الخميس، 7 مايو 2009

التوتاليتارية والتخريب

التوتاليتارية والتخريب
التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية وتخريب الكلّ العراقي
البرفسور ميثم الجنابي
البعثية الصدامية مجرد غشاء استمد (حيويته) من المقدرة على امتصاص ألوان الأشياء وأشعتها، وبالتالي ليست التوتاليتارية البعثية الصدامية سوى ذلك الغشاء الذي سرعان ما جف بعد أول انتزاع له من جسد المجتمع والدولة.
كشف تاريخ البعث العفلقي والصدامية عن ظاهرة معقدة، لعل مفارقتها الكبرى تقوم في أنها استطاعت أن تعزل الزمن عن التاريخ، وأن تجرد زمن وجود الأشياء والناس والأفعال من تاريخها. وهو الواقع الذي يفسر سر انهيارها السريع وهروبها المريع، ليكشفا عن حقيقة تقول بأن التوتاليتارية البعثية-الصدامية هي زمن بلا تأريخ. من هنا اندثارها الخاطف وبقاياها الخربة في كل مكان. وهي نتيجة تشير إلى فقدان التوتاليتارية البعثية في العراق إلى جذور طبيعية، والى أنها مجرد ظاهرة عرضية ومرضية تمثلت العناصر الرخوية المميزة للهامشية الاجتماعية والسياسية في العراق.
كانت البعثية الصدامية مجرد غشاء استمد (حيويته) من المقدرة على امتصاص ألوان الأشياء وأشعتها، وبالتالي ليست التوتاليتارية البعثية الصدامية سوى ذلك الغشاء الذي سرعان ما جف بعد أول انتزاع له من جسد المجتمع والدولة. وهي حالة فريدة من نوعها في تاريخ التوتاليتاريات، ولربما هي النموذج الأكثر سوءا وتفاهة.
وفي تناقض هذين الجانبين تكمن خصوصية التوتاليتارية البعثية في العراق، فمن الناحية المجردة يمكن النظر إليها على أنها جزء من تاريخ التوتاليتارية بشكل عام، إلا أن رخاوتها الفجة وانهيارها السريع واضمحلالها الخاطف يعطي لها في الوقت نفسه طابعاً متميزا. وان أهم ما تميزت به بهذا الصدد هو أنها كانت في حصيلتها مجرد فعل خارج التاريخ، وبالتالي خارج الحقيقة والقانون والأخلاق، مما جعل منها في نهاية المطاف آلة تفريغ المعنى من كل شيء، بينما المعنى هو الكيان الوحيد الذي يعطي لكل وجود حدوده وقيمته وأثره في التاريخ.
التوتاليتارية عادة ما تفرغ الزمن من التاريخ وذلك بفعل مساعيها (تبرئة) الحاضر من الماضي، وتحويل رغباتها وتصوراتها إلى يقين المستقبل. وهو تناقض يضعها في صراع يتحول من محال إلى مستحيل بحيث يجعل منها بالضرورة قوة عاتية تجعل من كل ما تجهله (عثرة) ينبغي إزالتها. وبما أن جهلها بالتاريخ هو شرط وجودها التاريخي، لهذا عادة ما تجعل من تغييب وعي الذات التاريخي سلاحها الفعال في مواجهة الحاضر والمستقبل. وفي هذه المواجهة تجرّب كل الصيغ الممكنة للجهل الذاتي لكي تقف في نهاية المطاف أمام نفس هاوية الانحطاط والسقوط المميز للتوتاليتاريات جميعا. إلا أن لكل انحطاط وسقوط معناه التاريخي وعبرته السياسية وقيمته الثقافية، فالتوتاليتارية في نهاية المطاف هي تعبير عن النقص التاريخي في وعي الذات القومي وخلل تقاليده السياسية وضعف حصانته الثقافية. وتجربة العراق لا تشذ عن هذه (القانونية) الصارمة، التي جعلت من تاريخ العراق الحديث حلقة في زمن الضياع والتيه السياسي والوطني والثقافي.
يرتبط ظهور التوتاليتارية في الأغلب بحالة الخلل الشامل في بنية الدولة والأمة والثقافة (السياسية بشكل خاص)، أي عندما تغيب إمكانية التأسيس الواقعي والعقلاني للبدائل ضمن سياق الشرعية والعلاقات المدنية. عندها تصبح التوتاليتارية (جوابا شاملا)، مما يجعل منها قوة شرسة في مواجهة الإشكاليات التاريخية الكبرى القائمة أمام الدولة والأمة. وهو الأمر الذي يعطي للأيديولوجية فيها أبعادا هائلة القيمة والتأثير، تصل إلى مصاف الإيمان الديني وتتفوق عليه أحيانا. ويتحول حكم الأيديولوجية الشامل فيها إلى (منطق) مطلق، لا يستثنى من قواعده أي شيء! بحيث تخضع كل شيء لمبضعها البارد بما في ذلك السلطة، ويتحول الصراع من أجل (المبدأ) إلى تعصب تام،.. كما أنها تجعل من (الأيديولوجية الثورية) و(أيديولوجيا التغيير) أداة لتنفيذ كل ما تهواه، مما يؤدي بالضرورة إلى ممارسة القمع الشامل والسافر. وهي ممارسة عادة ما تؤدي إلى أن تصبح الأيديولوجيا سلطة مطلقة لا ترضى بشيء أقل من العبودية التامة لها ولحملتها. من هنا قدرتها على استعمال كل شيء من أجل إحكام سيطرتها التامة بما في ذلك استعمال الأساطير والخرافات والدين والعلم والعواطف،.. مازالت تؤدي إلى إجبار الجميع على اعتناقها والعمل بها واتخاذها عقيدة لا تقبل الجدل. كل ذلك يدغدغ مشاعرها لكي (تتسامى) إلى مصاف المقدس، بحيث تجعل من كل ما تقوله حقيقة مقدسة. من هنا سعي التوتاليتارية الدائم في البحث عن (نص مقدس)، وهي ممارسة تؤدي بها إلى أن تكون هي نفسها عبدا للنص، بل يصبح الحرف أحيانا مصدرا للخلاف والشقاق والمذابح!
الحصيلة النهائية للتوتاليتارية في كل مكان هي التحكم التام من جانب السلطة في كل شيء وتحويل نفسها إلى إله بلا قلب، لكنه قادر على فعل كل شيء بما في ذلك تغير طبيعة الإنسان. وهو اعتقاد يؤدي بالضرورة إلى احتقار الإنسان وجعله مجرد جزء من آلة باردة لا حياة فيها، وهو سلوك واعتقاد مبني على اليقين التام بأنّ ما تقوله وتفعله هو تجل للمطلق والحقيقة النهائية، مما يجعل من رؤيتها وهواجسها وأهوائها حقائق مطلقة يحق لها تأويل كل فعل وقول وحادثة مهما قرب أو بعد حدوثها، انطلاقا من يقينها بأنها ممثلة المستقبل. وهو الأمر الذي يجعلها على الدوام تحتقر الماضي و(مخلفاته) في كل شيء، وبالتالي تجعل من تحطيم التقاليد أسلوبا لكسر (أصنام) الماضي، ومن ثم إخلاء المعبد من أصنام الماضي وإحلال سدنتها فيها،.. وهو الأسلوب الذي يعبر عن رغبتها في تثبيت ما تقوله وتفعله وتراه وتتذوقه وتشمه وتلمسه. من هنا ينطلق عدم تسامحها مع كل مخالف واحتقارها لكل تعددية، وذلك لأنها تجد فيهما تعبيرا عن الشك في الحقيقة، ولا يؤدي ذلك في نهاية المطاف إلا إلى صنع أنصاف الوعي. أنها تنتج وتعيد إنتاج أيديولوجية الرعاع والغوغاء عبر بلورة وتقديم ألف باء المعرفة. من هنا نفهم معارضتها للمثقفين والإبداع، ودفاعها المستميت في الوقت نفسه لكسبهم إلى جانبها،.. أنها تجعل منهم ألسنة بلا قلوب وهراوات خشنة.. وتؤدي في نهاية المطاف إلى أن تجعل الجميع عراة دون أن يرى أحدهم عورته، مع ما يترتب على ذلك من احتقار للحقوق والأخلاق. ومن كل ذلك تصنع سبيكة الإرهاب المنظم، فهو الشيء الوحيد الذي تبرع في تهذيبه، بحيث تجعل من العنف المنظم وتنظيم العنف الدورة الدائمة لوجودها،.. ومن هنا أيضاً تسود الشعارات ويستمر دورانها في فلك العداوة بمختلف أشكالها، بحيث يصبح كل ما لا يخضع لعبوديتها عدوا. وفي النهاية تجعل من مساواة الجميع في العبودية أسلوب تبريرها لرفض الديمقراطية وتصويرها على أنها مجرد وساخة جماعية، وتصبح معارضتها مهما كانت طفيفة ذريعة لبهجة الإنتقام والقتل، وتجعل من كل ذلك طقوسا وعبادات مبرمجة بحيث يتحول الحماس والابتهاج في القتل والانتقام إلى فصول في مسرحياتها الدموية. وهي (مسرحية) خاتمتها السقوط، لأنها لا تستطيع أن تقتل إلى ما لا نهاية، وفي موتها تمثل أتفه الأدوار لأنها تختتم فعلاً درامياً دماؤه وقتلاه التاريخ والمجتمع والدولة.
التصوير المتنوع لماهية التوتاليتارية ومنشؤها وصفاتها ونتائجها عادة ما يتجسد بطريقة ومستوى يحدده في الأغلب المسار التاريخي للأمم، أي كيفية تمثل الانقطاع الراديكالي لتاريخ الأمم والثقافة. فمن الناحية الشكلية (والعملية أيضا) تسعى التوتاليتارية إلى تمثل وتمثيل الوحدانية من خلال تحويلها إلى واحدية شاملة لوجود الأشياء والأفعال والناس، وهو تناقض لا يمكن حله إلا بانحلال التوتاليتارية نفسها. وذلك لأنّ التوتاليتارية لا تعقل خارج هذا التناقض التاريخي الذي يميز مساعي العقائد الكبرى لتمثيل (الحقائق الكبرى). بمعنى محاولتها تمثل وتمثيل ما تعتقده نموذجا أفضل وأسمى لوجود الأشياء ونظام البشر. بهذا المعنى يمكن القول، بان التوتاليتارية عريقة شأن عراقة البحث عن واحدية مثلى لنظام الأشياء ووجود البشر، وبالتالي فإنها يمكن أن تتمظهر من خلال العقائد الدينية والدنيوية على السواء.
آلية توليد وإعادة إنتاج التوتاليتارية، ترتبط أساسا بثلاثة أسباب، هي: فقدان الحدود العقلانية في العلم والعمل، وفقدان الاعتدال العقلي-الأخلاقي، وخلل التوازن الداخلي الذي يجد انعكاسه في سيادة الغلو والراديكالية العملية. وهي أسباب تحدد بالضرورة ظهور وسيطرة وفاعلية أربعة عناصر كبرى مميزة للتوتاليتارية، وهي: (مشروع بلا بدائل)، و(يقين بلا احتمالات)، و(إرادة بلا رادع)، و(واحدية عقائدية-سياسية بلا روح ثقافي.
النتيجة الحتمية لكل ذلك هو تخريب المجتمع والدولة والوعي. وفي الإطار العام يمكن القول، بأنّ نتيجة التوتاليتارية (الكليانية) هي تخريب الكلّ، وذلك لأنّ كل سعي لفرض نموذج كليّ سوف يؤدي بالضرورة إلى تدمير الكلّ، وذلك لأنّ مفهوم الكلّ بحد ذاته صعب البلوغ حتى بالنسبة للوعي المجرد. إضافة لذلك أن الكلّ يتعارض مع الإجبار، كما انه بحد ذاته يفترض تلقائية ارتقاء جميع مكوناته، بينما التوتاليتارية في جوهرها هي نتاج الخروج على الكلّ الاجتماعي والتاريخي من جانب حفنة صغيرة لا علاقة لها بالكلّ سوى ادعاء تمثيله المطلق، وهو الوهم الذي يصنع أشد المفاهيم غلوا، والقيم رذالة، والممارسات شناعة.
جسدت البعثية الصدامية في العراق نموذجاً خاصاً للتوتاليتارية أدى إلى (صناعة) نوع ربما هو الأتفه في تاريخ التوتاليتاريات بأسرها. فقد كانت في ممارساتها تجسيداً لفقدان الحدود العقلانية في العلم والعمل، وفقدان الاعتدال العقلي-الأخلاقي، وخلل التوازن الداخلي، الذي وجد انعكاسه في سيادة الغلو والراديكالية العملية. أما النتيجة فهي (تنظيم) دكتاتورية بلا حدود ولا قيود، (نظامها) الوحيد هو تقنين العنف والإرهاب، بحيث جعلت من (مشروعها) لبناء العراق عقداً أبدياً لا علاقة له بالتاريخ والمجتمع، وتطاولت إلى درجة لم تسمح بأي قدر من البدائل، بما في ذلك من جانب (الحزب) الذي تمثله. وأكملت ذلك بيقينها القاطع لكل احتمالات من جانب أي فرد وجماعة ومنطقة وطائفة وحزب وقومية. باختصار، أنها وجدت في كل (احتمال) مهما صغر جريمة ومؤامرة وتخريبا للحق والحقيقة. مما جعلها تمارس أقسى أنواع القهر والإكراه، وأعطت لكل أفعالها المنافية للقانون والأعراف والأخلاق والحق والحقيقة صفة (الإرادة الثورية)، مما أفقدها تدريجياً من كل رادع عقلي وأخلاقي، بحيث دفع بها في نهاية المطاف إلى أن تلتهم نفسها بنفسها بعد إفراغ مستمر للمجتمع من كل قواه الحية. أما النتيجة فهي سيادة رؤية عقائدية لا علاقة لها بالمفهوم الحقيقي للسياسة بوصفها إدارة شؤون الدولة ومصالح المجتمع العامة، وهي رؤية لا مكان فيها للثقافة بالمعنى الدقيق للكلمة، بعبارة أخرى أنها أدت إلى واحدية عقائدية- سياسية بلا روح ثقافي. والنتيجة هي إنتاج مستمر للرخوية والرخويات في كل مكونات الدولة والمجتمع، فقد مزقت التوتاليتارية البعثية الصدامية نسيج الوجود العراقي وشوهت مكوناته الطبيعية مما جعل منها مجرد آلة اجترار للزمن وقتل الحياة. لقد حاولت التوتاليتارية البعثية-الصدامية إحلال نفسها محل المطلق والتاريخ، مع ما ترتب عليه بالضرورة من تمزيق للنسيج التاريخي والثقافي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق