الأربعاء، 6 مايو 2009

الراديكالية العراقية - التيار الصدري وآفاقة المسدودة – 4-4

الراديكالية العراقية - التيار الصدري وآفاقة المسدودة – 4-4

ميثم الجنابي m-aljanabi@mail.ru
إننا نقف من جديد أمام الخطورة التاريخية للنزعة الراديكالية في العراق، التي شكلت مصدر مأساته المعاصرة. إذ تبرهن التجربة التاريخية للعراق المعاصر بصورة قاطعة على أن خطورة الراديكالية تقوم في رفعها قطع العلاقة بالتاريخ والتقاليد إلى مصاف العقيدة المقدسة. بينما يفترض المقدس هوية الثبات. وهو فرض تمارسه الراديكالية بحمية بالغة عبر مطابقته مع التجريب الخشن المبني على احتقار الشكوك والاعتراض. كما أنها تطابق بين فكرة الثابت المقدس ويقينها الخاص عن أن الفعل التجريبي هو المطلق الوحيد. مما يجعل منها في الأغلب قوة مدمرة لا تنتج في نهاية المطاف سوى الخراب والتوغل الدائم فيه. وهو الأمر الذي كشف عنه "التيار الصدري" وسوف يكشف عنه الزمن اللاحق وبالأخص ضمن التيارات الإسلامية السياسية عموما.فمن المعلوم إن الراديكاليات قد لعبت على امتداد التاريخ دور المستفز الدائم والعقل النقاد والنزوع الشكاك تجاه ما هو موجود من قيم ومفاهيم وما يجري من أحداث. مما يعطي لنا إمكانية القول، بأنه كلما كانت منظومة العلاقات الاجتماعية والسياسية والثقافية اكثر سعة وعمقا وثباتا من حيث تقاليدها، كلما كانت الراديكالية اشد فاعلية وأسرع زوالا. وهي سمة يمكن ملاحظتها في تاريخ جميع الحضارات الكبرى القديمة منها والمعاصرة. وهي الفكرة التي ينبغي وضعها في الموقف من الراديكاليات العراقية المعاصرة وآفاق زوالها. بمعنى إدراك الحقيقة القائلة، بان خراب منظومة العلاقات الاجتماعية والسياسية والثقافية في العراق المعاصر يجعل من التيارات الراديكالية اكثر تخريبا وأطول بقاءً.وهو الأمر الذي طبع وسوف يطبع خصوصية الظاهرة الراديكالية في العراق، التي اصبح من أهم خصائصها في تاريخه الحديث هو تحولها إلى "منهج عمل" عند الأغلبية الساحقة للأحزاب السياسية العراقية، بحيث تحول "الشارع" إلى قاطرة تجر خلفها "النخب" السياسية. وهي نخب كانت في الأغلب اقرب إلى نفسية ومزاج الشوارع والعوام. وعوضا عن أن توضع الشوارع في محلها الجغرافي والاجتماعي، فانه جرى تحويلها إلى مقولة سياسية. وفي هذا الواقع كان وما يزال كمون الخطر الهائل للراديكالية بشكل عام والسياسية بشكل خاص في حياة الدولة والمجتمع في العراق. ولعل تجربة العراق في مجرى سيطرة التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية هو نموذجا "كلاسيكيا" لذلك. وفيها ينبغي البحث عن جذور الراديكاليات الرثة التي شكل "التيار الصدري" نموذجه الفاعل الأول على مستوى العراق ككل.وهو الأمر الذي يجعل من هذا التيار الحركة التي تمثلت في ظروف العراق الحالية مضمون الراديكالية بأكثر أشكالها تخريبا وتدميرا. وسبب ذلك يقوم في كونها لم تستفد من تجارب الاضطهاد التاريخي الهائل الذي تعرض له الشيعة، بوصفهم المكون الأساسي والرئيسي والأكبر للعراق. كما أن ممارسته التي ترافقت مع ظهورها السريع على خلفية زوال البعثية الصدامية تشابهت بصورة شبه تامة مع ممارساتها التوتاليتارية والدكتاتورية. ومن ثم وضع نفسه بالضد من المجرى العام للتيار الشيعي والوطني والاجتماعي العراقي.ولعل أهم ما يميزه بهذا الصدد هو نظرته الضيقة المقيدة بنفسية ومزاح وأهواء الحثالات الاجتماعية. وهو الأمر الذي يحد من إمكانية نموه العقلاني، كما يجعله بالضرورة أسير الحدود الضيقة في رؤيته لآفاق تطوير الدولة والنظام السياسي والمجتمع والثقافة. إذ أننا لا نرى ولا نسمع ولا نعثر على برنامج "صدري" له علاقة بمكونات الدولة المعاصرة والنظام السياسي والمجتمع والثقافة البديلة للتوتاليتارية والدكتاتورية. وهو أمر يشير إلى افتقاد الرؤية السياسية الاستراتيجية وفقدان المشروع السياسي وانعدام لرؤية الواقعية والعقلانية لطبيعة التغيرات التي جرت في العراق. وليست العبارات العامة عن "الدولة الإسلامية" و"المجتمع المسلم" و"الثقافة الإسلامية" وما شابه ذلك سوى عبارات لا معنى لها في حال انعدام تحديدها الدقيق بمعايير الرؤية السياسية والاجتماعية والثقافية، أي في حال انعدام برنامج نظري وعملي يحدد الغايات والوسائل بصورة دقيقة.كل ذلك يشير إلى الآفاق المسدودة "للتيار الصدري"، أي الآفاق المسدود للظاهرة الراديكالية بشكل عام. وذلك بسبب عدم إدراكها طبيعة التحولات الجارية في العراق، وعدم قدرتها على الانخراط الفعال في الحياة السياسية الاجتماعية. من هنا بقاء خطابه السياسي ضمن العبارات التي لا تتعدى في افضل الأحوال لغة الشعار السياسي المهيج لنفسية الفئات الرثة. وهو الأمر الذي يقلص مع مرور الزمن قاعدته الاجتماعية ويجعله قوة مناهضة لأبسط مفاهيم الحرية والتقدم الاجتماعي. وهي عملية يمكن ملاحظتها الآن في تزايد وتوسع وتعمق الشرخ السياسي والفكري والمعنوي بينه وبين المجتمع. إذ تحول "التيار الصدري" إلى جزر متناثرة لا يربطها سوى الاستعداد للعنف. كما نراه أيضا في مستوى وحدود وديناميكية الاغتراب السريع بينه وبين المجتمع.وفي الإطار العام يمكن القول، بان "التيار الصدري" بوصفه ظاهرة راديكالية تبرهن من جديد على أن الحثالات الاجتماعية ليست مستعدة على بلورة رؤية سياسية أخلاقية قادرة على تجاوز مفاهيم الحثالة وتصوراتها وأحكامها لما جرى ويجري. ومن ثم فان ممارساتها ككل لا تفعل الا على إعادة إنتاج مختلف مظاهر الإفساد والانحطاط والتخلف والاستبداد. وهو أمر يشير بدوره إلى طبيعة الضعف التاريخي والثقافي للظاهرة الراديكالية في العراق. من هنا فان الأسلوب الوحيد لتذليل هذا الضعف التاريخي للراديكالية السياسية في العراق كما هي مجسدة في "التيار الصدري" هو العمل من اجل بناء الدولة الشرعية ومؤسساتها والنظام الديمقراطي السياسي والمجتمع المدني والثقافة العقلانية. وهذا بدوره يجعل من تذليل النفسية الراديكالية وذهنيتها مهمة وطنية كبرى تقع على عاتق الجميع.إن تذليل النفسية الراديكالية وذهنيتها هي المهمة العملية السياسية المباشرة للأحزاب السياسية العراقية ونخبها من رجال العلم والأدب والصحافة والإعلام والأندية في ظروف العراق الحالية من اجل تلافي الخطر الكامن في تحويل الراديكالية إلى تيار سائد في الحياة السياسية، عوضا عن أن يفسح لها المجال بوصفها تيارا إضافيا على ضفاف المجرى العام لتوحيد الرافدين ماديا ومعنويا في حركة عقلانية ترمي إلى إرساء أسس الدولة الشرعية وجوهرية الحقوق والنظام الديمقراطي الاجتماعي. لاسيما وانه الأسلوب الوحيد الواقعي والعقلاني لإعادة بناء العراق بالشكل الذي يجعل من الصراع مع "التيار الصدري" صراعا من اجل إضعاف النفسية الراديكالية بشكل عام والسياسية بشكل خاص، بوصفه أيضا الأسلوب الضروري لتذليل بقايا التوتاليتارية والراديكالية وإحقاق الحق والعدالة. وفيه فقط يمكن بيان وكشف الآفاق المسدودة للظاهرة الراديكالية بشكل عام. (انتهى).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق