدنيوي (العلماني). ولم يكن للإيديولوجية الدينية وزنا يذكر. غير أن الأمر يخلف بالنسبة للفكرة الليبرالية. وعندما نتأمل تاريخ العراق الحديث بل والعالم العربي ككل، فإننا نلحظ ضعف أو شبه غياب الفكرة الليبرالية. وهي ظاهرة ليس للولايات المتحدة دخل فيها لا عن قرب ولا عن بعد. إن الأسباب الجوهرية بالنسبة لحالة الهزيمة المريعة للتيار الدنيوي (العلماني) وعدم نضوج الفكرة الليبرالية يرتبط أساسا بصعود التيارات الراديكالية السياسية الحزبية والفكرة الثورية بشقيها القومي والاشتراكي (الشيوعي). وفشلهما في تجسيد الشعارات المرفوعة. وهي ظاهرة معقدة لكنها تاريخية أيضا. والسبب يقوم في أن تاريخ الأمم والأفكار الحديثة يفترض أسبقية الإصلاح الديني ومن خلاله تراكم المفاهيم والقيم الدنيوية. بينما الذي جرى عندنا بالعكس. من هنا استرجاع "المرحلة المفقودة" في نمو المجتمعات، أي أهمية وقيمة وفاعلية الفكرة الدينية. وهي ظاهرة صحية بالمعنى التاريخي السياسي والثقافي. لكنها عملية لن تطول أمام الاسترجاع الجديد للفكرة الدنيوية والليبرالية، بعد أن تتخذ صيغة الفكرة الواقعية، أي المبنية على أسس اجتماعية عريضة وليست هامشية المدن والأرياف. فالإيديولوجية الدينية غير قادر على مواجهة إشكاليات المعاصرة، لكنها قادرة على تفعيل الطاقة الاجتماعية. وهي الوظيفة التاريخية التي يمكنها أن تسهم لاحقا في رفع الوعي الجمعي إلى مصاف الرؤية الاجتماعية السياسية. بمعنى صعود الفكرة الدنيوية من خلال إدراك محدودية الإيديولوجية الدينية. وهي عملية تتوقف سرعتها على عوامل كثيرة لكنها حتمية! جاءت العملية الدستورية فرصة لبناء دولة جديدة تقوم على أسس مؤسساتية وقانونية. وقد كان العقد الاجتماعي الجديد بين المكونات السياسية العراقية ثورة حقيقة لإعادة توزيع السلطة/ الثروة. باعتقادكم هل يمثل الدستور العراقي الجديد تأسيساً للديمقراطية؟ إن سن الدستور ليس معيارا للديمقراطية. بل أن اشد الدساتير "ديمقراطية" في موادها ليس معيارا للديمقراطية. وذلك لان الديمقراطية هي منظومة سياسية اجتماعية اقتصادية ثقافية متكاملة. بعبارة أخرى، انها صيرورة تاريخية معقدة يشكل الدستور الحقوقي وليس السياسي احد أهم شروطها. أما بالنسبة للعراق، فان قضية الدستور هي مرآة تاريخه السياسي الحديث. إننا نقف أمام سلسلة من الدساتير الثابتة والمؤقتة. وهو بحد ذاته مؤشر على خراب فكرة الدستور بوصفه القانون الأعلى الحاكم للدولة والسلطة والمجتمع. إن كثرة الدساتير هو دليل على انعدام حقيقة الدستور، كما أن كثرة المؤقت بينها هو دليل على عدم قيمة القانون وفكرة الحق. ولا يشذ تاريخ الدستور الأخير عن هذه الحالة. بمعنى انه يسير في الواقع ضمن نفس السياق السابق. ولا يغير من حقيقة ذلك انه يحمل عنوان "الدستور الثابت". وهو أمر جلي في طبيعة الصراع السياسي السابق على الاستفتاء عليه ومواده. فقد تحول سن الدستور إلى معركة سياسية محكومة بنفسية وذهنية المصالح الجزئية وليس بفكرة ومعايير الحق العام. وليس مصادفة أن تكون القوى القومية الكردية هي أكثر من "افلح" في هذا المجال. وهو احد الأسباب الجوهرية لخرابه وعدم نضجه. فالدستور لا ينبغي أن يكتب بمساهمة الأقليات، بل بمعايير الرؤية الوطنية والحقوقية. لهذا أصبح الدستور خليطا غير متجانس من المواد الحقوقية والطالب السياسية والقيم الإيديولوجية. انه يحتوي على أفكار ومواد قيمة وممتازة وفي الوقت نفسه تفوح منه رائحة العرقية والنزعة الانفصالية واقتناص الغنيمة ومختلف الأشكال المبطنة للطائفية السياسية والمذهبية. بمعنى انه كان نتاج مساومة سياسية سريعة ومحكومة بقوة الاحتلال وضغوط نفسية الغنيمة والتجزئة. وهي حالة لا يمكنها أن تؤسس للشرعية والمؤسساتية في إدارة شؤون الدولة. أما "العقد الاجتماعي" فلا وجود له! إن العقد الاجتماعي ليس "محاصصة" سياسية. والشرعية المؤسساتية والعقد الاجتماعي السليم يفترضان توزيع الثروة والسلطة بصورة عادلة. والواقع ليس كذلك. بعبارة أخرى، إن الطريقة التي جرى فيها ومن خلالها سن الدستور والاستفتاء عليه لم تستجب لمتطلبات تأسيس وإرساء النظام الديمقراطي الاجتماعي. إن تأسيس الديمقراطية الاجتماعية والحقوقية في العراق هي مهمة المستقبل، وبالتالي قوى المستقبل. وما جرى لم يكن من إبداع قوى المستقبل. القوى السياسية والدينية بالغت في تدخل الدين في الدستور العراقي الدائم 2005. أين يقف الدين وتبدأ الدولة السياسية؟ إن إحدى الإشكاليات الكبرى القائمة أمام العراق وانتقاله من الدكتاتورية إلى الديمقراطية، تقوم في كيفية إيجاد الصيغة المناسبة لعلاقة الدين بالدنيا، أو الديني بالدنيوي (العلماني). فالديمقراطية هي أولا وقبل كل شيء نظام دنيوي. وفكرة الحق فيه هي فكرة وضعية. ولا يمكنها أن تكون بشكل أو طريقة أخرى. بمعنى ان الديمقراطية تتعارض تعارضا تاما مع النزعة التوتاليتارية الدنيوية والدينية على السواء. طبعا ان ذلك لا يتعارض مع إمكانية ظهور وتبلور أحزاب إسلامية ديمقراطية. وهي إمكانية لها طابعها الاحتمالي حالما يجري تحرير السياسي من المقدس، وتحويل الرؤية الإسلامية إلى رصيد فكري ومعنوي في مواجهة إشكاليات المعاصرة وحلها بالطريقة التي تخدم تطوير الدولة والمجتمع والثقافة بصورة حرة. وهي إشكالية بحد ذاتها لكنها تتمتع بقدر من الاحتمال الواقعي أيضا. وقد يكون الإجماع شبه الخفي عن عدم القبول بفكرة "ولاية الفقيه" الشيعية و"الخلافة" السنية هي مؤشر أولي. لكن تطويرها صوب تأسيس الأبعاد الاجتماعية للرؤية السياسية المحكومة بفكرة الحق الشرعية والحرية هو جزء من صراع اجتماعي وسياسي كبير. ولا يمكن تحقيق ذلك في ظرف العراق الحالية والمستقبلية دون تأسيس الفكرة القومية العربية وإعادة إنتاجها ودمجها العقلاني في بنية الدولة العراقية. حينذاك فقط يمكن لفكرة الدولة العراقية أن تتخذ مداها الفعلي ويعود الدين إلى موقعه بوصفه جزءا من التراث الثقافي والروحي القادر على المساهمة الايجابية في إرساء أسس الدولة الشرعية والديمقراطية.المادة (140) من الدستور العراقي الجديد ظهرت بشكل إنشائي قابل للتأويلات المتعددة وهي تعالج مسألة معقدة قومية وسياسية وإنسانية. ما هو الحل لمشكلة كركوك؟ إن احد الأسباب التي تجعل من الدستور العراقي الأخير فاشلا فشلا مذهلا هو وجود ما يسمى بالمادة 140. فهي مطلب سياسي لأحزاب قومية صغيرة! والقبول بها باعتبارها مادة "دستورية" هو عين الاستهزاء بفكرة الدستور. ليس هذا فحسب، بل وجرى نقلها من "قانون إدارة الدولة المؤقت"، أي من لوائح حالة الاحتلال الأجنبي إلى "الدستور الدائم"، وجعلها مادة "مؤقتة" حسب مزاج الأحزاب القومية الكردية!! لهذا السبب أشرت إلى انه لا ينبغي إدخال الأقليات (لقومية والعرقية والدينية وأمثالها) أو إشراكها في سن الدستور العراقي. وذلك لان الأقلية هي بقايا لم تكتمل. وعادة ما تفرز نفسية وذهنية التقوقع والانعزال. والدستور فكرة عامة. إن الأقلية (بوصفها أقلية، أي عندما تمثل نفسها بمفاهيم الأقلية) يمكنها المشاركة، بوصفه حقا من حقوقها، في كل ما يخصها (القوانين الجزئية). أما القضايا العامة فإنها بحاجة إلى رؤية وطنية عامة، بمعنى مجردة عن نفسية وذهنية الأقلية والانعزال أيا كان منبعها ونموذجها. بمعنى أن الأحزاب القومية الكردية يمكنها المساهمة في كل ما له علاقة بالأكراد ومنطقة الحكم الذاتي من وجهة نظر "المصالح الكردية"، لكنها ينبغي أن تسلك سلوك الأحزاب العراقية فيما يخص العراق عموما. وهي حالة يصعب توقعها الآن بفعل أسباب كثيرة. وعموما هي مواقف مرتبطة بمستوى الاندماج السياسي والثقافي والوطني. وهو احتمال متأرجح. وهي الحالة التي يمكن رؤيتها على مثال ما يسمى بقضية كركوك.إن كركوك مدينة عراقية بعيش فيها مختلف مواطني الدولة العراقية. ومن الناحية التاريخية والثقافية هي مدينة عراقية خالصة لا علاقة للأكراد بها إلا من حيث الانتقال إليها من مناطق الجبل إلى السهول والمدن في غضون القرن العشرين بشكل عام وتأسيس الدولة العراقية الحديثة بشكل خاص. وفيما لو صحت لنا إمكانية استعمال الصيغة القومية الضيقة عليها، لأمكننا القول، بأنها مدينة تركمانية خالصة من وجهة نظر التاريخ الدولتي والسياسي والقومي والثقافي. وان تاريخ كركوك يخلو تماما من أي اثر وقيمة مادية أو معنوية للأكراد. طبعا أن هذا ينطبق أيضا على مدن أربيل ودهوك وغيرها. غير أن النزعة العرقية الضيقة للحركات والأحزاب القومية الكردية مازالت تختمر بطريقة تفقدها في حالات كثيرة الرؤية الواقعية والعقلانية. كما أنها شبه خالية من أبعاد الرؤية الوطنية العراقية. وان حالة كركوك "المعقدة" هي نتاج للعقدة الكردية المحكومة في الفترة الأخيرة بنفسية الغنيمة. وهي نفسية مخربة!إن الحل الواقعي والضروري لقضية كركوك يقوم في :1 - الإبقاء عليها بصفتها مدينة عراقية عامة جامعة، ويعني إخلاءها من فكرة "القومية". 2 - الاستمرار بحالتها انطلاقا من صيغتها الأولية في الدولة العراقية وتطورها اللاحق بوصفها محافظة عراقية. 3 - إلغاء المادة 140 من الدستور. 4 - إلغاء فكرة الاستفتاء، انطلاقا من انه ليس في العراق "ارض قومية". 5 - حل كل المشاكل المتراكمة فيها بوصفها جزءا من مشاكل اجتماعية واقتصادية وثقافية ضمن معايير المواطنة والقانون. وعموما يمكنني القول، بان "قضية كركوك" هي جزء من أزمة الحركات القومية الكردية. وهي ليست الأخيرة. والأفضل بالنسبة للعراق، عندما نستقري تاريخه السياسي الحديث، هو القيام باستفتاء عربي حول فصل العراق عن الأكراد. وفي حال تأييد الأغلبية، عندها يمكن طرح مهمة الفصل استنادا إلى وحدة العراق الجغرافية منذ تأسيس الدولة الحديثة عام 1921. إن العراق ليس بحاجة إلى "قضية كردية" أو أية قضية قومية صغيرة. على العكس انه بحاجة ماسة لإعادة بنائه الذاتي الوطني والقومي. فهو الأسلوب الفعلي لإعادة بناء هويته الوطنية الممزقة حاليا ومن ثم الانطلاق بخطوات كبيرة وسريعة. وكل ما فيه يؤهله للقيام بذلك. الولايات المتحدة الأمريكية تعاني من مشكلات حقيقية في العراق بصرف النظر عن الشعارات. ما أهداف أميركا في العراق هل هي السيطرة على النفط؟ أم إعادة تشكيل المنطقة من جديد؟ ليس هناك من أهمية جوهرية بالنسبة للتخمين أو التحليل أو التكهن بصدد الأهداف الأمريكية في العراق. والشيء نفسه يمكن قوله عن الشعارات المعلنة. إن الشيء الجوهري في السياسة الأمريكية تجاه العراق يقوم في خدمة مصالحها الإستراتيجية. وهي مصالح تلتقي وتتعارض مع مصالح الدول الأخرى، بما في ذلك العراق. والمهمة تقوم في إيجاد الصيغة المثلى لتحسن وتطوير العلاقات العراقية – الأمريكية. بل يمكنني القول، بان من الضروري بالنسبة للعراق والعالم العربي عموما البحث عن صيغة متوازنة ومعقولة لعلاقة إستراتيجية بالولايات المتحدة. وهي علاقة يمكن وضع أسسها من خلال التحليل العلمي الدقيق لتاريخها المتعرج في مجرى القرن العشرين وحتى احتلال العراق.وهو الهدف الأكثر أهمية بالنسبة للعراق، بسبب تعرضه للاحتلال الأمريكي. وهو احتلال يكشف عن طبيعة الخلل في الدولة العراقية من جهة، والخلل بينه وبين الولايات المتحدة. باختصار، إن كل ما جرى ويجري مؤشر ودليل على وجود خلل بنيوي. بما في ذلك تجاه المشروع الأمريكي في العراق. وهو مشروع فاشل بالمعنى التاريخي والقومي والسياسي. والفشل ليس نتاجا لنية سيئة أو سوء فهم وتقدير أو عدم دراية وجهل وغيرها، بقدر ما انه الخاتمة الطبيعية لكل مشروع خارجي. بمعنى أنه محكوم أولا وقبل كل شيء بالحقيقة القائلة، بان مشاريع البدائل الكبرى تفترض المعاناة الذاتية من اجلها. وأنها مشاريع وطنية أولا وقبل كل شيء من حيث القوى والرؤية والأساليب والإمكانيات والغاية. إضافة لذلك، أن البدائل المستقبلية الكبرى ينبغي استمدادها من المستقبل. وهو أفق لا علاقة للقوى الأجنبية به إلا بالقدر الذي يستجيب لمصالحها الآنية والبعيدة المدى. والمشروع الأمريكي محكوم بالتاريخ الأمريكي ومصالحه ومرجعياته. والشيء نفسه عن المشروع العراقي. وفشل المشروع الأمريكي في العراق هو النتاج الطبيعي لهذا الاختلاف والتباين. كما انه يبرهن على جملة حقائق كبرى لعل أهمها بهذا الصدد هي، إن المشاريع الأجنبية هي مؤشر على خراب ذاتي، ودليل على اختلال في توازن القوى. وبالتالي لا يمكن الاعتماد عليها. وبالتالي، لا يمكن تفصيل المنطقة حسب الذوق الأمريكي. والمنطقة العربية لا يمكنها الآن الخضوع، كما كان الحال في بداية القرن العشرين، لأية قوة أجنبية. على العكس. إن تطوره اللاحق يجعل منه بالضرورة قوة قائمة بذاتها. وتجربة العراق الحالية، رغم كل ضعفه الشديد وتمزقه الداخلي ونتائج الحروب المدمرة وزمن الدكتاتورية الرهيب، يبرن على أن العراق ليس هوليوود. وبالتالي لا يمكن تمثيل السيناريو الأمريكي فيه بطريقة مثيرة للإعجاب ومختومة بنهاية سعيدة! *** *** ***
الأربعاء، 6 مايو 2009
الراديكالية الشيوعية
الراديكالية الشيوعية
والبعثية العراقية
وانقلاب القيم!
ميثم الجنابي
أدت ظاهرة انتشار وسيادة الراديكالية السياسية في العراق الحديث إلى جعلها إحدى اخطر الظواهر الاجتماعية والثقافية بالنسبة لوجود وآفاق تطور البدائل فيه. ولعل أهم نتائجها الخطرة الحالية تقوم في صعود واستفحال الحركات الراديكالية الإسلامية المتطرفة (الأصولية). إذ لم تكن هذه الحركات سوى الاستظهار المقلوب لزمن الراديكالية الطبقية والقومية الدنيوية الفارغ، أي لزمن السيادة شبه المطلقة للراديكالية الدنيوية (العلمانية) الشيوعية والبعثية. بمعنى إن الراديكالية التي استطاعت إفراغ التاريخ المعاصر للعراق من خلال تهشيم المشاريع الواقعية لبناء الدولة والمجتمع المدني والثقافة العقلانية أدت إلى إنتاج «بديلها» في الراديكالية الإسلامية. إذ تكشف التجارب التاريخية للعراق عن حقيقة تقول، بأنه كلما كانت الراديكالية المتسلطة همجية كلما أصبحت الراديكالية المناوئة لها اشد همجية منها.
ويقف العراق الآن أمام حالة استفحال نماذج من الراديكالية لا تقل همجية من تلك التي أنتجتها. وهي حالة «طبيعية» لا يمكن توقع صيغة أخرى لها في ظروفه الحالية. بل يمكن القول، بأنها ظاهرة سوف تستقوي تدريجيا إلى أن تبلغ ذروة انحطاطها بعد خروجها العارم من سجن التوتاليتارية البعثية «العلمانية» والدكتاتورية الصدامية الطائفية.
فقد اندثر حزب البعث وتحولت بقاياه المتربية بتقاليد التسلط إلى قوى همجية تحترف القتل العشوائي عوضا عن القتل المنظم!! ولم يبق من الحزب الشيوعي الأقدم والأعرق والأوسع جماهيرية والأكثر تأثيرا وتنظيما وقوة دعائية سوى أطلال خربة. بحيث انقلبت كل موازينه الداخلية. وأصبح اقرب ما يكون إلى هيئة هلامية قابلة لكل الصور، من قبول «الامبريالية الأمريكية» والتحالف معها إلى الاندراج في قوائم دينية (شيعية) وقومية صغيرة (كردية) وتابع للبعثيين الجدد (علاوي) وأخيرا إلى ذيل صغير لقوى قومية عرقية صغرى (كردية كما جرى في انتمائه لقائمة "التآخي" في الموصل). بمعنى فقدانه لبوصلة الوطنية العراقية والقومية العربية والرؤية الاجتماعية. وهو فقدان عريق كان في أكثر جوانبه الوجه الآخر لحزب البعث. بحيث جعل منه في نهاية المطاف حزب الأقليات القومية والعرقية. لكنها مكونات لا يمكنه منافسة الآخرين بها أو فيها لأنها محجوزة مسبقا من قبل أحزاب أكثر تماهيا مع مكوناتها! لاسيما وأنها الحالة العادية في ظروف التجزئة العميقة والفعلية للعراق الحالي. وهي نتيجة أظهرتها نسبة الأصوات التي حصل عليها في الانتخابات الأولى عام 2005 بحيث لم تتجاوز نسبة 1%. وهي ذات النسبة التي حصل عليها في كنف أياد علاوي (نهاية 2005)، أي في ظل تغطية سياسية ودعائية ومالية لشخصية سياسية فردية، وليس حتى لحركة أو حزب اجتماعي سياسي بالمعنى الدقيق للكلمة. بينما انحدر في الانتخابات المحلية الأخيرة (2009) إلى حالة التلاشي الفعلي، بحيث تحول إلى "حالة سلبية" تامة في الوعي الاجتماعي. وليس مصادفة أن تكشف الانتخابات الأخيرة عن إمكانية فوز أفراد لحالهم على أحزاب سياسية كبرى. بينما لم يفز أي من ممثلي الحزب الشيوعي والحزب نفسه في أية منطقة من مناطق العراق العربي! وهو مؤشر على انه حزب لا عراقية فيه، أو أنها مجرد بقايا ديناصورية مندثرة ضخمة العظام "هيبتها" أمام عيون الأطفال ومراهقي التفكير السياسي! ذلك يعني إننا نقف أمام حالة تعكس طبيعة الانحدار السياسي للحزب وتحوله إلى كيان من الماضي، مع أن الادعاء الأيديولوجي بالمستقبل يرتقي عنده دوما إلى مصاف المطلق! أما في الواقع فإن المطلق الوحيد هو الإصرار على الابتعاد عن منطق الرؤية الواقعية والعقلانية تجاه الإشكاليات التي يواجهها العراق من خلال الانتماء إلى مكوناته الفعلية، وبالأخص القومية العربية. بحيث جعل منه الحزب "السياسي" الوحيد في ظروف العراق الحالية الذي يفتقد إلى ابسط مقومات المنطق السياسي والاجتماعي والوطني والقومي والطبقي والأخلاقي. ولعل تحالفه الأخير مع حركات قومية عرقية صغيرة كما جرى في الموصل سوى احد الأدلة المثيرة والغريبة في الوقت نفسه. حزب "أممي" وطني عراقي ينطوي تحت جناح أقلية متخلفة بمعايير السياسة والاجتماع والمستقبل في منطقة عربية "متعصبة" في انتمائها القومي! إلا أن هذه الصورة المفارقة والغريبة لا تثير في الحزب الشيوعي "العراقي" شيئا غير "الاعتزاز" الذي يعادل من حيث الجوهر حالة الانفصام التام في الشخصية والرؤية.
لكننا حالما نضع هذه الحالة الغريبة ونتائج الانتخابات الأخيرة (2009) في العراق، فإننا نتوصل إلى كونها ليست حالة عرضية أو طارئة، بقدر ما أنها نتيجة تراكمت في نسق الرؤية النفسية والذهنية الأيديولوجية للحزب التي حكمت تاريخه الحديث. وليس مصادفة أيضا أن يكون تاريخه السياسي وما يزال بهذا الصدد هو زمن الابتعاد العلني والمستتر عن القومية العربية. وفي هذا يكمن سر هزيمته التاريخية في العراق. وهي عقدة أكثر مما هي عقيدة. ويمكننا تتبع زمنها في زمن العداء المبطن للقومية العربية وصراعه العنيف مع أحزابها، كما تجسد بصورة حادة مع حزب البعث. وهو صراع لا علاقة له بحقيقة العقيدة بقدر ما يعكس عقدة الأقليات عند الشيوعيين وعقدة الهامشية عند القوميين العرب. أما النتيجة فهي إفساد الفكرة القومية والشيوعية، البعث باسم قومية مزيفة، والشيوعي باسم أممية أكثر زيفا.
لم يكن مصير الشيوعيين والبعثيين بوصفهم القوى السياسية التي وحّدت بواعث التمزيق الهمجي للفكرة الوطنية والاجتماعية، سوى النتيجة المترتبة على الخضوع المتعصب لأيديولوجيات مقلوبة من حيث أولوياتها، ومحكومة منذ البدء بفشل محتوم بسبب ابتعادها الفعلي عن إدراك طبيعة المشاكل التي تعاني منها الدولة والأمة. كما أنهما مثلا وتمثلا بطريقة لا تخلو من السذاجة التاريخية فورة الراديكالية العالمية المتراكمة في التقاليد الأوربية. لكن إذا كانت التقاليد الراديكالية الأوربية هي النتاج الوجداني المتناثر على طريق العقلانية العريقة والرأسمالية الأشد تنظيما، فإنها في ظروف العراق المتخلفة لم يكن بإمكانها أن تكون أكثر من نزوع إرادي عادي، عادة ما يلازم الذهنية المتطفلة على مظاهر المعرفة. من هنا تحولها إلى مرتع للجهلة وأنصاف المتعلمين، الذين تحولوا بين ليلة وضحاها إلى«طبقة عاملة» و«جماهير كادحة». ولم تعني هذه الكلمات في الدعاوي الأيديولوجية للشيوعيين والبعثيين في أفضل الأحوال أكثر من مصطلحات منتقاة من قواميس التعليم الابتدائي للطلبة بدون وعي فلسفي يناسبها. بينما كان تاريخ العراق ضعيفا بمعايير التراكم النظري والعملي للأفكار السياسية. بل يمكننا القول، بأنه كان يخلو من تقاليد الفكر النظري السياسي العلمي. من هنا لم تعن كلمات الجماهير والعمال والكادحين وأمثالها في الأيديولوجيات العملية للشيوعية والقومية (البعثية) سوى الوقود التي لا تحتاج لغير شرارة «الفكرة الثورية» لكي تحترق في أتون معارك «وطن حر وشعب سعيد» أو معارك «الوحدة والحرية والاشتراكية». لهذا لم ينتج تاريخ الحرية السعيدة والوحدة الاشتراكية غير دخان الراديكالية الخانق. وتحته كانت الجماهير والعمال والكادحين، أي الفئات الاجتماعية العريضة ترزح تحت عبودية غاية في التعاسة وإفقار مريع وتجزئة جعلت من رجوعها إلى «مصادرها الأولى» أمرا مقبولا ومعقولا بمعايير العقل والوجدان. من هنا رجوع الأقليات القومية إلى أعراقها، والطوائف إلى طائفيتها، والقلقين والفقراء إلى «الإيمان». وهو نكوص جعلت منه الدكتاتورية الصدامية أداتها السياسية الجديدة في حملاتها الإيمانية وهمجيتها القومية وشراستها الطائفية. وفيها نعثر على حالة الانحطاط وذروتها التامة القائمة في مفارقة تعايش راديكالية وعبودية في "أحزاب جماهيرية"!! لكنها مفارقة تطرح بعد قرن من الزمن الضائع، مهمة البحث عن بدائل واقعية لما خلفته الراديكالية السياسية للشيوعية والبعثية في العراق من شيوع الجهل وانبعاث القتل الشامل للعقل والضمير الاجتماعي. وهي بدائل لا يمكنها الاستقرار والنمو ألا في حال استنادها إلى فكرة اجتماعية وطنية ذات أبعاد قومية عربية في العراق. بمعنى قلب المعادلة التاريخية المشوهة التي ابتدأت بفكرة أممية مزيفة و"تكاملت" في أيديولوجية قومية جهوية فئوية طائفية، إلى معادلة تاريخية عقلانية تبدأ بالفكرة الاجتماعية وتتكامل بالفكرة الوطنية لتنتهي بالفكرة القومية، بوصفها حلقات واقعية وضرورية ومستقبلية.
والبعثية العراقية
وانقلاب القيم!
ميثم الجنابي
أدت ظاهرة انتشار وسيادة الراديكالية السياسية في العراق الحديث إلى جعلها إحدى اخطر الظواهر الاجتماعية والثقافية بالنسبة لوجود وآفاق تطور البدائل فيه. ولعل أهم نتائجها الخطرة الحالية تقوم في صعود واستفحال الحركات الراديكالية الإسلامية المتطرفة (الأصولية). إذ لم تكن هذه الحركات سوى الاستظهار المقلوب لزمن الراديكالية الطبقية والقومية الدنيوية الفارغ، أي لزمن السيادة شبه المطلقة للراديكالية الدنيوية (العلمانية) الشيوعية والبعثية. بمعنى إن الراديكالية التي استطاعت إفراغ التاريخ المعاصر للعراق من خلال تهشيم المشاريع الواقعية لبناء الدولة والمجتمع المدني والثقافة العقلانية أدت إلى إنتاج «بديلها» في الراديكالية الإسلامية. إذ تكشف التجارب التاريخية للعراق عن حقيقة تقول، بأنه كلما كانت الراديكالية المتسلطة همجية كلما أصبحت الراديكالية المناوئة لها اشد همجية منها.
ويقف العراق الآن أمام حالة استفحال نماذج من الراديكالية لا تقل همجية من تلك التي أنتجتها. وهي حالة «طبيعية» لا يمكن توقع صيغة أخرى لها في ظروفه الحالية. بل يمكن القول، بأنها ظاهرة سوف تستقوي تدريجيا إلى أن تبلغ ذروة انحطاطها بعد خروجها العارم من سجن التوتاليتارية البعثية «العلمانية» والدكتاتورية الصدامية الطائفية.
فقد اندثر حزب البعث وتحولت بقاياه المتربية بتقاليد التسلط إلى قوى همجية تحترف القتل العشوائي عوضا عن القتل المنظم!! ولم يبق من الحزب الشيوعي الأقدم والأعرق والأوسع جماهيرية والأكثر تأثيرا وتنظيما وقوة دعائية سوى أطلال خربة. بحيث انقلبت كل موازينه الداخلية. وأصبح اقرب ما يكون إلى هيئة هلامية قابلة لكل الصور، من قبول «الامبريالية الأمريكية» والتحالف معها إلى الاندراج في قوائم دينية (شيعية) وقومية صغيرة (كردية) وتابع للبعثيين الجدد (علاوي) وأخيرا إلى ذيل صغير لقوى قومية عرقية صغرى (كردية كما جرى في انتمائه لقائمة "التآخي" في الموصل). بمعنى فقدانه لبوصلة الوطنية العراقية والقومية العربية والرؤية الاجتماعية. وهو فقدان عريق كان في أكثر جوانبه الوجه الآخر لحزب البعث. بحيث جعل منه في نهاية المطاف حزب الأقليات القومية والعرقية. لكنها مكونات لا يمكنه منافسة الآخرين بها أو فيها لأنها محجوزة مسبقا من قبل أحزاب أكثر تماهيا مع مكوناتها! لاسيما وأنها الحالة العادية في ظروف التجزئة العميقة والفعلية للعراق الحالي. وهي نتيجة أظهرتها نسبة الأصوات التي حصل عليها في الانتخابات الأولى عام 2005 بحيث لم تتجاوز نسبة 1%. وهي ذات النسبة التي حصل عليها في كنف أياد علاوي (نهاية 2005)، أي في ظل تغطية سياسية ودعائية ومالية لشخصية سياسية فردية، وليس حتى لحركة أو حزب اجتماعي سياسي بالمعنى الدقيق للكلمة. بينما انحدر في الانتخابات المحلية الأخيرة (2009) إلى حالة التلاشي الفعلي، بحيث تحول إلى "حالة سلبية" تامة في الوعي الاجتماعي. وليس مصادفة أن تكشف الانتخابات الأخيرة عن إمكانية فوز أفراد لحالهم على أحزاب سياسية كبرى. بينما لم يفز أي من ممثلي الحزب الشيوعي والحزب نفسه في أية منطقة من مناطق العراق العربي! وهو مؤشر على انه حزب لا عراقية فيه، أو أنها مجرد بقايا ديناصورية مندثرة ضخمة العظام "هيبتها" أمام عيون الأطفال ومراهقي التفكير السياسي! ذلك يعني إننا نقف أمام حالة تعكس طبيعة الانحدار السياسي للحزب وتحوله إلى كيان من الماضي، مع أن الادعاء الأيديولوجي بالمستقبل يرتقي عنده دوما إلى مصاف المطلق! أما في الواقع فإن المطلق الوحيد هو الإصرار على الابتعاد عن منطق الرؤية الواقعية والعقلانية تجاه الإشكاليات التي يواجهها العراق من خلال الانتماء إلى مكوناته الفعلية، وبالأخص القومية العربية. بحيث جعل منه الحزب "السياسي" الوحيد في ظروف العراق الحالية الذي يفتقد إلى ابسط مقومات المنطق السياسي والاجتماعي والوطني والقومي والطبقي والأخلاقي. ولعل تحالفه الأخير مع حركات قومية عرقية صغيرة كما جرى في الموصل سوى احد الأدلة المثيرة والغريبة في الوقت نفسه. حزب "أممي" وطني عراقي ينطوي تحت جناح أقلية متخلفة بمعايير السياسة والاجتماع والمستقبل في منطقة عربية "متعصبة" في انتمائها القومي! إلا أن هذه الصورة المفارقة والغريبة لا تثير في الحزب الشيوعي "العراقي" شيئا غير "الاعتزاز" الذي يعادل من حيث الجوهر حالة الانفصام التام في الشخصية والرؤية.
لكننا حالما نضع هذه الحالة الغريبة ونتائج الانتخابات الأخيرة (2009) في العراق، فإننا نتوصل إلى كونها ليست حالة عرضية أو طارئة، بقدر ما أنها نتيجة تراكمت في نسق الرؤية النفسية والذهنية الأيديولوجية للحزب التي حكمت تاريخه الحديث. وليس مصادفة أيضا أن يكون تاريخه السياسي وما يزال بهذا الصدد هو زمن الابتعاد العلني والمستتر عن القومية العربية. وفي هذا يكمن سر هزيمته التاريخية في العراق. وهي عقدة أكثر مما هي عقيدة. ويمكننا تتبع زمنها في زمن العداء المبطن للقومية العربية وصراعه العنيف مع أحزابها، كما تجسد بصورة حادة مع حزب البعث. وهو صراع لا علاقة له بحقيقة العقيدة بقدر ما يعكس عقدة الأقليات عند الشيوعيين وعقدة الهامشية عند القوميين العرب. أما النتيجة فهي إفساد الفكرة القومية والشيوعية، البعث باسم قومية مزيفة، والشيوعي باسم أممية أكثر زيفا.
لم يكن مصير الشيوعيين والبعثيين بوصفهم القوى السياسية التي وحّدت بواعث التمزيق الهمجي للفكرة الوطنية والاجتماعية، سوى النتيجة المترتبة على الخضوع المتعصب لأيديولوجيات مقلوبة من حيث أولوياتها، ومحكومة منذ البدء بفشل محتوم بسبب ابتعادها الفعلي عن إدراك طبيعة المشاكل التي تعاني منها الدولة والأمة. كما أنهما مثلا وتمثلا بطريقة لا تخلو من السذاجة التاريخية فورة الراديكالية العالمية المتراكمة في التقاليد الأوربية. لكن إذا كانت التقاليد الراديكالية الأوربية هي النتاج الوجداني المتناثر على طريق العقلانية العريقة والرأسمالية الأشد تنظيما، فإنها في ظروف العراق المتخلفة لم يكن بإمكانها أن تكون أكثر من نزوع إرادي عادي، عادة ما يلازم الذهنية المتطفلة على مظاهر المعرفة. من هنا تحولها إلى مرتع للجهلة وأنصاف المتعلمين، الذين تحولوا بين ليلة وضحاها إلى«طبقة عاملة» و«جماهير كادحة». ولم تعني هذه الكلمات في الدعاوي الأيديولوجية للشيوعيين والبعثيين في أفضل الأحوال أكثر من مصطلحات منتقاة من قواميس التعليم الابتدائي للطلبة بدون وعي فلسفي يناسبها. بينما كان تاريخ العراق ضعيفا بمعايير التراكم النظري والعملي للأفكار السياسية. بل يمكننا القول، بأنه كان يخلو من تقاليد الفكر النظري السياسي العلمي. من هنا لم تعن كلمات الجماهير والعمال والكادحين وأمثالها في الأيديولوجيات العملية للشيوعية والقومية (البعثية) سوى الوقود التي لا تحتاج لغير شرارة «الفكرة الثورية» لكي تحترق في أتون معارك «وطن حر وشعب سعيد» أو معارك «الوحدة والحرية والاشتراكية». لهذا لم ينتج تاريخ الحرية السعيدة والوحدة الاشتراكية غير دخان الراديكالية الخانق. وتحته كانت الجماهير والعمال والكادحين، أي الفئات الاجتماعية العريضة ترزح تحت عبودية غاية في التعاسة وإفقار مريع وتجزئة جعلت من رجوعها إلى «مصادرها الأولى» أمرا مقبولا ومعقولا بمعايير العقل والوجدان. من هنا رجوع الأقليات القومية إلى أعراقها، والطوائف إلى طائفيتها، والقلقين والفقراء إلى «الإيمان». وهو نكوص جعلت منه الدكتاتورية الصدامية أداتها السياسية الجديدة في حملاتها الإيمانية وهمجيتها القومية وشراستها الطائفية. وفيها نعثر على حالة الانحطاط وذروتها التامة القائمة في مفارقة تعايش راديكالية وعبودية في "أحزاب جماهيرية"!! لكنها مفارقة تطرح بعد قرن من الزمن الضائع، مهمة البحث عن بدائل واقعية لما خلفته الراديكالية السياسية للشيوعية والبعثية في العراق من شيوع الجهل وانبعاث القتل الشامل للعقل والضمير الاجتماعي. وهي بدائل لا يمكنها الاستقرار والنمو ألا في حال استنادها إلى فكرة اجتماعية وطنية ذات أبعاد قومية عربية في العراق. بمعنى قلب المعادلة التاريخية المشوهة التي ابتدأت بفكرة أممية مزيفة و"تكاملت" في أيديولوجية قومية جهوية فئوية طائفية، إلى معادلة تاريخية عقلانية تبدأ بالفكرة الاجتماعية وتتكامل بالفكرة الوطنية لتنتهي بالفكرة القومية، بوصفها حلقات واقعية وضرورية ومستقبلية.
السرديات الاسطورية للدولة التوتاليتارية العراقية
السرديات الاسطورية للدولة التوتاليتارية العراقية
مقدمات في الركود المستديم
يوسف محسن
كلما قررنا ان هذا هو العراق نكتشف عراقا اخر عراق محير وفوضى من الافكار والمشاريع والطموحات والاكاذيب يتطلب في كل مرحلة العودة الى الوضعية السياسية المشخصة لمعرفة (المسألة العراقية) مساراتها،عناصر تكوينها، اصولها.
فطول السنوات الاربعة الماضية وبكل تفاصيلها الثقيلة والمأساوية لم يضع المثقفين والمفكرين العراقيين مفهوم (الاحتلال) تحت القراءة النقدية لمعرفة المتغيرات السوسيولوجيه التي ادخلت على هذا المفهوم الملتبس والغامض فقد حقق (الاحتلال ) بين علامتي تنصيص استحقاق وطني باسقاط النظام الفاشي البدوي والذي لم تستطع القوى الوطنية العراقية بكل تكويناتها من تحقيق هذه المهمة التاريخية بسبب ستراتيجية السلطة التوتاليتارية المعقدة والتي قامت عليها الدولة العراقية قبل عام2003 حيث شيدت نظام متشابك من البنى القرابية والايديولوجية الريعية والحزب الجماهيري الواحد والاقتصاد المركزي المخطط والهيمنة على وسائل الاعلام والجيش والاجهزة البوليسية (مخابرات، امن وطني، استخبارات............ اضافة الى التلاعب بالمؤسسات الاجتماعية التقليدية الاهلية وسيطرة نظام العصبية السياسية مما منح هذه الدولة درجة عالية من الضبط والقسوة الجامحة وصلت الى مرحلة الابادات الجماعية للمكونات الدينية والقومية المناوئة.
وهنا نلاحظ سهولة الطرح في تناول المشاكل التي يرزخ تحتها المجتمع العراقي وعدم تمكن المثقفين في كشف الابعاد الفكرية والثقافية والسياسية وتنقيب عن الجذور التاريخية للتوترات والصراعات اضافة الى ذلك لم يطرح سؤال التعددية (القومية والدينية والعرقية والثقافية) وقضية علاقة الدين بالدولة ومصادر التشريع واقتسام الثروات /السلطة.
حيث ان ديناميكات النزاع الان في العراق تتطلب العودة الى قراءة السرديات الكبرى التاريخية للدولة الوطنية العراقية حتى الانهيار الشامل تتوصول الى فهم المنحى السياسي للحقل الايديولوجي العراقي (تفكك اليسار التقليدي، السبات المستديم للتيارات الليبرالية، نمو وتبلور الاصوليات الدينية بوصفها ازمة اجتماعية شاملة وتشكل الهويات الفرعية القومية والعرقية وظهور الطائفية السياسية العراقية التي تتناسل نتيجة استمرار اشتغال نظام البنى التقليدية وازمة تبلور مؤسسات الدولة الحديثة وهيمنة الرموز الاسطورية في الفكر السياسي العراقي الجديد.
(1)
عندما نطرح سؤال قد يبدوا ملتبسا الان..
لماذا اختار البريطانيون العمل من خلال نظام ملكي في عراق 1921 حيث تشكلت الدولة العراقية، كانت نتاجا مشوها لنمط الهيمنة الكولونيالية ولكن هذه الدولة استجابة للنظام الثقافي والاجتماعي والسياسي السائد في المجتمع العراق انذاك وقد تكونت الجماعات التي ساهمت في تاسيس الدولة العراقية من شيوخ القبائل العربية والاغوات الاكراد وكبار التجار والضباط الاشراف تمكن هذا التحالف التقليدي من البقاء في السلطة حتى 1958 ومع مجي العسكر الى السلطة ولعدم تمكن اوامتلاك هذه المؤسسة العسكرية نسقا ايديولوجيا واضحا تحولت هذه المجموعات من الضباط العسكريين الى بؤرة ازمات مزمنة ادت الى تعطيل الدستور وانهيار جبهة الاتحاد الوطني واندلاع الصراعات السياسية حتى مجيئ انقلابي 1963 -1968 لكي يتم تبلور تاريخ الدولة الشمولية القومية حيث تسلم حزب البعث العراقي السلطة السياسية في تشكيلة اجتماعية اقتصادية مفككة ونظام الدولة يقوم على احتكار السلطة للزعامات الفردية وهيمنة العنف السياسي امام هذا النسق التاريخي المجتمعي بدات الدولة القومية بتخطي الشكل التقليدي وصياغة تشكلية جديدة تتطامن مع التاطيرات القانونية والوظائفية للدولة البعثية حيث تم دمج مؤسسة الحزب وجهاز الدولة بكيان واحد يرمز للهيمنة السياسية والمالية متزامنا من تفكك وانهيار الزعامة القومية الناصرية وارتفاع اسعار البترول 1973 (نتيجة ازمة الطاقة) وقد شكلت الدولة البعثية نظاما مركزيا صارما يستند الى شبكة معقدة من الروابط القبلية والجيش ومؤسسات الشرطة والامن الوطني.
ان هذا المسار التاريخي ادى الى ازمة تكوين الطبقة البرجوازية الوطنية العراقية وصعود الفئات الريفية بايديولوجيتها القومية الرثة التي تتسم بالنزعات الشوفينية مما انتج بناء دولة توتاليتارية تلغي الاختلاف والتعددية وتمارس العنف والاقصاء والتهميش للجماعات الدينية والقومية.
ان ظهور الدولة الشمولية القومية في احد اطوار التاريخ السياسي للمجتمع العراقي كان نتيجة لازمة تشكل نظام البنى الاجتماعية التاريخية ومحيط جغرافي - سياسي ضاغط اضافة الى طبيعة النظام الدولي المهيمن انذاك حيث ولدت هذه الدولة من رحم الوسط القومي العلماني تقوم بنيتها الايديو لوجية على حاكمية الحزب الواحد ونزعت الاستبداد والتفرد والاحتكار الاليات العنف والعدوان والشوفينية القومية واستنصار (مؤسسة العشيرة والجماعات الطائفية) حيث ان هذا الشكل من الدولة يعود تاريخيا الى حقبة الاستقلال السياسي عن الهيمنة الكولونيالية التي رفعت فيها الحركات القومية ايديولوجية ضخمة استطاعة ان تدمج سائر الطبقات الاجتماعية والسياسية في وحدة كفاحية..
لقد تمكن النموذج البعثي للدولة في صورها الاولى ان يهيمن ويحقق السيطرة الشاملة على المجالين الاقتصادي والسياسي وينفذ سلسلة من الاجراءات حسبت من قبل اليسار العراقي بوصفها المسار الحقيقي للاشتراكية.......... الاصلاح الزراعي..تاميم الثروات...
وبسبب ازمة التكوين للدولة الوطنبة العراقية خلال عشرينيات القرن الماضي لم يستطع المجتمع العراقي ان يبلور تنظيما مؤسساتيا/سياسيا قادر على تحجيم بواكير الدولة التوتاليتارية يضاف الى ذلك ضعف القطاع الخاص وهشاشة الطبقة البراجوازية الوطنية العراقية وعدم وضوح مشروعها الفكري والطبقي والتي كان من الممكن ان تحول دون تضخم الدولة البعثية اقتصاديا وسياسيا.
استطاع البعث العراقي ان يصنع دولة (كراسمالي ضخم) حيث تم الاستيلاء على ثروات المجتمع واتسعت السيطرة الاقتصادية والسياسية والعسكرية والفكرية بعد عسكرة المجتمع ودمج الاجهزة السياسية والامنية في جهاز الدولة خلال حقبة الثمانينات من القرن الماضية وهي خطوات لهندسة تاريخية الدولة الكليانية القومية رافقتها ظهور النزعات العدوانية العسكرية بعد اطلاق اول مغامرة عسكرية ضد ايران نتيجة صعود تيار راديكالي الى السلطة السياسية هذه المغامرة العسكرية ادت الى تحجيم خطط التنمية الوطنية والثقافية وتكريس هيمنة الدولة على الفضاءات السياسية والاقتصادية والاجتماعية واستخدام سياسة الاقصاء والاستبعاد واحتكار السلطة.
بعد انهيار الفكر السوفيتية دخلت الدولة الوطنية العراقية الكليانية في الطور الاخير من ازماتها الدورية وخاصة بعد تبلور ايديولوجية التوسع الراسمالي في النيوليبرالية وسعيها للهيمنة حيث تم حتلال العراق وتفكيك الدولة وبداية (الهيمنة المركبة) للسلطة السياسية.
(2)
ان الوصول الى فهم المنحنى الاسطوري للدولة العراقية ما بعد الهيمنة الكولونيالية الجديدة يتطلب كمدخل اولى تحلليل الخطوط العريضة لبنيات الخطاب السياسي للجماعات الدينية والقومية والاثنية والسياسية والتي تشكل الفضاء العام للمجتمع العراقي فقد شكل مفهوم (الديمقراطية) حجر الزاويا في هذا الخطاب السياسي حيث وقع منتجوا هذا الخطاب في الوهم القائل بان الديمقراطية تعني تماثل الدولة او المؤسسة التمثيلة مع تركيبة المجتمع لكون هذه التركيبة تمثل اصالة المجتمع العراقي (المخترع سياسيا )من قبل هذه الجماعات.
هذا الخطاب السياسي يفتقد الى صيرورات التمركز حول نواة حقيقية او هوية حيث انه نتاج الفكر (البلقانوني) الذي تم اعادة هيكلتة عبر االيات الهويات والاصالة والتفرد في (المخيلة)الايديولوجية ادى الى تمركزات حول (طوائف، قوميات، اعراق، اثينات ) وتوترات سياسية للجماعات المقصية والمهمشة عن الدورة السياسية او الشراكة في السلطة/الثروة.
بعد هذه القراءة السريعة للنسق العام للخطاب السياسي لتلك النخب السياسي (افتراضا )التي تهيمن على الفضاء السياسي بعد التغير 2003والتي تتشكل من مزيج فسيفسائي اي انتاج مجتمع يعاني ازمة تكوين البنى الاجتماعية والاقتصادي والتشظي الشديد والتمركز حول هويات ومرجعيات سياسية وفكرية تتراوح بين التعايش والنزاع ونتيجة للعنف المنظم والقهر الذي مارسته الدولة التوتاليتارية منذ ستينيات القرن الماضي داخل المجتمع العراقي حيث هذه الجماعات الفسيفسائية تبحث عن اسطورة مرجعية او طقس مشترك يمثل اعادة انتاج للراسمال الرمزي للدولة الوطنية العراقية بعد الانهيار الكلي حيث ان هذا الانهيار العاجل للدولة حدد الفشل الاخير لها كما صممت لكثر من ثمانين سنة خلت في اعقاب مواجهة عسكرية اخرى انتهاء باختفاء نهائي لاحد ابطالها ( امبراطوية العثمانية قبالة الامبراطورية البريطانية ).
ان اعادة انتاج هذه النخب السياسية (القرابية، الطائفية )كحامل تاريخي يشير الى مجموعة من الدلالات الملتبسة التي يمكن اكتشافها في المشهد الممسرح حيث انها مرهونة بروح الاسلاف (شعائرهم،طقوسهم) ان ماضي العراق الكولونيالي هو حاضر العراق الكولونيالي.
هذه النخب السياسية لاتمتلك البعد المستقبلي لعراق مابعد صدام حيث ركود البنى الاجتماعية، الازمات المستديمة ضعف الحراك السياسي للطبقات الاجتماعية عدم تبلور جماعات الانتلجستيا...
وهنا تكمن عملية الاخفاء الايديولوجي لجماعات النخب السياسية فهي تكرار مهيب وهزلي للنخب السياسية القديمة التي حكمت الدولة الوطنية العراقية ابان ظهورها، حيث تنطوي هذه الفكرة على المشروعية لتجاوز الظهورات المتعاقبة للدولة (انقلابات، ثورات) فكان رهان الجماعات السياسية ولحد الان الامساك بتاريخية الاسطورة من اجل توسيع المعنى /القوى واضفى الشرعية على مجموعة النخب الجديدة.
فالمسالة العراقية تؤرخ لانهيارات التاريخية المستمرة (للدولةالدستورية الدولة لعسكرية، دولة الحزب الواحد ) وهنا تكمن هزيمة الاستعارة المستعادة امام خطاب النخب السياسية لصعوبة الانسان بمصدرالاسطورة او البحث عن تاطيرات مرجعية –تاريخية نتيجة الترقيعات والتحويرات التي طالت (المأتم الجنائزي العراقي) في تاريخه الحديث حيث ان هذه التحويرات تطال الذاكره الشعبية لكون تاريخ المجتمع يعمل وفق انساق بنيوية خارج الارادات الذاتية للافراد.
فان البحث عن الشرعية مرهون بتغير نمط الحقل السياسي وتجاوز العناصر الطموطمية في تاريخية الفكر وامتلاك المستقبل وتاسيس عناصر المجتمع المدني وتحديث المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وبناء دولة قانون وفتح حوار عقلاني تنوير لاستيعاب الاخر التعددي (الديني والقومي والاثني والطائفي) والخروج التام من دين التوتاليتارية.
.........................................
هوامش
1>ان العمل الضخم لحنا بطاطو يتميز بتصميم مثير للدهشة لتاريخ المجتمع العراقي.
2>دراسة ايديولوجية الاستقلال الوطني. الشفرات ,الوقائع الادبيات السياسية والاقتصادية والفكرية لاكتشاف النزعات التوتاليتارية في الحقل المجتمعي العراقي.
3>لم يتم تحليل طبيعة الازمات الدورية للدولة القومية في العالم العربي والتي اطلق عليها في حقبة السبعينيات (الانظمة التقدمية) سوريا العراق مصر بأستثناء المفكر الماركسي مهدي عامل الذي وصفها كونها انظمة استبدادية وكليانية رثة.
4>الاسطورة هي عبارة عن قصر ايديولوجي مبني بواسطة حصى وانقاض.خطاب اجتماعي قديم (ليفي ستراوس).
5>قراءة الكيفية التي تعيد بها الدولة الفوارق والتمايزات بين الافراد والجماعات كمفتاح الفهم البنى الاجتماعية للمجتمع العراقي ونمو وتدهور الدولة التوتاليتارية البعثية
جذور التوتاليتارية لحنة آرندت: ستالين وهتلر معًا...
جذور التوتاليتارية لحنة آرندت: ستالين وهتلر معًا...
ابراهيم العريس
لم يكن استخدام مصطلح «توتاليتارية» (أي «حكم شمولي»)، بالأمر الجديد في سنة 1945. ذلك أن هذا المصطلح السياسي كان يستخدم، في الكتابة الفكرية كما في اللغة السياسية، منذ زمن بعيد، ومع هذا كان من نوع التجديد أن تستخدمه الكاتبة والمفكرة الألمانية الأصل حنة آرندت، في ذلك العام لتتحدث من خلاله، وبشكل مقارن، عن النازية والستالينية في آن معًا. ففي سنة 1951 حتى حين كان المفكرون ينددون بالستالينية، فإنهم لم يكونوا قد قطعوا بعد الخطوة التي تماثل بين فكر ورث ماركس ولينين، بحسب زعم ستالين وجماعته، الذي يحكم في واحدة من أكبر الأمبراطوريات في العالم، وبين ذلك الوباء النازي الذي كان قد كف عن الحكم، بعد أن جرّ على الإنسانية طوال عقود من السنين ويلات كثيرة. حنة آرندت قطعت تلك الخطوة لتنشر في ذلك العام كتابها جذور التوتاليتارية[1] الذي صار منذ ذلك الحين مرجعًا معتمدًا في الفكر السياسي، ناهيك عن كونه قد صار أيضًا واحدًا من أهم كتب تلك المفكرة التي ستحقق لاحقًا شهرة أكبر حين تكتب، انطلاقًا من ريبورتاج كلفت به من قبل مجلة نيويوركر الأميركية، ذلك النص المدهش حول إيخمان في القدس والذي كان أول ضربة فكرية عميقة توجه إلى السلطات الإسرائيلية من قبل مفكرة يهودية. ولئن كان إيخمان في القدس قد تميز بعمق فلسفي في قراءة الشر وعاديته، على مستوى الفرد، فإن جذور التوتاليتارية تميز بعمقه في دراسة ظواهر سياسية على مستوى الدول والجماعات، ليصبح من فوره واحدًا من كلاسيكيات الفكر السياسي. إضافة إلى أن المفكرين لم يعودوا من بعده قادرين على استبعاد فكرة المقارنة والتقارب بين الظاهرتين الفاشيتين الأكثر حضورًا في القرن العشرين: النازية والستالينية. علمًا أن الكتاب يتناول، كذلك، كجزء مكمل لهاتين الظاهرتين مسألة معاداة السامية، ليس كظاهرة سياسية، بل كمفهوم فكري. ومن هنا اكتملت لهذا الكتاب العناصر التي جعلت منه، محاولة أولى وجريئة لـ «التأريخ الفكري للنصف الأول من القرن العشرين» على الأقل.
ومع هذا، سنلاحظ بسرعة أن الكتاب يبدأ بدراسة ظاهرة نشوء معاداة السامية وتطورها في وسط أوروبا وغربها، منذ أواسط القرن التاسع عشر، رابطة إياها في شكل أو آخر، في فصل تال، بصعود الإمبريالية خلال الفترة الفاصلة بين منتصف ذلك القرن واندلاع الحرب العالمية الأولى. ولعل الجديد الذي أتت به آرندت في هذا المجال، هنا، هو التحليل العميق الذي أوصلها إلى التأكيد على أن التمييز العنصري إنما كان في ذلك الحين السلاح الإيديولوجي الأكثر قوة ومَضاء في يد الإمبريالية الناشئة. ومن هنا، وكما تشير آرندت، صار ذلك التمييز، إضافة إلى البيروقراطية (التي تفيدنا آرندت هنا بأنها اختبرت بأفضل ما اختبرت في مصر خاصة من قبل اللورد كرومر)، صارا معًا السمة الرئيسية للنزعة الكولونيالية الإمبريالية، التي اتسمت في الوقت نفسه بنزعة توسعية لا تعرف حدودًا. ولقد قامت هذه النزعة بالتعارض المطلق مع مفهوم الدولة - الأمة، الذي كان من مقوماته الأساسية انحصاره في جغرافية أرضية محددة. وفي هذا الإطار نلاحظ كيف أن آرندت تهتم هنا بدراسة نمو وتراكم الرأسمال في الأمة - الدولة الأوروبية (فرنسا، بريطانيا، ألمانيا...) خلال القرن التاسع عشر، لتقول لنا، إن هذا الرأسمال كان في حاجة إلى أن يستثمر خارج الأرض الأوروبية المحدودة، كي يصبح مثمرًا، ما تطلب في الوقت نفسه توسيع الرقابة والسيطرة السياسيتين على مناطق عدة خارج القارة الأوروبية، من أجل توظيف الرساميل وحمايتها في شكل دائم. وانطلاقًا من هنا تنتقل آرندت لدراسة ما سمته بـ «الإمبريالية القارية»، عبر دراسة النزعة الجرمانية والنزعة السلافية، ونشوء حركات في البلدان المركزية للشعوب المرتبطة بهذه النزعة، حركات سرعان ما تحولت إلى أحزاب سياسية. وتقول آرندت هنا إن هذه الأحزاب أتت جميعها معادية للفكرة البرلمانية، وجعلت من نفسها بسرعة قوى تستخدم التمييز العنصري ومعاداة السامية أداة لتمكين نفسها. ومن أجل ذلك كان لا بد لها كلها من أن تكون مناهضة لفكرة الدولة، حيث تحل أسطورة العرف لديها مكان هذه الدولة. واللافت هنا هو أن آرندت بعد أن تشرح هذا كله تتوقف لتقول لنا إن ثمة فارقًا كبيرًا بين النازية والستالينية (كتعبيرين على أسطرة النزعة الجرمانية لدى الأولى، والنزعة السلافية لدى الثانية وحلولهما مكان الدولة الحديثة)، وبين الفاشية الإيطالية من ناحية أخرى، حين تقول لنا إن الفاشية في إيطاليا هي على العكس من ذلك
حركة تمجد فكرة الدولة وتاريخها، حتى وإن ظلت حركة قومية تسلطية.
وآرندت تنطلق من تفسير هذا، لتقول إن الستالينية أقرب إلى النازية الهتلرية من الفاشية الموسولينية، طالما أن الستالينية والنازية، بدتا حركتين همهما وهدفهما الرئيسي تدمير الدولة. وعطفًا على هذا تتوقف حنة آرندت في هذا القسم من كتابها، عند ظهور وتفجر مشكلة الأقليات العرقية والأنزياحات الشعبية (اللجوء) خلال السنوات التي تلت الحرب العالمية الأولى مباشرة.
أما في القسم الأخير من كتابها، فإن حنة آرندت تدرس وتناقش كل ما يرتبط بالحركات الشمولية من مؤسسات وممارسات، مركزّة هنا على ما ترى أنه كان التجلي الأكثر بروزًا للتوتاليتارية خلال النصف الأول من القرن العشرين، أي ألمانيا النازية وروسيا الستالينية، فتدرس أول ما تدرس، تحول الطبقات إلى جماهير، ودور الدعاية السياسية (البروباغندا)، في تعامل هذين النظامين مع العالم الخارجي، ناهيك عن استخدام الإرهاب ولا سيما إرهاب الدولة. وهنا، وبحسب دارسيها، تقول آرندت، وبإسهاب، كيف أن الأنظمة التوتاليتارية تختلف عن أنظمة الحكم الفردي الأوتوقراطي، من حيث أن هذه الأنظمة الأخيرة
تسعى للهيمنة على السلطة السياسية المطلقة وجعل المعارضة خارج القانون لإلغائها بعد اضطهادها، بينما تسعى الأنظمة التوتاليتارية إلى السيطرة الشاملة على حياة كل فرد وكل إنسان، كخطوة أولى على طريق السيطرة على العالم.
وفي هذا الإطار تدرس حنة آرندت، وبتعمق، الدور الذي تلعبه في هذا المجال ممارسات مثل إنشاء الجبهات السياسية الوهمية والتي تستخدم كواجهة للحكم، وتأسيس المنظمات الحكومية الوهمية، ونشر النظريات الغيبية كوسيلة للتوفيق
بين الطبيعة الجذرية للأهداف التوتاليتارية، والعالم الخارجي.
وأخيرًا في الفصل الختامي، والذي أضافته آرندت إلى طبعة العام 1958 من هذا الكتاب، تسعى الكاتبة إلى دراسة طبيعة عزل الأفراد عن بعضهم البعض كوسيلة ضرورية لسيادة مبدأ السيطرة الشاملة على المجتمع.
كما أشرنا، تعتبر هذه الدراسة (التي لا شك في أن مفكرين كثرًا تبعوا خطاها وتجاوزوها لاحقًا) واحدًا من أهم الأعمال الفكرية التي درست ظاهرة التوتاليتارية، مميزة إياها بخاصة عن الإمبريالية من ناحية، وعن الحكم الفردي من ناحية ثانية. وصاحبة الدراسة حنة آرندت (1906 - 1975)، فهي الفيلسوفة والمفكرة السياسية الألمانية الأصل والتي عاشت لاحقًا وكتبت في أميركا، وعرفت بمواقفها التقدمية، ناهيك عن صداقتها للفيلسوف مارتن هايدغر ومن قبله علاقاتها مع كارل باسبرز. ومن أعمال آرندت الأساسية الأخرى: حياة العقل، الشرط الإنساني، الإنسان في الأزمان المظلمة، واليهودي كمنبوذ.
الراديكالية العراقية - الطريق المسدود 1-4
الراديكالية العراقية - الطريق المسدود 1-4
ميثم الجنابي m-aljanabi@mail.ru
إن المفارقة التاريخية للراديكالية تقوم في كونها النقيض الفعال للتاريخ، والفاعلة في الوقت نفسه على إفراغه الدائم من علوم الأجيال وأعمالهم! إذ ليست الراديكالية في الواقع سوى الصيغة النظرية والعملية لاقتلاع التاريخ من جذوره من خلال رفض الحاضر وتسخيف الماضي. وهي رؤية لم تبن على أساس استمداد قصائد البطولة والبدائل من المستقبل فحسب، بل ومحاولة تمثيله في كل ما تقول وتفعل. وهي رؤية كما يبرهن التاريخ على انها مجرد وهم سياسي وفكري لا يفعل في نهاية المطاف الا على إفراغ الماضي والحاضر والمستقبل من كل معنى خاص بهم. وبالتالي لا تعني فاعلية ونشاط الراديكالية في ظروف العراق الحالية سوى استمرار زمن الخراب الدائم. إذ يبرهن تاريخ الراديكالية في العراق على انها بلا تاريخ فعلي بمقاييس الدولة الحديثة والفكر النظري العلمي. وذلك لان حياة الراديكالية وعلمها وعملها وحياتها ونشاطها ما هو الا الإفراغ الدائم للحياة والعلم والعمل والنشاط من كل عناصر الوعي الذاتي. بمعنى انها التمثيل الدائم لإفراغ تجارب الأجيال الدائم من تراكم وعيها الذاتي. وبالتالي فإن استمرارها ونشاطها وفاعليتها في الحياة السياسة هو مؤشر على بقاء المجتمع في مرحلة ما قبل الدولة الشرعية والنظام المدني والديمقراطي. وهي حالة ميزت وما تزال تميز العراق في ظرفه الراهن.فقد كانت الراديكالية السياسية بمختلف أطيافها وما تزال تشكل التيار الساري في تاريخ العراق المعاصر، والعنصر المكون لأغلب الرؤى السياسية "اليسارية" و"اليمينية"، "الدينية" و"الدنيوية" (العلمانية). مما جعل منها عاملا فاعلا ومؤثرا في ونفسية وذهنية اغلب حركاته السياسية ومواقفها من النفس والآخرين. وهو الأمر الذي جعل منها وما يزال يجعلها إحدى اخطر الظواهر السياسية والثقافية بالنسبة لوجوده وآفاق تطور البدائل فيه.فمن الناحية التاريخية والنظرية ليس في الراديكالية ما هو معيب بحد ذاته. كما أنها بحد ذاتها ليست رذيلة أو فضيلة. بمعنى انها كانت وما تزال جزءا من العملية الطبيعية لتطور الدولة والمجتمع والثقافة. وإذا كان لهذا الأسلوب ما يبرره في المسار العام للتطور التاريخي العالمي وخصوصية تمظهره في مختلف الدول والأمم والثقافات، فإن ذلك لا يعني ضرورة الراديكالية بحد ذاتها. فمن الناحية الواقعية لا يمكن للدولة والحضارة والحركات الفكرية والسياسية الكبرى أن تظهر دون أن تتعايش معها مختلف أصناف الراديكالية. من هنا كان الإبداع الراديكالي يصب عموما في اتجاه تحسين وترسيخ وتوسيع المدى الثقافي للتقاليد العقلانية الكبرى ونماذج الاعتدال فيها. وذلك لان هذه الراديكاليات كانت تلعب في الأغلب دور المستفز الدائم والعقل النقاد والنزوع الشكاك تجاه ما هو موجود من قيم ومفاهيم وما يجري من أحداث. الا أن هذا الدور "الإيجابي" والطبيعي للراديكالية مرتبط بسيادة المرجعيات العقلانية الكبرى التي تبدعها الثقافة. فهي المرجعيات التي تعمل على تحجيم دور الخميرة الراديكالية في الحياة الاجتماعية من جهة، وتستمد من عنفوانها النقدي طاقة التهذيب العقلاني للإشكاليات التي تواجهها.أما في العراق، فإنها تحولت بسبب غياب تاريخ الدولة وتقاليدها السياسية لقرون عديدة في ظل السيطرة التركية، والانكسار المفاجئ للتقاليد المتراكمة في أواخر المرحلة العثمانية إلى صعود النفس السياسية فقط. وبما أن السياسة هي الخيط والميدان الرابط للناس والأشياء جميعا، وبما أنها الموضوع الذي يمكن أن يتحدث فيه العالم والجاهل، والرفيع والوضيع، والصادق والدجال، والرجال والنساء، والشيوخ والأطفال، لهذا أصبحت في ظل فقدان تقاليد الدولة ومؤسساتها أسلوبا لامتصاص الحثالات الاجتماعية ورميها إلى "مدن" السياسة، أي كل ما شكل أحد المصادر الكبرى لإنعاش الراديكالية نفسها. ولعل أهم نماذجها الحالية العنيفة هي الحركات الراديكالية الإسلامية المتطرفة (الأصولية). إذ لم تكن هذه الحركات سوى الاستظهار المقلوب لزمن الراديكالية الفارغ في العالم العربي. بمعنى إن الراديكالية التي استطاعت إفراغ التاريخ المعاصر للعالم العربي من خلال تهشيم المشاريع الواقعية لبناء الدولة والمجتمع المدني والثقافة العقلانية قد أدت إلى إنتاج "بديلها" في الراديكالية الإسلامية. إذ تكشف التجارب التاريخية للعالم العربي عن حقيقة تقول، بأنه كلما كانت الراديكالية المتسلطة همجية كلما أصبحت الراديكالية المناوئة لها اشد همجية منها.ويقف العراق الآن أمام حالة نتوء الراديكالية الأكثر همجية من تلك التي أنتجتها. وهي حالة "طبيعية" لا يمكن توقع صيغة أخرى لها في ظروفه الحالية. بل يمكن القول، بأنها ظاهرة سوف تستفحل تدريجيا إلى أن تبلغ ذروة انحطاطها بعد خروجها العارم من سجن التوتاليتارية البعثية "العلمانية" والدكتاتورية الصدامية الطائفية. بعبارة أخرى، إن خروجها العارم هذا سوف يضفي على كل الاصوليات الممكنة طابعا متطرفا ويجعلها اشد همجية في علمها وعملها. الا أن مفارقة هذه الظاهرة المدمرة تقوم أيضا في أن استفحال الراديكالية المعاصرة في العراق سوف ينفي بصورة سريعة زمن الدكتاتورية والتوتاليتارية، ومن ثم الراديكالية الهمجية نفسها. وذلك لأنها تعمل بوعي وبدون وعي على استعادة تقاليد العنف الذي تدعي مواجهته والقضاء عليه. وهي حالة لها مقدماتها في توسع المدى المادي والمعنوي لنفسية وذهنية الحثالة الاجتماعية والفئات الرثة التي لازمت استحكام التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية. وهي حالة تكشف عنها نادرة واقعية في العراق تحكي عن أحد "ممثلي" الحثالات الاجتماعية عندا قال لشخص "مثقف" قبل أن يقتله "كيف تعتدي علي وأنا حوذي ابن حوذي ابن حوذي!" أي عندما تتحول الحثالة إلى قيمة "أرستقراطية" تستعلي على الجميع من حيث قدرتها على مواجهة الثقافة باعتبارها قيمة تافهة وضعيفة!وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن العراق في ظرفه الحالي هو بلد الحثالات الاجتماعية، فيمكننا توقع اثر ذلك في نفسية وذهنية لراديكالية الممكنة فيه. وهي راديكالية لا يمكنها الا تكون همجية تامة بسبب طبيعة ومستوى الخراب الداخلي للعراق والهامشية الاجتماعية والتهميش فيه. فالخراب الذي حدث وطبيعة ومستوى التهميش والهامشية هو ليس نتاجا لامزة اجتماعية اقتصادية قاهرة، بل لقهر الدكتاتورية الصدامية والتوتاليتارية البعثية، أي لقهر مركب وشامل وبنيوي. وهو الأمر الذي يفرض على الراديكاليات الممكنة نمطا من التفكير الأيديولوجي والنفسية الاجتماعية هي خليطا من أيديولوجية الحثالات الاجتماعية والرثة السياسية. مما يضعها بالضرورة على خلاف حاد ومواجهة شاملة مع مشاريع البدائل العقلانية في العراق.وهو خلاف ومواجهة سوف تضع بالضرورة هذه الراديكاليات الفاعلة والممكنة ضد المسار العام لمشروع بناء الدولة الشرعية والمجتمع المدني والثقافة العقلانية. غير أن هذه العملية المؤذية تحتوي على قدر من الفائدة السياسية لترسيخ قيمة الرؤية الواقعية والعقلانية. وذلك لان استفحال المواجهة الهمجية من جانب الراديكاليات لمشاريع البدائل العقلانية في العراق سوف يؤدي بالضرورة إلى انحسارها السريع. وهو انحسار محكوم بخلخلة القاعدة الاجتماعية التي ترسبت في اعمق اعماقها كراهية شديدة للفكرة التوتاليتارية والدكتاتورية وممارساتها، أي للراديكالية الهمجية بحد ذاتها. وذلك لان الراديكالية المعاصرة في العراق، وبالأخص في نماذجها الدينية الشيعية منها والسنية لا تعمل في الواقع الا على استعادة العنف المنظم للسلطة بطريقة "اجتماعية". بمعنى محاولتها توسيع مدى العنف من خلال إشراك الفئات الاجتماعية المهمشة. وهي عملية متناقضة سوف تسرع من اغترابها الشامل عن المجتمع نفسه. وذلك لأنها لا تمتلك إمكانية التأثير المادي والمعنوي الذي تمتلكه الراديكالية المتسلطة. وفي مجرى هذه العملية المتناقضة تساهم الراديكالية الدينية والدنيوية والقومية (الأقلية) في تأسيس الرؤية العقلانية والاعتدال عند مختلف الشرائح الاجتماعية. وهي ظاهرة يمكن تلمسها في نمط تفكير الناس العاديين "البسطاء" من العراقيين الذين تخلوا عباراتهم وتصوراتهم وأحكامهم وتقييمهم للأحداث والأشخاص من الدموية وشعور الانتقام والعنف والقسوة. بمعنى إننا نعثر فيها على أجنة الإدراك العادي لقيمة الاعتدال والديمومة العادية في وجود الأشياء.إن تعمق وتوسع وترسخ الإدراك الضروري لقيم الاعتدال والعقلانية هو الاتجاه الواقعي والفعلي المضاد لمضمون الراديكالية نفسها التي تجعل من قطع العلاقة بالتاريخ والتقاليد عقيدة مقدسة. بينما يفترض المقدس هوية الثبات. وهو "فرض" تمارسه الراديكالية بحمية بالغة عبر مطابقته مع التجريب الخشن المبني على احتقار الشكوك والاعتراض. كما أنها تطابق بين فكرة الثابت المقدس مع يقينها الخاص عن أن الفعل التجريبي هو الوحيد المطلق.من هنا ارتفاع زئيفها وزعيقها ونعيقها وتناثر زبدها المتطاير من افواه "الرعية" بكلمات لا تفقه حقيقة معناها. فالراديكالية بشكل عام لا تفقه المعنى في الكلمة والعبارة والحدث. والشيء الوحيد الذي تراه وتمارسه بحمية بالغة وحماسة منقطعة النظير هو جهلها المرفوع إلى مصاف "المقدس". من هنا اكتظاظ كلامها وشعرها وشعارها بكلمة "المقدس". حيث تصبح اتفه الأمور واشدها ابتذالا "مقدسة"، ويصبح "الدفاع عن مقدساتنا" الأسلوب الهمجي لتبرير أفعالها في كل ما تجهله من مقدمات وتعتقده من غايات! وهو تناقض يعبر في الواقع عن طبيعة الراديكالية نفسها التي لا تتقن غير فصل الكلمات عن العبارة والمضمون عن المعنى والواقع عن الحقيقة والماضي عن الحاضر والتاريخ عن الزمن والمستقبل عن أفعالها! وهو الأمر الذي يجعلها اكثر القوى طغيانا في تغييب المجتمع والدولة والثقافة عن فكرة "المقدس". أما المقدس الوحيد فيصبح لهوها بالعبارة وإهمالها المريع للذاكرة التاريخية. وفي هذا بالذات تكمن خطورتها الفعلية بالنسبة لمصير الأمم والدولة والثقافة. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن النفسية والذهنية الراديكالية هي التمثل النموذجي لمساعي "الحسم الشامل والجذري" في تغيير الواقع والمؤسسات والأفكار والقيم، حينذاك يتضح طبيعة أسلوبها في العلم والعمل. وهو أسلوب يؤدي في النهاية إلى تدمير تجارب الماضي وخزين الذاكرة التاريخية ومرتكزات التقاليد الكبرى والقيم والمؤسسات. بمعنى انها لا تعمل في الواقع الا على كسر ونثر حلقات السلسلة الفعلية للذاكرة التاريخية. مع ما يترتب على ذلك من تخريب التجارب الخاصة للأمم وتسخيف فكرة القانون والنظام. حينذاك تصبح قسوتها في "النظام" هو امتهان لفكرة الحق والحقوق والشرعية، مع ما يترتب على ذلك من تحطيم لفكرة الدولة والقانون والأخلاق والمجتمع المدني. أما الحصيلة النهاية لذلك فتقوم في تحول الراديكالية إلى قوة مدمرة لا تنتج في نهاية المطاف غير الخراب والتوغل الدائم فيه. وفي هذا التناقض الدائم والمميز للراديكالية تكمن عوامل رؤيتها المأزومة، التي تحول العقل إلى هوى، والحدس إلى هراوة.أما في الممارسة العملية فإن المصير المحتوم للرؤية المأزومة للراديكالية يقوم في جعل منطق السلاح سلاح المنطق الوحيد! مع ما يترتب على ذلك من استظهار واستبطان لنفسية القوة وتقاليد التجييش والتسليح الشامل. وهو أمر يمكن ملاحظته بجلاء في ظاهرة الاهتمام المفرط بصنع "جيش المهدي" الشيعي وجيوش السنة المتناثرة التي يحمل بعضها ألقاب الإسلام والبعض الآخر أسم الجهاد وثالثها أسم التوحيد ورابعها أسماء الصحابة مثل أبي بكر الصديق والتي سيتبعها ألقاب التابعين إلى أن تصل إلى يزيد (بن معاوية!). وسوف تتزايد (من يزيد) هذه "الجيوش"، أي تتشرذم إلى أن تصل إلى "توحيد" نفسها بصورة علنية تحت راية الصدامية المجاهدة! ألم يكن صدام داعية "الصحوة الإيمانية" التي التفت حولها وشكلت جيوشها "المقدسة" (من القدس) وفدائييها الذين مهروا في جعل العراق وما فيه من غيرهم مجرد كبش فداء للرذيلة "المقدسة"؟!إن هذا "التسلسل" المحتوم في تعميق وتوسيع نفسية وذهنية التجييش والتسلح يؤدي بالضرورة إلى تجذر نفسية وذهنية العنف والإرهاب المميز للراديكالية بشكل عام والإسلامية بشقيها الشيعي والسني بشكل خاص في ظروف العراق الحالية. حيث تجري استعادة العبارة "الثورية" عن العنف و"العنف الشرعي" وما شابه ذلك من اجل تبرير نفسية وذهنية العنف نفسها. وهي ظاهرة تشير أولا وقبل كل شئ إلى ضعف فكرة المجتمع المدني والدولة الشرعية. وفيها ينعكس أيضا انعدام وعي الذات التاريخي في ميادين الثقافة السياسية والاجتماعية والحقوقية. بحيث يجري تحويل الفكرة المتسامية عن ضرورة القوة الداعية إلى "إرهاب أعداء الله" إلى جزء من "إرهاب عدوكم". وإذا كان العدو الدائم للراديكالية هو المؤسسات ووعي الذات التاريخي حينذاك يصبح الإرهاب الشامل ضدهما هو الأسلوب النموذجي لتخريب الحرية والنظام ووعي الذات (الثقافي). أما النتيجة المترتبة على ذلك فهي خراب المجتمع والفضيلة. وهي نتيجة كشف عنها تاريخ العراق الحديث بصورة نموذجية بحيث يمكننا الحديث عن راديكالية عراقية هي بحد ذاتها نموذج كلاسيكي لما يمكن أن تؤدي إليه الراديكالية من طريق مسدود في ميدان بناء الدولة والمجتمع والثقافة.وهو الأمر الذي يجعل من مواجهة الراديكالية بمختلف أصنافها وأشكالها وألوانها ومستوياتها أمرا ضروريا بالنسبة لمشاريع البدائل لعقلانية. وهي مهمة ممكنة التنفيذ من خلال نفي منطق السلاح بسلاح المنطق المبني على فكرة الديمقراطية السياسية والثقافة المدنية وفكرة الحرية. كل ذلك يتطلب جعل الرؤية العقلانية فلسفة الاعتدال العام والسياسي منه بالأخص. فهي الضمانة التي يمكنها أن تؤسس وترسخ تقاليد الثبات الضرورية لوحدة المجتمع وتراثه. وبالتالي قطع الطريق على الراديكالية، بحيث لا يؤدي حتى ظهور مختلف أشكالها وأصنافها وأطيافها، إلا إلى ترسيخ الرؤية العقلانية وفكرة الحقوق والدولة الاجتماعية. وفي ذلك فقط تكمن ضمانة تحطيم الطرق المسدودة! (يتبع)***
ميثم الجنابي m-aljanabi@mail.ru
إن المفارقة التاريخية للراديكالية تقوم في كونها النقيض الفعال للتاريخ، والفاعلة في الوقت نفسه على إفراغه الدائم من علوم الأجيال وأعمالهم! إذ ليست الراديكالية في الواقع سوى الصيغة النظرية والعملية لاقتلاع التاريخ من جذوره من خلال رفض الحاضر وتسخيف الماضي. وهي رؤية لم تبن على أساس استمداد قصائد البطولة والبدائل من المستقبل فحسب، بل ومحاولة تمثيله في كل ما تقول وتفعل. وهي رؤية كما يبرهن التاريخ على انها مجرد وهم سياسي وفكري لا يفعل في نهاية المطاف الا على إفراغ الماضي والحاضر والمستقبل من كل معنى خاص بهم. وبالتالي لا تعني فاعلية ونشاط الراديكالية في ظروف العراق الحالية سوى استمرار زمن الخراب الدائم. إذ يبرهن تاريخ الراديكالية في العراق على انها بلا تاريخ فعلي بمقاييس الدولة الحديثة والفكر النظري العلمي. وذلك لان حياة الراديكالية وعلمها وعملها وحياتها ونشاطها ما هو الا الإفراغ الدائم للحياة والعلم والعمل والنشاط من كل عناصر الوعي الذاتي. بمعنى انها التمثيل الدائم لإفراغ تجارب الأجيال الدائم من تراكم وعيها الذاتي. وبالتالي فإن استمرارها ونشاطها وفاعليتها في الحياة السياسة هو مؤشر على بقاء المجتمع في مرحلة ما قبل الدولة الشرعية والنظام المدني والديمقراطي. وهي حالة ميزت وما تزال تميز العراق في ظرفه الراهن.فقد كانت الراديكالية السياسية بمختلف أطيافها وما تزال تشكل التيار الساري في تاريخ العراق المعاصر، والعنصر المكون لأغلب الرؤى السياسية "اليسارية" و"اليمينية"، "الدينية" و"الدنيوية" (العلمانية). مما جعل منها عاملا فاعلا ومؤثرا في ونفسية وذهنية اغلب حركاته السياسية ومواقفها من النفس والآخرين. وهو الأمر الذي جعل منها وما يزال يجعلها إحدى اخطر الظواهر السياسية والثقافية بالنسبة لوجوده وآفاق تطور البدائل فيه.فمن الناحية التاريخية والنظرية ليس في الراديكالية ما هو معيب بحد ذاته. كما أنها بحد ذاتها ليست رذيلة أو فضيلة. بمعنى انها كانت وما تزال جزءا من العملية الطبيعية لتطور الدولة والمجتمع والثقافة. وإذا كان لهذا الأسلوب ما يبرره في المسار العام للتطور التاريخي العالمي وخصوصية تمظهره في مختلف الدول والأمم والثقافات، فإن ذلك لا يعني ضرورة الراديكالية بحد ذاتها. فمن الناحية الواقعية لا يمكن للدولة والحضارة والحركات الفكرية والسياسية الكبرى أن تظهر دون أن تتعايش معها مختلف أصناف الراديكالية. من هنا كان الإبداع الراديكالي يصب عموما في اتجاه تحسين وترسيخ وتوسيع المدى الثقافي للتقاليد العقلانية الكبرى ونماذج الاعتدال فيها. وذلك لان هذه الراديكاليات كانت تلعب في الأغلب دور المستفز الدائم والعقل النقاد والنزوع الشكاك تجاه ما هو موجود من قيم ومفاهيم وما يجري من أحداث. الا أن هذا الدور "الإيجابي" والطبيعي للراديكالية مرتبط بسيادة المرجعيات العقلانية الكبرى التي تبدعها الثقافة. فهي المرجعيات التي تعمل على تحجيم دور الخميرة الراديكالية في الحياة الاجتماعية من جهة، وتستمد من عنفوانها النقدي طاقة التهذيب العقلاني للإشكاليات التي تواجهها.أما في العراق، فإنها تحولت بسبب غياب تاريخ الدولة وتقاليدها السياسية لقرون عديدة في ظل السيطرة التركية، والانكسار المفاجئ للتقاليد المتراكمة في أواخر المرحلة العثمانية إلى صعود النفس السياسية فقط. وبما أن السياسة هي الخيط والميدان الرابط للناس والأشياء جميعا، وبما أنها الموضوع الذي يمكن أن يتحدث فيه العالم والجاهل، والرفيع والوضيع، والصادق والدجال، والرجال والنساء، والشيوخ والأطفال، لهذا أصبحت في ظل فقدان تقاليد الدولة ومؤسساتها أسلوبا لامتصاص الحثالات الاجتماعية ورميها إلى "مدن" السياسة، أي كل ما شكل أحد المصادر الكبرى لإنعاش الراديكالية نفسها. ولعل أهم نماذجها الحالية العنيفة هي الحركات الراديكالية الإسلامية المتطرفة (الأصولية). إذ لم تكن هذه الحركات سوى الاستظهار المقلوب لزمن الراديكالية الفارغ في العالم العربي. بمعنى إن الراديكالية التي استطاعت إفراغ التاريخ المعاصر للعالم العربي من خلال تهشيم المشاريع الواقعية لبناء الدولة والمجتمع المدني والثقافة العقلانية قد أدت إلى إنتاج "بديلها" في الراديكالية الإسلامية. إذ تكشف التجارب التاريخية للعالم العربي عن حقيقة تقول، بأنه كلما كانت الراديكالية المتسلطة همجية كلما أصبحت الراديكالية المناوئة لها اشد همجية منها.ويقف العراق الآن أمام حالة نتوء الراديكالية الأكثر همجية من تلك التي أنتجتها. وهي حالة "طبيعية" لا يمكن توقع صيغة أخرى لها في ظروفه الحالية. بل يمكن القول، بأنها ظاهرة سوف تستفحل تدريجيا إلى أن تبلغ ذروة انحطاطها بعد خروجها العارم من سجن التوتاليتارية البعثية "العلمانية" والدكتاتورية الصدامية الطائفية. بعبارة أخرى، إن خروجها العارم هذا سوف يضفي على كل الاصوليات الممكنة طابعا متطرفا ويجعلها اشد همجية في علمها وعملها. الا أن مفارقة هذه الظاهرة المدمرة تقوم أيضا في أن استفحال الراديكالية المعاصرة في العراق سوف ينفي بصورة سريعة زمن الدكتاتورية والتوتاليتارية، ومن ثم الراديكالية الهمجية نفسها. وذلك لأنها تعمل بوعي وبدون وعي على استعادة تقاليد العنف الذي تدعي مواجهته والقضاء عليه. وهي حالة لها مقدماتها في توسع المدى المادي والمعنوي لنفسية وذهنية الحثالة الاجتماعية والفئات الرثة التي لازمت استحكام التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية. وهي حالة تكشف عنها نادرة واقعية في العراق تحكي عن أحد "ممثلي" الحثالات الاجتماعية عندا قال لشخص "مثقف" قبل أن يقتله "كيف تعتدي علي وأنا حوذي ابن حوذي ابن حوذي!" أي عندما تتحول الحثالة إلى قيمة "أرستقراطية" تستعلي على الجميع من حيث قدرتها على مواجهة الثقافة باعتبارها قيمة تافهة وضعيفة!وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن العراق في ظرفه الحالي هو بلد الحثالات الاجتماعية، فيمكننا توقع اثر ذلك في نفسية وذهنية لراديكالية الممكنة فيه. وهي راديكالية لا يمكنها الا تكون همجية تامة بسبب طبيعة ومستوى الخراب الداخلي للعراق والهامشية الاجتماعية والتهميش فيه. فالخراب الذي حدث وطبيعة ومستوى التهميش والهامشية هو ليس نتاجا لامزة اجتماعية اقتصادية قاهرة، بل لقهر الدكتاتورية الصدامية والتوتاليتارية البعثية، أي لقهر مركب وشامل وبنيوي. وهو الأمر الذي يفرض على الراديكاليات الممكنة نمطا من التفكير الأيديولوجي والنفسية الاجتماعية هي خليطا من أيديولوجية الحثالات الاجتماعية والرثة السياسية. مما يضعها بالضرورة على خلاف حاد ومواجهة شاملة مع مشاريع البدائل العقلانية في العراق.وهو خلاف ومواجهة سوف تضع بالضرورة هذه الراديكاليات الفاعلة والممكنة ضد المسار العام لمشروع بناء الدولة الشرعية والمجتمع المدني والثقافة العقلانية. غير أن هذه العملية المؤذية تحتوي على قدر من الفائدة السياسية لترسيخ قيمة الرؤية الواقعية والعقلانية. وذلك لان استفحال المواجهة الهمجية من جانب الراديكاليات لمشاريع البدائل العقلانية في العراق سوف يؤدي بالضرورة إلى انحسارها السريع. وهو انحسار محكوم بخلخلة القاعدة الاجتماعية التي ترسبت في اعمق اعماقها كراهية شديدة للفكرة التوتاليتارية والدكتاتورية وممارساتها، أي للراديكالية الهمجية بحد ذاتها. وذلك لان الراديكالية المعاصرة في العراق، وبالأخص في نماذجها الدينية الشيعية منها والسنية لا تعمل في الواقع الا على استعادة العنف المنظم للسلطة بطريقة "اجتماعية". بمعنى محاولتها توسيع مدى العنف من خلال إشراك الفئات الاجتماعية المهمشة. وهي عملية متناقضة سوف تسرع من اغترابها الشامل عن المجتمع نفسه. وذلك لأنها لا تمتلك إمكانية التأثير المادي والمعنوي الذي تمتلكه الراديكالية المتسلطة. وفي مجرى هذه العملية المتناقضة تساهم الراديكالية الدينية والدنيوية والقومية (الأقلية) في تأسيس الرؤية العقلانية والاعتدال عند مختلف الشرائح الاجتماعية. وهي ظاهرة يمكن تلمسها في نمط تفكير الناس العاديين "البسطاء" من العراقيين الذين تخلوا عباراتهم وتصوراتهم وأحكامهم وتقييمهم للأحداث والأشخاص من الدموية وشعور الانتقام والعنف والقسوة. بمعنى إننا نعثر فيها على أجنة الإدراك العادي لقيمة الاعتدال والديمومة العادية في وجود الأشياء.إن تعمق وتوسع وترسخ الإدراك الضروري لقيم الاعتدال والعقلانية هو الاتجاه الواقعي والفعلي المضاد لمضمون الراديكالية نفسها التي تجعل من قطع العلاقة بالتاريخ والتقاليد عقيدة مقدسة. بينما يفترض المقدس هوية الثبات. وهو "فرض" تمارسه الراديكالية بحمية بالغة عبر مطابقته مع التجريب الخشن المبني على احتقار الشكوك والاعتراض. كما أنها تطابق بين فكرة الثابت المقدس مع يقينها الخاص عن أن الفعل التجريبي هو الوحيد المطلق.من هنا ارتفاع زئيفها وزعيقها ونعيقها وتناثر زبدها المتطاير من افواه "الرعية" بكلمات لا تفقه حقيقة معناها. فالراديكالية بشكل عام لا تفقه المعنى في الكلمة والعبارة والحدث. والشيء الوحيد الذي تراه وتمارسه بحمية بالغة وحماسة منقطعة النظير هو جهلها المرفوع إلى مصاف "المقدس". من هنا اكتظاظ كلامها وشعرها وشعارها بكلمة "المقدس". حيث تصبح اتفه الأمور واشدها ابتذالا "مقدسة"، ويصبح "الدفاع عن مقدساتنا" الأسلوب الهمجي لتبرير أفعالها في كل ما تجهله من مقدمات وتعتقده من غايات! وهو تناقض يعبر في الواقع عن طبيعة الراديكالية نفسها التي لا تتقن غير فصل الكلمات عن العبارة والمضمون عن المعنى والواقع عن الحقيقة والماضي عن الحاضر والتاريخ عن الزمن والمستقبل عن أفعالها! وهو الأمر الذي يجعلها اكثر القوى طغيانا في تغييب المجتمع والدولة والثقافة عن فكرة "المقدس". أما المقدس الوحيد فيصبح لهوها بالعبارة وإهمالها المريع للذاكرة التاريخية. وفي هذا بالذات تكمن خطورتها الفعلية بالنسبة لمصير الأمم والدولة والثقافة. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن النفسية والذهنية الراديكالية هي التمثل النموذجي لمساعي "الحسم الشامل والجذري" في تغيير الواقع والمؤسسات والأفكار والقيم، حينذاك يتضح طبيعة أسلوبها في العلم والعمل. وهو أسلوب يؤدي في النهاية إلى تدمير تجارب الماضي وخزين الذاكرة التاريخية ومرتكزات التقاليد الكبرى والقيم والمؤسسات. بمعنى انها لا تعمل في الواقع الا على كسر ونثر حلقات السلسلة الفعلية للذاكرة التاريخية. مع ما يترتب على ذلك من تخريب التجارب الخاصة للأمم وتسخيف فكرة القانون والنظام. حينذاك تصبح قسوتها في "النظام" هو امتهان لفكرة الحق والحقوق والشرعية، مع ما يترتب على ذلك من تحطيم لفكرة الدولة والقانون والأخلاق والمجتمع المدني. أما الحصيلة النهاية لذلك فتقوم في تحول الراديكالية إلى قوة مدمرة لا تنتج في نهاية المطاف غير الخراب والتوغل الدائم فيه. وفي هذا التناقض الدائم والمميز للراديكالية تكمن عوامل رؤيتها المأزومة، التي تحول العقل إلى هوى، والحدس إلى هراوة.أما في الممارسة العملية فإن المصير المحتوم للرؤية المأزومة للراديكالية يقوم في جعل منطق السلاح سلاح المنطق الوحيد! مع ما يترتب على ذلك من استظهار واستبطان لنفسية القوة وتقاليد التجييش والتسليح الشامل. وهو أمر يمكن ملاحظته بجلاء في ظاهرة الاهتمام المفرط بصنع "جيش المهدي" الشيعي وجيوش السنة المتناثرة التي يحمل بعضها ألقاب الإسلام والبعض الآخر أسم الجهاد وثالثها أسم التوحيد ورابعها أسماء الصحابة مثل أبي بكر الصديق والتي سيتبعها ألقاب التابعين إلى أن تصل إلى يزيد (بن معاوية!). وسوف تتزايد (من يزيد) هذه "الجيوش"، أي تتشرذم إلى أن تصل إلى "توحيد" نفسها بصورة علنية تحت راية الصدامية المجاهدة! ألم يكن صدام داعية "الصحوة الإيمانية" التي التفت حولها وشكلت جيوشها "المقدسة" (من القدس) وفدائييها الذين مهروا في جعل العراق وما فيه من غيرهم مجرد كبش فداء للرذيلة "المقدسة"؟!إن هذا "التسلسل" المحتوم في تعميق وتوسيع نفسية وذهنية التجييش والتسلح يؤدي بالضرورة إلى تجذر نفسية وذهنية العنف والإرهاب المميز للراديكالية بشكل عام والإسلامية بشقيها الشيعي والسني بشكل خاص في ظروف العراق الحالية. حيث تجري استعادة العبارة "الثورية" عن العنف و"العنف الشرعي" وما شابه ذلك من اجل تبرير نفسية وذهنية العنف نفسها. وهي ظاهرة تشير أولا وقبل كل شئ إلى ضعف فكرة المجتمع المدني والدولة الشرعية. وفيها ينعكس أيضا انعدام وعي الذات التاريخي في ميادين الثقافة السياسية والاجتماعية والحقوقية. بحيث يجري تحويل الفكرة المتسامية عن ضرورة القوة الداعية إلى "إرهاب أعداء الله" إلى جزء من "إرهاب عدوكم". وإذا كان العدو الدائم للراديكالية هو المؤسسات ووعي الذات التاريخي حينذاك يصبح الإرهاب الشامل ضدهما هو الأسلوب النموذجي لتخريب الحرية والنظام ووعي الذات (الثقافي). أما النتيجة المترتبة على ذلك فهي خراب المجتمع والفضيلة. وهي نتيجة كشف عنها تاريخ العراق الحديث بصورة نموذجية بحيث يمكننا الحديث عن راديكالية عراقية هي بحد ذاتها نموذج كلاسيكي لما يمكن أن تؤدي إليه الراديكالية من طريق مسدود في ميدان بناء الدولة والمجتمع والثقافة.وهو الأمر الذي يجعل من مواجهة الراديكالية بمختلف أصنافها وأشكالها وألوانها ومستوياتها أمرا ضروريا بالنسبة لمشاريع البدائل لعقلانية. وهي مهمة ممكنة التنفيذ من خلال نفي منطق السلاح بسلاح المنطق المبني على فكرة الديمقراطية السياسية والثقافة المدنية وفكرة الحرية. كل ذلك يتطلب جعل الرؤية العقلانية فلسفة الاعتدال العام والسياسي منه بالأخص. فهي الضمانة التي يمكنها أن تؤسس وترسخ تقاليد الثبات الضرورية لوحدة المجتمع وتراثه. وبالتالي قطع الطريق على الراديكالية، بحيث لا يؤدي حتى ظهور مختلف أشكالها وأصنافها وأطيافها، إلا إلى ترسيخ الرؤية العقلانية وفكرة الحقوق والدولة الاجتماعية. وفي ذلك فقط تكمن ضمانة تحطيم الطرق المسدودة! (يتبع)***
الراديكالية والرؤية المأزومة في العراق – 2-4
الراديكالية والرؤية المأزومة في العراق – 2-4
ميثم الجنابي m-aljanabi@mail.ru
يبرهن تاريخ الراديكالية في العراق على انها بلا تاريخ فعلي بمقاييس الدولة الحديثة والفكر النظري العلمي. وذلك لان حياة الراديكالية وعلمها وعملها وحياتها ونشاطها ما هو الا الإفراغ الدائم للحياة والعلم والعمل والنشاط من كل عناصر الوعي الذاتي. بمعنى انها التمثيل الدائم لإفراغ تجارب الأجيال الدائم من تراكم وعيها الذاتي. وبالتالي فإن استمرارها ونشاطها وفاعليتها في الحياة السياسة هو مؤشر على بقاء المجتمع في مرحلة ما قبل الدولة الشرعية والنظام المدني والديمقراطي. وهي حالة ميزت وما تزال تميز العراق في ظرفه الراهن. فقد كانت الراديكالية السياسية بمختلف أطيافها وما تزال تشكل التيار الساري في تاريخ العراق المعاصر، والعنصر المكون لأغلب الرؤى السياسية "اليسارية" و"اليمينية"، "الدينية" و"الدنيوية" (العلمانية).فمن الناحية التاريخية والنظرية كانت الراديكالية وما تزال جزءا من العملية الطبيعية لتطور الدولة والمجتمع والثقافة. وإذا كان لهذا الأسلوب ما يبرره في المسار العام للتطور التاريخي العالمي وخصوصية تمظهره في مختلف الدول والأمم والثقافات، فإن ذلك لا يعني ضرورة الراديكالية بحد ذاتها. فمن الناحية الواقعية لا يمكن للدولة والحضارة والحركات الفكرية والسياسية الكبرى أن تظهر دون أن تتعايش معها مختلف أصناف الراديكالية. من هنا كان الإبداع الراديكالي يصب عموما في اتجاه تحسين وترسيخ وتوسيع المدى الثقافي للتقاليد العقلانية الكبرى ونماذج الاعتدال فيها. وذلك لان هذه الراديكاليات كانت تلعب في الأغلب دور المستفز الدائم والعقل النقاد والنزوع الشكاك تجاه ما هو موجود من قيم ومفاهيم وما يجري من أحداث. الا أن هذا الدور "الإيجابي" والطبيعي للراديكالية مرتبط بسيادة المرجعيات العقلانية الكبرى التي تبدعها الثقافة.أما في العراق، فإنها تحولت بسبب غياب تاريخ الدولة وتقاليدها السياسية لقرون عديدة إلى قوة مخربة فقط.ولعل أهم نماذجها الحالية العنيفة هي الحركات الراديكالية الإسلامية المتطرفة (الأصولية). إذ لم تكن هذه الحركات سوى الاستظهار المقلوب لزمن الراديكالية الفارغ في العراق كما جسدتها التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية. فقد استطاعت إفراغ التاريخ العراقي من كل مكونات وعيه الذاتي من خلال تهشيم المشاريع الواقعية لبناء الدولة والمجتمع المدني والثقافة العقلانية. وأدت في النهاية إلى إنتاج "بديلها" في الراديكالية الإسلامية. إذ تكشف التجارب التاريخية للعراق عن حقيقة تقول، بأنه كلما كانت الراديكالية المتسلطة همجية كلما أصبحت الراديكالية المناوئة لها اشد همجية منها.وهي الحالة التي يقف العراق أمامها الآن. وهي حالة "طبيعية" لا يمكن توقع صيغة أخرى لها في ظروفه الحالية. بل يمكن القول، بأنها ظاهرة سوف تستفحل تدريجيا إلى أن تبلغ ذروة انحطاطها بعد خروجها العارم من سجن التوتاليتارية البعثية "العلمانية" والدكتاتورية الصدامية الطائفية. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن العراق في ظرفه الحالي هو بلد الحثالات الاجتماعية، فيمكننا توقع اثر ذلك في نفسية وذهنية لراديكالية الممكنة فيه. فالخراب الذي حدث وطبيعة ومستوى التهميش والهامشية هو نتاج لقهر مركب وشامل وبنيوي. مما سيفرض بدوره على الراديكاليات الممكنة نمطا من التفكير الأيديولوجي والنفسية الاجتماعية هي خليطا من أيديولوجية الحثالات الاجتماعية والرثة السياسية. الا أن مفارقة هذه الظاهرة المدمرة تقوم أيضا في أن استفحال الراديكالية المعاصرة في العراق سوف ينفي بصورة سريعة زمن الدكتاتورية والتوتاليتارية، ومن ثم الراديكالية الهمجية نفسها. وذلك لأنها تعمل بوعي وبدون وعي على استعادة تقاليد العنف الذي تدعي مواجهته والقضاء عليه. وهي حالة سوف تضع هذه الراديكاليات الفاعلة والممكنة ضد المسار العام لمشروع بناء الدولة الشرعية والمجتمع المدني والثقافة العقلانية. وذلك لان الراديكالية المعاصرة في العراق، وبالأخص في نماذجها الدينية الشيعية منها والسنية لا تعمل في الواقع الا على استعادة العنف المنظم للسلطة بطريقة "اجتماعية". بمعنى محاولتها توسيع مدى العنف من خلال إشراك الفئات الاجتماعية المهمشة. وهي عملية متناقضة سوف تسرع من اغترابها الشامل عن المجتمع نفسه. وذلك لأنها لا تمتلك إمكانية التأثير المادي والمعنوي الذي تمتلكه الراديكالية المتسلطة.إن تعمق وتوسع وترسخ الإدراك الضروري لقيم الاعتدال والعقلانية هو الاتجاه الواقعي والفعلي المضاد لمضمون الراديكالية نفسها التي تجعل من قطع العلاقة بالتاريخ والتقاليد عقيدة مقدسة. بينما يفترض المقدس هوية الثبات. وهو "فرض" تمارسه الراديكالية بحمية بالغة عبر مطابقته مع التجريب الخشن المبني على احتقار الشكوك والاعتراض. كما أنها تطابق بين فكرة الثابت المقدس مع يقينها الخاص عن أن الفعل التجريبي هو الوحيد المطلق.وهو تناقض يعبر في الواقع عن طبيعة الراديكالية نفسها التي لا تتقن غير فصل الكلمات عن العبارة والمضمون عن المعنى والواقع عن الحقيقة والماضي عن الحاضر والتاريخ عن الزمن والمستقبل عن أفعالها! وهو الأمر الذي يأزم على الدوام رؤيتها للواقع والمستقبل. مما يؤدي بها بالضرورة إلى تدمير تجارب الماضي وخزين الذاكرة التاريخية ومرتكزات التقاليد الكبرى والقيم والمؤسسات. بمعنى انها لا تعمل في الواقع الا على كسر ونثر حلقات السلسلة الفعلية للذاكرة التاريخية. مع ما يترتب على ذلك من تخريب التجارب الخاصة للأمم وتسخيف فكرة القانون والنظام. حينذاك تصبح أفعالها مجرد سلسلة في امتهان فكرة الحق والحقوق والشرعية، مع ما يترتب على ذلك من تحطيم لفكرة الدولة والقانون والأخلاق والمجتمع المدني. أما الحصيلة النهاية لذلك فتقوم في تحول الراديكالية إلى قوة مدمرة لا تنتج في نهاية المطاف غير الخراب والتوغل الدائم فيه. مع ما يترتب على ذلك من رؤية مأزومة تجاه كل شئ ومطلب! أما المخرج الوحيد لها هنا فهو ممارسة العنف بمختلف أشكاله "الشرعية" وغير الشرعية. وهي ممارسة معبرة عن تنامي نفسية وذهنية العنف نفسها. بمعنى عن أزمتها المتزايدة.وهي ظاهرة تشير أولا وقبل كل شئ إلى ضعف فكرة المجتمع المدني والدولة الشرعية. وفيها ينعكس أيضا انعدام وعي الذات التاريخي في ميادين الثقافة السياسية والاجتماعية والحقوقية. أما النتيجة المترتبة على ذلك فهي خراب المجتمع والفضيلة. وهي نتيجة كشف عنها تاريخ العراق الحديث وما يواجهه الآن من مشاكل بنيوية مستعصية وهائلة تشمل كل مكونات وجوده. وهو الأمر الذي يجعل من مواجهة الراديكالية بمختلف أصنافها وأشكالها وألوانها ومستوياتها أمرا ضروريا بالنسبة لمشاريع البدائل العقلانية. وهي مهمة ممكنة التنفيذ من خلال إرساء أسس الرؤية العقلانية وفلسفة الاعتدال. فهو الأسلوب الوحيد لتذليل الأزمة الشاملة في العراق ونموذجها الخاص في الرؤية الراديكالية. وهو تذليل يستحيل دون بناء مقدماتها المادية في إعادة توحيد المجتمع تراثه على أسس الشرعية والديمقراطية الاجتماعية والعدالة.فهي مقومات الرؤية العقلانية وفكرة الحقوق والدولة الاجتماعية. وفيها فقط يمكن بناء سد مأرب جديد في وجه التيار الكاسح للراديكالية. بمعنى وضع أسس الرؤية العقلانية ضد تيار الخراب النابع من واقع العراق وزمنه الحديث
ميثم الجنابي m-aljanabi@mail.ru
يبرهن تاريخ الراديكالية في العراق على انها بلا تاريخ فعلي بمقاييس الدولة الحديثة والفكر النظري العلمي. وذلك لان حياة الراديكالية وعلمها وعملها وحياتها ونشاطها ما هو الا الإفراغ الدائم للحياة والعلم والعمل والنشاط من كل عناصر الوعي الذاتي. بمعنى انها التمثيل الدائم لإفراغ تجارب الأجيال الدائم من تراكم وعيها الذاتي. وبالتالي فإن استمرارها ونشاطها وفاعليتها في الحياة السياسة هو مؤشر على بقاء المجتمع في مرحلة ما قبل الدولة الشرعية والنظام المدني والديمقراطي. وهي حالة ميزت وما تزال تميز العراق في ظرفه الراهن. فقد كانت الراديكالية السياسية بمختلف أطيافها وما تزال تشكل التيار الساري في تاريخ العراق المعاصر، والعنصر المكون لأغلب الرؤى السياسية "اليسارية" و"اليمينية"، "الدينية" و"الدنيوية" (العلمانية).فمن الناحية التاريخية والنظرية كانت الراديكالية وما تزال جزءا من العملية الطبيعية لتطور الدولة والمجتمع والثقافة. وإذا كان لهذا الأسلوب ما يبرره في المسار العام للتطور التاريخي العالمي وخصوصية تمظهره في مختلف الدول والأمم والثقافات، فإن ذلك لا يعني ضرورة الراديكالية بحد ذاتها. فمن الناحية الواقعية لا يمكن للدولة والحضارة والحركات الفكرية والسياسية الكبرى أن تظهر دون أن تتعايش معها مختلف أصناف الراديكالية. من هنا كان الإبداع الراديكالي يصب عموما في اتجاه تحسين وترسيخ وتوسيع المدى الثقافي للتقاليد العقلانية الكبرى ونماذج الاعتدال فيها. وذلك لان هذه الراديكاليات كانت تلعب في الأغلب دور المستفز الدائم والعقل النقاد والنزوع الشكاك تجاه ما هو موجود من قيم ومفاهيم وما يجري من أحداث. الا أن هذا الدور "الإيجابي" والطبيعي للراديكالية مرتبط بسيادة المرجعيات العقلانية الكبرى التي تبدعها الثقافة.أما في العراق، فإنها تحولت بسبب غياب تاريخ الدولة وتقاليدها السياسية لقرون عديدة إلى قوة مخربة فقط.ولعل أهم نماذجها الحالية العنيفة هي الحركات الراديكالية الإسلامية المتطرفة (الأصولية). إذ لم تكن هذه الحركات سوى الاستظهار المقلوب لزمن الراديكالية الفارغ في العراق كما جسدتها التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية. فقد استطاعت إفراغ التاريخ العراقي من كل مكونات وعيه الذاتي من خلال تهشيم المشاريع الواقعية لبناء الدولة والمجتمع المدني والثقافة العقلانية. وأدت في النهاية إلى إنتاج "بديلها" في الراديكالية الإسلامية. إذ تكشف التجارب التاريخية للعراق عن حقيقة تقول، بأنه كلما كانت الراديكالية المتسلطة همجية كلما أصبحت الراديكالية المناوئة لها اشد همجية منها.وهي الحالة التي يقف العراق أمامها الآن. وهي حالة "طبيعية" لا يمكن توقع صيغة أخرى لها في ظروفه الحالية. بل يمكن القول، بأنها ظاهرة سوف تستفحل تدريجيا إلى أن تبلغ ذروة انحطاطها بعد خروجها العارم من سجن التوتاليتارية البعثية "العلمانية" والدكتاتورية الصدامية الطائفية. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن العراق في ظرفه الحالي هو بلد الحثالات الاجتماعية، فيمكننا توقع اثر ذلك في نفسية وذهنية لراديكالية الممكنة فيه. فالخراب الذي حدث وطبيعة ومستوى التهميش والهامشية هو نتاج لقهر مركب وشامل وبنيوي. مما سيفرض بدوره على الراديكاليات الممكنة نمطا من التفكير الأيديولوجي والنفسية الاجتماعية هي خليطا من أيديولوجية الحثالات الاجتماعية والرثة السياسية. الا أن مفارقة هذه الظاهرة المدمرة تقوم أيضا في أن استفحال الراديكالية المعاصرة في العراق سوف ينفي بصورة سريعة زمن الدكتاتورية والتوتاليتارية، ومن ثم الراديكالية الهمجية نفسها. وذلك لأنها تعمل بوعي وبدون وعي على استعادة تقاليد العنف الذي تدعي مواجهته والقضاء عليه. وهي حالة سوف تضع هذه الراديكاليات الفاعلة والممكنة ضد المسار العام لمشروع بناء الدولة الشرعية والمجتمع المدني والثقافة العقلانية. وذلك لان الراديكالية المعاصرة في العراق، وبالأخص في نماذجها الدينية الشيعية منها والسنية لا تعمل في الواقع الا على استعادة العنف المنظم للسلطة بطريقة "اجتماعية". بمعنى محاولتها توسيع مدى العنف من خلال إشراك الفئات الاجتماعية المهمشة. وهي عملية متناقضة سوف تسرع من اغترابها الشامل عن المجتمع نفسه. وذلك لأنها لا تمتلك إمكانية التأثير المادي والمعنوي الذي تمتلكه الراديكالية المتسلطة.إن تعمق وتوسع وترسخ الإدراك الضروري لقيم الاعتدال والعقلانية هو الاتجاه الواقعي والفعلي المضاد لمضمون الراديكالية نفسها التي تجعل من قطع العلاقة بالتاريخ والتقاليد عقيدة مقدسة. بينما يفترض المقدس هوية الثبات. وهو "فرض" تمارسه الراديكالية بحمية بالغة عبر مطابقته مع التجريب الخشن المبني على احتقار الشكوك والاعتراض. كما أنها تطابق بين فكرة الثابت المقدس مع يقينها الخاص عن أن الفعل التجريبي هو الوحيد المطلق.وهو تناقض يعبر في الواقع عن طبيعة الراديكالية نفسها التي لا تتقن غير فصل الكلمات عن العبارة والمضمون عن المعنى والواقع عن الحقيقة والماضي عن الحاضر والتاريخ عن الزمن والمستقبل عن أفعالها! وهو الأمر الذي يأزم على الدوام رؤيتها للواقع والمستقبل. مما يؤدي بها بالضرورة إلى تدمير تجارب الماضي وخزين الذاكرة التاريخية ومرتكزات التقاليد الكبرى والقيم والمؤسسات. بمعنى انها لا تعمل في الواقع الا على كسر ونثر حلقات السلسلة الفعلية للذاكرة التاريخية. مع ما يترتب على ذلك من تخريب التجارب الخاصة للأمم وتسخيف فكرة القانون والنظام. حينذاك تصبح أفعالها مجرد سلسلة في امتهان فكرة الحق والحقوق والشرعية، مع ما يترتب على ذلك من تحطيم لفكرة الدولة والقانون والأخلاق والمجتمع المدني. أما الحصيلة النهاية لذلك فتقوم في تحول الراديكالية إلى قوة مدمرة لا تنتج في نهاية المطاف غير الخراب والتوغل الدائم فيه. مع ما يترتب على ذلك من رؤية مأزومة تجاه كل شئ ومطلب! أما المخرج الوحيد لها هنا فهو ممارسة العنف بمختلف أشكاله "الشرعية" وغير الشرعية. وهي ممارسة معبرة عن تنامي نفسية وذهنية العنف نفسها. بمعنى عن أزمتها المتزايدة.وهي ظاهرة تشير أولا وقبل كل شئ إلى ضعف فكرة المجتمع المدني والدولة الشرعية. وفيها ينعكس أيضا انعدام وعي الذات التاريخي في ميادين الثقافة السياسية والاجتماعية والحقوقية. أما النتيجة المترتبة على ذلك فهي خراب المجتمع والفضيلة. وهي نتيجة كشف عنها تاريخ العراق الحديث وما يواجهه الآن من مشاكل بنيوية مستعصية وهائلة تشمل كل مكونات وجوده. وهو الأمر الذي يجعل من مواجهة الراديكالية بمختلف أصنافها وأشكالها وألوانها ومستوياتها أمرا ضروريا بالنسبة لمشاريع البدائل العقلانية. وهي مهمة ممكنة التنفيذ من خلال إرساء أسس الرؤية العقلانية وفلسفة الاعتدال. فهو الأسلوب الوحيد لتذليل الأزمة الشاملة في العراق ونموذجها الخاص في الرؤية الراديكالية. وهو تذليل يستحيل دون بناء مقدماتها المادية في إعادة توحيد المجتمع تراثه على أسس الشرعية والديمقراطية الاجتماعية والعدالة.فهي مقومات الرؤية العقلانية وفكرة الحقوق والدولة الاجتماعية. وفيها فقط يمكن بناء سد مأرب جديد في وجه التيار الكاسح للراديكالية. بمعنى وضع أسس الرؤية العقلانية ضد تيار الخراب النابع من واقع العراق وزمنه الحديث
الراديكالية الشيعية المعاصرة وآفاق البدائل السياسية في العراق – 3-4
الراديكالية الشيعية المعاصرة وآفاق البدائل السياسية في العراق – 3-4
ميثم الجنابي m-aljanabi@mail.ru
إن ظهور الحركات الراديكالية السياسية في عراق ما بعد التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية هو أحد المؤشرات الكبرى على استمرار التاريخ السالف بمكوناته اللاعقلانية وانعدام الإدراك السياسي والاجتماعي لأثر الراديكالية بحد ذاتها على مجمل المسار التاريخي للدولة والمجتمع والثقافة.فقد كانت الراديكالية السياسية في تاريخ العراق الحديث مصدر مأساته المعاصرة. إذ تبرهن التجربة التاريخية للعراق الحديث بصورة قاطعة على أن خطورة الراديكالية تقوم في رفعها قطع العلاقة بالتاريخ والتقاليد إلى مصاف العقيدة المقدسة. بينما يفترض المقدس هوية الثبات. وهو فرض تمارسه الراديكالية بحمية بالغة عبر مطابقته مع التجريب الخشن المبني على احتقار الشكوك والاعتراض. كما أنها تطابق بين فكرة الثابت المقدس ويقينها الخاص عن أن الفعل التجريبي هو المطلق الوحيد. مما يجعل منها في الأغلب قوة مدمرة لا تنتج في نهاية المطاف سوى الخراب والتوغل الدائم فيه.ولعل تجربة العراق في مجرى سيطرة التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية هو نموذج "كلاسيكي" لذلك.وبالتالي فنه ظهورها من جديد واستفحالها بين التيارات الإسلامية هو مؤشر بحد ذاته على الخطورة العميقة فيها وذلك بسبب استعدادها على جمع الأبعاد السياسية والدينية في الظاهرة الراديكالية نفسها. مما يجعل منها قوة اكثر خشونة وتخريبا وذلك بفعل إمكانية تمثلها المشوه لفكرة المقدس. وهو أمر يمكن ملاحظته بجلاء في التيارات الأصولية الإسلامية السنية والشيعية. أما في هذا المقال فسوف أتطرق أساسا إلى التيار الشيعي وذلك لما فيه من اثر فعال بالنسبة لآفاق البدائل السياسية في العراق. وذلك بسبب طبيعة التجربة التاريخية العريقة للتشيع في العراق وتغريبهم المفتعل عن تاريخ الدولة وإبعادهم عن السلطة. وهي عملية أدت في الواقع إلى اغتراب العراق عن ذاته. مما يجعل من تذليل الراديكالية بشكل عام والشيعية المحتملة مهمة غاية في الأهمية من اجل إعادة بناء العراق ووضعه على "السراط المستقيم"، بمعنى تبليط كينونته الذاتية بصورة تلقائية لا تعرف تجزئته المفتعلة تحي أي شعار كان.إن الراديكالية السياسية في ظروف العراق الحالية هي ظاهرة طبيعية من حيث كونها النتاج المباشر وغير المباشر لحالة التهميش الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الهائل لأغلب الفئات الاجتماعية وتدمير الطبقة الوسطى الذي ميز زمن التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية. بل يمكن القول، بان الراديكالية نفسها كانت من الناحية التاريخية أسلوبا لامتصاص الحثالات الاجتماعية ورميها إلى "مدن" السياسة. وفي هذه "العملية" ينبغي البحث عن نموذج الصيرورة الراديكالية في الوعي الاجتماعي والسياسي في العراق الحديث والمعاصر. إذ شكل تاريخ الراديكالية وخصوصيتها في العراق وثمارها المرة المتراكمة في تاريخ التدمير الهائل للبنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للدولة في الزمن التوتاليتاري والدكتاتوري المقدمة الملازمة لإمكانية إعادة إنتاجها بصيغ مختلفة. فإذا كان تاريخ الراديكالية في العراق هو تاريخ الراديكالية الدنيوية من قومية واشتراكية (شيوعية) فإن نهاية القرن العشرين وبداية الحادي والعشرين تؤشر بصعود الراديكالية الإسلامية السنية منها والشيعية.بعبارة أخرى، ينبغي النظر إلى الراديكالية الإسلامية المعاصرة في العراق على انها جزء من تاريخ الراديكالية السياسية العراقية. لكنها تمتلك في الوقت نفسه خصوصية ضمن ما يمكن دعوته "بمنظومة" الراديكالية العراقية. فمن المعلوم أن من أهم خصوصيات الراديكالية في تاريخ العراق الحديث هو تحولها إلى "منهج عمل" عند الأغلبية الساحقة للأحزاب السياسية العراقية، بحيث تحول "الشارع" إلى قاطرة تجر خلفها "النخب" السياسية. وهي نخب كانت في الأغلب اقرب إلى نفسية ومزاج الشوارع والعوام. وعوضا عن أن توضع الشوارع في محلها الجغرافي والاجتماعي، فانه جرى تحويلها إلى مقولة سياسية. وهو تاريخ يحمل خطورته ليس للحاضر بوصفه حالة انتقالية من التوتاليتارية إلى الديمقراطية، بل والى المستقبل، وذلك لأنه مؤشر على بقاء الوعي السياسي ضمن تقاليد ما قبل الدولة والحق. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار كون الراديكالية الإسلامية تعتقد حد الإيمان الجازم بأنها الممثل "الشرعي" لتقاليد الإسلام والإسلام نفسه. وهو تمثيل لا علاقة صميمية له بالتاريخ والفكر والثقافة. انه مجرد جزء من تاريخ العقائد. والعقائد بلا تاريخ! وهو الأمر الذي يعطي لتقاليد الراديكالية الإسلامية أبعادا اكثر تخريبا من حيث كونها خروجا على تقاليد الاعتدال وجهلا بنتائجه وممانعة على تأمل حالة الانتقال الضروري من الاستبداد إلى الحرية. وفيما يتعلق بالتيار الشيعي الراديكالي، فان نموه الحالي يشير إلى جهل الاستمرار في نمط الإبعاد القسري لهم عن السلطة وتغريبهم عن الدولة واقتلاعهم من جذر الوجود التاريخي والثقافي للعراق نفسه. كما انه استعادة فجة لتقاليد جزئية وعارضة في تاريخ التشيع نفسه. إذ لم يكن الغلو الشيعي سوى الصيغة الوجدانية العارمة السارية على ضفاف التيار العقلاني والإنساني المعتدل للتشيع. وهي ظاهرة كان لها قيمتها الإيجابية الهائلة بالنسبة للتطور الثقافي العام والفلسفي والسياسي بشكل خاص. وذلك لان القول الفصل كان يحسم عادة للتيار الأكثر اعتدالا وتمثيلا للتقاليد التاريخية.وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أيضا الحقيقة القائلة، بان الغلو الشيعي القديم في مختلف مدارسه هو جزء من عقائد لا تشكل مرجعية بالنسبة للفكر الشيعي السياسي المعاصر، من هنا يتضح نضوب رصيده المعنوي والثقافي وضعف قاعدته الاجتماعية. إضافة إلى ما في تاريخ التشيع السياسي نفسه من خصوصية تباينه عن المدارس السنية بهذا الصدد تقوم في انه لم يجعل من القرآن والحديث إمام التأويل السياسي ومصدره الرئيس. على العكس، لقد كان التأويل السياسي جزء من تقاليد ما يمكن دعوته بانسنة المطلق، التي وجدت نموذجها الأعلى في تاريخ الأئمة. وهو تاريخ بشري إنساني يتصف بدرجة عالية من الإعلان الظاهري والباطني بفكرة الحق والعدل والمساواة. وهو الأمر الذي يفسر صعوبة بل استحالة ظهور "أصولية شيعية"، الا انه لا ينفي إمكانية ظهور راديكالية وتطرف وغلو جزئي فيه. بعبارة أخرى إن "الأصولية" في التشيع لا تتمتع باستعداد ديني ولا بشرعية دينية، أي انها لا تستطيع النشوء تلقائيا من "النصوص المقدسة". انها يمكن أن تظهر على هيئة رد فعل سياسي أو اجتماعي أو ثقافي أو تجمع بين هذه المكونات بنسب تبقي عليها مع ذلك ضمن المسار العام لتقاليد الغلو الشيعي القديم. وهو الأمر الذي يجعلها عرضة للانحلال والزوال.فعندما نتأمل تاريخ وواقع ومسار "التيار الصدري" في العراق المعاصر بوصفه أحد النماذج الكلاسيكية للراديكالية السياسية الشيعية، فإننا نلاحظ ظهوره السريع وزواله السريع على خلفية القدرة الهائلة التي تمتع بها في غضون اشهر قليلة من استقطاب قواه الاجتماعية من كمية الفئات الرثة والمهمشة في العراق المعاصر. إننا نعثر في ظهور السريع والقوى على خلفية الانفجار الهائل للقوى الاجتماعية المهمشة التي كانت محبوسة وسجينة في سجن الدكتاتورية. بعبارة أخرى إن "التيار الصدري" بوصفه حركة راديكالية هو مؤشر على سعة انتشار الفئات الرثة في العراق. وبهذا المعنى يمكن النظر إلى هذا التيار بوصفه النتاج الطبيعي لاستمرار بقايا ومخلفات التوتاليتارية والدكتاتورية. وهو الأمر الذي جعل منه أيضا التيار الأكثر نموذجية لتمركز وفعالية القوى الرثة. وهي قوى اجتماعية عراقية معبرة عن حالة عراقية فعلية. أما في وسائله، فانه التجسيد الأكثر تخلفا لكيفية إدارة الصراع الاجتماعي والسياسي، وذلك لان "منطقه" الوحيد هو منطق السلاح لا سلاح المنطق. وهي أيضا وسيلة معبرة عن حالة عراقية فعلية. وفي نيته يسعى للهيمنة، وهي أيضا نية معبرة عن حالة عراقية فعلية، أما غايته المعلنة عن طرد الاحتلال وغايته الباطنة عن إحلال النظام الإسلامي، فهما الوجهان المكملان للرؤية الراديكالية التي لا ترى ولا تسمع ولا تتذوق حقيقة ما يجري في العراق وحوله والعالم. إننا نعثر في الراديكالية الشيعية العراقية كما جسدها "التيار الصدري" على رد فعل موجه ضد أصولية منحلة وراديكالية فاسدة جسدتها التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية في توليف مفتعل للدين والدنيا الممزوجين بنزعة طائفة مستترة وجهوية علنية. مما جعل من ردة الفعل عليها في الراديكالية الشيعية كما جسدها "التيار الصدري" استمرارا لها ولكن بنفسية وذهنية ومزاج اقرب ما يكون إلى حلم الانتظار الطويل للجموع الشيعية التي أنهكتها "الغيبة الكبرى" للمهدي. وهو الأمر الذي يمكنه أن يجعل من "التيار الصدري" راديكالية اشد تخريبا في ظروف العراق الحالية. وسبب ذلك ليس فقط في انه لم تستفد من تجارب الاضطهاد التاريخي الهائل الذي تعرض له الشيعة، بل ولتكراره نفس ممارسات التوتاليتارية والدكتاتورية. ومن ثم وضع نفسه بالضد من المجرى العام للتيار الشيعي والوطني والاجتماعي العراقي. وهو الأمر الذي يمكن أن يوحي بإمكانية ظهور توتاليتارية ودكتاتورية شيعية في العراق. كل ذلك يجعل من كل حركة راديكالية شيعية في ظروف العراق الحالية قوة عنيفة في تدمير البدائل العقلانية لبناء الدولة والمجتمع والثقافة. وفي الإطار العام يمكن القول، بان الراديكالية الشيعية، شأن كل راديكالية في ظروف العراق الحالية، تبرهن من جديد على أنها ليست مستعدة وغير قادرة على بلورة رؤية سياسية أخلاقية قادرة على تجاوز مفاهيم الحثالة وتصوراتها وأحكامها عما جرى ويجري. ومن ثم فان ممارساتها ككل لا تفعل الا على إعادة إنتاج مختلف مظاهر الإفساد والانحطاط والتخلف والاستبداد. مما سبق نستطيع التوصل إلى أن تذليل الضعف التاريخي للراديكالية السياسة العراقية، والحديث هنا عن الشيعية منها كما هو متجسد في "التيار الصدري"، يفترض أولا وقبل كل شئ العمل من اجل بناء الدولة الشرعية ومؤسساتها والنظام الديمقراطي السياسي والمجتمع المدني والثقافة العقلانية. فهو الأسلوب الوحيد الواقعي والعقلاني لإعادة بناء العراق بالشكل الذي يجعل من الصراع مع التيارات الراديكالية (الشيعية) صراعا من اجل اضعف النفسية الراديكالية بشكل عام والسياسية بشكل خاص. فهو أيضا الأسلوب الضروري أيضا لتذليل بقايا التوتاليتارية والدكتاتورية. وهي مهمة عامة يمكن تنفيذها فيما يتعلق بالتيار الراديكالي الشيعي من خلال تنفيذ ثلاث مبادئ عملية عامة وهي:· تحويل التشيع إلى حركة اجتماعية سياسية متحررة من ضيق المذهبية· التمازج والتجانس مع الدولة والعمل من خلال مؤسساتها لإلغاء نفسية وذهنية الطائفية والجهوية· التطابق مع فكرة الوطنية العراقية (الاستعراق).ويفترض تجسيد هذه المبادئ العملية تذليل مقدمات وشروط الراديكالية السياسية من خلال · محاربتها بوصفها ظاهرة غير عقلانية· العمل من اجل نقل الفئات الرثة إلى مصاف الوجود الطبيعي والإنساني· كفالة حقوق المواطنة عبر إشراك مختلف الفئات في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والإدارية لشئون الدولة والمجتمع.· رفع الصراع مع الظاهرة الراديكالية إلى مصاف الصراع السياسي والفكري والثقافي من خلال جعل الصراع في الحالة المعنية صراعا سياسيا معها لا علاقة له بالإسلام بشكل عام والشيعي بشكل خاص.إن تنفيذ هذه المبادئ العملية وشروط تحقيقها الهادفة إلى تذليل النفسية الراديكالية وذهنيتها هي من حيث الجوهر مهمة وطنية كبرى تقع على عاتق الجميع. انها المهمة العملية السياسية المباشرة في ظروف العراق الحالية بالنسبة للأحزاب السياسية والنخب من رجال العلم والأدب والصحافة والإعلام والأندية من اجل تلافي الخطر الكامن في تحويل الراديكالية إلى تيار سائد في حياة الدولة والمجتمع.
ميثم الجنابي m-aljanabi@mail.ru
إن ظهور الحركات الراديكالية السياسية في عراق ما بعد التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية هو أحد المؤشرات الكبرى على استمرار التاريخ السالف بمكوناته اللاعقلانية وانعدام الإدراك السياسي والاجتماعي لأثر الراديكالية بحد ذاتها على مجمل المسار التاريخي للدولة والمجتمع والثقافة.فقد كانت الراديكالية السياسية في تاريخ العراق الحديث مصدر مأساته المعاصرة. إذ تبرهن التجربة التاريخية للعراق الحديث بصورة قاطعة على أن خطورة الراديكالية تقوم في رفعها قطع العلاقة بالتاريخ والتقاليد إلى مصاف العقيدة المقدسة. بينما يفترض المقدس هوية الثبات. وهو فرض تمارسه الراديكالية بحمية بالغة عبر مطابقته مع التجريب الخشن المبني على احتقار الشكوك والاعتراض. كما أنها تطابق بين فكرة الثابت المقدس ويقينها الخاص عن أن الفعل التجريبي هو المطلق الوحيد. مما يجعل منها في الأغلب قوة مدمرة لا تنتج في نهاية المطاف سوى الخراب والتوغل الدائم فيه.ولعل تجربة العراق في مجرى سيطرة التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية هو نموذج "كلاسيكي" لذلك.وبالتالي فنه ظهورها من جديد واستفحالها بين التيارات الإسلامية هو مؤشر بحد ذاته على الخطورة العميقة فيها وذلك بسبب استعدادها على جمع الأبعاد السياسية والدينية في الظاهرة الراديكالية نفسها. مما يجعل منها قوة اكثر خشونة وتخريبا وذلك بفعل إمكانية تمثلها المشوه لفكرة المقدس. وهو أمر يمكن ملاحظته بجلاء في التيارات الأصولية الإسلامية السنية والشيعية. أما في هذا المقال فسوف أتطرق أساسا إلى التيار الشيعي وذلك لما فيه من اثر فعال بالنسبة لآفاق البدائل السياسية في العراق. وذلك بسبب طبيعة التجربة التاريخية العريقة للتشيع في العراق وتغريبهم المفتعل عن تاريخ الدولة وإبعادهم عن السلطة. وهي عملية أدت في الواقع إلى اغتراب العراق عن ذاته. مما يجعل من تذليل الراديكالية بشكل عام والشيعية المحتملة مهمة غاية في الأهمية من اجل إعادة بناء العراق ووضعه على "السراط المستقيم"، بمعنى تبليط كينونته الذاتية بصورة تلقائية لا تعرف تجزئته المفتعلة تحي أي شعار كان.إن الراديكالية السياسية في ظروف العراق الحالية هي ظاهرة طبيعية من حيث كونها النتاج المباشر وغير المباشر لحالة التهميش الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الهائل لأغلب الفئات الاجتماعية وتدمير الطبقة الوسطى الذي ميز زمن التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية. بل يمكن القول، بان الراديكالية نفسها كانت من الناحية التاريخية أسلوبا لامتصاص الحثالات الاجتماعية ورميها إلى "مدن" السياسة. وفي هذه "العملية" ينبغي البحث عن نموذج الصيرورة الراديكالية في الوعي الاجتماعي والسياسي في العراق الحديث والمعاصر. إذ شكل تاريخ الراديكالية وخصوصيتها في العراق وثمارها المرة المتراكمة في تاريخ التدمير الهائل للبنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للدولة في الزمن التوتاليتاري والدكتاتوري المقدمة الملازمة لإمكانية إعادة إنتاجها بصيغ مختلفة. فإذا كان تاريخ الراديكالية في العراق هو تاريخ الراديكالية الدنيوية من قومية واشتراكية (شيوعية) فإن نهاية القرن العشرين وبداية الحادي والعشرين تؤشر بصعود الراديكالية الإسلامية السنية منها والشيعية.بعبارة أخرى، ينبغي النظر إلى الراديكالية الإسلامية المعاصرة في العراق على انها جزء من تاريخ الراديكالية السياسية العراقية. لكنها تمتلك في الوقت نفسه خصوصية ضمن ما يمكن دعوته "بمنظومة" الراديكالية العراقية. فمن المعلوم أن من أهم خصوصيات الراديكالية في تاريخ العراق الحديث هو تحولها إلى "منهج عمل" عند الأغلبية الساحقة للأحزاب السياسية العراقية، بحيث تحول "الشارع" إلى قاطرة تجر خلفها "النخب" السياسية. وهي نخب كانت في الأغلب اقرب إلى نفسية ومزاج الشوارع والعوام. وعوضا عن أن توضع الشوارع في محلها الجغرافي والاجتماعي، فانه جرى تحويلها إلى مقولة سياسية. وهو تاريخ يحمل خطورته ليس للحاضر بوصفه حالة انتقالية من التوتاليتارية إلى الديمقراطية، بل والى المستقبل، وذلك لأنه مؤشر على بقاء الوعي السياسي ضمن تقاليد ما قبل الدولة والحق. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار كون الراديكالية الإسلامية تعتقد حد الإيمان الجازم بأنها الممثل "الشرعي" لتقاليد الإسلام والإسلام نفسه. وهو تمثيل لا علاقة صميمية له بالتاريخ والفكر والثقافة. انه مجرد جزء من تاريخ العقائد. والعقائد بلا تاريخ! وهو الأمر الذي يعطي لتقاليد الراديكالية الإسلامية أبعادا اكثر تخريبا من حيث كونها خروجا على تقاليد الاعتدال وجهلا بنتائجه وممانعة على تأمل حالة الانتقال الضروري من الاستبداد إلى الحرية. وفيما يتعلق بالتيار الشيعي الراديكالي، فان نموه الحالي يشير إلى جهل الاستمرار في نمط الإبعاد القسري لهم عن السلطة وتغريبهم عن الدولة واقتلاعهم من جذر الوجود التاريخي والثقافي للعراق نفسه. كما انه استعادة فجة لتقاليد جزئية وعارضة في تاريخ التشيع نفسه. إذ لم يكن الغلو الشيعي سوى الصيغة الوجدانية العارمة السارية على ضفاف التيار العقلاني والإنساني المعتدل للتشيع. وهي ظاهرة كان لها قيمتها الإيجابية الهائلة بالنسبة للتطور الثقافي العام والفلسفي والسياسي بشكل خاص. وذلك لان القول الفصل كان يحسم عادة للتيار الأكثر اعتدالا وتمثيلا للتقاليد التاريخية.وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أيضا الحقيقة القائلة، بان الغلو الشيعي القديم في مختلف مدارسه هو جزء من عقائد لا تشكل مرجعية بالنسبة للفكر الشيعي السياسي المعاصر، من هنا يتضح نضوب رصيده المعنوي والثقافي وضعف قاعدته الاجتماعية. إضافة إلى ما في تاريخ التشيع السياسي نفسه من خصوصية تباينه عن المدارس السنية بهذا الصدد تقوم في انه لم يجعل من القرآن والحديث إمام التأويل السياسي ومصدره الرئيس. على العكس، لقد كان التأويل السياسي جزء من تقاليد ما يمكن دعوته بانسنة المطلق، التي وجدت نموذجها الأعلى في تاريخ الأئمة. وهو تاريخ بشري إنساني يتصف بدرجة عالية من الإعلان الظاهري والباطني بفكرة الحق والعدل والمساواة. وهو الأمر الذي يفسر صعوبة بل استحالة ظهور "أصولية شيعية"، الا انه لا ينفي إمكانية ظهور راديكالية وتطرف وغلو جزئي فيه. بعبارة أخرى إن "الأصولية" في التشيع لا تتمتع باستعداد ديني ولا بشرعية دينية، أي انها لا تستطيع النشوء تلقائيا من "النصوص المقدسة". انها يمكن أن تظهر على هيئة رد فعل سياسي أو اجتماعي أو ثقافي أو تجمع بين هذه المكونات بنسب تبقي عليها مع ذلك ضمن المسار العام لتقاليد الغلو الشيعي القديم. وهو الأمر الذي يجعلها عرضة للانحلال والزوال.فعندما نتأمل تاريخ وواقع ومسار "التيار الصدري" في العراق المعاصر بوصفه أحد النماذج الكلاسيكية للراديكالية السياسية الشيعية، فإننا نلاحظ ظهوره السريع وزواله السريع على خلفية القدرة الهائلة التي تمتع بها في غضون اشهر قليلة من استقطاب قواه الاجتماعية من كمية الفئات الرثة والمهمشة في العراق المعاصر. إننا نعثر في ظهور السريع والقوى على خلفية الانفجار الهائل للقوى الاجتماعية المهمشة التي كانت محبوسة وسجينة في سجن الدكتاتورية. بعبارة أخرى إن "التيار الصدري" بوصفه حركة راديكالية هو مؤشر على سعة انتشار الفئات الرثة في العراق. وبهذا المعنى يمكن النظر إلى هذا التيار بوصفه النتاج الطبيعي لاستمرار بقايا ومخلفات التوتاليتارية والدكتاتورية. وهو الأمر الذي جعل منه أيضا التيار الأكثر نموذجية لتمركز وفعالية القوى الرثة. وهي قوى اجتماعية عراقية معبرة عن حالة عراقية فعلية. أما في وسائله، فانه التجسيد الأكثر تخلفا لكيفية إدارة الصراع الاجتماعي والسياسي، وذلك لان "منطقه" الوحيد هو منطق السلاح لا سلاح المنطق. وهي أيضا وسيلة معبرة عن حالة عراقية فعلية. وفي نيته يسعى للهيمنة، وهي أيضا نية معبرة عن حالة عراقية فعلية، أما غايته المعلنة عن طرد الاحتلال وغايته الباطنة عن إحلال النظام الإسلامي، فهما الوجهان المكملان للرؤية الراديكالية التي لا ترى ولا تسمع ولا تتذوق حقيقة ما يجري في العراق وحوله والعالم. إننا نعثر في الراديكالية الشيعية العراقية كما جسدها "التيار الصدري" على رد فعل موجه ضد أصولية منحلة وراديكالية فاسدة جسدتها التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية في توليف مفتعل للدين والدنيا الممزوجين بنزعة طائفة مستترة وجهوية علنية. مما جعل من ردة الفعل عليها في الراديكالية الشيعية كما جسدها "التيار الصدري" استمرارا لها ولكن بنفسية وذهنية ومزاج اقرب ما يكون إلى حلم الانتظار الطويل للجموع الشيعية التي أنهكتها "الغيبة الكبرى" للمهدي. وهو الأمر الذي يمكنه أن يجعل من "التيار الصدري" راديكالية اشد تخريبا في ظروف العراق الحالية. وسبب ذلك ليس فقط في انه لم تستفد من تجارب الاضطهاد التاريخي الهائل الذي تعرض له الشيعة، بل ولتكراره نفس ممارسات التوتاليتارية والدكتاتورية. ومن ثم وضع نفسه بالضد من المجرى العام للتيار الشيعي والوطني والاجتماعي العراقي. وهو الأمر الذي يمكن أن يوحي بإمكانية ظهور توتاليتارية ودكتاتورية شيعية في العراق. كل ذلك يجعل من كل حركة راديكالية شيعية في ظروف العراق الحالية قوة عنيفة في تدمير البدائل العقلانية لبناء الدولة والمجتمع والثقافة. وفي الإطار العام يمكن القول، بان الراديكالية الشيعية، شأن كل راديكالية في ظروف العراق الحالية، تبرهن من جديد على أنها ليست مستعدة وغير قادرة على بلورة رؤية سياسية أخلاقية قادرة على تجاوز مفاهيم الحثالة وتصوراتها وأحكامها عما جرى ويجري. ومن ثم فان ممارساتها ككل لا تفعل الا على إعادة إنتاج مختلف مظاهر الإفساد والانحطاط والتخلف والاستبداد. مما سبق نستطيع التوصل إلى أن تذليل الضعف التاريخي للراديكالية السياسة العراقية، والحديث هنا عن الشيعية منها كما هو متجسد في "التيار الصدري"، يفترض أولا وقبل كل شئ العمل من اجل بناء الدولة الشرعية ومؤسساتها والنظام الديمقراطي السياسي والمجتمع المدني والثقافة العقلانية. فهو الأسلوب الوحيد الواقعي والعقلاني لإعادة بناء العراق بالشكل الذي يجعل من الصراع مع التيارات الراديكالية (الشيعية) صراعا من اجل اضعف النفسية الراديكالية بشكل عام والسياسية بشكل خاص. فهو أيضا الأسلوب الضروري أيضا لتذليل بقايا التوتاليتارية والدكتاتورية. وهي مهمة عامة يمكن تنفيذها فيما يتعلق بالتيار الراديكالي الشيعي من خلال تنفيذ ثلاث مبادئ عملية عامة وهي:· تحويل التشيع إلى حركة اجتماعية سياسية متحررة من ضيق المذهبية· التمازج والتجانس مع الدولة والعمل من خلال مؤسساتها لإلغاء نفسية وذهنية الطائفية والجهوية· التطابق مع فكرة الوطنية العراقية (الاستعراق).ويفترض تجسيد هذه المبادئ العملية تذليل مقدمات وشروط الراديكالية السياسية من خلال · محاربتها بوصفها ظاهرة غير عقلانية· العمل من اجل نقل الفئات الرثة إلى مصاف الوجود الطبيعي والإنساني· كفالة حقوق المواطنة عبر إشراك مختلف الفئات في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والإدارية لشئون الدولة والمجتمع.· رفع الصراع مع الظاهرة الراديكالية إلى مصاف الصراع السياسي والفكري والثقافي من خلال جعل الصراع في الحالة المعنية صراعا سياسيا معها لا علاقة له بالإسلام بشكل عام والشيعي بشكل خاص.إن تنفيذ هذه المبادئ العملية وشروط تحقيقها الهادفة إلى تذليل النفسية الراديكالية وذهنيتها هي من حيث الجوهر مهمة وطنية كبرى تقع على عاتق الجميع. انها المهمة العملية السياسية المباشرة في ظروف العراق الحالية بالنسبة للأحزاب السياسية والنخب من رجال العلم والأدب والصحافة والإعلام والأندية من اجل تلافي الخطر الكامن في تحويل الراديكالية إلى تيار سائد في حياة الدولة والمجتمع.
الراديكالية العراقية - التيار الصدري وآفاقة المسدودة – 4-4
الراديكالية العراقية - التيار الصدري وآفاقة المسدودة – 4-4
ميثم الجنابي m-aljanabi@mail.ru
إننا نقف من جديد أمام الخطورة التاريخية للنزعة الراديكالية في العراق، التي شكلت مصدر مأساته المعاصرة. إذ تبرهن التجربة التاريخية للعراق المعاصر بصورة قاطعة على أن خطورة الراديكالية تقوم في رفعها قطع العلاقة بالتاريخ والتقاليد إلى مصاف العقيدة المقدسة. بينما يفترض المقدس هوية الثبات. وهو فرض تمارسه الراديكالية بحمية بالغة عبر مطابقته مع التجريب الخشن المبني على احتقار الشكوك والاعتراض. كما أنها تطابق بين فكرة الثابت المقدس ويقينها الخاص عن أن الفعل التجريبي هو المطلق الوحيد. مما يجعل منها في الأغلب قوة مدمرة لا تنتج في نهاية المطاف سوى الخراب والتوغل الدائم فيه. وهو الأمر الذي كشف عنه "التيار الصدري" وسوف يكشف عنه الزمن اللاحق وبالأخص ضمن التيارات الإسلامية السياسية عموما.فمن المعلوم إن الراديكاليات قد لعبت على امتداد التاريخ دور المستفز الدائم والعقل النقاد والنزوع الشكاك تجاه ما هو موجود من قيم ومفاهيم وما يجري من أحداث. مما يعطي لنا إمكانية القول، بأنه كلما كانت منظومة العلاقات الاجتماعية والسياسية والثقافية اكثر سعة وعمقا وثباتا من حيث تقاليدها، كلما كانت الراديكالية اشد فاعلية وأسرع زوالا. وهي سمة يمكن ملاحظتها في تاريخ جميع الحضارات الكبرى القديمة منها والمعاصرة. وهي الفكرة التي ينبغي وضعها في الموقف من الراديكاليات العراقية المعاصرة وآفاق زوالها. بمعنى إدراك الحقيقة القائلة، بان خراب منظومة العلاقات الاجتماعية والسياسية والثقافية في العراق المعاصر يجعل من التيارات الراديكالية اكثر تخريبا وأطول بقاءً.وهو الأمر الذي طبع وسوف يطبع خصوصية الظاهرة الراديكالية في العراق، التي اصبح من أهم خصائصها في تاريخه الحديث هو تحولها إلى "منهج عمل" عند الأغلبية الساحقة للأحزاب السياسية العراقية، بحيث تحول "الشارع" إلى قاطرة تجر خلفها "النخب" السياسية. وهي نخب كانت في الأغلب اقرب إلى نفسية ومزاج الشوارع والعوام. وعوضا عن أن توضع الشوارع في محلها الجغرافي والاجتماعي، فانه جرى تحويلها إلى مقولة سياسية. وفي هذا الواقع كان وما يزال كمون الخطر الهائل للراديكالية بشكل عام والسياسية بشكل خاص في حياة الدولة والمجتمع في العراق. ولعل تجربة العراق في مجرى سيطرة التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية هو نموذجا "كلاسيكيا" لذلك. وفيها ينبغي البحث عن جذور الراديكاليات الرثة التي شكل "التيار الصدري" نموذجه الفاعل الأول على مستوى العراق ككل.وهو الأمر الذي يجعل من هذا التيار الحركة التي تمثلت في ظروف العراق الحالية مضمون الراديكالية بأكثر أشكالها تخريبا وتدميرا. وسبب ذلك يقوم في كونها لم تستفد من تجارب الاضطهاد التاريخي الهائل الذي تعرض له الشيعة، بوصفهم المكون الأساسي والرئيسي والأكبر للعراق. كما أن ممارسته التي ترافقت مع ظهورها السريع على خلفية زوال البعثية الصدامية تشابهت بصورة شبه تامة مع ممارساتها التوتاليتارية والدكتاتورية. ومن ثم وضع نفسه بالضد من المجرى العام للتيار الشيعي والوطني والاجتماعي العراقي.ولعل أهم ما يميزه بهذا الصدد هو نظرته الضيقة المقيدة بنفسية ومزاح وأهواء الحثالات الاجتماعية. وهو الأمر الذي يحد من إمكانية نموه العقلاني، كما يجعله بالضرورة أسير الحدود الضيقة في رؤيته لآفاق تطوير الدولة والنظام السياسي والمجتمع والثقافة. إذ أننا لا نرى ولا نسمع ولا نعثر على برنامج "صدري" له علاقة بمكونات الدولة المعاصرة والنظام السياسي والمجتمع والثقافة البديلة للتوتاليتارية والدكتاتورية. وهو أمر يشير إلى افتقاد الرؤية السياسية الاستراتيجية وفقدان المشروع السياسي وانعدام لرؤية الواقعية والعقلانية لطبيعة التغيرات التي جرت في العراق. وليست العبارات العامة عن "الدولة الإسلامية" و"المجتمع المسلم" و"الثقافة الإسلامية" وما شابه ذلك سوى عبارات لا معنى لها في حال انعدام تحديدها الدقيق بمعايير الرؤية السياسية والاجتماعية والثقافية، أي في حال انعدام برنامج نظري وعملي يحدد الغايات والوسائل بصورة دقيقة.كل ذلك يشير إلى الآفاق المسدودة "للتيار الصدري"، أي الآفاق المسدود للظاهرة الراديكالية بشكل عام. وذلك بسبب عدم إدراكها طبيعة التحولات الجارية في العراق، وعدم قدرتها على الانخراط الفعال في الحياة السياسية الاجتماعية. من هنا بقاء خطابه السياسي ضمن العبارات التي لا تتعدى في افضل الأحوال لغة الشعار السياسي المهيج لنفسية الفئات الرثة. وهو الأمر الذي يقلص مع مرور الزمن قاعدته الاجتماعية ويجعله قوة مناهضة لأبسط مفاهيم الحرية والتقدم الاجتماعي. وهي عملية يمكن ملاحظتها الآن في تزايد وتوسع وتعمق الشرخ السياسي والفكري والمعنوي بينه وبين المجتمع. إذ تحول "التيار الصدري" إلى جزر متناثرة لا يربطها سوى الاستعداد للعنف. كما نراه أيضا في مستوى وحدود وديناميكية الاغتراب السريع بينه وبين المجتمع.وفي الإطار العام يمكن القول، بان "التيار الصدري" بوصفه ظاهرة راديكالية تبرهن من جديد على أن الحثالات الاجتماعية ليست مستعدة على بلورة رؤية سياسية أخلاقية قادرة على تجاوز مفاهيم الحثالة وتصوراتها وأحكامها لما جرى ويجري. ومن ثم فان ممارساتها ككل لا تفعل الا على إعادة إنتاج مختلف مظاهر الإفساد والانحطاط والتخلف والاستبداد. وهو أمر يشير بدوره إلى طبيعة الضعف التاريخي والثقافي للظاهرة الراديكالية في العراق. من هنا فان الأسلوب الوحيد لتذليل هذا الضعف التاريخي للراديكالية السياسية في العراق كما هي مجسدة في "التيار الصدري" هو العمل من اجل بناء الدولة الشرعية ومؤسساتها والنظام الديمقراطي السياسي والمجتمع المدني والثقافة العقلانية. وهذا بدوره يجعل من تذليل النفسية الراديكالية وذهنيتها مهمة وطنية كبرى تقع على عاتق الجميع.إن تذليل النفسية الراديكالية وذهنيتها هي المهمة العملية السياسية المباشرة للأحزاب السياسية العراقية ونخبها من رجال العلم والأدب والصحافة والإعلام والأندية في ظروف العراق الحالية من اجل تلافي الخطر الكامن في تحويل الراديكالية إلى تيار سائد في الحياة السياسية، عوضا عن أن يفسح لها المجال بوصفها تيارا إضافيا على ضفاف المجرى العام لتوحيد الرافدين ماديا ومعنويا في حركة عقلانية ترمي إلى إرساء أسس الدولة الشرعية وجوهرية الحقوق والنظام الديمقراطي الاجتماعي. لاسيما وانه الأسلوب الوحيد الواقعي والعقلاني لإعادة بناء العراق بالشكل الذي يجعل من الصراع مع "التيار الصدري" صراعا من اجل إضعاف النفسية الراديكالية بشكل عام والسياسية بشكل خاص، بوصفه أيضا الأسلوب الضروري لتذليل بقايا التوتاليتارية والراديكالية وإحقاق الحق والعدالة. وفيه فقط يمكن بيان وكشف الآفاق المسدودة للظاهرة الراديكالية بشكل عام. (انتهى).
ميثم الجنابي m-aljanabi@mail.ru
إننا نقف من جديد أمام الخطورة التاريخية للنزعة الراديكالية في العراق، التي شكلت مصدر مأساته المعاصرة. إذ تبرهن التجربة التاريخية للعراق المعاصر بصورة قاطعة على أن خطورة الراديكالية تقوم في رفعها قطع العلاقة بالتاريخ والتقاليد إلى مصاف العقيدة المقدسة. بينما يفترض المقدس هوية الثبات. وهو فرض تمارسه الراديكالية بحمية بالغة عبر مطابقته مع التجريب الخشن المبني على احتقار الشكوك والاعتراض. كما أنها تطابق بين فكرة الثابت المقدس ويقينها الخاص عن أن الفعل التجريبي هو المطلق الوحيد. مما يجعل منها في الأغلب قوة مدمرة لا تنتج في نهاية المطاف سوى الخراب والتوغل الدائم فيه. وهو الأمر الذي كشف عنه "التيار الصدري" وسوف يكشف عنه الزمن اللاحق وبالأخص ضمن التيارات الإسلامية السياسية عموما.فمن المعلوم إن الراديكاليات قد لعبت على امتداد التاريخ دور المستفز الدائم والعقل النقاد والنزوع الشكاك تجاه ما هو موجود من قيم ومفاهيم وما يجري من أحداث. مما يعطي لنا إمكانية القول، بأنه كلما كانت منظومة العلاقات الاجتماعية والسياسية والثقافية اكثر سعة وعمقا وثباتا من حيث تقاليدها، كلما كانت الراديكالية اشد فاعلية وأسرع زوالا. وهي سمة يمكن ملاحظتها في تاريخ جميع الحضارات الكبرى القديمة منها والمعاصرة. وهي الفكرة التي ينبغي وضعها في الموقف من الراديكاليات العراقية المعاصرة وآفاق زوالها. بمعنى إدراك الحقيقة القائلة، بان خراب منظومة العلاقات الاجتماعية والسياسية والثقافية في العراق المعاصر يجعل من التيارات الراديكالية اكثر تخريبا وأطول بقاءً.وهو الأمر الذي طبع وسوف يطبع خصوصية الظاهرة الراديكالية في العراق، التي اصبح من أهم خصائصها في تاريخه الحديث هو تحولها إلى "منهج عمل" عند الأغلبية الساحقة للأحزاب السياسية العراقية، بحيث تحول "الشارع" إلى قاطرة تجر خلفها "النخب" السياسية. وهي نخب كانت في الأغلب اقرب إلى نفسية ومزاج الشوارع والعوام. وعوضا عن أن توضع الشوارع في محلها الجغرافي والاجتماعي، فانه جرى تحويلها إلى مقولة سياسية. وفي هذا الواقع كان وما يزال كمون الخطر الهائل للراديكالية بشكل عام والسياسية بشكل خاص في حياة الدولة والمجتمع في العراق. ولعل تجربة العراق في مجرى سيطرة التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية هو نموذجا "كلاسيكيا" لذلك. وفيها ينبغي البحث عن جذور الراديكاليات الرثة التي شكل "التيار الصدري" نموذجه الفاعل الأول على مستوى العراق ككل.وهو الأمر الذي يجعل من هذا التيار الحركة التي تمثلت في ظروف العراق الحالية مضمون الراديكالية بأكثر أشكالها تخريبا وتدميرا. وسبب ذلك يقوم في كونها لم تستفد من تجارب الاضطهاد التاريخي الهائل الذي تعرض له الشيعة، بوصفهم المكون الأساسي والرئيسي والأكبر للعراق. كما أن ممارسته التي ترافقت مع ظهورها السريع على خلفية زوال البعثية الصدامية تشابهت بصورة شبه تامة مع ممارساتها التوتاليتارية والدكتاتورية. ومن ثم وضع نفسه بالضد من المجرى العام للتيار الشيعي والوطني والاجتماعي العراقي.ولعل أهم ما يميزه بهذا الصدد هو نظرته الضيقة المقيدة بنفسية ومزاح وأهواء الحثالات الاجتماعية. وهو الأمر الذي يحد من إمكانية نموه العقلاني، كما يجعله بالضرورة أسير الحدود الضيقة في رؤيته لآفاق تطوير الدولة والنظام السياسي والمجتمع والثقافة. إذ أننا لا نرى ولا نسمع ولا نعثر على برنامج "صدري" له علاقة بمكونات الدولة المعاصرة والنظام السياسي والمجتمع والثقافة البديلة للتوتاليتارية والدكتاتورية. وهو أمر يشير إلى افتقاد الرؤية السياسية الاستراتيجية وفقدان المشروع السياسي وانعدام لرؤية الواقعية والعقلانية لطبيعة التغيرات التي جرت في العراق. وليست العبارات العامة عن "الدولة الإسلامية" و"المجتمع المسلم" و"الثقافة الإسلامية" وما شابه ذلك سوى عبارات لا معنى لها في حال انعدام تحديدها الدقيق بمعايير الرؤية السياسية والاجتماعية والثقافية، أي في حال انعدام برنامج نظري وعملي يحدد الغايات والوسائل بصورة دقيقة.كل ذلك يشير إلى الآفاق المسدودة "للتيار الصدري"، أي الآفاق المسدود للظاهرة الراديكالية بشكل عام. وذلك بسبب عدم إدراكها طبيعة التحولات الجارية في العراق، وعدم قدرتها على الانخراط الفعال في الحياة السياسية الاجتماعية. من هنا بقاء خطابه السياسي ضمن العبارات التي لا تتعدى في افضل الأحوال لغة الشعار السياسي المهيج لنفسية الفئات الرثة. وهو الأمر الذي يقلص مع مرور الزمن قاعدته الاجتماعية ويجعله قوة مناهضة لأبسط مفاهيم الحرية والتقدم الاجتماعي. وهي عملية يمكن ملاحظتها الآن في تزايد وتوسع وتعمق الشرخ السياسي والفكري والمعنوي بينه وبين المجتمع. إذ تحول "التيار الصدري" إلى جزر متناثرة لا يربطها سوى الاستعداد للعنف. كما نراه أيضا في مستوى وحدود وديناميكية الاغتراب السريع بينه وبين المجتمع.وفي الإطار العام يمكن القول، بان "التيار الصدري" بوصفه ظاهرة راديكالية تبرهن من جديد على أن الحثالات الاجتماعية ليست مستعدة على بلورة رؤية سياسية أخلاقية قادرة على تجاوز مفاهيم الحثالة وتصوراتها وأحكامها لما جرى ويجري. ومن ثم فان ممارساتها ككل لا تفعل الا على إعادة إنتاج مختلف مظاهر الإفساد والانحطاط والتخلف والاستبداد. وهو أمر يشير بدوره إلى طبيعة الضعف التاريخي والثقافي للظاهرة الراديكالية في العراق. من هنا فان الأسلوب الوحيد لتذليل هذا الضعف التاريخي للراديكالية السياسية في العراق كما هي مجسدة في "التيار الصدري" هو العمل من اجل بناء الدولة الشرعية ومؤسساتها والنظام الديمقراطي السياسي والمجتمع المدني والثقافة العقلانية. وهذا بدوره يجعل من تذليل النفسية الراديكالية وذهنيتها مهمة وطنية كبرى تقع على عاتق الجميع.إن تذليل النفسية الراديكالية وذهنيتها هي المهمة العملية السياسية المباشرة للأحزاب السياسية العراقية ونخبها من رجال العلم والأدب والصحافة والإعلام والأندية في ظروف العراق الحالية من اجل تلافي الخطر الكامن في تحويل الراديكالية إلى تيار سائد في الحياة السياسية، عوضا عن أن يفسح لها المجال بوصفها تيارا إضافيا على ضفاف المجرى العام لتوحيد الرافدين ماديا ومعنويا في حركة عقلانية ترمي إلى إرساء أسس الدولة الشرعية وجوهرية الحقوق والنظام الديمقراطي الاجتماعي. لاسيما وانه الأسلوب الوحيد الواقعي والعقلاني لإعادة بناء العراق بالشكل الذي يجعل من الصراع مع "التيار الصدري" صراعا من اجل إضعاف النفسية الراديكالية بشكل عام والسياسية بشكل خاص، بوصفه أيضا الأسلوب الضروري لتذليل بقايا التوتاليتارية والراديكالية وإحقاق الحق والعدالة. وفيه فقط يمكن بيان وكشف الآفاق المسدودة للظاهرة الراديكالية بشكل عام. (انتهى).
الموجة الأخيرة للزمن الراديكالي
الموجة الأخيرة للزمن الراديكالي
ميثم الجنابي m-aljanabi@mail.ru
عندما نتأمل التجارب التاريخية العاصفة لصعود الراديكالية السياسية العربية الحديثة، فإننا نقف أمام استفحال دورها وتكاملها التدريجي في "منظومة" الاستبداد والانغلاق الثقافي. وترافقت هذه الظاهرة بطبيعة التغير الهائل الذي جرى على تاريخ الجغرافيا السياسية للعالم العربي وتجزئة وتفتيت تراكمه الطبيعي للرقي المدني والدولتي والاجتماعي. ومن ثم لم يكن صعود الفكرة الوطنية والقومية في ظل انتفاء شروطها الضرورية منذ عشرينيات القرن العشرين، سوى المقدمة المشوهة لتصنيع آلية الراديكالية السياسية، أي آلية الإنتاج الدائم للحثالة والهامشية والأوهام والأيديولوجيات التوتاليتارية والعقائد الأصولية. مع ما كان يرافقها من تفعيل لا عقلاني للجماهير، أي "للقوى السياسية" المتحزبة والهائجة.فقد احتوت هذه العملية في أعماقها على احتمال صعود الزعماء والأبطال والقواد الجماهيريين والجمهور، بوصفه الوجه الآخر لسيادة نفسية الغوغاء والرعاع. لكنها كانت تحتوي بالنسبة للعالم العربي على مخاطر الإعاقة التاريخية للتاريخ، أو التشويه المفتعل للمسار الطبيعي الملازم للدولة والمجتمع والثقافة والأمة. وحالما أصبحت هذه الظاهرة آلية قائمة بذاتها منذ خمسينيات القرن العشرين، فإنها تحولت إلى "مرجعية متسامية" بالنسبة للوعي السياسي الراديكالي، أو أنها جعلت من الراديكالية فكرة متسامية عبر مطابقتها مع أيديولوجيا الثورة والانقلاب بوصفها العقيدة المقدسة لحرق مراحل التاريخ. وليس مصادفة أن تصبح فكرة حرق مراحل التاريخ الصراط المستقيم لبلوغ الجنة القومية والتقدم، أو المطّهر الذي ينبغي أن تحترق في مجرى عبوره كل الأوساخ العالقة على الجسد والضمير والعقل العربي. من هنا تحول انقلاب يونيو عام 1952 العسكري في مصر إلى "نموذج" الثورة، و"الضباط الأحرار" إلى نموذج "القوة السياسية" الجديدة. وسوف تكرر سوريا هذه المزاوجة بين الثورة والحرية في الأفعال والرجال عام 1954، ثم يعيد العراق تفعيلها عام 1958. بمعنى تكامل الفكرة الراديكالية وقواها السياسية الجديدة في المثلث الفعال (مصر وسوريا والعراق) للفكرة السياسية العربية في القرن العشرين.إن تحول الظاهرة الراديكالية إلى آلية تصنيع وتفعيل القوى السياسية "الجديدة"، وتحولها إلى نموذج في القيادة، كان يحتوي في أعماقه على سحق وحدة المنطق والتاريخ في الفكرة السياسية بوصفها اجتهادا عقلانيا في إدارة شئون الدولة والمجتمع. وليس مصادفة أن تضمحل تدريجيا وتتلاشى فكرة المجتمع المدني والحرية والإدارة، وعوضا عنها تبرز الملامح الناتئة "للزعيم السياسي" و"القائد الجماهيري" و"الأب الروحي". وهي صيغة كانت تتآكل فيها كل الاحتمالات العقلانية للبدائل. ومن ثم كانت تحتوي في أعماقها على تذليلها التدريجي بوصفها اجترارا للزمن أكثر مما هي تجارب التاريخ.وكان ينبغي لهذه الظاهرة أن تبلغ ذروتها لكي تبدأ بالانحسار. وذلك لأن حقيقة "القائد الجماهيري" هي نفي للجمهور من جهة، وتمّثل للعوام من جهة أخرى. وفي هذا التناقض يكمن سرّ اللعبة التي سرعان ما يدركها القادة والزعماء والجمهور. وحالما يبلغ كل منهم إدراك حقيقتها، فإنها تتحول عند القادة إلى مصدر النزعة الكلبية، مع ما يلازمها بالضرورة من سيادة الرذيلة السياسية، أي العمل بالضد من المعنى الأولي والجوهري للسياسة بوصفها فنا من فنون تحقيق الفضائل العملية للدولة والمجتمع. بينما تتحول عند الجمهور إلى نفور من "السياسة" وبحث عن يقين خارج التاريخ والبشر! وهي معادلة لا عقلانية من حيث مقدماتها ومخربة من حيث نتائجها. بمعنى أنها تدفع قادة الأمس "الجماهيريين" إلى الانزواء في قلاع "الثورة" المزيفة وتحصينها بقوى القهر والقمع والاستبداد، بينما "تتعالى" الجماهير صوب "الله" بوصفه القيمة المعوضة عن اغتراب السياسة! وكلما تقترب من الله، كلما تبتعد عن الواقع. وذلك لأن الاقتراب هنا هو الوجه الآخر لاستفحال الدكتاتورية والاستبداد. وتجد هذه المفارقة تعبيرها في ظهور "القادة الجدد" للقوى الأصولية، أي للسلب التاريخي الذي تعرض له العقل السياسي وبنية البدائل العقلانية، بوصفها الطاقة الكامنة للنخب الاجتماعية الحرة بشكل عام والفكرية بشكل خاص.غير أن آلية تأليه القادة التي تجعل من نفسها آلهة الفضيلة السياسية وأنبيائها، أو رب الأرباب وخاتم الرسالة الأبدية، كما نراه على سبيل المثال في شعار البعث "ذو الرسالة الخالدة"، فإنها عادة ما تؤدي إلى تصنيع نظيرها المعاكس! إذ ليست الأصوليات المتطرفة المعاصرة سوى الوجه الآخر للراديكاليات السياسية الدنيوية. وهي نتيجة كانت تتراكم في ظاهرة تحول القائد إلى اله! أي في استكمال التشوه التاريخي من خلال صنع النموذج المفتعل للقائد أو الزعيم الجماهيري بوصفه مسخا خالصا لسلب العقل والجمهور. وذلك لأن القائد الجماهيري المصطنع لا يعيش إلا على أساس وحدة جمهور بلا عقل! وهو السبب الذي يفسر ظاهرة تحول "القادة الثوريين" إلى دكتاتوريين في الحكم وجماهيريين في القتل والسرقة!وليس مصادفة أن يصبح السلوك السياسي لهذا النمط من القادة سلسلة من انعدام الرؤية النقدية، وزوال الحدود، والاندفاع الأهوج صوب المغامرة والمؤامرة والمقامرة. إذ تكشف هذه العملية بدورها عن أن كل توغل فيها هو تصنيع "منظومي" للانحطاط كما كان يمكن رؤية صيغتها "النموذجية" في العراق قبيل سقوط الدكتاتورية الصدامية، وليبيا القذافية، بوصفها التجسيد السياسي الوحيد و"الرسمي" للفكرة "الجماهيرية"، أي النموذج الكلاسيكي لتمام الابتذال السياسي للقوة السياسية. فقد جعلت من القوة السياسية طاقة بلا احتراف. مع ما يترتب عليه من "تهذيب" دائم لآلية جعل العوام (الجماهير) الوجه الوحيد للنخبة! وهي الصيغة الماكرة لإعدام النخبة باسم الجمهور، وتحويل الجمهور إلى قطيع الأضحية الدائمة لنزوات السلطة ورغباتها وإرادتها وتجاربها. وذلك لأن جمهور بلا نخبة هو أسلوب تآكل الجمهور. أما النتيجة فهي حرب الجميع ضد الجميع باسم الجميع! والنتيجة لا شيء! وهو الحد الأقصى الذي تبلغه الراديكالية. بمعنى تفريغها المجتمع من قواه السياسية (المحترفة) عبر دمج الجمهور في سبيكة الخضوع والتبعية. وعند هذا الحد تبلغ السياسة الراديكالية ذروتها بوصفها قوة مغتربة عن المجتمع والفضائل العملية (السياسية)، أي عن المكونات الجوهرية لحقيقة الفكرة السياسة. إن بلوغ هذه الحالة هو مؤشر على نهاية الزمن الراديكالي، التي يمكن رؤيتها في العالم العربي المعاصر على ظاهرة أفول الراديكاليات الدنيوية وصعود الأصوليات الإسلامية. فصعود الأصوليات الإسلامية بمختلف نماذجها ومستوياتها هو الاستكمال الطبيعي لسقوط الراديكاليات الدنيوية. والأصولية الإسلامية هي التعبير الأيديولوجي والعملي عن الرغبة المسطحة ببلوغ اليقين الأبدي، تماما كما هو الحال بالنسبة للعقائد الراديكالية الدنيوية التي تجعل من تصوراتها المبتذلة ذروة الحق والحقيقة. وكما كانت الراديكالية الدنيوية تشكك بالماضي وترفضه ولا تؤمن إلا بمستقبلها التجريبي، فإن الأصولية الإسلامية تكرر نفس المضمون بعد إسباغ مسحة اليقين المقدس عليه. من هنا التقاءهما في مواجهة الشكوك المحتملة أيا كان شكلها ومضمونها ومستوياتها، بما في ذلك أكثرها عقلية وعقلانية. وهي الحالة التي تؤدي بالضرورة إلى التقائهما في صراع دام لكي يندثرا كما لو أنها الموجة الأخيرة من طوفان الزمن الراديكالي. ومن الممكن رؤية الملامح الجلية لهذه الحالة في ظروف العالم المعاصر، وفي العراق بشكل خاص. فهي النهاية التي تتلألأ من خلالها بداية تأسيس التاريخ الاجتماعي للقوى السياسية الجديدة. كما أنها النموذج الذي يمكن من خلاله رؤية الاحتمالات القائمة في آفاق القوى السياسية الجديدة فيه وفي غيره من الدول العربية.
ميثم الجنابي m-aljanabi@mail.ru
عندما نتأمل التجارب التاريخية العاصفة لصعود الراديكالية السياسية العربية الحديثة، فإننا نقف أمام استفحال دورها وتكاملها التدريجي في "منظومة" الاستبداد والانغلاق الثقافي. وترافقت هذه الظاهرة بطبيعة التغير الهائل الذي جرى على تاريخ الجغرافيا السياسية للعالم العربي وتجزئة وتفتيت تراكمه الطبيعي للرقي المدني والدولتي والاجتماعي. ومن ثم لم يكن صعود الفكرة الوطنية والقومية في ظل انتفاء شروطها الضرورية منذ عشرينيات القرن العشرين، سوى المقدمة المشوهة لتصنيع آلية الراديكالية السياسية، أي آلية الإنتاج الدائم للحثالة والهامشية والأوهام والأيديولوجيات التوتاليتارية والعقائد الأصولية. مع ما كان يرافقها من تفعيل لا عقلاني للجماهير، أي "للقوى السياسية" المتحزبة والهائجة.فقد احتوت هذه العملية في أعماقها على احتمال صعود الزعماء والأبطال والقواد الجماهيريين والجمهور، بوصفه الوجه الآخر لسيادة نفسية الغوغاء والرعاع. لكنها كانت تحتوي بالنسبة للعالم العربي على مخاطر الإعاقة التاريخية للتاريخ، أو التشويه المفتعل للمسار الطبيعي الملازم للدولة والمجتمع والثقافة والأمة. وحالما أصبحت هذه الظاهرة آلية قائمة بذاتها منذ خمسينيات القرن العشرين، فإنها تحولت إلى "مرجعية متسامية" بالنسبة للوعي السياسي الراديكالي، أو أنها جعلت من الراديكالية فكرة متسامية عبر مطابقتها مع أيديولوجيا الثورة والانقلاب بوصفها العقيدة المقدسة لحرق مراحل التاريخ. وليس مصادفة أن تصبح فكرة حرق مراحل التاريخ الصراط المستقيم لبلوغ الجنة القومية والتقدم، أو المطّهر الذي ينبغي أن تحترق في مجرى عبوره كل الأوساخ العالقة على الجسد والضمير والعقل العربي. من هنا تحول انقلاب يونيو عام 1952 العسكري في مصر إلى "نموذج" الثورة، و"الضباط الأحرار" إلى نموذج "القوة السياسية" الجديدة. وسوف تكرر سوريا هذه المزاوجة بين الثورة والحرية في الأفعال والرجال عام 1954، ثم يعيد العراق تفعيلها عام 1958. بمعنى تكامل الفكرة الراديكالية وقواها السياسية الجديدة في المثلث الفعال (مصر وسوريا والعراق) للفكرة السياسية العربية في القرن العشرين.إن تحول الظاهرة الراديكالية إلى آلية تصنيع وتفعيل القوى السياسية "الجديدة"، وتحولها إلى نموذج في القيادة، كان يحتوي في أعماقه على سحق وحدة المنطق والتاريخ في الفكرة السياسية بوصفها اجتهادا عقلانيا في إدارة شئون الدولة والمجتمع. وليس مصادفة أن تضمحل تدريجيا وتتلاشى فكرة المجتمع المدني والحرية والإدارة، وعوضا عنها تبرز الملامح الناتئة "للزعيم السياسي" و"القائد الجماهيري" و"الأب الروحي". وهي صيغة كانت تتآكل فيها كل الاحتمالات العقلانية للبدائل. ومن ثم كانت تحتوي في أعماقها على تذليلها التدريجي بوصفها اجترارا للزمن أكثر مما هي تجارب التاريخ.وكان ينبغي لهذه الظاهرة أن تبلغ ذروتها لكي تبدأ بالانحسار. وذلك لأن حقيقة "القائد الجماهيري" هي نفي للجمهور من جهة، وتمّثل للعوام من جهة أخرى. وفي هذا التناقض يكمن سرّ اللعبة التي سرعان ما يدركها القادة والزعماء والجمهور. وحالما يبلغ كل منهم إدراك حقيقتها، فإنها تتحول عند القادة إلى مصدر النزعة الكلبية، مع ما يلازمها بالضرورة من سيادة الرذيلة السياسية، أي العمل بالضد من المعنى الأولي والجوهري للسياسة بوصفها فنا من فنون تحقيق الفضائل العملية للدولة والمجتمع. بينما تتحول عند الجمهور إلى نفور من "السياسة" وبحث عن يقين خارج التاريخ والبشر! وهي معادلة لا عقلانية من حيث مقدماتها ومخربة من حيث نتائجها. بمعنى أنها تدفع قادة الأمس "الجماهيريين" إلى الانزواء في قلاع "الثورة" المزيفة وتحصينها بقوى القهر والقمع والاستبداد، بينما "تتعالى" الجماهير صوب "الله" بوصفه القيمة المعوضة عن اغتراب السياسة! وكلما تقترب من الله، كلما تبتعد عن الواقع. وذلك لأن الاقتراب هنا هو الوجه الآخر لاستفحال الدكتاتورية والاستبداد. وتجد هذه المفارقة تعبيرها في ظهور "القادة الجدد" للقوى الأصولية، أي للسلب التاريخي الذي تعرض له العقل السياسي وبنية البدائل العقلانية، بوصفها الطاقة الكامنة للنخب الاجتماعية الحرة بشكل عام والفكرية بشكل خاص.غير أن آلية تأليه القادة التي تجعل من نفسها آلهة الفضيلة السياسية وأنبيائها، أو رب الأرباب وخاتم الرسالة الأبدية، كما نراه على سبيل المثال في شعار البعث "ذو الرسالة الخالدة"، فإنها عادة ما تؤدي إلى تصنيع نظيرها المعاكس! إذ ليست الأصوليات المتطرفة المعاصرة سوى الوجه الآخر للراديكاليات السياسية الدنيوية. وهي نتيجة كانت تتراكم في ظاهرة تحول القائد إلى اله! أي في استكمال التشوه التاريخي من خلال صنع النموذج المفتعل للقائد أو الزعيم الجماهيري بوصفه مسخا خالصا لسلب العقل والجمهور. وذلك لأن القائد الجماهيري المصطنع لا يعيش إلا على أساس وحدة جمهور بلا عقل! وهو السبب الذي يفسر ظاهرة تحول "القادة الثوريين" إلى دكتاتوريين في الحكم وجماهيريين في القتل والسرقة!وليس مصادفة أن يصبح السلوك السياسي لهذا النمط من القادة سلسلة من انعدام الرؤية النقدية، وزوال الحدود، والاندفاع الأهوج صوب المغامرة والمؤامرة والمقامرة. إذ تكشف هذه العملية بدورها عن أن كل توغل فيها هو تصنيع "منظومي" للانحطاط كما كان يمكن رؤية صيغتها "النموذجية" في العراق قبيل سقوط الدكتاتورية الصدامية، وليبيا القذافية، بوصفها التجسيد السياسي الوحيد و"الرسمي" للفكرة "الجماهيرية"، أي النموذج الكلاسيكي لتمام الابتذال السياسي للقوة السياسية. فقد جعلت من القوة السياسية طاقة بلا احتراف. مع ما يترتب عليه من "تهذيب" دائم لآلية جعل العوام (الجماهير) الوجه الوحيد للنخبة! وهي الصيغة الماكرة لإعدام النخبة باسم الجمهور، وتحويل الجمهور إلى قطيع الأضحية الدائمة لنزوات السلطة ورغباتها وإرادتها وتجاربها. وذلك لأن جمهور بلا نخبة هو أسلوب تآكل الجمهور. أما النتيجة فهي حرب الجميع ضد الجميع باسم الجميع! والنتيجة لا شيء! وهو الحد الأقصى الذي تبلغه الراديكالية. بمعنى تفريغها المجتمع من قواه السياسية (المحترفة) عبر دمج الجمهور في سبيكة الخضوع والتبعية. وعند هذا الحد تبلغ السياسة الراديكالية ذروتها بوصفها قوة مغتربة عن المجتمع والفضائل العملية (السياسية)، أي عن المكونات الجوهرية لحقيقة الفكرة السياسة. إن بلوغ هذه الحالة هو مؤشر على نهاية الزمن الراديكالي، التي يمكن رؤيتها في العالم العربي المعاصر على ظاهرة أفول الراديكاليات الدنيوية وصعود الأصوليات الإسلامية. فصعود الأصوليات الإسلامية بمختلف نماذجها ومستوياتها هو الاستكمال الطبيعي لسقوط الراديكاليات الدنيوية. والأصولية الإسلامية هي التعبير الأيديولوجي والعملي عن الرغبة المسطحة ببلوغ اليقين الأبدي، تماما كما هو الحال بالنسبة للعقائد الراديكالية الدنيوية التي تجعل من تصوراتها المبتذلة ذروة الحق والحقيقة. وكما كانت الراديكالية الدنيوية تشكك بالماضي وترفضه ولا تؤمن إلا بمستقبلها التجريبي، فإن الأصولية الإسلامية تكرر نفس المضمون بعد إسباغ مسحة اليقين المقدس عليه. من هنا التقاءهما في مواجهة الشكوك المحتملة أيا كان شكلها ومضمونها ومستوياتها، بما في ذلك أكثرها عقلية وعقلانية. وهي الحالة التي تؤدي بالضرورة إلى التقائهما في صراع دام لكي يندثرا كما لو أنها الموجة الأخيرة من طوفان الزمن الراديكالي. ومن الممكن رؤية الملامح الجلية لهذه الحالة في ظروف العالم المعاصر، وفي العراق بشكل خاص. فهي النهاية التي تتلألأ من خلالها بداية تأسيس التاريخ الاجتماعي للقوى السياسية الجديدة. كما أنها النموذج الذي يمكن من خلاله رؤية الاحتمالات القائمة في آفاق القوى السياسية الجديدة فيه وفي غيره من الدول العربية.
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)

