الأحد، 2 أغسطس 2009




الثلاثاء، 28 يوليو 2009

تركيز العنف بوصفة شكل السلطة الاولى


تركز العنف بوصفه شكل السلطة الأول
خالد سليمان
تاريخ النشر Tuesday, October 03, 2006
تمخضت عن وصول البعث العراقي الى السلطة مستويات متعددة من العنف ، وأختفت الدولة التي كانت أساساً نتاج وضع عنفي محلي وكولونيالي ، في دوائر التقليم السياسي والإجتماعي والثقافي والأتني وخضعت لجميع أشكال العنف الذي تحول من مستوى تاريخي الى مستوى عضوي تقني يقتضي رسم مجتمع مقلم خال من الإختلاف .كان المستوى الأول في التركيز على العنف هو الدخول الى المفاصل المجتمعية بغتة ووضع أفرادها تحت السيطرة والمراقبة من قبل مؤسسات الأمن والإستخبارات والبوليس والجيش ، أما المستوى الثاني فتجسد في تجريد الإنسان من إنسانيته وسلخه من حقوق الحياة بإستثناء تلك الحقوق التي يوفرها الحزب والقائد ، وأصبح المجتمع بالتالي مشروعاً لإعادة إنتاج صورة تخيلها البعث في تراث فاشي ترجع جذوره الى النقاء والأصالة العرقيين وفي مرآة الحداثة الغربية التي أنعكست فيها جثث ضحايا الهولوكوست .أما المستويات الأُخرى فهي المنهجية في القتل والمباغتة في السلخ وإعتبار الموت أمراً تقنياً تستدعيه شروط الدولة الحديثة في حال عدم تطابق صورتها مع صور المجتمع ، والدفن الجماعي ، وإلغاء مفهومي الزمان والمكان في عمليات التحويل القسري أو المسخ التاريخي الذي تمت المراهنة عليه للتبعيث . وفي سياق هذا التركز للعنف في صناعة المجتمع المدجن أو إعادة صياغة المجتمع العراقي ، أرتخت الكاريزما في أبرز معانيها للنحت على جسد الـ " لا " وإنتشرت تمثلاتها في نفوس الجميع ، وبدأت تنحو الى مجالات الأكثر خطورة وهي زرع قوى إكراه متعددة تمثلها صورة الدولة في لاوعي الفرد وإجباره على التخلي عن حقوقه فيالحياة وترك مساحاته الجد ذاتية لماراثونات تلك القوى التي انغرست أضافرها في أجساد الأفراد. يكتب عراقي بإسم أبو على رسالة الىالباحث العراقي كنعان مكية ويقول له في مقطع فيها : ( أعتقد أن مجتمعنا أصبح اليوم مثل مجتمع "1984" وليس هناك من يتذكر أو حتى أن يتجاسر بتذكر معاني كلمات " الحرية " و" الديمقراطية " و" الأخوة " و" الإنسانية " . ولم يعودوا يعرفوا ما هي ( حقوق الإنسان ) وما له وما عليهم صار واجبهم اليوم أن يصفقوا ويهتفوا للأخ الكبير بالروح بالدم نفديك يا صدام ).لقد أصبحت الأجواء المشحونة بالقتل وإبدال جلد الإنسان بحالة " نعم " دائمة بعد سلخه ووضعه في ماكينة الفرم أن يرى ذاته في رواية جورج أورويل 1984 تلك الرواية التي ( يموت فيهاالإنسان ويُباد فيها في الليل وفي النهار، تحت الأضواء، على السرير، في الشارع، في العتمة، من دون تقرير واحد عن ظروف الاعتقال. يختفي الناس ببساطة وتتم السيطرة على ماضيهم، لأن السيطرة على الحاضر والمستقبل من وجهة نظر الأخ الكبير لن تتم الاّ بالسيطرة على الماضي وتحويل لغة الناس المتبعة في الكلام والكتابة والتفاهم الى لغة مُشفّرة، ترمز كل إشارة فيها الى حالة خاصة. إنها لغة جديدة تعمل فيها فرق عمل متخصصة في وزارة الحقيقة، وتصدر عنها طبعات حديثة باستمرار، لغة تتبدد فيها الأنساق والمتن والنظم وتتحول إلى مفردات لا يعرفها إلاّ الموظفون في وزارات الحقيقة والسلام والحب والوفرة. من هنا تسيطر الشرطة على الفكر أيضا، لأن اللغة الحديثة المُشفّرة لا تُمكن من التفكير بين الناس، كونها تحوي رموز شرطة الفكر فقط. فالتحكم بالتكنولوجيا الثقافية والسيطرة الكاملة على كل جوانب عمليات الاتصال هو من أجل حماية مصالح الدولة وتعزيز أيديولوجياتها، وليس المواطن كما قال فريد وليامز تطرح التقنيات الحديثة فرصة أمام المواطن للحصول على معلومات ومشاركة لم يحلم بها آباؤنا المؤسسون . كان الهدف الأسمى لدى البعث هو تأسيس حالة تماه غير مشروطة للمواطن كما في علاقة شخصية أورويل " وينستون سميث " بوزارات الأخ الكبير بعد تعرضه لعمليات إعادة الصياغة والسيطرة على ماضيه . ولهذا التأسيس أحتاج البعث الى عنف مركز على الصدمة والرعب القياسي في إحتلال مواقع الإنسان الذاتية والسلطات المدنية العراقية التي كانت في طور تكوينها، وكانت الوسيلة الفعالة لتحقيق هذه الغاية هي عنف أدواتي أرتسم على خارطة الموت من خلال التقنيات النوعية التي كانت تعتمدها لذلك . وإذا قرأنا تاريخ هذا العنف الأدواتي والنوعي في مسيرة البعث نرى أن تفكيك السلطات المدنية والتعليمية والمهنية والدينية هو الهدف المنشود الأكبر وتمت مقارنته مع طاقة العنف ورأسمالها المُتخيَّل في ( لاجدوى الدولة ) دون صناعة المجتمع الذي كان يبتغيه البعث . أما البنية التحتية لذلك الرأسمال المُتَخيَّل فتجسدت في إقامة كاريزما مكونة من رموز قبلية ، قومية ، دينية سمحت لها ظروف تاريخية وإجتما-سياسية لم تكن تملك قوى الإنسجام ومفاهيم المواطنية والثقافة الفردية سمحت لها بالإستفحال بعد أن أصبح ظهورها شكلاً متيقناً من غراريات تاريخ المنطقة في إنتاج "القاتل الحر" .يتوجب علينا هنا مناقشة الآلية التي تم من خلالها تبديل "التاريخ المنطقي" الذي كان يتطور حسب اليسار التقليدي والأكاديميين الرسميين وفق حركة إجتماعية متجانسة في تطلعها نحو المستقبل ، لكن البعث بدله بتاريخ آخر ، تاريخ ، أُخرج من بئر فكر مُنحطّ بحبل القوميين المتباكين( ميشيل عفلق ، إلياس فرح ، ساطع الحصري ، منيف رزاز ) على الأُمة وفقدانها للأصالة العرقية و وجدت له مساحات إجتماعية تسيطر عليها ديكتاتوريات التخلف والإنحطاط الثقافي . وكانت السلطة ، الآلية الأولى لصناعة نموذج البعث المُتخيَّل ، إذ لم يكن ممكناً الولوج في تفاصيل صورة شباب الـ " هافانا " عام 1947 ، والتي ألتصقت بمخزون ديكتاتورية البؤس والتخلف العربيين كهامش طاغٍ على مراكز التنوير ، لم يكن ممكناً دون القبض على الدولة ومؤسساتها ، خاصة أن الحزب رغم وقوعه في دوائر التخلف الإجتماعي والإقتصادي والتربوي والعشائرية وإحتمالات الإستثمار المتوفرة فيها ما كان يملك قاعدة جماهيرية يمكن الإستناد عليها . ولجأ بالتالي الى وسائل تلغي كافة المسافات التي تفصل بينه وبين السلطة وهي العنف والعنف . وساعده في ذلك :أولاً : طبيعة " المنظمة السرّية " أو الحزب الذي أعتمد الهجوم المباغت والإغتيالات والتصفية السرّية ثانياً : نكسة العرب في حرب 1967 مع إسرائيل والأجواء التشائمية التي تركتها تلك الحربثالثاً : الوضع الدولي والنفاق الأمريكي _ السوفيتي في الشرق الأوسطرابعاً : ضعف القرار السياسي للحزب الشيوعي والأحزاب العراقية الأخرى واللاتكافئ في العلاقة مع البعث . خامساً : تركز آليات سلطة الفرد ، وأحتل صدام منذ جريمته الأولى عندما قتل مسؤول منظمة الحزب الشيوعي في مدينة تكريت عام 1959 الفضاء الأوسع لتلك الآلية التي أوصلته الى مركز قرارات التصفية والإغتيال والتقليم . والجسم العراقي رغم رفضه ومقاومته لعنف البعث وأدواته التي تمنهجت في إدارة الدولة القومية البعثية لمدة 35 عاماً ، أصبح إسفنجاً عريضاً وطويلاً لإمتصاص ذلك الكم الهائل من القتل والتنكيل . وبين مدرسة تعليم الوصول الى السلطة " العنف " وبين مواجهة الموت بالصمت وإمتصاص المهانة ، حدثت مجازر ومسالخ كثيرة في البلد ، فبدءً من تنفيذ مقولات ميشيل عفلق حول إستئصال الوجود الكردي كعرقلة كبيرة أمام فكرة الوحدة العربية الى الهتك المستمر ضد الشيعة وتصفية الشيوعيين بعد الغاء مؤسساتهم الإعلامية والثقافية والمهنية والنقابية ومروراً بإذلال المجتمع وإخضاعه لعمليات تطهير يومية من العيوب والشوائب ، أو تقليم أشواكه حسب الكاتب الكردي "خالد صالح" .لقد صار العنف المُمَنهَج لدى الدولة وضعاً إبداعياً للعب على جميع الأشكال المتوفرة في تأسيس الموت اللامُتَخيل والتمارين اليومية للمباغتة في عرض أدوات السيطرة وإلغاء الزمن وتأثيث المكان بصور " القاتل الحر " . ففي هذا الأخير أثث البعث الأمكنة وزواياها المختلفة بمفاهيم هندسية وعمرانية جديدة تعتمد فكرة إلغاء المدينة المتنوعة ووضعها في دائرة التشابه والتكرار لصورة واحدة ، عقل واحد ، مزاج واحد ، ثقافة واحدة ، صوت واحد وكلٍ واحد ايضاً . وتمثلت هذه الـ " واحدات " المتكررة في جداريات ومنحوتات بارزة ومجسمة وصور لشخص الرئيس كانت تقاس أحجامها وفق الفراغات التي تركتها القوى الإجتماعية إثر تعرضها للعنف المباغت اليومي . وكان الخوف من المكان هو الآخر من مفردات تأثيث المكان ، إذ تحولت المدن الى مقاطعات أمنية ومخابراتية وكل مقاطعة لها أجهزتها المتعددة الواقعة في البؤر المركزية ، مؤثثةً المكان بالمراقبة والريبة ، وفقدت المدينة العراقية التي تم تبعيث أُسسها المدينية وبقيت كمكان مباح للتأثيث البعثي المكرّس للتنكيل برموزه وتجريده من الإشارات والأسماء والعلامات والإنسان أيضاً . من جهة أخرى وفي نفس السياق التأثيثي العنفي تم تحويل المسافات الواقعة بين المدن الى بؤر المراقبة والتفتيش والمعسكرات ، إذ لم يبق أمام الناظر شيء يشير الى حقل مجتمعي أو لون خال من رماديات عسكرة المكان . أما في كردستان فتبدت هذه الظاهرة على قاعدة نظرية أُخرى وهي رؤية معمارية مختلفة أعتمدت أسلوب العمارة الأمني وأرتسمت آفاقه على " مخيمات الأنفال " التي رافقت منطلقات آيديولوجية تؤثث المكان عبر السيطرة على المعاني والعلاقات المكانية . وكما أشرت في بداية فصل الحديث عن الأرامل والمخيمات ، فإن البعث ألغى نقطة جوهرية في علاقة الإنسان بالمكان وهي الخبرة المستقاة من التجربة في التعامل مع ومضمونه التاريخي . وكان لهذا الإلغاء لمعاني الإنسان المتجسدة في المكان دور لا تقل خطورته عن القتل أو التجميع في اللامكان ، أي المجمعات الأُفقية أو الأنفال التاسعة التي تم تأسيسها وفق نظرية " التصفية أو التجميع " . وحدث في موازات هذا التأثيث ، إخلاء عام لجميع التمثلات التاريخية والرمزية والشخصية وحتى الجسدية في الساحات الإجتماعية وتبديلها بوضع ديكوروغرافي يثبت وجود صدام حسين منذ آلاف السنين . ولم يكف هنا شعار ( من نبوخضنوصر الى صدام حسين ) بل جاهدت دوائر الآثار وفرق العمل المعمارية والنحاتين على ترميم العمارة العراقية القديمة ووضع تماثيل الرئيس بجانب المنحوتات البابلية والآشورية والكلدانية والميدية في جميع الأماكن الأثرية . وكان هذا جزء من خطة ترفدت في حياة الجميع وصار العراقيون تحت رحمة خيمة إسمها صدام ، مقتحماً الماضي والحاضر من خلال تأسيس جهاز بيروقراطي بدا فيه القتل شرطاً من شروط الموظفين الذين يديرونه . وفي هذا السياق نفسه أصبح صدام قوة هلامية خلاّقة داخل أي فرد مبدع في الفن والثقافة والعلم والرياضة ، ولا يمكن الخلق والإبداع دون هذه القوة ، فاللاعب الذي كان ينتصر في الساحات الرياضية عليه أن يدرك أنه أنتصر بفضل الرئيس لا غيره كما يذهب "بختيار علي" في تحليله لآليات إنتاج الكاريزما لدى البعث . لم يصل نموذج الكاريزما في دولة البعث الى اللاشعور الجمعي للناس فحسب ، بل تمكن من سحب ذلك اللاشعور نفسه الى أمكنة مدرجة ضمن المجتمع المُتخيَّل الذي تصوره ورسم آفاقه المفتوحة على أجنحة ليل المداهمة والإخفاء والدفن الجماعي . أي أنه تمكن بزج الملايين من العراقيين في أجهزة الجيش المتفرعة ( الجيش النظامي ، دائرة التوجيه السياسي ، المخابرات العسكرية ، الجيش الإحتياطي ، الحرس الجمهوري ) ومديرية الأمن العامة ومديرية إستخبارات العامة وجهاز الأمن القومي المرتبط بصدام وإستخبارات الحرس الخاص المرتبط بـ " قصي " والمخابرات العامة والحرس الجمهوري وجيش فدائيي صدام والشرطة ومنظمات أُخرى تاركين كلابهم ( يبيضون ويتركون قذارتهم في كل مكان ) كما يقول الشاعر عباس بيضون . وفي ظل هذه الأجهزة المتعددة في إستخطاطيات التدجين ، أصبحت مؤسسات التربية والتعليم والخدمات الإجتماعية المدنية ظلاً وسياجاً خارجياً لجميع تلك المنظمات السرّية التي تجمعت على أنقاض الدولة وتحت إشراف " القاتل الحرّ " . وإندرج المجتمع العراقي بالتالي ضمن هذه الشبكة العنفية المعقدة والمتعددة الأضلاع .جسدت الحداثة والمفاهيم التي أنتجتها في مجالات علوم السلطة والمراقبة والسيطرة جانب آخر من دولة البعث وإختفائها في حلقات حلزونية من العنف ، ولا يمكن الحديث عن السلطة الجينوسيدية البعثية دون ربطها بآلة موت ضخمة أنتجتها الحداثة الغربية في مجالات علوم الأحياء والكيمياء والسيطرة والمراقبة وصناعة الأسلحة الفتاكة . ففي وقت فقدت سياسات الكولونيالية السوداء أسواقها وعناصر قوتها التي أعتمدت صناعة مجتمع "اللاعيب" من خلال إرسال الشواذ والمتسولين والقحاب الى الأراضي المُكَولَنة بغية تخلص المجتمع منهم ، بدأت تفكر بتأسيس سوق أُخرى أكثر ربحاً لنبيذ التفاحة الفاسدة المعتق ، وهي سوق السلاح قبل كل شيء .والحداثة الغربية مثلما كانت مشروعاً للموت وتأسيس أجهزة الإبادة ، كانت مشروعاً للحياة والرخاء والرفاهية والمواطنية الفعّالة ، لكن " اللامحال " في بيع الوجه القبيح من الحضارة الأوروبية وهو " صناعة المجتمع اللاعيبي " لنظم عسكرية ناصرية وبعثية وضع الضفة الثانية من الحداثة المتمثلة في الإنسان المركز أمام قوى أكراه متعددة ( شرقية ، آسيوية ، لاتينو ، أفريقية ) ولدت في الحضيض وبيدها منتوجات الحداثة المادية . فسكك القطار الأوروبية في القرن التاسع عشر والتي أسست للحداثة قدرة الإعلان عن ذاتها المتجاوزة للثابت والمُطَلَّقة من ثقافة السلاطين والأباطرة ، هي ذات السكك التي تسلق بقطاراتها مراهقين سياسيين ظهروا من مستنقع المجتمعات المكبلة بثقافة الفقر والعنف والتخلف ووصلوا الى هرم السلطة .

التوتاليتارية الكلمة الغائبة والحاضرة


التوتاليتارية، الكلمة الغائبة الحاضرة
فالح عبد الجبار
تاريخ النشر Sunday, September 02, 2007
يحتفي عالم الغرب، كل سنة، بذكرى انتهاء الحرب العالمية الثانية، منعطفاً كبيراً في تاريخ العالم، يسجل تدمير النظم التوتاليتارية في أوروبا الغربية، وما كان حفل هذه السنة (2005)مخالفاً: خطابات مملة، سياسيون يتثاءبون وجمهور شبه نائم، دليلاً على ان الرموز السياسية للحدث تنسل مواربة الى النسيان. منذ عقدين ونيف وأنا أتابع هذا المهرجان السنوي، باستعراضاته العسكرية، وموسيقاه الصادحة، وبهرجته الاعلامية، فلا أجد فيه كلمة واحدة عن الأوجه الثقافية والفكرية لهذا الحدث، الذي يعيش معنا بصورة أو بغيرها. أقصد بذلك فكرة التوتاليتارية ومعناها، وأصولها الفلسفية. فالنظام التوتاليتاري، بصيغته الغربية، لم يكن محض حركات جامحة، يقودها زعماء مصابون بداء العظمة، ولوثة التدمير، والرغبة في اكتساح العالم. التوتاليتارية بدأت أصلاً فلسفة بنائية، واعتراضية في لحظة خاصة من تاريخ أوروبا الممزقة بنشوء واصطراع الأمم. تاريخ التوتاليتارية مثير وغريب في أن. نشأت الفكرة من مصادر عدة فكرية واجتماعية، وتداخلت عناصرها المتنافرة لتأخذ شكلها الأكمل في فلسفة الايطالي جيوفاني جنتيلي (قتل عام 1944) في مباحث شهيرة منها: الأسس الفلسفية للفاشية، الصادر عام 1924. وجيوفاني جنتيلي فيلسوف هيغلي، يرى الى التاريخ بوصفه عملية روحية، ذات غائية سامية ويرى الى الدولة القومية تجسيداً أرقى لهذه الغائية في مجال السياسة، والتاريخ العالمي. فالدولة، عنده (مستقياً فكرة هيغل) بمثابة فرد فاعل في التاريخ. عند هذا الحد تبدو الفكرة بمثابة تحصيل حاصل لما هو قائم. فالامبراطوريات القديمة تنحل الى مكوّنات قومية تتخذ شكل دول.وقد اتخذ نشوء هذه الدول شكل حركات قومية، نقلت فكرة السيادة من العاهل الى الأمة (الشعب)، وارتبطت، لذلك، بتحولات من الاوتوقراطية (حكم الفرد) الى الديموقراطية (حكم الكل). لكن جنتيلي يرى الى هذا المسار رؤية مغايرة: الديموقراطية التي رافقت بناء الدولة القومية قامت بفعل صعود الطبقة الثالثة (أي الطبقات الرأسمالية)، اما في القرن العشرين فتميزت الدولة القومية الليبرالية بصعود الطبقة الرابعة (أي العمال وفقراء المدن) التي أضعفت الأمة بإضعافها الدولة. الأمة لا وجود لها بدون الدولة، والدولة لا استمرار لها بوجود انقسامات اجتماعية. تماسك الدولة، ووحدتها يتطلب، حسب جنتيلي، وضع الدولة فوق الأمة، وتقديم الدولة على الفرد، وباختصار بسط سيطرة الدولة على المجال الخاص، والغاء هذا الأخير، بما فيه من تعددية يراها معولاً للتمزيق والهدم. الدولة عنده يجب ان تكون بناء شاملا، كلياً، أي توتاليتارياً، يلغي كل كيان مجتمعي وكل مركز قوة يقع خارج سيطرته. وقد صاغ بنيتو موسوليني، زعيم ايطاليا وتلميذ جنتيلي، عصر ذاك، هذه الفكرة عينها في شعار: كل شيء في الدولة، لا شيء خارج الدولة، لا شيء ضد الدولة!

اللوحة للفنانة المولدافية "إيدا كارسكايا "
لكن الدولة التوتاليتارية، هذا الابتكار لدولة مهزومة، ومثقفين نخبويين، يزدرون أمتهم باعتبارها مجرد كمّ من دهماء لا يجوز لها رسم المصائر عبر أرقام صناديق الاقتراع، ومفكرين قوميين عصبويين يعلون شأن الدولة فوق كل شأن، بما في ذلك الشرائع التي تقوم عليها، فشلت فشلا ذريعاً في بلد المنشأ: ايطاليا، ونجحت في المانيا. وسر فشلها هنا هو سر نجاحها هناك. فإيطاليا تميزت بوجود مؤسسات اجتماعية راسخة تقع خارج سيطرة الدولة مثل الكنيسة الكاثوليكية، أو وجود كيانات محلية تربأ بالسيطرة المركزية الثقيلة (حكومات محلية، روح محلية)، وهي كيانات راسخة بسبب ضعف التطور الصناعي في ايطاليا مطلع القرن العشرين، أو وجود مراكز سلطة متعددة (العرش، الجيش). فالألمان نجحوا في بسط مركزيتهم المطلقة، بالسيطرة على اجهزة الدولة، ودمجها، على قاعدة الغاء تقسيم السلطات الذي ميز الدولة الليبرالية، كما نجحوا (مثل الطليان) في الهيمنة على الاقتصاد (انشاء المجمعات الصناعية الخاضعة لادارة حكومية) والمجال العام (الاعلام، الثقافة، التعليم). وارتقى الالمان بالنزعة النخبوية في فلسفة جنتيلي الى مصاف مبدأ سام قوامه تأليه الزعيم، مثلما ارتقوا بالنزعة القومية الى مصاف عنصرية منقاة، واعتمدوا، مثل جنتيلي، النزعة الارادية (عند نيتشه) منبعاً للفعل وشرعنة له. وبهذا تحولت التوتاليتارية الى مزيج من هيغلية تؤله الدولة، ونيتشوية تؤله الارادة المنفردة للزعيم (السوبرمان)، وداروينية اجتماعية (البقاء للاصلح) تزدري الأمم والأجناس الضعيفة. لم يكن لهذا الخليط ان يمتزج لولا احتدام العالم الجديد، المشاد من وحدات متعاونة ـ متصارعة، هي الامم القومية. وما كان لهذا المزيج ان يتماسك لولا نشوء المدن العملاقة التي دشنت ما يسمى بعصر المجتمع الجماهيري، حيث الحشود السديمية ترعب الفرد المنخلع عن الاسرة، وعن القرية، اي المنفصل عن عالم الاطمئنان الرعوي السابق، والباحث عن تطمين زعيم قوي. بل ما كان لهذا المزيج ان ينجح، في البناء كما في التدمير، لولا ظهور وسائل الاتصال الجماعية (الراديو)، التي تخطّت حدود الوسيلة السابقة (الجريدة) المقصورة على قارئ الابجدية.فقد اندلعت التوتاليتارية ردةَ فعل على صعود الطبقة الرابعة (عمال المدن وروسيا الثورية)، مثلما اندلعت ردة فعل على المهانة القومية (هزيمة المانيا وخروج ايطاليا بمكاسب من الحرب الاولى). ورغم ان بدايات التوتاليتارية جاءت بحافز الرعب من نجاح الثورة الروسية (1917)، الا انها راحت تتبنى أساليب التعبئة الجديدة في المدن المليونية، التي كانت ظاهرة جديدة. ومن مفارقات التاريخ، ان روسيا في عهد ستالين، راحت، تعجيلاً بتنمية بلد زراعي مخرب، تحاكي النموذج التوتاليتاري الالماني: المجمعات الصناعية والزراعية والهيمنة الشاملة على مرافق الثقافة والمعلومات. ولّد صعود التوتاليتارية وانهيارها تياراً فكرياً نقدياً عملاقاً جاء من مدارس يسارية نقدية (ادورنو، لوكاش هابرماس) ومدارس ليبرالية نقدية (هنه أرنت)، ومدارس ليبرالية خالصة (كارل فريدريك وبريجنسكي). وهذا النقاش الثري الذي انجب عقولاً كبيرة ضاع صداه في حمأة الحرب الباردة، الا انه خلّف لنا إرثاً فكرياً عظيماً ما يزال موضع تقدير وان يكن في دوائر فكرية ضيقة. فلقد اختفت التوتاليتارية من المسرح الأوروبي، لكنها عاودت الظهور بأشكال رثة في عدد من البلدان النامية، بعضها عربي. الا أن هذه الظاهرة لم تلق سوى صمت القبور. ذلك أن الفكر السياسي العربي (ان كان لمثل هذا الفكر وجود؟) غارق في موتيفات الدولة القومية الكلية، وموتيفات التنمية، غرقاً يصعب معه ان ينفك ليأخذ مسافة نقدية تتيح له دراسة الظاهرة بشكل معقول. التوتاليتارية العربية، أفكاراً أو مؤسسات، كاريكاتير مزر من الأصل، محاكاة بائخة لنموذج خارق، جاء في لحظة استثنائية، وخرج في لحظة استثنائية. نهاية التوتاليتارية كانت بداية الديموقراطية في اوروبا، اما أزمة أشباه التوتاليتارية في عالمنا العربي، فتنفتح على وريث أدنى مقاماً، هو الاصولية المنغلقة. ذلك أن نقد التوتاليتارية لم يبدأ بعد. نحن بحاجة الى أعمال مثل «جدل التنوير» (ادورنو)، او «تحطيم العقل» (لوكاش) او «أصول التوتاليتارية» (أرنت). نحن بحاجة الى نقد التاريخ. التوتاليتارية البعثية بعدما قررت إدارة الرئيس جورج دبليو بوش فرض الاستسلام دون شروط على نظام السيد صدام حسين، تذكّر الحملة العسكرية الوشيكة على العراق بـ"الموت المعلن" في رواية غبريال غارسيا ماركيز الشهيرة ومع ذلك فإن ثمن القضاء على هذا النظام قد يبدو باهظاً جداً، وحتى أنه قد يولد حالة من الفوضى. ذاك أننا إزاء نظام سياسي فريد عرف كيف يقاوم الصدمات الكبيرة مثل فشله في الحرب ضد إيران (1980-1988) والهزيمة العسكرية المنكرة في الفصل الأول من العام 1991- إثر اجتياحه الكويت. فاستمراره هذه المدة الطويلة وإن لم يكن مفاجئاً أبداً، هو ثمرة استراتيجية سلطة معقدة الى درجة مذهلة لكنها مدروسة بكل عناية.كان صدام حسين في شبابه معجباً بالنظام الهتلري وهي نزعة ورثها عن خاله خير الله طلفاح (1) وفي ما بعد تأثر بالشيوعية وانضم ستالين الى حلقة نماذجه المثالية. وهكذا فإن النظام الذي شرع في بنائه تأثر بهذا الميراث إنما حمل أيضاً بعض المواصفات الجديدة. فعلى غرار النموذج الالماني استند نظام البعث في العراق الى أربع ركائز: الايديولوجيا التوتاليتارية والحزب الواحد والتحكم بالاقتصاد (المسمّى اشتراكي) وبوسائل الاعلام والجيش. وبخلاف النموذج النازي فإن الشكل البعثي سيحوّل المؤسسات الاجتماعية التقليدية للقبائل والعشائر التي لا تزال فاعلة في مناطق الاطراف، الاقليمية والريفية، الى حجر أساس في الدولة. إضافة الى أن ثلاثة مراكز رئيسة حصرت بالعشيرة الحاكمة، وهي مركز وزير الدفاع ورئيس المكتب العسكري ورئيس مكتب الأمن القومي. لكن في السنوات الأولى من تسّلم هذا النظام الحكم في العام 1968، كان الأمر عبارة عن قبلية دولتية محصورة في عشيرة النخبة الحاكمة، آل بو ناصر، وتشكل النواة الصلبة فيها قبيلة البيجات. وفي السنوات التالية سيتم استلحاق أفخاذ قبلية أخرى من الدرجة الثانية(2). وما بعد ذلك ارسيت استراتيجيا الخوف الهادفة الى تركيز دعائم السلطة والى تشكيل النخبة الحاكمة وقمع حركات الانشقاق والنزاعات على السلطة التي عانى منها كثيراً الجيش وسياسة الأحزاب ما بين العامين 1958 و1970. وتشكل الايرادات النفطية عنصراً مكوّناً آخر في هذا النظام التوتاليتاري الذي أقامه حزب البعث. فما ملكته البلاد من احتياط كبير قد سمح بنهضة الخدمات العامة ومختلف أشكال الرعاية الاجتماعية. فإذا الآفاق المشرقة تنفتح امام الطبقات الوسطى المتغربنة التي حققت الثروات مع الازدهار النفطي المفاجئ الذي أعقب حرب تشرين عام 1973 . ومن دواعي السخرية أنه تحت ضغوط اقتصاد موجه ازدهرت طبقة عليا في شكل غير متوقع. وكمؤشر الى ذلك يذكر انه يمكن إحصاء 53 عائلة ثرية في العام 1968 و80 في العام 1980، واكثر من 3000 في العام 1989 . غير ان هذه القوى الاجتماعية الجديدة، هؤلاء الموظفين والملاّك، هذه الطبقات الوسطى والعليا، تدين بازدهارها في شكل مطلق تقريباً للوظائف والعقود مع الدولة وليس لنظام ليبيرالي. وتحتل الجماعات العشائرية أو العائلية مواقع استراتيجية داخل بنية السلطة والطبقات الصاعدة. فهذه "الطبقة العشيرة" مهيمنة داخل الجيش والحزب والبيروقراطية وعالم العمال، وهي تحقق لحمتها عبر الروابط الايديولوجية والمصالح الاقتصادية والتزاوج، وعبر إيمان عميق بالنظام العشائري وذلك بالرغم من جميع الخطابات الرسمية ضد العشائرية. هذا النظام التوتاليتاري هو إذاً مزيج من العناصر الحديثة والتقليدية بغية التحكم ببنى السلطة كما بالقاعدة الشعبية الصاخبة في هذا المجتمع المتعدد الاتنيات، حيث العرب منقسمون بين سنّة وشيعة وحيث الأكراد يمثلون أقلية مهمة. وهذه اللحمة شكلت النبض الرئيسي في إطالة عمر النظام... إنما شكلت أيضاً نقطة ضعفه. ففي مجال التماسك بين النخبة الحاكمة والامساك بدعائم السلطة، تأتي تجربة البعث مختلفة جداً عن النظامين السابقين، سواء اكان نظام اللواء عبد الكريم قاسم (1958- 1963) الذي أطاح انقلابه الملكية، أو نظام المشير عبد السلام عارف (1963-1968) الذي استند في حكمه على الجيش وعلى روابط الدم (عشيرة جميلات). وكلاهما فشل في تثبيت النظام. اما البعث فأضاف مقوّمات جديدة الى الصيغة الأساسية، جمعت بين الجيش والتضامن القبلي. وهذا المزيج المعقد استغرق تحقيقه وقتاً طويلاً لأن مختلف العناصر المكوّنة للنظام متناقضة في طبيعتها. فمن جهة، هناك المعايير الحزبية الحديثة وهي المعايير التي يدّعيها حزب البعث، صاحب الدعوة القومية العربية الاشتراكية والتي لا تنأى به عن الانقسامات الداخلية، ومن جهة اخرى تتناقض هذه المعايير مع أشكال الترابط والتضامن القبلي. وفي السنوات الأولى شهد الوضع مساكنة صعبة بين الجناح المدني والجناح العسكري في الحزب قبل أن يتم التوصل الى عزل العسكريين في ثكنهم. كما أن الحيّز العشائري نفسه سوف تمزقه عمليات التنافس والدسائس المرعبة حول السلطة والثروات. لكنه أمّن في الوقت نفسه بعض التماسك. ولم تكن القومية العلمانية تشكل جزءاً من الخطاب التقليدي في أوساط النخب القبلية النبيلة، لكن في نهاية الأمر أصبحت العروبة واحدة من قيمها. وكانت الثروة النفطية تشهد بالتأكيد تقلبات مستمرة لكن أشكالاً بدائية أخرى ابتدعت من أجل التحكم بالاقتصاد. وفيما كان المحيط الاقليمي والعالمي الذي ساعد في تركيز القومية العربية في المنطقة يشهد حالة من التحول، وخصوصاً بعد هزيمة مصر وسوريا والاردن في حزيران/يونيو عام 1967، كان على النزعة الوطنية العراقية أن تملأ الفراغ. وكان لا بد من حدوث بعض الصدامات حين كانت تتم المزاوجة بالقوة بين هذه القوى الاجتماعية والخطابات الحاملة بذور التناقض، غير أنه امكن إحلال نوع من المساكنة بينها. وكلما انفجرت أزمة كانت تجري بعض الاصلاحات من أجل إعادة التوازن المهزوز. وكان الرئيس صدام حسن هو المعلّم الماهر في عمليات إعادة التوافق المرنة هذه. وجاءت الحرب بين العراق وإيران، ثم حرب الخليج لتفرضا عمليات إعادة هيكلة مستمرة. فخلال سنوات المعاناة الثماني من المواجهة مع "الثورة الاسلامية"، أصبح الدين رهاناً سياسياً، وبات تمرد شيعة العراق وموقفهم إزاء جمهورية آية الله الخميني الاسلامية في صلب اهتمامات بغداد. وقد فقدت الدولة التي أضعفها هذا النزاع الطويل، سيطرتها على العديد من القبائل وشهد الواقع حالة تعزيز للنزعات القبلية. وقد ابتلعت الحرب الاحتياطي المالي البالغ 38 مليار دولار وأغرقت البلاد في مديوينة بلغت حوالى 50 مليار دولار. وظهرت في أوساط الجيش الذي بلغ عديده مليون جندي حالات من التململ. وقد اعتقد جيل الحرب أنه سيعود الى الحياة المدنية المزدهرة التي عاشها من قبل، وبدا أن السيطرة على الجنود قد فُقدت في شكل خطير، وتعطّلت بنى الدولة وآليات الاصلاح الاجتماعي. وفي هذه الظروف طرأ في 2 آب/اغسطس اجتياح الكويت الذي كان الهدف منه في نوع خاص إعادة الاستقرار الداخلي. وقد ادت هزيمة العام 1991 الى أزمة بنيوية ومزمنة ذات أبعاد خمسة على الأقل. فالدولة كأداة للحكم قد وجدت نفسها ضعيفة في شكل فادح. وقلصت الآلة العسكرية الى حوالى ثلث ما كانت عليه قبيل الحرب كما أصيبت بالشلل نتيجة عمليات التمرد المحلية التي أصابت قبل كل شيء كردستان في الشمال والغالبية الشيعية في الجنوب، إضف الى أن الولايات المتحدة قد جعلت منهما منطقتي حظر جوي. كما أن أجهزة الأمن قد عانت كثيراً خلال انتفاضة ربيع العام 1991 وفقدت الكثير من المعطيات والموظفين المؤهلين. وفي درجة ثانية شهد نظام الرقابة الايديولوجية، أي هيئات البعث، حالة تراجع موازية. فبعدما ارتفع عدد المنتسبين الى الحزب في العام 1990 الى 1800000، فقد تراجع بنسبة 40 في المئة عشية المؤتمر العاشر للحزب في العام 1991 وقد استمر هذا التراجع في المؤتمرين الحادي عشر والثاني عشر (في العامين 1996 و2001)، وكانت حالة النزف هذه كبيرة في نوع خاص في الجنوب، في البصرة والناصرية، وفي الوسط في حلّة والنجف وكربلاء إضافة الى بغداد. وهذه الخسارات قد قللت من قدرة حزب البعث على قيادة الدولة والتحكم بالمجتمع. وثالثاُ، حرمت العقوبات الحكومة من العائدات النفطية الضخمة السالفة، والتي كان من نتائجها انخفاض معدل الناتج المحلي الاجمالي بنسبة تزيد على 75 في المئة بالنسبة الى العام 1982، وقد تراجع معدل دخل الفرد السنوي من 4219 دولاراً الى 485 دولاراً في العام 1993. وهو اليوم يقدّر بنحو 300 دولار. وبسبب حاجتها الى المال تعمد الدولة الى زيادة الضرائب وتشغّل آلات طبع العملة. وقد فقد النظام الى حد بعيد قدرته على تأمين دعم شرائح اجتماعية واسعة له بواسطة الخدمات الاجتماعية وتمويل الاقتصاد. وقبل السقوط عام 2003 ، تأسس نوع جديد من العلاقة بين الدولة والمجتمع، لم تعد الدولة فيها تحتكر سلطة المال. فالاقتصاد الموجه الذي كانت تدعمه عائدات النفط بدأ يتصدع. وعلى الأقل، بدأت قوى السوق، وهي في طور نشوئها، تقضم اطراف الدولة. وفي درجة رابعة شهد الوضع انكفاء الطبقات الوسطى من الموظفين التي كانت حتى فترة متأخرة الطبقة الأوسع الداعمة لحزب البعث. فقد حرمها التضخم الرهيب كسب قوتها وبات أفرادها يتعيشون من المخصصات الضئيلة جداً. فقبل الحرب كانت قيمة الدينار العراقي تساوي 3.10 دولار أميركي، اما في العام 1996 فقد بات الأمر يحتاج 3000 دينار لشراء دولار واحد. ومذاك يراوح سعر الصرف ما بين 2000 و12000 دينار قبل أن يثبت إثر ذلك على 2000 دينار. وقد بلغ الحرمان بالناس حداً أنهم باتوا يبيعون ملابسهم وأثاث منازلهم وكتبهم ومجوهراتهم وحتى الادوات المستخدمة في الحياة اليومية من أجل تأمين معيشتهم. وقد تخلت هذه الطبقات الوسطى عن كل اوهامها الى درجة ان المنظّر والمروّج الرسمي لحزب البعث، العميد عبد الجبار محسن سمح لنفسه بذرف الدموع علناً على "الطبقات الوسطى التي خسرناها"(3). وصار ملايين العراقيين يهاجرون الى الاردن أو اوروبا او الولايات المتحدة.
واخيراً فإن "الشرعية الثورية"، التي كانت مبرر وجود الحزب الوحيدة والاقتصاد التابع للدولة، قد تلقت ضربات قاسية منذ زوال الاتحاد السوفياتي وسائر نماذج الحزب الواحد في اوروبا الشرقية، ناهيك بنتائج الليبيرالية المتواضعة التي تطبَّق في الشرق الأوسط. وهكذا فإن النتائج المدمرة للحربين المجانيتين كلياً قد تسببت بحالة طلاق بين الشعور الوطني الشعبي والقومية الرسمية وفجرت حالة انشقاق واسعة إثر حركة تمرد العام 1991 التي سُحقت في شكل دموي. ثم أن ما اصاب النظام بعد وقف إطلاق النار ومن جراء قرارات مجلس الأمن قد فرض على النظام ملزمات ومعوقات لا سابق لها. وكل ذلك ساهم في فك قبضة النخبة الحاكمة عن بنى السلطة فيما أصبحت الدولة نفسها من الوهن الى درجة أنها باتت عاجزة عن إدارة الجماهير المدينية المضطربة، مهما كانت منقسمة. ولم يكن في الامكان تحاشي التصدعات في رأس الهرم حتى انها وصلت الى داخل البيت الرئيسي، أي بيت المجيد. وقد عانى الجيش والحزب انشقاقات مستمرة، فإذا ما يزيد على 1500 من الضباط الكبار والمتوسطين فروا نحو الغرب وعدد كبير من مفوّضي الحزب طلبوا اللجوء في الخارج. ولمواجهة هذه التحديات التي لا سابق لها ينفّذ النظام على مدى عقد من الزمن استراتيجيا للحفاظ على بقائه تلخص في خمس نقاط: تنظيم شؤون البيت القبلي الرئيسي، إعادة تنظيم الجيش، إحياء القبائل في البلاد كلها لتحل مكان منظمات الحزب، إعادة انعاش الترسانة الايديولوجية ونشر ادوات جديدة للتحكم بالاقتصاد. وترتيب شؤون العشيرة الحاكمة وحل مسألة الصراع على الخلافة هما اللذان شكلا التحدي الذي كان يُخشى منه أكثر من غيره. فالقبلية القائمة على رأس السلطة كانت تتكل على تحالفات واسعة بين القبائل السنية حول عشيرة البيجات التي تتألف بدورها من عشرة أفخاذ. وقبل العام 1968 كان رهان التنافس بين هذه الأفخاذ يتعلق بالسلطة المحلية التقليدية، ومنذ العام 1978 بات رهانها يتطلع الى السلطة الوطنية. وبالرغم من إبداء مظاهر الشعور بالتضامن فقد كانت السلطة المركزية تنتقل في شكل مفاجئ من فخذ الى آخر مربكةً علاقات القبائل بالحزب وبالدولة. وقد ضربت في شكل قاسٍ سبعاً من القبائل العشر الثانوية في سلسلة من ردات الفعل. وكان من شأن وصول الرئيس صدام حسين الى الرئاسة في العام 1979 ـ حين حل مكان احمد البكر ولو انه كان منذ زمن طويل يمسك بزمام السلطة الفعلية ـ أنه غلّف بالنسيان آل بو البكر (وهم الفخذ التي تحدر منها حسن البكر) ليمسك بزمام القيادة آل بو الغفور (الفخذ التي تحدر منها صدام حسين). وقد عرف آل التكريتي المصير نفسه. ففي الثمانينات كان السيد صدام حسين يستند في شكل أساسي الى جماعات ثلاث من أهله: أشقاؤه الثلاثة من أبيه (آل بو الخطاب) ونسيبه من جهة امه وصهره ووزير الدفاع السابق عدنان خير الله طلفاح (من آل بو مصلت) وعلى عناصر متحدرة من بيت آل بو المجيد وهم فخذ من بطن آل بو الغفور. كما ان بطوناً وأفخاذاً أخرى مثل آل بو حزة (منها العميد عمر حزة) أو آل بو نجم (منها العميد فاضل براك) أو أيضاً آل بو منعم (منها المشير ماهر الرشيد) احتلت عندذاك مراكز مهمة لكن من دون أن تتولى مناصب رئيسية. وهذه الثلاث الأخيرة ستتعرض لنكبة خلال الحرب مع إيران وبعدها حيث سيُعدم زعماؤها وتتهمّش. وما تسبب بالمشكلات الكبرى هو صعود آل بو المجيد في التسعينات. فقد جاء تزايد النفوذ هذا معاكساً للقواعد الأساسية المطبَّقة في الحزب وفي الجيش، من كسب الفعالية الى أوضاع الخدمة الى الترقيات بناء على الأقدمية. فحسين كامل وصدام كامل (وكلاهما اقترن بإحدى بنات الرئيس) وعلي حسن المجيد يمسكون على التوالي بالصناعة العسكرية وبالجهاز الخاص وبوزارة الدفاع. كما ان لهم أقارب يتولون مراكز مهمة مثل راكان وهو المرافق الخاص للرئيس. ومع صعود نجلي الرئيس صدام حسين، عدي وقصي، تراجعت الثقة بآل المجيد. وقد بلغ الصراع ذروته مع عملية فرار حسين وصدام كامل الى الاردن في العام 1995 ثم عودتهما وتصفيتهما في شباط/فبراير من العام 1996، كما صُفّي كل من والدهما ووالدتهما وشقيقتهما. تلك مرحلة الدموية زادت من زعزعة بيت آل المجيد في العمق وأربكت الرئيس الذي حوّل اهتمامه عن بيته الداخلي المؤلف من اعضاء من آل بو المجيد، ليستند اكثر فأكثر الى الفخذ التي ينتمي إليها، آل بو الغفور، وهي فرع يضم بيتاً آخر هو بيت آل بو سلطان. فأوكل الى السيد كمال مصطفى (الشخصية الرئيسية في آل بو سلطان والنسيب الأقرب للرئيس من جهة ابيه) قيادة الحرس الجمهوري، الذي يضم فرقتين عسكريتين لهما استقلاليتهما، والحرس الحقيقي الشرعي للنظام. ثم اقترن شقيقه جمال بابنة الرئيس الصغرى. وكل شيء يحمل على الاعتقاد ان العلاقات بين البيتين (المجيد وابو سلطان) متوترة كما هي حال التوتر بين نجلي الرئيس. فقصي هو الذي اختاره والده لخلافته، واليه أوكل مهمة إعادة تنظيم أجهزة الاستخبارات والأمن الداخلي. كما أنه في العام 2000 منح حق تأمين الرئاسة بالوكالة عند الضرورة. وقبل ذلك كان قصي قد عُيّن "مراقباً عاماً" في "جيش أم المعارك" (الذي أصبح في ما بعد الجيش الجمهوري). وفي نيسان/أبريل عام 2001 انتخب في القيادة القطرية للحزب(4). وهكذا نشأت نواة صلبة جديدة لكنها تستند الى رجلين فقط هما قصي وكمال مصطفى. إن قبلية الدولة لا تزال تعمل، لكنها بدأت تشيخ. إنها هذا النظام القائم على استلحاق السلالات القبلية بجهاز الدولة بغية تعزيز سلطة نخبة قائدة ضعيفة ومعرضة. وبالعكس، فإن القبلية الاجتماعية تقوم على إعادة إحياء او استخدام أو ابتداع بنى قبلية انطلاقاً من شبكات قيم القرابة الراسخة في أوساط النازحين من الريف وسكان المدن في المقاطعات. وسيكتشف حزب البعث ويستغل قبلية عسكرية خاصة بالشعب الكردي، فيعمد الى تجنيد الآغوات من قبائل سورشي وميزوري ودوسكي وحركي كمرتزقة من اجل محاربة الحركة القومية الكردية منذ العام 1974. وخلال الحرب ضد إيران اكتشف النظام أيضاً حيوية القبائل العربية في الجنوب التي قاتلت القوات الايرانية وشكلت مفتاح الاستقرار للسلطة المركزية. ونسجل هنا الصعود الاجتماعي لوجهاء القبائل في اواخر الثمانينات وذلك في نوع خاص بسبب انكفاء الجمعيات المدنية ذات الطابع الحديث. وكلما كانت تضعف منظمة الحزب كانت تحل مكانها شبكات تضامنية بدائية. وقد تولت هذه المهمة بحماسة بعض العائلات القديمة بعدما شجعتها الحكومة على النهوض بالمسائل المتعلقة بالنظام العام. وفي كل مكان يصر الناس على إعادة تشكيل الصلات القبلية صورياً او فعلياً. ففي العام 1992 استقبل الرئيس في قصره زعماء القبائل وطلب الصفح عن الاصلاحات الزراعية الماضية ووعد بالتعويض عن ذلك. فإذا كل فريق يرفع لواءه ويقسم بالولاء للرئيس الذي برز بذلك مجدداً رئيساً اعلى على رؤساء القبائل. وتتلقى القبائل، المعفاة من الخدمة العسكرية، تسليحاً خفيفاً ووسائل نقل واتصال. والقبائل الكبرى، السنية في الغالب، كلفت شؤون الأمن القومي، اما الصغرى فهي مسؤولة، على الصعيد المحلي، عن عمل الشرطة والقضاء، وعن تسوية الخلافات كما عن جباية الضرائب. وباتت كلها تعمل على أنها امتداد لأجهزة الدولة. وفي معنى آخر إن نهضة القبائل كعوامل اجتماعية نتجت من الحاجة الى ملء الفراغ الناتج من تدمير مؤسسات المجتمع المدني كما من انكفاء الدولة نفسها كمصدر للأمن والعدالة وكضامن للحياة والممتلكات. وبعض القبائل التي تم إحياؤها أو اختراعها لا تعمل في محيطها الطبيعي، أي في المناطق الريفية، بل في المدن مما قد يتسبب في تفكيك النسيج الاجتماعي المديني المتعلم نفسه. وهاتان الخطتان (قبلية الدولة والقبلية الاجتماعية) منسجمتان في ما بينهما بكمية من الادوات المساعدة للتعبئة والتحكم. ومن هذه الأدوات هناك التجديد الايديولوجي. فالوطنية العراقية، التي تغرف من التاريخ القديم تمتزج بالقومية العربية كي تشمل بذلك الاتنيات غير العربية. اما إيديولوجيا القرابة التي تمجد الانتماء الى السلالات، وهو موضوع الخطاب القبلي بامتياز، فسيضعها دعاة الحزب في صلب مفهوم العروبة، فبدون سلالة موروثة لا قيمة أبداً للقومية العربية. اما الوهابية، وهي المذهب الحنبلي السعودي المتشدد، فإنها تتسلل عبر الحدود المخترَقة في الجنوب تحت أنظار أجهزة الأمن المتساهلة. ويُنظر الى هذه الايديولوجيا الدينية على أنها تشكل عنصر توازن مطلوب مع المذهب الشيعي المجاهد. وهناك عنصر أخير ساعد أيضاً في صمود هذا النظام، وهو العقوبات. فهو يتحكم ببرنامج "النفط مقابل الغذاء" (5) وعملية توزيع الحصص الناتجة منه تتم عبر تقديم الافادات التي أصبحت أداة للتلاعب والتعبئة. فخلال الانتخابات الرئاسية في العام 1995، كان التصويت اجبارياً بالنسبة الى كل من رغب في الاستفادة من افادة تموين كانت مرفوضة أساساً للمنشقين أو المفترضين كذلك. ولم يسبق أبداً للنظام أن امتلك بين يديه وسيلة تحكم اجتماعي بهذه القوة.، حتى ليمكن وصف هذه الخطة بـ"سياسة الجوع". اما دعم الطبقات العليا فيتم الحصول عليه بوسيلة مختلفة تماماً، وهي رفع القيود عن السوق. ففي كل ليلة تكون العلب الليلية الراقية في بغداد مرتعاً لاحتفالات الأثرياء الصاخبة، قديمي النعمة منهم وحديثيها، تخجل إزاءها أساطير "ألف ليلة وليلة". هذا الخليط من القومية والوطنية والقبلية والسنّية قد ساعد السلطة في البقاء وفي التغلب حتى الان على مجمل العوائق التي تهدده. لكن اذا اجتاحت الولايات المتحدة البلاد، فلا احد يمكنه التكهن بما ستتركه هذه السياسة من أثر على البلاد. 1 ــ كان طلفاح من المؤيدين المتحمسين للعروبة، وتنم خطاباته الاذاعية اللاهبة من بغداد في العام 1941 والتي نشرت في العام 1971 عن مدى اعجابه بـ"القوة" و"الرايخ" و"الفوهرر". 2 ــ البنية القبلية تتبع الرسم البيياني التالي: القبائل تنقسم الى "عشائر" تنقسم بدورها الى افخاذ والافخاذ تتكون من الحمولة 0العائلات الموسعة) المنقسمة بدورها الى بيوت. 3 ــ صحيفة بابل (الطبعة الانكليزية)، بغداد، 20/12/ 1994 . 4 ــ إن القيادة "القطرية" لحزب البعث مسؤولة عن العراق، فيما القيادة "القومية" تشرف على مجمل العالم العربي وتضم كوادر من مختلف البلدان. 5 ــ ان القرار 986، المعروف بـ"النفط مقابل الغذاء" والذي اعتمد في العام 1995، قد حظي في النهاية بموافقة العراق عبر توقيعه في 20 أيار/مايو عام 1996 مذكرة الاتفاق مع الأمم المتحدة. وهو ينص على أنه في امكان العراق أن يصدّر النفط بما قيمته 2 مليار دولار كل ستة أشهر، وقد رفع هذا المبلغ الى 5.2 مليار دولار في شباط/فبراير من العام 1998 وتوضع هذه المبالغ في حساب خاص بالأمم المتحدة ويخصص 53 في المئة منها لتسديد ثمن الواردات العراقية، الغذاء والأدوية وبعض الحاجات المدنية، و13 في المئة للمقاطعات الشمالية الثلاث (كردستان) التي لا تخضع لرقابة الحكومة المركزية، اما الباقي فيستخدم لصناديق التعويض لضحايا الحرب مع الكويت (٠٣ في المئة) ولمختلف المصاريف الخاصة بالانفاقات المتعلقة بالحصار وبعمل الأمم المتحدة (ومنها قوات الاونسكوم). وتجدر الملاحظة هنا الى أن بغداد قد رفعت، خلال الاسبوع الثاني من شهر أيلول/سبتمبر عام 2002، من صادراتها النفطية التي بلغ مجملها 6.4 ملايين برميل، أي ما يقارب نصف طاقته الاجمالية المقدرة، مقابل الثلث خلال الصيف كله. *القسم الأول من هذه الدراسة نشر في صحيفة " الحياة " بتاريخ 22/05/2005 أما القسم اثاني فنشر في الشهرية الفرنسية " لوموند ديبلوماتيك " عام 2002 ، اي قبل سقوط نظام البعث بعام واحد .

** مفكر وباحث عراقي

هل كان " البعث " العراقي نظاماً توتاليتارياً ؟


هل كان " البعث " العراقي نظاماً توتاليتارياً ؟
خالد سليمان
تاريخ النشر Friday, September 28, 2007
" لم تستطع حكومة في السابق السيطرة على مواطنيها بشكل ثابت ووضعهم تحت مراقبة دائمة . الآن ، تراقب شرطة الفكر العالم كله باستمرار" .
جورج أُورويل ، رواية1984

"الثوري لا يعرف سوى عِلم واحد وهو عِلم الهدم . فيه وحده، يدرس الميكانيك والفيزياء ، ربما الطب . إنما يدرس ليلاً ونهاراً علم الأحياء البشري ، المميزات فيه والأوضاع ، وجميع اشكال التنظيم الإجتماعية والتي توجد في الطبقات الإنسانية المختلفة . إذاً ليس لدى الثوري سوى هدف واحد ، هو الهدم الأسرع والتأكد منه في النسق الإجتماعي الكريه " .

" سيرج نيتشاييف " تعاليم الثوري "1868

كان " كامل " ناجياً ثانياً من الأنفال بعد أخيه خليل ، أستقر به الأمر في مدينة كلار التي كانت بمثابة ثكنة عسكرية في عراق عهد صدام . أشترى كامل " تراكتوراً " وبدأ يعمل ، وكأنه اطمأن على حياته بعدما فقد ابويه وشقيقته " سركول " . كان هذا في ربيع عام 1988 وفي صيف العام ذاته أجبره رتل من دبابات جيش صدام على ترك جسر كان يريد إجتيازه بتراكتوره ، ذاك ان أية عرقلة أو حاجز أمام العسكر في دولة صدام ، كان له عاقبة وخيمة إن لم يمت " المُعرقل " كما مات كامل في ذلك الصيف المدجج بالحرّ والدبابات . لقد أجبرته إحدى دبابات ذلك الرتل على التوجه نحو الهاوية وترك الجسر أمام " الفرضيات " العسكرية .لم يستطع شقيقه الوحيد الناجي " خليل " ولا أي كان من أقربائه – وأنا منهم واحداً - تقديم أية شكوى ضد الدبابة التي خيّرت كامل بين الهاوية أو السحق ، بل اكتفى الجميع بالصمت والبحث عن صور رآها أهل المنطقة والمارّة وسائقو النقل الداخلي عن "الحادث" كما فهم قسراً . وليست مبالغة إن قلت بأن ذوي كامل لم يريدوا متابعة الحدث خوفاً من مصيرهم ، ذاك انهم لا يحق لهم مساءلة الجيش أولاً وإنهم أكراد ثانياً ، وناجون من الأنفال ثالثاً ، إي انهم مجرّدون من الحقوق والسجلات المدنية وحتى الإحصائيات . ففي عام 1987 حرم جميع الذين كانوا يسكنون المناطق الخارجة عن سيطرة الجيش العراقي وفق قرار رسمي من الحكومة العراقية من حق التسجيل في عمليات الاحصاء السكاني الذي كان يجري كل عشر سنوات. هل يمكن المقارنة بين موت كامل بتلك الطريقة وبين الشمولية . ونظام صدام حسين ، هل كان شمولياً ؟ سؤالان ومقارنتان يقترنان على الأغلب بنظريات فكرية وسياسية أوروبية من جانب وبممارسات إستبدادية خصت ذاتها إمكانات صناعة المجتمع والسلطة وفقاً لمقاسات المستبد . تحاول هذه الورقة وضع السجال حول الشمولية في سياق التجربة البعثية في العراق ، والتي طالما اقتضت تطبيع العلاقة بين الدور الوظيفي المتمثل بإرهاب الدولة وبين المجتمع .فيما يتعلق بالتجارب الأُوروبية الفكرية والسياسية في صناعة المجتمع المُسطح عرقياً وآيديولوجياً كما في الحالة الهتلرية والستالينية ، هناك مراجع فلسفية ، دينية ، فكرية ، سياسية أسست للشمولية مقوماتها وركائزها . أما التجربة البعثية في العراق ، ففيها امتزج الخيال القومي بالعائلي والعشائري والعسكري ولا نجد عنها إمكانات تنظيرية بإستثناء كتابات كل من حازم صاغية وفالح عبدالجبار وكنعان مكية وزهير الجزائري . وكان قتل " كامل " أو إجباره على إختيار الهاوية بالتالي جزءاً من ذلك الخيال الذي لم يوفر للمجتمع سوى التسطيح أو الهاوية .النقطة الأُولى التي تبادر إلى الأذهان في ذلك الحدث هي تبعات ذلك التغيير الذي أجراه نظام البعث على المؤسسة العسكرية إذ جُرّدت من ضوابطها بعدما تم إخضاعها إلى المؤسسة المخابراتية التي كان يديرها الضباط البعثيون .فمنذ تأسيس " المكتب العسكري" التابع للقيادة القطرية لحزب البعث والبديل للمؤسسة العسكرية بدأ العمل الجاد على إدخال أكبر عدد من البعثيين غير الحاصلين على شهادات عسكرية إلى تشكيلات الضباط في الجيش . يقول الباحث والصحفي زهير الجزائري في كتابه ( المستبد ، صناعة قائد ، صناعة شعب ) : ( من خلال المكتب العسكري ،والذي تولى صدام قيادته في الفترة الممتدة من تموز 1969 إلى تموز 1970 ، أُدخل حوالي الفين من خريجي الثانويات والمتوسطات ، بعد حصولهم من المنظمات الحزبية أو من المخابرات ، في دورات سريعة حصلوا بعدها على ما يسمى "نائب ضابط موس " بإشارة حمراء على الكتف. احتل هؤلاء المواقع الإدارية بين الجنرالات الكبار والجنود ، واتبع المكتب العسكري قاعدة تقوم على وضع الضباط البعثيين في الموقع التي تخلو القيادة فيها بعد إنتهاء مدة خدمة الضباط غير البعثيين . وكلما احيل ضابط كبير إلى التقاعد حل محله بعثي لا يشترط ان يكون قد مر بفترة التدرج العسكرية التقليدية . في الوقت نفسه اقتصر القبول في الكلية العسكرية على البعثيين وحدهم . وكانت النتيجة ان ضباط الثمانينات سيكونون بعثيين بالكامل .(1) لقد أُجبر الناجي من عمليات الأنفال " كامل " على ترك الجسر وإختيار الهاوية في نهاية الثمانينات ؛ أي في زمن السيطرة الكلية للضباط البعثيين على الجيش العراقي . وكان الموت بتلك الطريقة إذاً ، شيئاً عادياً في " عُرف " الجيش ، بل روتيناً يومياً مارسته دولة صدام حسين لفترة 35 عام . ولذلك الروتين البعثي تاريخ في كل من التجربة الهتلرية والستالينية إذ تم فيهما تحويل مركزية المؤسسة العسكرية إلى الشرطة السرية وممارسة القتل بمقتضى الثقافة الوظيفية. وكان القتل ذاك (قتل كامل ) بمثابة تأدية واجب في تنظيف الطريق أو " الجسر " من أي مطب أمام الرتل العسكري .في جميع الأحوال لا يمكننا البحث عما تحتويه التجربة العراقية بين 1968 – 2003 بمعزل عن التجارب الأوروبية في الشمولية والإستبداد ممارسة وتنظيراً. ذاك ان الحداثة الغربية التي طالما أسست للرفاهية في المجتمعات الغربية بمقدار إنتاجها للمآسي تاريخاً ، كانت حقلاً "مركنتيلياً " لصناعة الموت في النظم القومية العربية والعالمثالثية . ولعل العلاقة بين الحداثة الغربية المولَّدة للفكر الشمولي وبين نظم سياسية عالمثالثية اعتمدت منتوجات الحداثة والثقافات المحلية في صناعة الدولة والمجتمع ، تُؤوَل في الغالب وفق مراجع تاريخية وفلسفية وأدبية متنوعة . ولا يمكن بالتالي حصر البحث عن مصادر الشمولية في الهتلرية أوالستالينية ، ذلك ان " طرق الهيمنة الشمولية ، حسب "هنه أرندت "، لا تمر عبر القوة المفرطة وحدها ، إنما عبر وقود أشكال أُخرى من الظلم السياسي مثل الطغيان والديكتاتورية .(2)والفكرة ذاتها تدفع الباحث فالح عبدالجبار لإعتبار الفيلسوف الإيطالي "جينتيل جيوفاني " مرجعاً فكرياً للشمولية .
يمكن القول تالياً ، ان التجربة البعثية التي طالما اعتمدت أشكال متعددة من الظلم السياسي والإجتماعي والإقتصادي ، كانت شمولية دون معان سجالية وتاريخية على غرار التجربة النازية وفيها ،الإمتداد الفكري والروحي المتمثل بآيديولوجيا الحركة الإشتراكية – المسيحية في كل من ألمانيا والنمسا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر . بينما الإمكانات الهائلة التي وفّرتها التجربة ذاتها في صناعة المجتمع البعثي ، كانت تستند بشكل أو بآخر إلى ذات الجوهر الذي تميزت به الشمولية الأوروبية وهي " الأنا الجماعية " المحتكرة لجميع الصفات الفردية والإجتماعية للإنسان ،و جعل " اللابعدية " فلسفة الدولة والمجتمع . ولا ننسى في جميع الأحوال بأن الشمولية لا تجعل من حشودها وجيوشها ومنظماتها السرية أدواتاً فحسب ، بل تُسَفَّهها وتخضعها لعلاقة وظيفية روتينية حتى فيما بينها .كانت صناعة الإنسان ذو البعد الواحد، هدف النازيين الرئيسي وساعدهم في ذلك تراث فكري وديني بدا فيه المرء موضوعاً للأُحادية المبتذلة . أُحادي الكلام والصورة والفكرة والإتجاه ، وأُحادي الإرادة أيضاً ، إذ ارتسمت فيها "البعدية المختارة " وفقاً لمفردات تعبيرية يومية كانت تحدد في الغالب وظائف موزعة بين الجسد والمخيلة . فالأوصاف التي كانت تطلق على الأتراك واليهود والعرق غير " الجرماني " في أوروبا بين مسيحيي ألمانيا والنمسا ، تمثلت بنعوت سردية كالمرضى ، القذرين ، الكلاب ، حاملي السموم والأوبئة ...إلخ من الأوصاف . وفي الأصل ،كان هدف الإستحواذ على صورة " الآخر " بصفاتها الكثيرة وفقاً للمتخيل ، زرع الخوف من التنوع البعدي أو إنسان الجهات المجاورة إن جاز التعبير . وكان غزل الألمانيات بهيئة أدولف هيتلر بالتالي جزءً من الجسد المتخيل في الثقافة النازية التي كرّست آلتها الإعلامية والآيديولوجية لـتأليه صورة " الفوهرر" . ولئن طمح هتلر لتوفير عناصر التأليه ذاته في مجتمعه المتخيل ، بدأ بإبادة " المثليين " قبل غيرهم . فهم وفقاً لآيديولوجيا الحركة الإشتراكية- المسيحية وإمتداداتها الفكرية والروحية في جمهورية الرايخ الثالثة والمتمثلة بشخص " الفوهرر" ، كانوا كأمراض وأوبئة مزروعة في الجسد " الجرماني " ولا بد من تحرير المجتمع منهم . ما حدث في عراق عهد البعث ، كان إعادة إنتاج تلك " البعدية المختارة " التي اعتمدها أبراهام سانتا كلارا وهوفمن وكارل لوغر والحزب النازي ، إنما بأشكال أُخرى ووفقاً لترنيمات مختلفة تربط بين الدين والقومية والمذهب والعقيدة والقبيلة . ولا ننسى أيضاً " التفرّد الرجولي " للقائد وتأثيره البالغ الأهمية في صناعة " اللابعدية " في المخيلة الجماعية . وهناك عدة عوامل ومستويات تستحوذ عليها ثقافة " اللابعدية " هذه ،أولها التفرّد المشار إليه ، إذ أصبح إيقونة مُزَوَّدة لإكتهال الوعي الإجتماعي .(3)
وفي اللابعدية وفقاً لهربرت مركوز ؛ يفتقد الإنسان للحضور والخيارات والمساحات الذاتية وآليات النقد ، وتختصر عند المفكر الفرنسي من أصل بلغاري " تزيفتان تودوروف " في مصطلحين أساسيين وهماdépersonnalisation أي التجريد الفرد من هويته و déshumanisation أي التجريد الفرد والمجتمع من الصفة الإنسانية . فالآيديولوجيا الشمولية برأي تودوروف تعتبر الأفراد أدوات ، وسائل متاحة لتأسيس وتطبيق المشروع السياسي . في ذات السياق يرجع تودوروف أُصول الفكر الشمولي إلى كتابات الفوضوي الروسي " سيرج نيتشاييف " إذ سبق البلاشفة في إعلانه عن صناعة المجتمع المسطح وكتب في عام 1868 تعاليمه الثورية " تلقين الثوري " قائلاً فيها " : (علي الثوري إختراق الطبقات المتوسطة والعليا ، المحلات التجارية ، الكنيسة ، فنادق النبلاء ، العالم البيروقراطي والعسكري ، المكتب الثالث وحتى قصر الشتاء " يقصد بذلك القصر الشتائي للقيصر" ). واعتبر " تودوروف " نظرية نيتشاييف الثورية والمقومات التي وضعها لخلق شخصية الثوري مقدمات أساسية للفكر الشمولي . ذاك انه (أي نيتشاييف ) اعتبر في تعاليمه التي شاركه فيها باكونين بأن الثوري :(رجل محكوم بالتقدم ، لا مصالح شخصية ، لا أعمال ، لا أحاسيس ، لا روابط لا املاك ولا حتى الإسم . فيه ،تذوب كل هذه الأشياء في مصلحة واحدة وفكرة واحدة وعشق واحد ، الثورة. في أعماقه ، قولاً وفعلاً ، يكسر كل علاقة مع النسق الشعبي وعالم المتحضر، مع كل قانون ، جميع القناعات والشروط المقبولة ، هكذا مع جميع الأخلاقيات .فيما يتعلق بهذا العالم المتحضر ، فهو له عدو شرس ، وان الإستمرار للحياة فيه ليس إلاّ نهاية هدمه بشكل كامل.الثوري يحتقر كل عقائدية ،يتخلى عن العلوم السلمية ويتركها للأجيال القادمة . لا يعرف سوى علم واحد وهو علم الهدم. ففي هذا الهدف وحده يدرس الميكانيك والفيزياء ، ربما الطب ، في هذا الهدف ذاته يدرس ليلاً ونهاراً علم الأحياء البشري ، المميزات ، الأوضاع ، جميع اشكال التنظيم الإجتماعي الموجودة في الطبقات الإنسانية المختلفة . وليس لهدفه سوى معنى واحد : الهدم الأسرع والأأكد من هذا النسق الكريه).(4)نفهم من هذا بأن " الثوري " هو الذي يؤسس للواقع الديكتاتوري مقوماته وعناصره وركائزه ، وإخضاع الواقع للإرادة الفردية أو الإستفراد بالمجتمع تالياً ، ليس إلاّ تكريساً للجموح الثوري الذي تتكون فيه ملامح المناضل الـــ " نيتشاييفي " ، رسول البلاشة الأول . فهو – الثوري بصفاته ومقوماته الأنارشية التي وضعها نيتشاييف – كان مشروع للـ " أنا الجماعية " أو " الأنوية " المجسدة في تحطيم المؤسسات والتقاليد والإرادات في النقطة التي تظهر فيها " الأنا " ممثلاً للجميع . وفي السياق ذاته نتذكر " نيتشة " حين رفض الإحتكام للطبيعة البشرية واعتبرها تبريراً دفاعياً بالغ السهولة للتفكير الطائش والفعل غير الإبداعي . فالثقافة السياسية والمعرفة بالسلطة في أوروبا ما قبل الهتلرية والستالينية والموسولونية ، كانتا شكلان معيارييان لإظهار معايير الإستبداد . ولا ننسى في كل الأحوال تخصيب الخيال السياسي الذي أسست له كل من المثاليات الهيغلية والــ "نيتشوية " والتيارات الفلسفية الأُخرى ، المقدمات الضرورية حين وفرت للـ " الأنا الجماعية " شروط الإستفراد بالمجتمع . وتلتقي تعليمات " البلشفية المبكرة " المتمثلة في نظرية " سيرج نيتشاييف " الآنفة الذكر بالخيال الخصب الذي وفرته مثاليات الفلسفة الأوروبية للسياسة والسلطة ، فالإرادة الثورية التي دعى لها نيتشاييف ، هي ذات الإرادة التي احتكم إليها نيتشة في بناء تصوره الفلسفي للعالم . ولا نعني هنا بأن رفض نيتشة ذاك كان فعلاً إبداعياً ، ذلك انه أخصب بفكرته تلك ، مقومات الديكتاتورية الفردية تحت شعار الإرادة . ونتذكر هنا رفض مؤسسي وأصحاب "دائرة فيينا " الفلسفية للمعايير الدينية والأعراف التقليدية الأُخرى في الفلسفة الغربية وتوجههم للعلم الذي بدا أكثر وضوحاً في علاقته مع الإنسان والطبيعة . بيد ان مشروع " القومية " الأوروبي قبل عام 1884بجوانبه المختلفة واسبابه الكامنة في التاريخ واللغة والإقتصاد والجغرافيا والاثنية، كان يعني ببساطة "مجموعة سكان مقاطعة أو اقليم او مملكة"، وما كانت للدولة علاقة بهذا المفهوم حتى العام ذاته (1884) .أما كلمة "وطن" التي طالما ارتبطت بالدولة فيما بعد، كانت تعني قبل ذلك العام وكما وردت في المعجم الاسباني لعام 1726 "المكان او الناحية او البلد الذي يولد فيه المرء".هذا يعني ان مفهوم الأُمة بمعناه الحديث السياسي هو مفهوم حديث العهد من الناحية التاريخية. ذلك انه حتى في المعجم الانكليزي كان يشمل أساساً الوحدة الاثنية. لكن الإستعمال الحديث يشدد بدلاً من ذلك على " فكرة الوحدة السياسية والإستقلال". يتضح مفهوم القومية عند آدم سميث بتأكيده على ان الأُمة تتكون من مجموعة من الأفراد يعيشون على أرض الدولة. والمعروف عن سميث انه ربط نجاح الأُمة وإزدهار إقتصادها بسياق ثقافي يسبق النشاط الإقتصادي وهو قيم العمل الأخلاقية والإخلاص والشركة والمجازفة. هناك إذاً، لكل أُمة "مركنتيلية" ثقافية تساعدها في بناء إقتصادها وقيمها. فإذا كانت المركنتيلية السياسية الاقتصادية دفعت الأُمم المتقدمة لإكتشاف العالم وإستعماره والبحث فيه عن مصادر إضافية للصدارة القومية، فقد ضمّن جانبها الثقافي شروط النجاح. الفرنسي سيمون ميشيل شفالييه يؤكد على المبدا "السميثي" ذاته ولو بشكل آخر ويقول: "إننا محكومون بأن نشغل أنفسنا بالمصالح العامة للمجتمعات البشرية وليس محظورا علينا ان ناخذ في الإعتبار الوضع الخاص في المجتمع الذي نعيش فيه". يمكننا القول هنا ان البحث عن المنزلة الرفيعة بين الأُمم، كان حلماً ومشروعاً أوروبياً في القرن التاسع عشر تم توظيف كل الطاقات البشرية من أجلهما. ولا يمكن في هذا المجال، نكران الوظائف الإقتصادية ولا منافع الدولة في البحث عن الذات القومية والصدارة العالمية الإقتصادية والسياسية.نفهم تالياً ان شروط نجاح الأُمة لم تقتض الإقتصاد القومي وتعزيزه المنهجي من جانب الدولة فحسب، بل ثقافة مُنَسّقة لسير العمل وأخلاقياته، وللشركة والمجازفة كما اشرت سابقاً. هناك جانب آخر لنشوء الأُمم يتمثل في التطور الإجتماعي والإرتقاء بالوحدات الإجتماعية الصغيرة من العائلة والقبيلة إلى المقاطعة والكانتون، من المحلي إلى الإقليمي فالقومي وأخيراً العالمي. اعتمدت هذه السياسة "اليوجينية"– أي علم تحسين النسل– على ثلاث قرائن رئيسة كما يحددها هوبسباوم وهي:-1 ارتباط تاريخي للمجتمع بدولة راهنة أو بدولة ذات ماضٍ عريق تماماً أو حديث. -2 وجود نخبة ثقافية عريقة تمتلك لغة بلدية، أدبية وإدارية قومية مكتوبة.-3 القدرة على الفتح الخارجي باعتباره نوعاً اجتماعياً للتطور.
أما العوامل الأُخرى وراء مشروع الأُمة، هي ذات طابع سوسيولوجي فتتمثل في نظام اللغة بالإضافة إلى الاثنية والدين. ذلك ان وجود لغة أدبية وإدارية نخبوية مهما تكن صغيرة من حيث عدد مستعمليها الحقيقيين، يمكنها أن تصبح عنصراً مهماً للإندماج الإرهاصي – القومي في حال ديمومتها مع المتطلبات الإقتصادية والسياسية والثقافية وتحديث ميكانيزماتها النخبوية حسب الأقاليم الإجتماعية، اي تحويلها من النخبوية إلى العامة.بالنسبة الى الاتنية فإنها ترتبط بالمجالين البيولوجي والسوسيولوجي للإنسان، يعني الأصل والنسب المشترك بين مجموعات إجتماعية من جانب، والاشكال ومنظومات علاقاتها من جانب آخر. وكما هو المعروف، ان موضوع الاثنية يتصل بالاشكال التي تربط افراد مجموعة ما من خلال "القرابة" وصلة "الدم" والإنغلاق الثقافي واستبعاد الغرباء. أما الدين وعلاقته بالهوية والإرهاص القومي، فله تعقيداته وغموضه إلى أقصى درجة. وعلاقة كهذه، تستعصي على التعميم البسيط، لكنها تسمح للجماعات الاثنية باكتساب مصادر قوة يمكن ان تساعد لاحقاً في تحول هذه الجماعة إلى كيان قومي.رغم جميع تلك الحجج الإقتصادية وملحقاتها العمالية والعسكرية التي تساند نظرية هوبسباوم، وتؤكد بأن الدولة الحديثة التي اخذت شكلها النظامي من مبادئ الثورة الفرنسية، إذ احتوت المجتمع في القرن التاسع عشر وحولته من ولاءاته المباشرة لحكام اقاليمه جغرافياً إلى مريدي الدولة ومؤسساتها التي كانت بحاجة ماسة لكي تباري منافسيها لكسب ولاء فئات الدنيا، يبقى للقيم الثقافية وموروثاتها في العلاقات الإجتماعية دور مهم ومؤثر في تحديد مفهوم القومية والصدارة العالمية. ذلك ان المركنتيلية الثقافية التي تنتج الثقة والرخاء النفسي قبل السلعة تحدد الكثير من ميزات العمل القومي والشركة القومية . في العالم العربي لم يكن هناك آدم سميث ونيتشة و هيغل وماركس و فرويد و إيريك هوبسباوم ولا حتى مركنتيلية إجتماعية وثقافية شبيهة بتلك التي للكولونيالية الأوروبية مقوماتها الحضارية ، بل كانت هناك بيئات إجتماعية غارقة في الوعي القبلي ، الديني "المذهبي " والقومي " العرقي " ، وفيها ، محاكاة ثقافية مزدوجة بين البيئات ذاتها وبين رؤية هؤلاء المفكرين الذين وضعوا الإنسان أمام حقيقته العارية بعدما أسسوا له نظريات المعرفة بالسلطة .ولم تتورع هذه المحاكاة الثقافية نفسها عن اللجوء إلى تنظيرات عرقية متمثلة في الأصالة العرقية والعقل العربي و"الفصاحة اللغوية " والثقافة غير الهجينة ، إلخ من المصطلحات . فكل من لينين وستالين كانا وريثان شرعيان لتعاليم المناضل " النيتشاييفي " سياسياً وسلطوياً ، وكان هيتلر نتاج بيئة سياسية ثقافية ودينية أسسها كل من أبراهام سانتا كلارا وفويرباخ وهيغل ونيتشة وهايدغر ، بينما كان ظهور صدام حسين وليد صدف إجتماعية ، عشائرية تخللتها السياسة بالصدفة أيضاً . فحين التجأ حزب البعث لصدام واختاره لإغتيال عبدالكريم قاسم ، كانت هناك مقدمات أساسية تثبت عدم تورعه عن الإتيان بتلك العملية بسبب جموح رغبة القتل لديه . وكان محاولته قتل مدرس اللغة العربية في المدرسة التي كان يدرس فيها في مدينة تكريت عام 1959 وقتله مسؤول منظمة حزب الشيوعي العرقي في المدينة ذاتها في نفس الفترة ، دافعاً أساسياً لتكليفه من قبل حزب البعث لإغتيال الرئيس قاسم حينئذ .ولكن الخيال القومي ، الديني ، القبلي ذاته ، والذي تلاشى فيه مفهوم الدولة الدستورية ، لم يخلو من تلك النقاط الرئيسية التي تربط بين كل من نيتشاييف الروسي وجيوفاني الإيطالي ومصادر النازية المتمثلة بالدرجة الأساس بالحركة الإشتراكية – المسيحية ومصدرها الديني التاريخي " أبراهام سانتا كلارا " . مجتمع الصغاركان مشروع التغيير وتحويل المجتمع العراقي إلى مجتمع مسطح وخال من الإختلافات هماً بعثياً بإمتياز . فرغم فظاظة السرديات القومية التي أصبحت جزءاً مهماً من خطابه السياسي والثقافي ، عمل البعث على جميع وسائل الهيمنة ونجح في الكثير منها في إخضاع المجتمع . لعل الإستحواذ على إبتذال العنف وتطبيعه مع الحياة اليومية ، بدا الأبرز بين الأساليب الأُخرى ، بينما الإشتغال على فكرة " المجتمع المُراد " وإطلاق مفهوم " السوبر-مان البعثي " كان مستوى آخر لم تكن أقل أهمية من العنف المبتذل في السياسة البعثية . ولئن بدت طرق الهيمنة السياسية على البلد وعرة بسبب وجود ثلاث كتل قومية وسياسية ومذهبية معارضة (الكرد والشيعة والشيوعيين ) ، استحوذت فكرة الهيمنة الإجتماعية على الآيديولوجيا البعثية . ذاك ان معالجة الفشل السياسي في تأسيس حشد من النوع الذي خلقه كل من هتلر وستالين من خلال إخضاع المؤسسة العسكرية وتبعيثها لم يكن مجدياً لمشروع هيمنة دائمة . في تلك النجاحات الإنقلابية التي حققها البعث في عهده الأول(1963) والثاني (1968) " لم تتمخض عنها جماهير بعثية مسطحة . فالبعث لم يكن صاحب جيل إجتماعي أساساً وبقي مشروع صناعة الجيل بالتالي خطاً بيانياً واضحاً في ممارساته السلطوية . كان الصعود من الخلف إلى السلطة حسب تعبير الكاتب والروائي "زهير الجزائري"، والذي أرسى لــ"صدام" فضاءاً واسعاً للحركة والتخطيط ، دفعه لإتباع ذات الاسلوب مع المجتمع والدخول على حين غرة إلى قلب العائلة العراقية المحافظة والظهور على أشكال رومانسية أُفترضت فيها الصفات الرجولية والكرم والولع بحياة الناس البسيطة ويومياتهم كشكل آخر للعنف الرمزي اللطيف إن صح التعبير. كان الرجل الأسمر بشاربيه الكثين وطوله والملابس العسكرية والشعبية والفلاحية التي زيّن بها السياسة ، ظاهرة جديدة في حياة العراقيين ، إنما في كل ذلك بدا حضور القائد في البيوت وفتح أبواب " الثلاجات " عهداً ثانياً من تكريس الصعود إلى السلطة من الخلف . في هذا السياق بدا الطفل العراقي مستهدفاً ، وأخذت فكرة الهيمنة على ذاكرة الطفولة تؤسس غرف للولادات القيصرية بغية صناعة الجيل المُراد . ولذلك نرى ان الرياض والمدارس الإبتدائية في عراق عهد البعث تحولت إلى وسائل ترويض الصغار وفقاً لصور الأب والعم والأخ الكبير على دفاتر الرسم . وكان عالم الطفل يتكون من رسومات ، تطوق فيها صور صدام والجندي والدبابة والطيارة الخيال الطفولي ، وكانت المظاهرات الجماهيرية التي طالما أصبحت واجهة الحياة اليومية في العراق حقلاً تجريبياً لنقش عالم البعث في وعي الطفل .يتناول كنعان مكية هذا الجانب من التوتاليتارية البعثية بكثير من الإهتمام في كتابه المعنون " جمهورية الخوف " . وفي فصل " البعث والجماهير " يركز الكاتب على تلك الانتهاكات التي اخترقت أدق خصوصيات العقل والشخصية عند الطفل العراقي . يقول مكية في تحليله لتلك الخطب التي كان يلقيها صدام حول خلق عراقي مثالي : (تتجسد الجدية التي يتعامل بها حزب البعث مع تأكيداته الايديولوجية العامة عن الواقع في أخطر أشكالها في تنظيمه للشباب . فأطفال المدارس الإبتدائية ينظمون للكشافة ، اما الصبية والبنات بين العاشرة والخامسة عشرة ، فينظمون في "الطلائع" ، والشباب بين الخامسة عشرة والعشرين فهم في " الفتوة " . ان تلك اكثر من كونها منظمات كشفية ، إذ انهم يساهمون في الثورة وحزب البعث(5). وقد فاتت على الكاتب الإشارة إلى منظمة " إتحاد الطلبة والشباب " التي كانت تنظم العمل الحزبي في المدارس والمعاهد وتراقب حركات الطلبة وترفع التقارير عن النشاطات السياسية والثقافية الخاصة بها ، أو التحركات المشبوهة كما كانت تسمى إلى المنظمة الحزبية الأعلى منها . ويبني مكية تحليله على خطاب من خطب صدام قال فيه : عليكم بتطويق الكبار عن طريق أبنائهم ، بالإضافة إلى الروافد والوسائل الأخرى ، علموا الطالب ان يعترض على والديه ، إذا سمعهما يتحدثان في اسرار الدولة ، وان ينبههما إلى ان هذا غير صحيح . علموهم ان يوجهوا النقد إلى آبائهم وأُمهاتهم ، وبإحترام ، إذا سموعهم يتحدثون عن أسرار منظماتهم الحزبية . عليكم ان تضعوا في كل زاوية إبناً للثورة ، وعيناُ أمينة وعقلاً سديداً يتلقى تعليماته من مراكز الثورة السليمة .علموه ان يعترض بإحترام على احد والديه اذا ما وجد يفرط بأموال الدولة وان يبلغه انها اعز من أمواله الشخصية إذ لا يمكن يكون لديه ملك شخصي إذا لم تكن للدولة أموالها ، وملكيتها التي هي للجميع . كما يجب ان تعلموا الطفل في هذه المرحلة ان يحذر من الأجنبي ، ذاك ان في الأجانب عين لبلادهم من جانب ووسائل مخربة للثورة من جانب آخر . لذلك فإن مصاحبة الأجنبي والحديث معه بغير ضوابط معلومة غير جائز وازرعوا في نفسه الحرص على ان لا يعطي للأجنبي من أسرار الدولة شيئاً . وان ينبه الآخرين صغاراً وكباراً وبشكل مهذب على ان لا يتحدثوا أمام الأجانب . ان الطفل من ناحية علاقته مع المعلم ، كقطعة المرمر البكر في يد النحات ، حيث يملك القدرة على أعطائها الشكل الجميل المطلوب ، دون ان يتركها للزمن وتقلبات عوامل الطبيعة . لا يختلف هذا التلقين البعثي عن مواعظ الأنارشيست الروسي " سيرج نيشتاييف" عن الثورة وصورة الثوري التي طالما ارتسمت على فكرة هدم كل ما سبقها من الرؤى والتصورات . فمشكلة البعث كما يراها مكية تكمن في عدائها المستميت للأجيال التي تشكلت فكرياً قبل الثلاثين من تموز عام 1968 ، ذاك ان التبعيث لم يتغلب علي ما يبدو على مجتمع الكبار . مما لا شك فيه ان المجتمع العراقي رغم تقسيمه القومي والطائفي تميز بسجالات وصراعات آيديولوجية وسياسية قبل سيطرة البعثيين على الحكم . ولو عدنا لتلك السجالات الفكرية والدينية والسياسية التي خاضها الشاعر معروف الرصافي مع البريطانيين والمؤسسات الشيعية ووقوفه مع حركة رشيد علي غيلاني في نهاية النصف الاول من القرن العشرين ، نستنتج بأن " المذهبية " كانت مصدراً للحراك الإجتماعي والسياسي . إنما عدم الإندماج القومي – الديني على غرار الحالة الألمانية – النمساوية قبل ولادة النازية ، كان سببها " المذهبية " ذاتها إذ تهيمن على الثقافة السياسية في العراق منذ مقتل الإمام علي . البعث ، كان مدركاً لهذا التراث المتمثل في فشل المشاريع الوطنوية في العراق ، وإستحالة صناعة حشد مغلق . وكان لا بد بالتالي من هدم كل شيء وإعلان ثورة تلقينية تعتمد رياض الأطفال بدل الجامعات . لوصف هذه التلقينية البعثية التي بدت في النهاية كفضاء تجريبي لحكم العائلة أكثر من أي شكل آخر للسلطة نستعين بسؤال يضعه "حازم صاغية" كعنوان لدراسة جديرة بالتأمل والقراءة وهو صدام حسين : أية توتاليتارية؟السلطوي أم التوتاليتاري ؟ بحسب حازم صاغية فإن كنعان مكية هو أول من وصف نظام البعث في العراق بالتوتاليتاري في كتابه " جمهورية الخوف " . إنما هو لم يكن بنظام توتاليتاري برأي صاغية ، ذاك ان التوتاليتارية ارتبطت منذ ظهورها بالحداثة وتلك السجالات الفكرية والسياسية والإجتماعية التي شهدتها التحولات الأوروبية بعدما أصبح التطور الصناعي ميزتها الأساسية . حتى في المجال التنظيمي فـ "أن ما هو متوافر من الحداثيّة التنظيميّة في التجارب الأوروبيّة يصعب توافره في التجارب "غير الأوروبيّة" برأي صاغية .لم يفقد السؤال عن طبيعة نظام صدام حسين قيمته حتى اليوم ان كانت سلطوية ، أم توتاليتارية . ذلك ان الكم الهائل من المعلومات والوثائق المنشورة وغير المنشورة عن حكم البعث لم تتحول بعد إلى مادة بحثية وتنظيرية حول عراق عهد البعث . وتحتاج تلك الوثائق البعثية التي تتجاوز عشرات الملايين إلى معاهد ومراكز خاصة بغية تمحيصها ووضعها في سياقها التاريخي لدراسة السلطة البعثية وآلياتها المتعددة الوجوه . ولذلك يبقى السجال عما إذا كان البعث توتاليتارياً أم لا ، دون مسح تاريخي لفترة (1967-2003) في بداياته . إنما في سياقه المفهومي والإصطلاحي ، فخص البعث ذاته صفات كثيرة قد تقرّبنا من التوتاليتارية أكثر من السلطوية ، ذاك انه فتح شهية الإستيلاء على السلطة وفقاً لمواصفات محددة أُريد بها صناعة المجتمع وليس عبادة شخص القائد وحده . ففي عراق عهد صدام ، تم تجريد الحاضر من ماضيه من خلال عملية تبعيث شاملة اقتضت ماكينة الآيدولوجيا والعنف والشراء والإبتذال . فيما يخص السلطوية (Autoritaire) يمكن إعتبارها الشكل الأقرب للتوتاليتارية أو عتبتها الرئيسية ان جاز الوصف ، ذاك انها تعني في آلياتها الجوهرية الإستبداد ،" الإرادوية المفرطة " ، جعل السلطة مقدسة ومطلقة ، ومنفلتة أيضاً . إنما كل ذلك لا يعني بطبيعة الأحوال القضاء الكامل على المجتمع . تالياً ، يمكن إعتبار الحكم البعثي في سوريا سلطوياً ، إستبدادياً طالما بقي هناك مجال للمعارضة "التنفيسية " داخل (الجبهة الوطنية التقدمية ) التي تضم الشيوعيين والناصريين والآخرين تحت راية البعث . ان صناعة الحشد البعثي في سوريا لم تلغ " الحاشيات " المختلفة ، بل جعلها جزءاً من إمكانية التسوية " المروضة " على سياسة الحزب القائد . وفي سياق السياسة الترويضية تلك بقي الشيوعيون السوريون يرفعون راياتهم الحمراء في مكاتبهم وساحات إحتفالاتهم المغلقة والبعيدة عن البؤر المدينية النابضة بالحركة ، إنما يشكلون دائماً جزءاً حيوياً من نبض الحشود البعثية . رغم ذلك تقف الدولة البعثية في سوريا كما ذكرت على عتبة التوتاليتارية ، ذاك انها قوّضت إمكانيات اللاعنف في التحول السيوسولوجي والسياسي ، كما انها وضعت المجتمع والأفراد في ليل مظلم ، بدا فيه خوف الإتصال مع المجهول أقوى من أي شيء آخر .كان البعث العراقي يسير على خط آخر ، خط عليه ، التقت ماكينات الحداثة والحزب والعشيرة والعائلة ، وصار زرع الخوف من الإتصال مع المجهول في نفوس الناس – أو العدو المفترض – ليس وسيلة للإخضاع فحسب ، بل طريقة مُمَنهجة للتجريد من الهوية الفردية والإنسانية . كانت السلطوية المنفلتة بالتالي تعريفاً إستيلادياً لمرحلة لاحقة تمثلت في وضع الدولة بديلاً للمجتمع . تعريف اقتضى السرعة القياسية في الهيمنة على الكيانات الإجتماعية والدينية والسياسة ، وفيه ، كانت فلسفة " الجماهيرية " المحتكمة لذات السرعة التي طالما وفرت آليات شخصنة الدولة .السلطوية البعثية خصت ذاتها صفات كثيرة موزعة بين الحداثة الأوروبية والإستبداد الشرقي الذي طالما وجدت له إمكانات الممارسة إجتماعياً قبل تسييسه عرقياً أو قومياً أو دينياً . إنما الأهم بين كل ذلك هو تلك الشروط السياسية والأمنية التي تمخض عن فرضها على المجتمع العراقي إحتضار كلي للثقافة والحيوية الإجتماعيتين . فالثقافة والفنون والآداب والرياضة في عراق عهد البعث لم ينقصها الإبداع والصفة " الخلاّقية " فحسب ، بل اصبحت جزءاً من الإحتضار ، في حين ان في السلطوية إفتراضاً مفاده ترك مساحة للصمت بين الأفراد . وكان الفرق بين كل من الفاشية الإيطالية والنازية الألمانية بحسب صاحب رواية 1984 جورج أورويل ، هو ان الأدب في الحالة الأُولى تعرض للإنتقاص ، أما في الحالة الألمانية فتعرض للإحتضار وكانت الثقافة النازية تتطلب حرق الكتب ، بينما النهضة الأدبية المرتجاة في روسيا برأي الكاتب ذاته ، لم تجهض فحسب بل واجه الكتاب في البلد ذاك الإنتحار والسجون . وما حصل في العراق لم يكن إنتقاصاً للثقافة والأدب ، بل كان إحتضاراً وسجناً وإنتحاراً . ونتذكر في هذا السياق العشرات من المثقفين والمفكرين والكتاب والفنانين العراقيين الذين أُعدموا أو نُحروا ، أو أختاروا المنافي في أحسن الأحوال . وتمخض عن النفي الإجباري أو الهروب من جحيم "البعث " ظاهرة غريبة في الثقافة العراقية وهي " ثقافة الداخل ، ثقافة الخارج " ، وهي حالة لم تحصل في التجارب الهتلرية ولا الستالينية ولا الإيطالية أو الإسبانية .وفي سياق الحديث عن الثقافة في عهد البعث ، هناك وثيقة صادرة من " مديرية أمن العامة " عام 1973 منعت بموجبها قائمة طويلة من الكتب الثقافية والفكرية والعلمية والتاريخية ، وتتضمن القائمة قصص للأطفال واليافعين مثل كتاب " أثينا في عهد بيركليس " وقصص بوليسية للأولاد للمؤلف محمود سالم . تعود هذه الوثيقة إلى المرحلة التأسيسية لاستتباب النظام الشمولي الذي أرساه "حزب البعث" في العراق. فبعد خمسة أعوام من الانقلاب الذي استولى به الحزب (مجدداً) على السلطة عام 1968، وبعد عامين على المناورة التي سمحت له بإقامة حالة من الهدنة في كردستان العراق عام 1971، كان حزب البعث منشغلاً في توطيد مقومات لسلطته واستبداده وتفرده بالمجتمع العراقي. وفي هذا الإطار جاء سعيه الدقيق إلى ضبط منافذ الاطلاع المتاحة للمواطن العراقي، سواءاً منها التي تمكن هذا المواطن من تحصيل النظرية المعرفية أو المضامين العلمية. "يلاحظ إذن أن الكتب التي منعها النظام تتراوح في طبيعتها من تلك التي تعني بحقبات تاريخية أو مناطق جغرافية بعيدة عن العراق وعن عقد السبعينات، مثل أثينا القديمة أو الصين الشعبية، إلى تلك التي تتطرق إلى مفاهيم عامة تطال المجتمع العراقي في فكره وتوجهاته العقائدية. وجميع تلك الكتب، لما كانت تحمله من أبعاد مقارنة ومن أفكار تنشيطية، كانت تشكل خطراً بالنسبة للنظام، في مشروعه الهادف إلى الاستيلاء على العقل العراقي. وتتضح أعماق هذا المشروع حين تدرج قائمة المنع كتاباً موجهاً للأطفال، فالتحكم بما يقرأه الطفل هو السبيل إلى التحكم به حينما يبلغ سن الرشد " بحسب الكاتب اللبناني حسن منيمنة .تالياً ، كانت السلطة البعثية مطلقة وشديدة التركيز على إفراغ جميع الميادين الإجتماعية والسياسية والثقافية من أية فكرة أو حالة خارجة عما تم رسمها في المشروع البعثي للمجتمع والدولة في العراق . أي ان السلطة الفردية المنفلتة التي تمثلت في شخص "صدام" منذ عام 1973 من الخلف ، رغم فبركة جبهة وطنية كارتونية ،أُسندت إليها إمكانات هائلة لصناعة المجتمع المسطح ، والمعبأ بالمُتَخيل القومي . وكان مجتمع الأجهزة الأمنية البيروقراطية المنبثق من أفكار صدام حسين بشكل خاص ، نموذجاً وبديلاً للمجتمع المثالي الذي طالما حلم به البعث . لقد انتهت السلطوية الـ صدامية حين أُلغيت الإتفاقات والتحالفات السياسية مع الحركة الكردية في أواسط السبعينات ، وبعد ذلك قمع الشيوعيين وضرب البنية التنظيمية والسياسية والإعلامية لحزبهم بعدما تم التأكد من إنهاء نقاباتهم ومنظماتهم الجماهيرية . ففي تلك المرحلة بدأت آليات تركز سلطة البعث تتوضح وتظهر معالمها الأساسية المتمثلة بصناعة مجتمع خال من الأغصان . ولو عدنا إلى المقولات الأساسية التي تطال مشروع المجتمع " المُقلم " ذاك ، نجدها في الأدبيات والوثائق الحزبية التي يرجع تاريخها إلى تلك المرحلة السبعينية التي طالما استقدم فيها البعث الإبتذال في أوجه . من هنا يمكن القول بأن النظام البعثي رغم إغراقه في قيم عائلية وعشائرية بحتة ، ولجوئه إلى وسائل جد بدائية في إبتذال العنف والإخضاع ، كان توتاليتارياً ، إذ إستقوّت فيه عناصر تجريد الأفراد والامجموعات من الصفة البشرية ليس أمام " القائد " والحزب وحدهما ، بل أمام المجتمع الذي فيه ، تحول الخوف إلى السلوك . فشعار " إذا قال صدام قال العراق ، وإذا قال العراق قال صدام " المستلهم من قول الألمان :" لأقوال فوهرر قوة القانون " ، أصبح الهوية الوحيدة للمواطنة . وكان الإيمان بتلك المقولة اليومية في حياة العراقيين ، يستوجب موطناً بعثياً ، عيناً حريصةً على كل " نسق كريه " لم يلقن الثورية . فكل بعثي جيد ، كان عراقياً جيداً . الترويض في وصفه للحراس في السجون والمجمعات القسرية في ألمانيا النازية يقول تزيفتان تودورف :" لم يتعرض المعتقلون وحدهم للتجريد من الهوية ، ففي النظام التوتاليتاري بشكل عام وفي المجمعات أو المخيمات بشكل خاص يتجه الحراس نحو الحالة ذاتها بدل أي طريق آخر . هدف النظام التوتاليتاري هو تحويل الأفراد إلى عجلات ماكينة ضخمة ، وبشكل لا يعون إرادتهم ثانية" .(6)ينطبق هذا الوصف على عناصر الأجهزة الأمنية البعثية . ففي العراق كانت المراقبة تدار ليس من قبل الأجهزة الأمنية نفسها فحسب ، بل جُعلت منها هوية المجتمع في ترويض ذاته أمام أي شك يساوره في الطاعة . ولم يبق المراقب الأمني موظفاً في مديرية الأمن العامة أو المخابرات أو الإستخبارات العسكرية أو الفرق الحزبية ، بل موظفاً في دائرة البريد والمواصلات أو طالباً في المدرسة الإبتدائية أو الجامعة ، أو شخصاً عادياً يترصد حارّته وجيرانه وأعضاء عائلته . بيد ان الأهم في توفير الشروط اللازمة لصناعة رجل الأمن تجسد في تحويله إلى أداة قابلة للإتهام وعدم الإخلاص ، وذلك من خلال وضعه في عالم سرّي شكّلت معالمه شُعب الأمن المتعددة الوظائف و" المُجَيَّشة " بثقافة الكراهية والروتين في علاقتها مع المواطن .كان الوصول إلى تلك الشُعب الأمنية وعقول موظفيها وأساليب عملها ومستوياتها المعرفية والتعليمية صعب للغاية ، ذلك ان المجتمع الأمني القابع في جوف المدن ليلاً والمنتشر في الشوارع والدوائر والمقاهي والجامعات والمدارس نهاراً ، كان مجتمع محاط بالأسوار والأسلاك وجميع مفردات الإذلال والموت ، له ثقافته الخاصة ووسائل عمل مُغايرة للحياة الطبيعية . هذه الأسباب وغيرها منعت قنوات الإتصال والإعلام بالوصول إلى ذلك العام السرّي الذي أسماه كنعان مكية بـ " جمهورية الخوف " وبقي بالتالي عالماً من التعتيم والكتمان . لقد خصّ " الغيستابو العراقي "(*) ذاته صفة نصف حقيقة وجود الفرد عندما دخل إلى زوايا حياته الحسية والنفسية ، محتكماً بذلك إلى إفشال الفعاليات القانونية والدستورية والمدنية داخل المجتمع ، أو إبدالها بمنظمات الأمن المتعددة . ولهذه الأسباب ذاتها أيضاًً بقي هذا " الغيستابو " بعيداً عن دوائر الصحافة .لقد تبين من خلال تلك الأعداد الهائلة من وثائق الأجهزة الأمنية العراقية التي تم الحصول عليها بعد حرب الخليج الثانية في عام 1991 ( وفي كردستان العراق بشكل خاص ) وبعد سقوط البعث في ربيع 2003 ، تبين ان الجميع كان يراقب الجميع ولم يستثن أحد !.وتالياً ، كان كشف الحلقة تلك ، والتي تعرّت من خلالها حقيقة المؤسسات الأمنية والمخابراتية العراقية الشنيعة، دافعاً مهماً لمنظمات الدفاع عن حقوق الإنسان والباحثين والأوساط الجامعية الأمريكية لوضع كل تلك الوثائق في إطار عمل أكاديمي وتوظيفها في تخليد الذكرى وترميمها .وكان نافذة أساسية للولوج في دهاليز المؤسسات ذاتها للتعرّف على عوالمها الغرائبية ووعي عملائها ومسؤوليها والمشرفين عليها .في وثيقة صادرة من الشعبة الثانية في مديرية أمن محافظة أربيل تحمل الرقم 12604 بتاريخ 23/8/1988 يكتب عميد الأمن في المديرية ذاتها تقريراً إلى مديرية أمن البلدة ويقول : 1) ان عم المقبور ( سفين .ن . س) والمدعو ( حميد .س ) هو بعثي بدرجة نصير متقدم من تنظيمات كويسنجق كان متأثراً بمقتل ابن شقيقه حيث لم يحلق وجهه وذهب إلى دار اخيه (والد المخرب) والساكن في اربيل لحضور الفاتحة. 2) ان والد المخرب كان بدرجة مؤيد في الحزب وطرد من الحزب وحالياً يسكن في أربيل.3) ان للمخرب المقبور سفين لم يعرف إسمه ويسكن اربيل – دور معمل النسيج وان الدار بإسم زوجته المدعوة (ب.م) والتي تعمل موظفة في معمل النسيج.يرجى تدقيق صحة المعلومات واعلامنا قبل كل شيء ،تحتاج هذه الوثيقة التي هي واحدة من ملايين الوثائق العراقية لدى مؤسسة الذاكرة العراقية إلى هامش أو أكثر، ذلك انها مكتوبة بلغة عربية لم يرع فيها كاتبها أولويات اللغة ، وكان يجهلها على الأغلب . والهامش الأهم الذي تقتضيه هذه الوثيقة فهو ان (حميد .س) كان واحداً من البعثيين ووالد المقتول أيضاً كان بعثياً وطرد من الحزب ولكن الوثيقة تقول انه كان بدرجة نصير والآخر بدرجة مؤيد في الحزب دون ذكر إسم البعث .الإستدراك الروتيني للقارئ العراقي لهذه الأوصاف الحزبية هو ان الحزب غير المُعرّف في هذا التقرير هو "البعث " الذي طالما تحول إلى مجموعة من الأوصاف القسرية في الحياة اليومية للناس . ولا يحتاج هذا الكتاب الرسمي برأي إلى أي شرح آخر طالما يعتمد في جوهره على مراقبة الحزن على ميت غير مرغوب فيه . وما أريد الدخول إليه من خلال هذه الوثيقة هو " عالم الأمن " العراقي في عهد البعث (1968-2003) وغرائبياته المحاطة بآليات تركز قوة تجريد الفرد من إنسانيته . لا يبدو (حميد .س) هنا – رغم بعثيته – جزءاً من العالم الذي رسمه حزب البعث ، لانه لم يحلق ذقنه ( وليس وجهه كما كتبت الجهة الأمنية ) وحزن على مقتل إبن شقيقه وذهب إلى مجلس العزاء الذي أقامته العائلة . وكان حرياً بهذا الشخص وفق الشروط المتخيّلة التي رسمتها الآيديولوجيا البعثية ان يجرّد ذاته من أية روابط إنسانية عند سماع مقتل إبن شقيقه . اما الفقرة الثالثة من التقرير فليست واضحة ويبدو ان زوجة المقتول التي كانت تعمل في معمل للنسيج في مدينة أربيل كانت مراقبة ايضاً . هناك وثائق أُخرى كثيرة تتناول حياة المواطنين وحركتهم اليومية وعلاقاتهم وأعمالهم واشكال ظهورهم على مسرح الحياة . نحاول هنا وصف بعض من هذا العالم السرّي ومعطياته البشرية ثقافةً وسلوكاً وإدراكاً . ولكن الغرابة تكمن في فكرة المراقبة داخل المراقبة كما نجدها في حال " حميد .س " إذ كان مراقباً أمنياً رغم انه كان كادراً بعثياً متقدماً . في سياق المراقبة داخل المراقبة هناك وثيقة أخرى تتضمن التنصت على تلفون أحد ضباط الأمن في قضاء " الصديق " في شهر 12 عام 1990 .تقول ديباجة التقرير ( أدناه نتائج مراقبة الهاتف "42128" العائد إلى ضابط أمن "فق 33" نقيب عاشور والمربوط على بدالة قضاء الصديق للفترة من 15/12/1990 لغاية .../12/1990 ).لقد تمت مراقبة 21 مكالمة هاتفية اجراها الضابط المذكور وتحديد المتصل أو المرسل إليه ، ويضع كاتب التقرير أو الجهة الأعلى منه خطوط سوداء تحت كل مكالمة تشك في مصدرها أو تجهلها . هذا ما نراه في مكالمة بتاريخ 25/12/1990 الساعة 1810 كما جاء في التقرير (أرسلان . س.ش مع نقيب عاشور بخصوص عزيمة ) . وفي اليوم ذاته يتصل نقيب عاشور بالشخص المذكور ويقول التقرير ( نقيب عاشور مع أرسلان .س. ش بخصوص المكالمة "7" ) ، أي المكالمة السابقة ويجدر الذكر هنا ان الأُولى تحمل الرقم 7 والثانية الرقم 8 . وفي يوم 28/12 يكتب المراقب (أحد الأشخاص يطلب يوسف ثم مع نقيب عاشور بخصوص قضاء أعمال نقيب عاشور ) . هناك سطر آخر في التقرير ذاته لم نستطع قراءته بسبب التشوهات التي تعرضت لها الوثيقة أما الجزء المقروء فيقول : ( .... لإحدى النساء بخصوص جندي يعمل ....) .قبل الحديث عن مضمون وأهداف هذه التقارير الداخلية المتمثلة في مراقبة الأجهوة الأمنية ذاتها علينا توضيح بعض الرموز المستخدمة في التقرير السابق وهي (فق 33) ، اي فرقة 33 وهي إحدى الفروع الأمنية ، أما الوقت المُشَفر بساعة 1810 أو 2205 فهي رموز أمنية عسكرية ولايمكن وضعها في سياق الوقت الطبيعي . ولا بد من الإشارة ان المراقبة الأمنية في عهد البعث (1968-2003) في العراق خصت ذاتها صفات كثيرة ومتنوعة وأبرمت مع المجتمع عقداً قسرياً اقتضى مئات الأيدي وكل يد كانت تجس مكانا إذ يمكننا تعريفها بالأيادي " الفيختوية " إشارة للإله الهندي فيختة في الحضارة الهندية القديمة. وكانت المراقبة داخل المراقبة بوسائلها المتعددة جزءاً من العقد الأمني ذاته مع إختلاف الهدف . فبينما كان يوضع المواطن تحت حراسة هلامية بغية زرع الرعب فيه ووضعه أمام تهديد دائم ، كان يخضع المراقب إلى المراقبة لأهداف عدة أهمها معرفة إخلاصه للعمل الأمني أو المخابراتي ، معرفة علاقاته الإجتماعية وتحديد أقرب دائرة في العلاقات ذاتها ، زرع الشك في درجة إخلاصه ودفعه بالتالي إلى التماهي مع " النموذج المخلص " في المهنة الامنية . فصله من محيطه الإجتماعي ، إعادة بناء تكوينه وفق الشروط التي تقتضيها المؤسسات الأمنية ، وكانت المراقبة داخل المراقبة بالتالي شكلاً من أشكال التجريبية البعثية لتأسيس الوعي الأمني في العراق . للحديث عن التجربة البعثية ومفهوم الأمن قد لانحتاج إلى القول النظري بقدر إحتياجنا إلى الآثار التي تركتها التجربة ذاتها على جميع المستويات السياسية والإجتماعية والثقافية والإقتصادية . ويمكن القول بالتالي بأن " المجتمع البعثي " الذي أُريد له النجاح والقفز على التاريخ وفق الرؤية البعثية ، هو مجال لتأسيس نظريات ومنهجيات موقعية ، ذلك ان الممارسات التي سلكها البعث ، والسياق التاريخي الذي ظهر فيه بالطبع يتركان مهمات صعبة أمام أي دارس يحاول الإقتراب من " عالم مُتخيل " ارتسمت أبعاده على " الشر المبتذل " إذا إستعرنا تعبير الفيلسوفة " حنه أرند ". كانت " التجريبية " لصناعة الدولة الأمنية التي اعتمدها البعث تقتضي رسم الجلاّد قبل الضحية ، لذلك اتت المراقبة داخل المراقبة وفقاً لآلياتها وأهدافها كـ " متن " داخلي للمراقبة الشمولية .الجريمة الوظيفيةلنفترض ان قاتلاً ما سيخترق الروتين في التكتم على الجرائم ويعلن ما في جعبته ولو بأسلوب روائي غليظ كما فعل الحفّار "عبد الحسن موحان مراد"، لكن يستحيل علينا افتراض نجاة شخص آخر كالصغير (تيمور أو عوزير) والأربعة الآخرين الذين أنقذتهم الصدفة من الطمر صيف 1988. لقد روى كل واحد من هذه المجموعة حكايات سريالية بشعة عن قتل ودفن كل تلك المجاميع البشرية "الأكراد" في الليل والنهار وداخل مقابر تكتشف ولا تكتشف . وكانت قصة الحفّار "عبد الحسن مراد" التي نأتي على ذكرها هنا تبسيطاً لتلك البشاعة الحكائية التي نسجها خيال "البعث"، ذاك انه يعيد انتاج صورة الدفن بعفوية وغلاظة وكأنما الذين طمرهم بحفّارته كانوا قطع غيار وليسوا بشر. عندما يدخل الروتين الى الثقافة السياسية للدولة القومية على طراز دولة "صدام" ويُدخل المجتمع إلى عنابر المسخ، يتحول الفرد إلى كائن متذاهن مع أدوات السلطة ويفقد إنسانيته كما حصل عند هذا الحفّار الذي نحن بصدد سيرته وتقنيات سرده الروائي عن قبور غير هادئة أو بالأحرى قبور هائجة حفر أرضها بعقل ودم باردين. القصة، تبدأ من هنا إذ يأخذ التحول السردي في حياة "أشبال صدام" منحىً جدياً في بناء شخصية موظف روتيني يؤدي وظيفة القتل دون معرفته بالأسباب التي تدفعه لذلك. فلنعاين سيرة الحفّار "عبد الحسن موحان مراد" كما دونها الصحفي الكردي "عارف قورباني" في لقاء طويل عنونه (من أُم الريعان إلى طوبزاوا). كان اللقاء بعد سقوط نظام الحكم في ربيع 2003 عندما قرر الحفّار المذكور التوجه إلى مركز كركوك لتنظيمات الإتحاد الوطني الكردستاني ووشى بنفسه بأنه كان حفّاراً لمقابر جماعية في منطقة كركوك عام 1988 ولا يزال يعرف موقعها. ولد "عبد الموحان " عام 1961 وسط عائلة مكونة من ثمانية أشخاص في قرية "أُم الريعان" الواقعة جنوب قضاء "الحي" التابع لمحافظة الكوت الجنوبية. يكمل سنوات دراسته الأُولى في القرية ذاتها ثم ينتقل إلى قضاء الحي لمواصلة الدراسة، لكنه يرسب في المرحلة الثالثة بعد الإبتدائية وينتسب لجهاز شرطة دائرة الجنسية والسفر في محافظة الكوت بتاريخ 30/3/1978. وكان عمره حينئذ 17 عاما، لكنه انتسب للدائرة المذكورة كمتطوع دون أن يُسأل عن عمره وباشر دوامه الرسمي لمدة ثلاثة اشهر، ثم تم نقله للمديرية العامة للجنسية والسفر في بغداد. عام 1980 قسمت الحكومة الدائرة المذكورة إلى ثلاثة أقسام، الإقامة والمخابرات للأجانب والجوازات ومديريات الجنسية والأحوال الشخصية، وينتقل عبد الموحان إلى قسم الأمن في دائرة الجوازات في منطقة عرعر الواقعة على الحدود العراقية السعودية. نلاحظ هنا انه أصبح واحداً من عناصر الأمن دون أي تكليف رسمي ولا حتي أية معارضة منه تجاه "مهنته" الجديدة . لقد صار عبد الموحان نموذجاً صغيراً للمجتمع الأورويلي بعد دخوله مديريات "الحقيقة" وفضاءات الأمن غير المكشوفة، ثم أصبح سائقاً معتمداً لجرّافات مديريات الأمن والإستخبارات وحفّاراتها، حاملاً أسرار الدولة بين دهاليزها الأمنية. ويتحول فيما بعد إلى راو متمكن لسيرته وأدائه الحرفي "بفتح الحاء" لفعل القسوة اليومي في الصمت والعلن. يقول الصحفي ستران عبدالله: لقد كان عبد الموحان راوياً حقيقياً لأفعاله كسائق حفّارة وتمكن بعفوية تامة رواية تفاصيل ليلة كاملة من القتل والدفن دون اية ملامح التأثر بما فعله ورآه. يظهر هذا جلياً عندما يسأله عارف قورباني: إن كانت الجريمة التي شارك فيها هي الأول من نوعها؟ ذلك ان جوابه يتضمن براءته المطلقة، لأنه لم يقم إلاّ بتأدية وظيفته بطمر هؤلاء البشر الذين قتلوا ودفنوا في صيف 1988 في كركوك، أما الذي شارك في الجريمة برأيه فهو الذي اصدر قرار القتل. والغرابة في قصة هذا الحفّار هي القدرة على رواية تفاصيل قصة وحيثياتها القابعة بين جدران مديريات الأمن والمقابر الجماعية التي ارتسمت على ليل التاريخ المكون من جميع مستلزمات الموت. ثم يضيف الصحفي ستران عبدالله ويقول: كانت قابلية عبدالحسن لرواية الحفر والقتل والدفن ومن ثم الطمر دون التأثر شيئاً يثير الإشمئزاز والقرف، لقد روى تفاصيل تلك الليلة الجهنمية مثل اية قصة عادية اُخرى حدثت في حياته. لا يمكنني هنا نقل الكثير من ذلك الحوار، لذا أقتصر على بعض مقاطع صغيرة تتعلق بتلك اللحظات التي قتل فيها المؤنفلون وتم دفنهم من قبل عبد الحسن وأصدقائه الحفّارين الذين يذكر اسماءهم وهم (فرحان جابر، احمد اسماعيل، وعلي وسعدي ) - لا يذكر الإسم الثاني لهذين الأخيرين.. ليلة الحفر يوم 11/8/1988 أمر كل من الرائد "عبد" مسؤول فرقة حماية علي حسن المجيد الكيمياوي والرائد نزهان طوغان الحفّار عبد الحسن وفرحان جابر بإحضار حفارتيهما والتوجه إلى مكان يدلهما عليه واحد من فرقة الحماية ذاتها. ويقول عبد الحسن: عندما وصلنا إلى هناك كان الرائد عبد موجوداً مع طوغان وبدأنا ننتظرهم إلى ان أمرونا بالحفر، في البداية قالوا لنا احفروا على شكل المربع ثم غيروا رأيهم وقالوا احفروا أشكالاً مستطيلة. حفرنا في ذلك اليوم الذي اشتغلنا فيه من التاسعة صباحاً إلى الثامنة مساء خمس حفر، طول كل واحدة منها 20 إلى 25 متراً وعمقها 2,5 إلى 3 أمتار. في 12/8 كان عبدالحسن وزملاؤه الحفارون يضحكون وينكتون فرحاً بمناسبة إنتهاء الحرب العراقية الإيرانية حسبما يروي، وفي حدود الساعة العاشرة أمرهم الرائد طوغان بالتوجه إلى ذات المكان الذي حفرا فيه في اليوم السابق (طريق كركوك بغداد) مع حفاراتهم وكانت أربع أو خمس سيارات من نوع "مرسيدس" معبأة بالحراس والعسكر جاهزة للتحرك معهم، ثم يتابع ويقول: لما وصلنا إلى هناك كان طوغان وعبد وطاهر جليل حبوش موجودين ولاحظنا ان المكان بأكمله مُطَوَق. أطفأنا الحفارات والجرافات وبدأنا ننتظر إلى أن وصلت فرقة الإعدام المكونة من 11 شخصا. ويذكر الحفار الراوي ان أفراد فرقة الموت لم يحملوا سوى المسدسات "كاتم الصوت" وكانت ملابسم خضراء ووجوههم مكشوفة . يسأله عارف قورباني عن مكانه في تلك اللحظات أكان فوق الحفّارة أم في مكان آخر فيقول: كنا واقفين على حافة الحفرة وننتظر الأوامر، كنت على معرفة شخصية بعدد غير قليل من أفراد فرقة الإعدام، ذلك اننا كنا مع بعضنا في المكان ذاته الذي قضينا فيه تلك الأيام واذكر أسماء بعض منهم وهم (الملازم الأول صائب مرافق علي كيمياوي الشخصي، الملازم الأول صائم من الأنبار الرمادي، الملازم الأول سعود والرائد عبد وعدد آخر من الضباط . بمجرد الاتيان بالمؤنفلين داخل سيارات ست طويلة كانت تشبه سيارات الإسعاف، أمر <<طاهر حبوش>> بتشغيل جميع الآليات وحتى نحن صعدنا إلى الجرافات وقالوا لنا ان نشغلها ونعلي صخبها. بعدها، أتوا بتلك السيارات الست المحملة بالأكراد والتي كانت تحاصرها القوات الخاصة واحدة تلو اخرى إلى حافة الحفرة. ومع تثبيت كل سيارة على الحافة كانت تفتح ابوابها من قبل فرقة الإعدام المكونة من 11 شخصاً والذين ذكرت أسماء بعض منهم. كان هناك حارسان داخل السيارة وكانا يشدان على معصمي كل كردي ويسلمانه إلى أفراد الفرقة، الذين يطلقون على رأسه طلقة مسدس واحدة ويدفعونه إلى الحفرة. بربرية يصف عبد الحسن بربرية تلك الليلة التي لا توصف بدم بارد ويسرد تفاصيل أخرى عن سلوك تلك المجموعة القاتلة المنظمة والمصغرة لدولة البعث: (لم يكن القتل عشوائيا، كان كل واحد من مجموعة ال11 يأتي بكردي إلى حافة الحفرة وينتظر الإيعاز، كانوا يطلقون النار في وقت واحد). أما عن وضعية المؤنفلين في تلك اللحظة فيقول: كانوا مقيدي الأيادي، أجثوهم على ركبهم على حافة الحفرة، وكان كل ضابط من هؤلاء يضع قدمه على يدي المؤنفل من الخلف ويمسك برأسه بيد ويضع مسدسه بأخرى وينتظر امر إطلاق النار. بعد القتل كانوا يدفعونهم بأخمص اقدامهم نحو الحفرة العميقة، وحتى لو لم تقتلهم الطلقة، فستنكسر رقابهم أو يلفظون أنفاسهم مختنقين تحت التراب الذي طمرناهم به. بعد ذلك التقبير الجماعي يأخذ الحفّار إجازة قصيرة لمدة ثلاثة ايام ويرجع إلى بيته في الجنوب ويحكي لزوجته ما فعله وما رآه. جواباً على سؤال حول ما إذا قالت له زوجته ان لا يعود أو يخفي نفسه يقول: لم تحبذ زوجتي ذلك العمل وكانت تفضل وظيفة لي قرب المنزل. يختزل هذا الجواب الشافي على مبررات تنفيذ تلك العملية البربرية سلوك نموذج الدولة البوليسة الصغير والمتمثل في شخصية الحفار عبدالحسن وبيئته الإجتماعية، ذلك انه لا يرى في طمر هؤلاء البشر أي عداء أو كراهية شخصية أو سياسية تاريخية، بل انه يؤدي وظيفته ويرزق عائلته. كان هذا بالضبط هدف حزب البعث، اي تحويل فكرة القتل إلى مهام وظيفية خارج مفهوم الجريمة أو أي عمل يهين حقوق البشر. انساقت وفق هذه النظرية التي تعتمد مبادئ الحلول النهائية لإنهاء <<الآخر>> شرائح عراقية واسعة وراء دولة صدام السرية . ففي سياق المهام الوظيفية ذاتها يعود الحفّار إلى كركوك لأداء عمله بعد إجازته القصيرة ويشارك في دفن مجموعة أُخرى من "أكراد الله" دون أن يراوده أي هاجس للهرب أو الإختفاء. بتاريخ 15/9 حسبما يتذكر يتجه مع افراد من فرق الموت إلى منطقة أُخرى سبقه إليها زملاؤه الحفّارون كما أخبروه. تتشكل فرقة الموت هذه المرة من نفس مجموعة 11 السابقة والضباط السابقين ولكن ليس في طوبزاوا بل في واد يقع بين قضاء "دووزخورماتوو" وسلسلة جبال حمرين. أما الأكراد كما يقول الحفّار الروائي فلم يكونوا شباباً هذه المرة: كانوا شباباً وعجائز ونساء وأطفالا، اتوا بالنساء والأطفال من "الدبس" والشباب والشيوخ من طوبزاوا، أما السيارات فكانت من ذات السيارات التي رأيناها في 12/8 في طوبزاوا ويايجي. كانت عملية القتل هذه المرة رمياً بأسلحة <<الكلاشينكوف>>. في البداية أتوا بالشباب والعجائز وبعد الإنتهاء منهم أتوا بالنساء والأطفال، بالقرب من الحفر أنزلوهم من السيارات وجمعوهم ثم أمر الرائد "عبد" بالرمي. كانت هناك بينهم إمراة بين 4035 تحمل بين يديها رضيعا، لا أظن إنها أُصيبت أو لم تكن ميتة بعد عندما طمرتها. ربما كان هناك آخرون لم يموتوا ايضا، لأنهم كانوا يقعون على بعضهم أثناء الرمي، لكنهم ظهروا مثل الأموات إلى أن طمرناهم. بعد هذه العمليات البربرية ينتقل عبدالحسن كمزارع إلى مزرعة "علي كيمياوي" في تل الورد الواقع في منطقة الدور التابعة لتكريت ثم إلى مديرية الأمن العامة في بغداد . في عام 1989 يصدر "مجلس قيادة الثورة" قراراً بتكريم العرب الذين يحولون "قيد النفوس" إلى كركوك ولا يتردد الحفّار في ذلك وينقل أفراد عائلته مع "شهادات ميلادهم" إلى كركوك بعدما يحصل على عشرة آلاف دينار "30 ألف دولار حينئذ" ومنزل ترجع ملكيته لعائلة تركمانية رحلت قسراً . لقد ذهب البعث في عملية تجريد مجتمعه الأمني من الهوية الإنسانية وجعل أفراده دواليباً لماكينة القتل إلى نقطة اللاعودة ، حيث تبين فيها للمواطنين العاديين غير المهتمين بالسياسة أساساً ، إنهم اصبحوا متفرجين منفعلين لإستعراضات عنف يومية ومتقمصين دور " شبيه البعثي " . وكانت " المَكنَنَة " بالتالي تطال طرفي معادلة فعل اللاأنسنة وهما البعثي الفاعل ، وضحيته كمشروع علاقة دائمة بينه وبين أدواته . فبينما تمثلت مكننة الطرف الأول بتطبيع العلاقة بين الجرائم وبين إجرائات روتينية يومية ، اصبح الثاني (الضحية ) آلة للصمت والهموم أو مشروع صدمة قد تجعله " كائناً أُورويلياً " على غرار شخصية وينستون سميث في رواية 1984 . وقد كتب عراقي بإسم أبو علي رسالة إلى كنعان مكية في العقد الأخير من القرن العشرين ، أي قبل عقد ونيف من سقوط النظام البعثي قال فيها بوضوح تام : ( أعتقد أن مجتمعنا أصبح اليوم مثل مجتمع "1984" وليس هناك من يتذكر أو حتى أن يتجاسر على تذكر معاني كلمات " الحرية " و" الديمقراطية " و" الأخوة " و" الإنسانية " . ولم يعودوا يعرفوا ما هي ( حقوق الإنسان ) وما له وما عليهم، صار واجبهم اليوم أن يصفقوا ويهتفوا للأخ الكبيرBig Brother بالروح بالدم نفديك يا صدام ).

الهوامش :

* الجيستابو او البوليس السري الألماني تأسس لحماية الدولة الألمانية والحزب النازي. أسسه النازي " هيرمان غورينغ " في 26 أبريل 1933 وقام بإختيار ضباط الشرطة المحترفين بعد حيازة ادولف هتلر على زمام الأمور في المانيا النازية في مارس 1933. وتمحور دور البوليس السري على حماية الدولة وتشكيل قوة ضاربة لما يتربص بالدولة من أعمال تخريب، تجسس، أو خيانة. وتم تغيير القانون الألماني بصورة تجعل الجيستابو يتحرك بصورة حرة وبعيداً عن المساءلة القانونية. وكما وصف قاضي الماني افعال الجيستابو بالتالي "طالما تتحرك الجيستابو بمشيئة الحزب، فإن حركات الجيستابو وأفعاله قانونية". ونص القانون الألماني نصاً صريحاً بإعفاء الجيستابو من المثول أمام المحاكم الألمانية مما حال بين المواطنين المدنيين ووصول شكواهم الى القضاء الألماني.ولعل من أهم صور تعسف الجيستابو يتمثل في سلطة الجهاز السري في احتجاز الأشخاص بدون دعوى قضائية. وكان الشخص المحجوز يقوم على التوقيع على ورقة تخوّل الجيستابو على احتجازه وينتزع هذا التخويل من الأشخاص عادة عن طريق التعذيب الجسدي. وفي عام 1934، تعرّض غورنغ لضغوط من قبل هينريك هيملر لضم الجيستابو تحت لواء الأخير مما قوّى من شوكة هيملر لأبعد الحدود. وخلال الحرب العالمية الثانية، بلغ عدد العاملين في جهاز البوليس السري الى 45,000 فرد. وعمل أفراد الجهاز خلال الأراضي التي احتلتها المانيا خلال الحرب العالمية الثانية وساهموا في التعرف على الشيوعيين، اليهود، والمثليين والعمل على تهجيرهم قسرياً الى معسكرات الاعتقال ثم القضاء عليهم. وخلال محاكم نورمبرغ، تمت ادانة جهاز الجيستابو بالجرائم الفضيعة التي ارتكبها الجهاز في حق البشرية.

المصادر :(1) المستبد ، صناعة شعب ، صناعة قائد . زهير الجزائري سنة 2006 ، من إصدارات مركز الدراسات الإستراتيجية /بيروت(2) Hannha Arendt, Les origines du totalitarisme , Édition Seuil , Paris 1972 (3) خالد سليمان (وكأن حالنا شبيهة بظاهرة فيينا ، صحيفة السفير ربيع 2007)(4) Serge Netchaeiv (le catéchismes de révolutionnaire ) (5) سمير الخليل (كنعان مكية )، جمهورية الخوف ، دار الثقافة الجديدة /القاهرة 1991 (6) Tzvetan Todorov , Façe à l'extrême , Édition Seuil 1991 Paris (7) Le livre noire de Saddam Hussein (sous la direction de Chris Kutschera) Edition HO

مقدمات في تشريح الظاهرة الصدامية


التوتاليتارية السياسية - مقدمات في تشريح الظاهرة الصدامية (1-2)
يوســف محســن
تاريخ النشر Thursday, March 26, 2009

الذاكرة - منذ العام 2003 ولحد الان لم يتم طرح سؤال التوتاليتارية الصدامية في الثقافة العراقية حيث تم وضع هذا السؤال في طي الكتمان الفكري ولم يتم وضع هذه الظاهرة السياسية والتي هي انتاج تركيبي معقد للبنى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية تحت التفحصات النقدية وهذا يدل على عجز بنية الثقافة العراقية عن طرح الاسئلة والاشكاليات وذلك لكون الحقل الثقافي العراقي يستمد مرجعياتة من الثقافات الماركسية التقليدية وثقافات الفكر القوماني العربي او الثقافات الاسلاموية الشعبوية مما جعل الثقافة العراقية عاجزة عن طرح نفسها للتداول في تاطيرات الفكر العالمي فضلا عن ذلك ما تشكلة عملية انتاج المفاهيم والمقولات وذلك لاختزالها نتائج الفكر ومنحه دلالات واضحة للتواصل المعرفي بين الجماعات البشرية رغم اختلاف اللغة والتجارب الفكرية . وبقدر ما تنتظم المقولات والمفاهيم، وتأخذ مكانها في دورة الشغل والاستعمالات ينمو الفكر وتتراكم المعرفة. أما في حالة انكفاء المقولة أو المفهوم على ذاتها وانغلاقها وانعزالها يصبح موت الفكر أمرا محتوما.فقد ظهرت أعمال المفكر ميثم الجنابي داخل الوسط الثقافي العراقي بعد 2003 لتصدم بصلابة الثوابت العقائدية والأيديولوجية والأنماط المعرفية السائدة في المجتمع العراقي وخاصة قطاع المثقفين (في حال افتراضنا بوجود فئة مثقفة لها أصولها الخاصة وكيانها المستقل). وكان ظهور كتبه الفكرية السياسية (العراق ومعاصرة المستقبل) و(العراق ورهان المستقبل) و(العراق والمستقبل – زمن الانحطاط وتاريخ البدائل) (فلسفة الثقافة العراقية البديلة) و(أشجان وأوزان الهوية العراقية) و(حوار البدائل) تمثل بحد ذاتها مسحا شاملا للتركيبات الثقافية والسياسية وتداخل فيه التاريخي والاجتماعي ومثل أنموذجا جديدا تماما لأدراك تاريخ المجتمع العراقيحيث أن هذه الأعمال الفكرية السياسية تحقق انصال عن البنية المرجعية للثقافة العراقية. وهي محاولة لتأسيس نمط ثقافي مفارق أو بعبارة أدق بناء منظومة فكرية فلسفية لها منهجها الخاص ومفاهيمها وتصوراتها وأحكامها. ولكون هذا مشروع هو أولا وقبل كل شيء مشروع نقدي لمعرفة مكامن التوتر والتأزم داخل بنية المجتمع العراقي، وثانيا لفهم ديناميكية الظاهرة العراقية، لذا فان أي عملية عزل للمفاهيم والمقولات يمكنها أن تولد فرغ معرفيا كبير. من هنا تصبح إعادة التفكير بهذه الجوانب مسألة علمية ضروريةفقد تم اجراء حوار مطول مع بروفسور ميثم الجنابي سوف يصدر بكتاب مستقل حول تشريح الظاهر الصدامية ورتباطاتها البنيوية بشبكة البنى وازمات التكوين للدولة العراقية فضلا عن تحليل اليات الضبط والسيطرة الايديولوجية في الدولة الاستبدادية الصدامية ننقل جزء بسيط منة لتعميم الحوار والمناقشات حول هذة الظاهرة· نشأت التوتاليتارية في تاريخ أوربا كفلسفة بنائية حيث تكونت من مصادر متعددة فكرية وسياسية واجتماعية وتداخلت عناصر متناثرة غير متسقة لتأخذ شكلها النهائي. ما هي اصول الفلسفة التوتاليتارية؟ من الصعب الحديث عن "اصول فلسفية" مستقلة للتوتاليتارية. بمعنى أن من الصعب الحديث عن "فلسفة توتاليتارية" مستقلة قائمة بذاتها. بما في ذلك عن تلك الفلسفات التي اقترنت بها النظم السياسية التوتاليتارية كالشيوعية (الماركسية واللينينية والستالينية وغيرها) والفاشية والاشتراكية القومية(النازية). فالتوتاليتارية أيديولوجية وحالة ومنظومة فريدة وحديثة لحد ما من التحكم بالدولة والفرد والمجتمع والروح والجسد. وإذا كان بالإمكان العثور على صفات مشتركة بينها وبين الأديان و"مؤسساتها" اللاهوتية، كما هو الحال بالنسبة للكنسية، بما في ذلك في اشد حالاتها انحطاطا ودموية (العصر الوسط ومحاكم التفتيش والحروب الصليبية والدينية)، فان الخلاف يبقى كبيرا ولحد ما جوهريا. وذلك لان الأديان ومعتنقيها "يؤمنون" بما يفعلون بوصفهم جزء من "إرادة إلهية" باقية في نصوص "مقدسة" (توراة وإنجيل وقرآن). بينما التوتاليتارية تضع "إرادة الحزب" و"القائد" فوق كل اعتبار. مما يفرغها من فكرة القانون والشريعة والنوازع الأخلاقية. كما أن الفكرة الدينية عامة ومن ثم تتمتع بالقدرة على البقاء، بينا التوتاليتارية جزئية وعابرة.من هنا عدم دقة الفكرة التي يحاول بعض الفلاسفة والمفكرين والمؤرخين ربط الفكرة التوتاليتارية بأفلاطون وهيغل ونيتشه وغيرهم. فعندما تناول بوبر هذه القضية في كتابه (المجتمع المفتوح وأعداءه) الصادر عام 1945، أي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية مباشرة، فانه وجد المصدر الفكري للتوتاليتارية في فلسفة أفلاطون السياسية، استنادا إلى انه أول من قال بان العدالة هي ما يفيد الدولة ويستجيب لمصالحها. مما جعل من فلسفة أفلاطون اقرب ما تكون إلى هندسة سياسية اجتماعية طوباوية. والطوباوية تؤدي بالضرورة إلى العقائدية الجزمية. وليس من الصعب نقض هذا النتيجة، وذلك لأنها مجرد تأويل جزئي لبعض آراء أفلاطون.إن فلسفة أفلاطون، بل كافة الفلسفات والأديان الكبرى تحتوي بالضرورة على ما يمكنه أن يمدّ التوتاليتارية بأفكار معينة، كما تساعدها بصورة عرضية على تشحذ وعيها الخطابي وهمومها الوجدانية، وذلك لان التوتاليتارية رؤية نفسية ذهنية جمعية ونظام شامل. من هنا إمكانية واحتمال استعمالها لمختلف الأفكار والقيم والشعارات والممارسات التي تخدم فكرة الواحدية.والواحدية فكرة كبرى. من هنا "كبر" التوتاليتارية وضخامة رؤيتها لنفسها وغاياتها. ومن هنا ايضا حبها للضخامة والتضخيم في كل شيء. بحيث يمكن رؤيته في تسييرها للمظاهرات المنظمة الكبرى واستنفاذ طاقة الضمير والوقت على أمور تافهة، وحب البنايات الضخمة والمشاريع "الكبرى" والتماثيل واللوحات والجداريات الضخمة. ولم يكن ذلك معزولا عن هشاشتها الداخلية وضعفها الذاتي، الذي يمكن العثور عليه في التهامها الفج لقشور القيم والشعارات الرنانة.إنني أورد هذه الأمثلة من اجل التدليل على أن التوتاليتارية بوصفها نفسية وذهنية خاصة غير قادرة على تمثل الفكر الفلسفي الكبير. انها تقدر وتعمل فقط على تطويع القيم الأيديولوجية، كما نراه بجلاء على نماذج البلشفية (اللينينية) والستالينية والموسولينية والهتلرية. فهي جميعها تفتقد إلى إدراك ومعرفة التراث الفلسفي. فقد كانت معارف لينين الفلسفية (بوصفه الأوسع معرفة مقارنة بمن جرى ذكرهم) بسيطة للغاية ومحصورة بالماركسية المسيسة فقط. إذ لم تتعد معارفه بهذا الصدد أكثر من قراءات سريعة وشخصية لكتب قليلة، كما نعثر عليها فيما يسمى "الدفاتر الفلسفية"، أي في التلخيص الذي لا يتعدى عشر صفحات متعجبة من "اكتشافات" عادية!! إضافة إلى كونها لا تتعدى أكثر من حبيبات الملح الضرورية لطبخة الشهية "الماركسية". وما عداها لا شيء.وفيما لو تناولت هذه القضية ضمن سياق الرؤية الفلسفية الصارمة، فان من الممكن القول، بان الفلسفة والتفكير الفلسفي العميق يخلو من إمكانية التأسيس النظري للنزعة التوتاليتارية. إذ لا يمكن العثور على منظومة فلسفية بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة أسست للمشروع التوتاليتاري. إذ يخلو منها الفكر الفلسفي الإغريقي والصيني والهندي والإسلامي.وإذا كانت الفكرة الجوهرية للتوتاليتارية تتمحور حول الواحدية، وبالتالي تحتوي على عناصر الوحدانية، فان الخلاف بينها وبين التراث الفلسفي الوحداني (بالمعنى الفلسفي) يبقى جوهريا ولا يمكن ردم الهوة بينهما. فالوحدانية الفلسفية لامبيدوقلس والغزالي وابن عربي وهيغل وأمثالهم هي نفي شامل لمضمون التوتاليتارية.التوتاليتارية هي منظومة التوليف الخربة للعناصر المتناثرة في المنظومات الأيديولوجية من قيم نفسية وأوهام سياسية وخيال شعبي محكوم بأزمات للقادة والجماهير في مراحل الانعطاف العاصفة للدولة والأمة والثقافة، أي في مراحل "المصير" القومي المتأزم. من هنا ترابط احدهما بالآخر بوصفهما وجهان لحالة واحدة – الأزمة البنيوية الشاملة للدولة والأمة والثقافة من جهة، والصدفة القاتلة للعقل والضمير التاريخي السليم من جهة أخرى. وليس مصادفة أن تلتقي في خصائص تفكيرها الأسطوري، وغاياتها الكونية الكبرى، وأساليبها العملية رغم تباين شعاراتها الأيديولوجية (القومية والأممية وغيرها). من هنا إمكانية توظيف بعض الأفكار الفلسفية لهيغل ونيتشه في التوتاليتارية الألمانية الهتلرية، وكذلك الانتقاء المتحزب للتراث الفلسفي والتاريخ العالمي ككل في التوتاليتارية السوفيتية. طبعا أن ذلك لا يعني تطابقهما بهذا الصدد، إذ تبقى الخلافات بينهما كبيرة ايضا بهذا الصدد. لكن الخلاف يبقى هنا محصورا في الوسيلة والغاية المعلنة. أما من حيث الجوهر فان الهموم واحدة والمضمون واحد، ألا وهو الاستغلال الممكن لكل ما يمكنه أن يخدم "الفكرة الكبرى" الخاصة. بمعنى أولوية وجوهرية التطويع والاستغلال "المفتوح" على كل شيء من اجل وضعه ضمن أغلال "الانغلاق الذاتي". وضمن هذا السياق يمكن الاتفاق مع الفكرة الجوهرية التي وضعها بوبر بهذا الصدد عما دعاه بالمنظومات المغلقة (التوتاليتارية) والمنظومات "المنفتحة" (الليبرالية). فالتوتاليتارية منظومة مغلقة. بينما الفلسفة من حيث كونها رؤية وأسلوب في التفكير وغاية محكومة بحب الحكمة تتنافى وتتعارض وتتضاد مع الانغلاق والتزمت. مع أن ذلك لا يتنافى مع الادعاء الذاتي ببلوغ "الحقيقة النهائية". لكنه بلوغ لا يتعدى من حيث الإعلان والوسيلة والغاية سوى التعبير الفرح بالاكتشاف الحر والاجتهاد النظري. ومن ثم يحتوي في ذاته على نقيضه. الأمر الذي جعل من الأيديولوجيات الصرف مصدر ومرتع النفسية والذهنية التوتاليتارية، وبالأخص الأيديولوجيات الطوباوية السياسية.فمن غير الصحيح إدراج الطوباويات جميعا بهذا الصدد، وبالأخص العقلية والأخلاقية منها. وهو الخطأ الذي وقع فيه بوبر وكثير غيره من فلاسفة ومفكري ومؤرخي الغرب الحديث في مجرى تناولهم للظاهرة التوتاليتارية. ومفارقة الظاهرة تقوم في أن هذا الموقف من الطوباويات هو النتاج المتناقض لأصول الماركسية وموقفها "النقدي" منها.فالمساعي العملية والتنظير الفكري للنزعة التوتاليتارية القائمة في العقائدية السياسية تتسم بقدر واضح من الرؤية المباشرة بهذا الصدد. فعلى سبيل المثال، إن المفكر السياسي الايطالي جينتيلي الذي وضع مصطلح التوتاليتارية قد أسس له من خلال الفكرة الأيديولوجية القائلة، بأنه لا حدود لتدخل الدولة، ولا توجد أماكن لا يحق لها التدخل فيها. وهو مطلب استند إلى فكرة أيديولوجية بحت تقول، بان الدولة التوتاليتارية هي تجسيد للروح الأخلاقي للشعب، وذوبان الفرد في البنية العامة للحركات السياسية. وقد جرى وضع هذه الفكرة الأيديولوجية في الفاشية الايطالية، ولاحقا في النازية الألمانية. وقبلهما جرى تجسيدها النظري في الماركسية وتطبيقها العملي في البلشفية (اللينينية الستالينية). فحقيقة الماركسية أيديولوجية صرف. من هنا انتشارها السريع والمريع بين الأوساط البسيطة والجاهلة أو غير المتعلمة. وليس مصادفة ألا يقرأ رؤساء الأحزاب الشيوعية المؤلفات الأساسية لماركس وأنجلس ولينين وغيرهم من أيديولوجي الشيوعية. انها اكتفوا كما هي العادة بالنسبة "لقادة الجماهير" بالشعارات وبعض "مختارات الحكم" التي ترصع الإيمان التقليدي للذهنية البائسة للجماهير و"نخبها" البليدة!لكن الأمر يختلف بالنسبة للطوباويات العقلية الأخلاقية وذلك لأنها محكومة بنوازع معرفية ووجودية وأخلاقية عقلية، إي فلسفية صرف. ومن ثم فان غايتها ليس تنظيم المجتمع بمعايير ومقاييس العقلانية التكنوقراطية الحديثة، بقدر ما كانت تعمل ببواعث الوحدانية الفلسفية المتسامية وفكرة الخير الاسمي وحكمة رجل الدولة الفلسفية. وهي مكونات لا علاقة لها بالأيديولوجية الحديثة، كما هو الحال في (جمهورية) أفلاطون و(آراء أهل المدينة الفاضلة) للفارابي. والشيء نفسه يمكن قوله عن مشاريع الطوباويات السياسية الأخلاقية العقلية الكبرى كما نراها على سبيل المثال عند توماس مور في (اليوطوبيا)، وكامبانيلا في (مدينة الشمس). فقد كانت تلك وأمثالها الصيغة الخيالية لجزيرة العقل المحاصرة بواقع فاسد. انها نموذج المجتمع العادل. من هنا اختلافها الجذري عما في نماذجها الشكلية اللاهوتية المشابهة، كما هو الحال في (مدينة الله) الاكوينية (توما الاكويني) و(شرح كتاب القيامة) ليوحيم الفلوري (ايطالي- القرن 12) وغيرها.لقد غذت هذه الطوباويات النزوع الأخلاقي والوجداني الذي عادة ما يلازم الأحلام الطوباوية السياسية. وليس مصادفة أن تشتعل في العقل الصغير والوجدان الكبير للحركات السياسية المتطرفة في أوربا القرن الثامن والتاسع عشر مختلف الحركات الطوباوية. وبالتالي يمكن النظر إلى ما يسمى بتحول الطوباوية إلى علم (الاشتراكية الطوباوية إلى اشتراكية علمية) سوى حلقة في مسار "الحتمية" الملازم لزمن الطوباويات وخروجها الفعلي على مسار التاريخ الواقعي. من هنا يمكننا النظر إلى الشخصيات السياسية الكبرى لتيارات الطوباوية مثل ماليه، مابلي، موريلي، بابوف، سان سيمون وفورييه في فرنسا، ونستينلي واوين في انجلترة، على انها حلقات ربطتها الماركسية في "نظرية علمية" برزت أسسها الكبرى في (البيان الشيوعي) بوصفه احد النماذج الكبرى للتسطيح الفكري والتعبير الوجداني، الذي أشعل لهيب القلوب المرهقة في تأمل جنة التاريخ النسبية في مطلق البديل الشمولي الكلياني أو التوتاليتاري).كل ذلك يكشف عما في الطوباويات السياسية من مصدر كبير قادر دوما على تغذية النزوع الوجداني للجمهور. من هنا سيادة وانتشار أنصاف المتعلمين، بوصفهم الحلقة الرابطة والواسطة بينها وبين نماذج الأيديولوجيات الصارمة. وإذا كانت الطوباوية السياسية عادة ما تنطلق من فكرة "القرن الذهبي" والبديل "الاسمي" فان ذلك لا علاقة له من حيث الجوهر بما وضعته تقاليد ما قبل الفلسفة الإغريقية (غيسيود – القرن 8-7 قبل الميلاد) والفكرة الأفلاطونية. فالأزمان الذهبية جزء من بقايا الأحجار القديمة للوعي التاريخي وقيمة الثمن الكامن فيها. كما انها تعكس التحسس المر بالواقع المعاش والرغبة في تجاوزه من خلال الرجوع إلى عالم الطفولة "البريء". لكنها براءة محكومة بحنين الجنين إلى أصوله، بوصفها العملية الضرورية الملازمة لطبيعة الأشياء والطبيعة. بينما كانت الفكرة الأفلاطونية سبيكة كبرى للعقل التاريخي والوجدان الثقافي الإغريقي، أي كل ما عمل لاحقا أرسطو على تهذيبه بمعايير المنطق والبحث عن الحقيقة المجردة. ومن ثم لا علاقة للفكرة الأفلاطونية بحد ذاتها بالتوتاليتارية أو الشيوعية. أما الهمسات واللمسات المتناثرة فيها فإنها تتحول إلى "نغم" يدغدغ مشاعر التأويل المتحزب فقط. ومن ثم لا علاقة له بأفلاطون والفكرة الأفلاطونية. وان مفارقة الظاهرة تقوم في أن التأويل المتحزب (السلبي والايجابي) للفكرة الطوباوية الأفلاطونية في العرف السياسي يستمد أصوله من التأويل المسطح والعجول الذي أطلقه ماركس عليها عندما وصفها بأنها الصيغة الأثينية المبجلة (المثالية) لنظام الطبقات المصري القديم!!بعبارة أخرى، إن "المصادر الفلسفية" للتوتاليتارية تكمن أساسا في الأيديولوجية السياسية الطوباوية أو اليوطوبيا السياسية العملية كما هو جلي في الشيوعية والفاشية والنازية، بوصفها النماذج الكبرى لهذا الاستعمال "العقلاني الشكلي" الصارم لتراث الفلسفة المجزأة وتقاليد الطوباويات الوجدانية السياسية. · طرحت الباحثة حنة اريندت في كتابها (أسس التوتاليتارية) أن النازية والفاشية والستالينية تمثل الشكل الذي ولد من انهيار البنية السياسية والاجتماعية التقليدية بعد الحرب العالمية الأولى. ما هذا الشكل الجديد للهيمنة داخل المجال الأوربي المتمثل بالظاهرة التوتاليتارية؟من الأدق ترجمت كتابها بعبارة اصول أو منشأ أو مصادر التوتاليتارية، الصادر عام 1951. في البداية أود القول، بان كتاب حنة اريندت من بين الكتب القيمة بهذا الصدد. وتكمن قيمته الأساسية في تتبع وتحليل مختلف مظاهر التوتاليتارية وأساليبها في تنظيم القمع و"نزع إنسانية الإنسان". بمعنى انه يتسم بصفة التقرير والإشارة والتصوير، إضافة إلى امتلاءه بالتلوين البلاغي، الذي لا يخلو من تأثير اصول المؤلفة والتجربة المريرة التي تعرض لها يهود ألمانيا آنذاك. مما طبع الكتاب في كثير من جوانبه بنزعة نقدية وجدانية عارمة للتوتاليتارية وتعرية أساليبها الهمجية في سحق الشخصية الإنسانية. وما عدا ذلك، فان مستوى التأسيس النظري الفلسفي فيه يبقى ضعيفا. وقد تكون فكرة أن التوتاليتارية الشيوعية الستالينية والنازية والفاشية هي نتاج لانهيار البنية السياسية التقليدية بعد الحرب العالمية الأولى احد نماذجها. فمما لا شك فيه، أن التطور الرأسمالي كان يجري في جميع البلدان ضمن مسار كسر وتحطيم وتدمير وتذليل البنية التقليدية. لكنه لا يحتوي بحد ذاته على إمكانية الصعود التوتاليتاري. على العكس، أن الصعود التوتاليتاري هو نكوص إلى تقليدية "متسامية"، أي محكومة بطوباوية الأيديولوجية العملية (السياسية) الكبرى "المتسامية". وفي هذا يكمن تناقض النزعة التوتاليتارية. بمعنى انها تنتقد الواقع من اجل الاستيلاء على الماضي والحاضر والمستقبل، بمعنى مصادر الواقع والآفاق. فالتوتاليتارية "فكرة مستقبلية". من هنا احتقارها للماضي. بمعنى انها لا تحتوي على أي نقد تاريخي بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، مما يجعل من الماضي والحاضر والمستقبل زمنا لا قيمة له مقارنة بما في نياتها وإرادتها وغايتها!فالشيوعية والنازية والفاشية، أي القوى المتربية بتقاليد الأيديولوجيات الكونية الكبرى وبدائلها الشمولية هي قوى راديكالية. وفي هذا يكمن سر عنفوانها زمن الأزمات و"مراحل الانتقال" العاصفة. لكنها خلافا للقوى الأخرى الفاعلة زمن انكسار القيم والمفاهيم والمؤسسات عادة ما يرتبط نقدها للواقع بمحاولة تجاوزه إلى "الأفضل" و"الأسمى". لكنه تجاوز يعادل في حقيقته الرجوع إلى نفسية وذهنية القطيع البدائي. وفي هذا يكمن سرّ وطبيعة "الشكل الجديد للهيمنة"، أي لمصادرة التاريخ والمستقبل والروح الإنساني والعقل الحر، باختصار مصادرة كل شيء من اجل صنع كلّ خاضع وخنوع بوصفها الصيغة "المثلى" و"المتسامية" للبديل. من هنا تنوع مظاهرها، واجتماعها في الغاية والوسائل. باختصار ليست هذه الأشكال الجديدة للسيطرة والاستحكام (الهيمنة) سوى مظاهر متنوعة لفعل الآلة التكنوقراطية الشكلانية الصارمة في "توحيد" الطبيعة وما وراء الطبيعة في بنية أو تشكيلة تتناسب مع الغاية الكبرى للأيديولوجية وشعاراتها المعلنة: اجتماعية -طبقية أو قومية - عرقية.ذلك يعني أن صعود هذه الأنماط التوتاليتارية ونماذجها في "الهيمنة" داخل "المجال الأوربي" يعكس أولا وقبل كل شيء، كما هو الحال بالنسبة لكل التوتاليتاريات الأخرى، خصوصية الأزمة البنيوية الشاملة والحادة للدولة والمجتمع والثقافة في مراحل الانعطاف الحاسمة وكيفية تنظيم الردود عليها في منظومات نظرية (أيديولوجية) وعملية (سياسية) تستقطب وتستنسخ بصورة مشوهة خليط القيم النفسية والأوهام السياسية والخيال الشعبي المحكوم بأزمات القادة والجماهير، بحيث يجعل منهما كتلة لا عقلانية ترفع هيجانها إلى مصاف "القدر المحتوم". بينما لا تتعدى حقيقة هذا "القدر" ما أسميته بالصدفة القاتلة للعقل الثقافي والضمير التاريخي للأمم. وليس مصادفة أن يكون صعود التوتاليتارية واستحكام سيطرتها في ثالوث القوة "الروحية" الكبرى لأوربا (روسيا وألمانيا وايطاليا). فقد كانت روسيا عند بداية القرن العشرين تحتوي على قدر هائل من الصعود "العالمي"، وإنتاج روحي فكري ثقافي علمي غزير وضعها في أولية "الطليعة الأدبية" العالمية، بينما كانت ألمانيا مصدر الإشعاع الفلسفي العالمي ومنظومات "المطلق" العقلي والروحي والأخلاقي، أما ايطاليا فهي أس "الأنا الأوربية" المادية والروحية، بمعنى جمعها بين تقاليد روما السياسية الحقوقية ومرحلة النهضة التي أسست لبنية الوحدة الثقافية الأوربية ومن ثم "مركزيتها الكونية". إننا نلاحظ ظهور التوتاليتارية في "أقوى" البلدان وأضعفها، أي أقواها من حيث الاحتمال والإمكانية، وأضعفها من حيث الفعل والواقع. من هنا شهية الإرادة في تذليل هذا الخلل من خلال البحث عن قوة بديلة وإرادة عليا ويقين جازمبعبارة أخرى، إن الأنماط الجديدة للهيمنة الكلية هي الأشكال المتشنجة لتجسيد المشاريع الكبرى الضاغطة على الوعي القومي واللاوعي الثقافي، التي تحطمت أمام مجريات التاريخ الواقعي. وليس مصادفة أن يكون احترابها أساسا فيما بينها وبصورة تتسم بقدر من الشراسة والعنيف لا مثيل لها، سواء ما قبل صعود البلشفية (الحرب العالمية الأولى) وما بعد صعود الفاشية والنازية وهيمنته السياسية (الحرب العالمية الثانية). · هل نستطيع وضع تعريفا خاصا بالتوتاليتارية الأوربية، وصالحا للاستعمال في نفس الوقت تجاه الظاهرة التوتاليتارية العراقية؟تفترض الإجابة على هذا السؤال الانطلاق من تحديد ماهية التوتاليتارية وخصائصها وسماتها وتفحص مقدماتها وأصولها لكي يكون بإمكاننا رؤية الحصيلة النظرية بهذا الصدد. عندها يمكنني تحديد موقفي من "التوتاليتارية الأوربية" بمختلف أشكالها، وبعد ذلك إلى ما غيرها.وسوف لن أتوقف عند الجدل المتعلق بدقة هذا المصطلح من عدمه وعما إذا كان يفي بالغرض أم لا، كما قال بذلك كثير من المفكرين والباحثين أمثال غيدنس وشابيرو. فهي أمور لا تغني البحث كثيرا. بمعنى إنني سآخذه كما هو بوصفه مصطلحا "شائعا" ومعبرا عن ظاهرة فريدة لها خصائصها وتاريخها الذاتي في العالم المعاصر.فمن حيث المصطلح ليست التوتاليتارية سوى الصيغة المعربة للكلمة اللاتينية totalitas، أي الكل أو الامتلاء. أول من استعمله في ميدان العلاقات السياسية موسوليني. فقد استعمال هذا المصطلح الذي بلوره المفكر السياسي الايطالي جوفاني جينتيلي، الذي انطلق من الفكرة القائلة، بأنه لا حدود ولا أماكن لا يحق للدولة التدخل بها. وان الدولة التوتاليتارية هي تجسيد للروح الأخلاقي للشعب، مع ما يفرضه ذلك من ذوبان الفرد في البنية العامة للدولة وحركاتها السياسية.غير أن التوتاليتارية، بوصفها ظاهرة تاريخية سياسية فكرية وثقافية ظاهرة غاية في التعقيد. لكنه تعقيد يختبئ وراء ملامحها الجلية والبسيطة! وفي هذا تكمن دوما خصوصية الظواهر الكبرى. إذ ليس هناك من ظاهرة لعبت هذا الدور المأساوي والعنيف في التاريخ الحديث والمعاصر أكثر مما لعبته الظاهرة التوتاليتارية. انها صنعت بقدر واحد "بداية" و"نهاية" التاريخ المعقد للقرن العشرين. إذ احتوت بقدر واحد على "أمل" التاريخ ومأساة الوجود. وما بينهما تراوحت حصيلة تاريخ الحداثة وخاتمته. مع ما في ذلك من كمون هائل للاحتمالات القائمة في العولمة المعاصرة، باعتبارها مرحلة البدائل الكبرى.وفيما لو أهملت هذه الجانب، رغم ما له من أهمية بالنسبة لفهم خصائص "المشروع الكوني" للنزعات التوتاليتارية الكبرى" ومن ثم أثرها بالنسبة لمصيرها التاريخي في مواجهة المسار الطبيعي التاريخي للعولمة، فان التوتاليتارية كانت وما تزال تحتوي في أعماقها على احتمال التشويه والتخريب الفعال للبحث عن بدائل عقلانية. من هنا عدم دقة الفكرة السائدة في تحديدها للتوتاليتارية على انها مجتمع عقلاني – تكنوقراطي مغلق، ينزع من الإنسان إنسانيته. انها تحتوي دون شك على عناصر عقلانية جزئية بمعنى معارضة للدين والتدين، لكنها لا تقل عنها "كفاءة" في تصنيع الإيمان القهري! أما نزعها لإنسانية الإنسان فهو احد نتائجها الملازمة بسبب سيادة فكرة الواحدية الأيديولوجية التي تقترب من حيث نيتها وغايتها ووسيلتها بنفسية وذهنية العبودية القديمة.وضمن هذا السياق يمكن الإقرار العام بالفكرة القائلة، بان التوتاليتارية ظاهرة سياسية واجتماعية وثقافية خاصة، بوصفها الصيغة القادرة على اختبار مختلف المنهجيات النظرية في الموقف من ماهية التوتاليتارية وتحديد خصائصها ونقدها الفكري والسياسي. وقد يكون التيار الروسي النقدي في موقفه من التوتاليتارية الأكثر قربا من فكرة التحليل المنهجي السياسي والثقافي للظاهرة التوتاليتارية بوصفها ظاهرة ثقافية – سياسية، كما نلمحها في مواقف وأراء كل من بيردياييف، وبولغاكوف، ونوفوغورودسيف، وستروفه، وفيودوروف، وفرانك وغيرهم. إذ اجمعوا بصورة عامة على ربط ظهور التوتاليتارية بطبيعة الأزمة العامة للحضارة الأوربية الغربية وكيفية انكسارها في الواقع الروسي. إذ وجدوا في الماركسية تعبيرا عن هذه الأزمة وتمثلا لها. كما أن روسيا أصبحت حقلا تجريبا لهذه الأزمة المزدوجة (الأوربية الغربية والروسية في ميدان الثقافة والسياسة). إذ جرى تجريب فلسفة الأزمة (الماركسية في واقع روسيا المتأزمة، بوصفها "الحلقة الأضعف" في سلسلة الأزمات الأوربية بداية القرن العشرين. فقد أدت الأزمة الاجتماعية الثقافية الروسية إلى انتصار الدكتاتورية البلشفية المتلبسة بهيئة دكتاتورية التوتاليتارية. وهي الفكرة التي قال بها بيردياييف ثم أيدها في وقت لاحق كل من فيودوروف وستروفه. إذ أكد فيودوروف على أن طبيعة هذه الأزمة في ظروف روسيا هي نتاج لديناميكية الغربنة الأوربية وانحلال العلاقات التقليدية مع ما ترتب عليها من تشوه في الوعي الاجتماعي وتشوش في الرؤية السياسية والاجتماعية والثقافية.بعبارة أخرى، إن التيار الروسي في تحليله لماهية التوتاليتارية ودراسة أسباب ظهورها ونقدها انطلق من مواقفه الخاصة تجاه مظهرها الروسي. بمعنى أن مواقفه كانت محكومة بمعايشته لمصير الدولة والنظام السياسي والأمة الروسية التي تعرضت إلى أول تجريب خشن للنزوع التوتاليتاري. وهي الحالة التي وجدت تعبيرها النقدي ايضا فيما يسمى بتقاليد معارضة اليوطوبيا في الإبداع الأدبي والفني كما نراه على سبيل المثال في أولى المحاولات التاريخية الساخرة والعميقة في كتابات زامياتين (نحن) 1920، ورواية بولغاكوف (قلب كلي) 1924، وما تبعها لاحقا بعد عقود من الزمن كما هو الحال في رواية جورج اوريل (1980) التي كتبها عام 1948.لكننا حالما ننتقل إلى ميدان الفكر السياسي والاجتماعي والفلسفي، فان انعكاس فهم مقدمات ومضمون الظاهرة التوتاليتارية ونقدها يأخذ بالبروز مع ثلاثينيات القرن العشرين، كما هو جلي على سبيل المثال لا الحصر في كتاب اورتيغا – إي- كاسيت (انتفاضة الجماهير) الصادر عام 1930. فهو من بين أوائل من تكلموا عن ظهور "الإنسان الجماهيري" المنظم على أساس أيديولوجيات كارهة وعصبية. غير أن المزج التام بين تحليل مقدمات ظهور التوتاليتارية ونقدها يبدأ بالتراكم مع كتاب هكسلي (حول العالم الغريب الجديد) الصادر عام 1932. إذ نعثر فيه هنا للمرة الأولى على تحديد ماهية النظام التوتاليتاري على انه مجتمع عقلاني تكنوقراطي مغلق، يحول الإنسان إلى مسمار في آلة الدولة تفقده إنسانيته. كما انه مجتمع ونظام يقتل القيم الإنسانية من حب وفنون ودين. في حين ربط هايك في كتابه (الطريق إلى العبودية) الصادر عام 1944 ظهور التوتاليتارية بالاتجاهات الاشتراكية المعارضة لليبرالية، أي تلك الاتجاهات التي رفضت فكرة القيمة المطلقة للفرد والشخصية الإنسانية، بحيث جعلت من الإنسان مجرد أداة لغاية أسمى! وهو الاتجاه الذي عمقه الفيلسوف بوبر لاحقا في نقده للتوتاليتارية كما وضعه في كتابه (المجتمع المفتوح وأعداءه) الصادر عام 1945، أي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وصراع التوتاليتاريات الدامي. إذ انطلق من مقدمة فكرية تقول، بان التوتاليتارية ظاهرة قديمة. وأنها موجودة في "المجتمع المغلق" في معارضة المجتمع المفتوح. والمقصود بالمجتمع المغلق هو البنية التقليدية البدائية القبلية. وإذا كان مضمون الثورة التاريخية الكبرى للإنسانية يقوم في تأسيس الانتقال من المجتمع المغلق إلى المجتمع المفتوح، فان التوتاليتارية الجديدة هي رجوع إلى المجتمع المغلق. انها تتمثل نفسية الرجوع إلى المغارة وسيادة الانغلاق عبر إرساء أسس السيادة المطلقة للدولة. بحيث نراه يجد فلسفة أفلاطون السياسية مصدرا فكريا أساسيا للتوتاليتارية، انطلاقا من فكرة أفلاطون القائلة، بان العدالة هي ما يفيد الدولة ويستجيب لمصالحها. وبالتالي ليست فلسفة أفلاطون بهذا الصدد سوى احد نماذج الهندسة السياسية الاجتماعية الطوباوية. والطوباوية تؤدي بالضرورة إلى العقائدية الجزمية. بينما المهمة تقوم ليس في إسعاد البشر بل في تخيف معاناتهم. بينما اعتقد كانيتي بان التوتاليتارية هي اقرب ما تكون إلى تمظهر مكثف لصيغة أولية نموذجية تعيد إنتاج نفسها في الوعي والسلوك العملي. وهو تفسير نفسي اجتماعي كما لو انه يريد القول، بان التوتاليتارية موجودة في النفس البشرية وأنها قديمة شأن كل مظاهر السيطرة والخضوع والهيمنة والتحكم. بينما وجد توينبي في التوتاليتارية بديلا وتعويضا عن الدين.أما حنة اريندت، التي تورد اسمها وكتابها في أكثر من سؤال، انها قد تعرضت إلى ظاهرة التوتاليتارية بصورة محترفة وموسعة منذ وقت مبكر، أو بصورة أدق بعد بروز اغلب معالمها بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وسقوط النازية والفاشية. ففي كتابها (اصول التوتاليتارية) الصادر عام 1951 يمكننا رؤية ملامح النازية الألمانية بوصفها النموذج "الأرقى" للتوتاليتارية. وكتابها كما أشرت لا يتسم بمنهجية عميقة ومتجانسة، لكنه يحتوي على تصوير دقيق ومتوسع لمظاهر التوتاليتارية الألمانية وتقديمها على انها نموذجا شاملا. وهو تحليل ونقد لا يخلو من ردود الفعل النفسية والأخلاقية عما في النازية من إفراط في إرساء أسس المنظومة التي "تفقد الإنسان من إنسانيته" وتجعله عنصرا فعالا في "جمهور" أو "رعاع" مبتهج ومتحمس فيما تقوم به الدولة من جرائم تجاهه وتجاه الجميع. من هنا فكرتها عما تدعوه بالطابع المجرم للنظام التوتاليتاري وقدرته في الوقت نفسه على حصول تأييده الجماهيري. الأمر الذي يجعلها تتكلم عن أن اصول التوتاليتارية تقوم في تحول الطبقة (الاجتماعية) إلى جمهور (رعاع) في المرحلة الامبريالية. والرعاع ليس ما هو متعارف عليه، بل ظاهرة اقرب ما تكون إلى رعاع جمعي، أي رعاع من كافة الفئات والطبقات. وهي ظاهرة تبلغ ذروتها في التقاء الرأسمال والرعاع. فالرأسمالية تقضي على الطبقات وتجعل الجميع رعاعا (نزع الطابع الطبقي)، مع ما يترتب عليه من تهشيم وتدمير للتمايز الاجتماعي والفئوي للبشر بوصفها المقدمة الاجتماعية الضرورية لتمثيلهم السياسي في مؤسسات حقوقية. من هنا غياب وتلاشي الحرية السياسية. وهي الحالة التي تجعل من المكن فكرة القائد والزعيم الضروري. مع أن زعماء التوتاليتارية لا يختلفون عمن سبقهم. والفرق فقط في سيطرتهم الشاملة. إذ ليس في الزعامة التوتاليتارية كاريزما (حسب الطريقة الفيبرية). أما شخصية هتلر فإنها لا تتمتع بقوة الكاريزما بقدر ما كانت تقوم في قدرته على خداع القوى المعارضة من خلال نظرتهم إليه باعتباره ديماغوجيا. كما أن ستالين لم يكن شخصية كاريزمية ويفتقد إلى ابسط قدرات الخطابة. إن الجوهري بالنسبة لصعود التوتاليتارية هو "الجمهور" أو "الرعاع" من خلال استنادهما إلى الدعاية والتنظيم، اللذين يتوقفان بدورهما ايضا على "الجمهور". غير أن فاعلية الدعاية تعمل حالما يصبح الشعار السائد هو "إرادة القائد – قانون الحزب". وكذلك سيادة واستحواذ الأيديولوجية على عقول وأفئدة الجماهير من خلال توظيفها الدائم والشامل. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن الأيديولوجية هي أداة سياسية وليست معرفية. من هنا قيمة وفعالية المنظمات الأيديولوجية (المؤدلجة) والتنظيم الهرمي الصارم في الإدارة والمنظمات المحكومة بقاعدة "من ليس معنا فهو ضدنا"، أي كل ما يتوج الخطاب التوتاليتاري باعتباره خطابا لا عقلانيا.إننا نقف هنا أمام تنوع كبير ومختلف لكنه يكمل احده الآخر فيما يتعلق بتحديد مقدمات وماهية التوتاليتارية. لكن الدراسات والأبحاث تجمع فيما يتعلق بتحديد سمات التوتاليتارية باعتبارها ظاهرة مميزة للقرن العشرين. وفيما لو أجملنا نتائج مختلف الدراسات والأبحاث المحترف بهذا الصدد فمن الممكن إجمالها بست سمات كبرى وهي: نظام وسيادة الحزب السياسي الواحد، النظام الدكتاتوري، التحكم العام والصارم للدولة في كل جوانب الحياة الفردية والاجتماعية والسياسية والروحية، استعمال العنف المنظم والشامل (العنف الجماعي والسياسي)، والأيديولوجية الواحدة الشاملة (الحكومية) المتحكمة في كل شيء، وأخيرا الزعامة المطلقة المعصومة للقائد الفرد الفذ.مما سبق يتضح بأنه لا اتفاق جوهري حول ماهية التوتاليتارية، إلا فيما يتعلق بالحصيلة المتعلقة بسماتها، التي يمكن وضعها في تحديد ماهية التوتاليتارية. وهي سمات دقيقة وتعمم في الواقع الصفات الجوهرية الكبرى المميزة للتوتاليتارية "الأوربية" وغير الأوربية، بما في ذلك "العراقية". إلا أن المضمون الأعمق وراء هذه "الوحدة" تكمن في الاختلاف التاريخي والثقافي والسياسي الفعلي القائم وراء ظهور نماذج توتاليتاريات مختلفة ومتباينة، بما في ذلك بالنسبة لآثارها اللاحقة على الدولة والأمة والثقافة. وهي قضية شائكة وكبيرة لكنني سوف اكتفي بوضع أسس الرؤية المنهجية العامة لمقدمات وماهية "التوتاليتارية الأوربية" ونماذجها المختلفة (الشيوعية والفاشية والنازية) و"العراقية". ذلك يعني إننا نستطيع الحديث عن "توتاليتارية أوربية" غير أن لكل منها خصوصيته القومية والأيديولوجية والاجتماعية. وهي خصوصية تجعلها أحيانا مختلفة ومتعارضة بل ومتضادة. لكن ذلك لا يتعارض مع التقائها الجوهري فيما يمكن دعوته بالمرجعية الخفية الكامنة وراء هذا التباين، ألا وهي مرجعية "فكرة البدائل الشاملة". فالتوتاليتارية هي فكرة "البديل الشامل"، وبالتالي فهي فكرة بدائل الواحدية العقائدية والسياسية. وإذا كان نشوءها وتكاملها النظري (الأيديولوجي) قد برز في النصف الأول من القرن التاسع عشر، فان النصف الأول من القرن العشرين هو زمن تجسيدها العملي. ذلك يعني أن قرنا من الزمن (البيان الشيوعي عام 1948) وظهور "المعسكر الاشتراكي" والإزالة التامة لمشاريع البدائل المنافسة (الفاشية والنازية) للشيوعية الستالينية (1948). وللاستطراد فقط أود الإشارة هنا إلى ظاهرة تستحق البحث ألا وهي أن هذا "القرن" كان أيضا زمن الصيرورة الخفية للمشروع الصهيوني وظهور "إسرائيل" بوصفها الضريبة التي حصل عليها اليهود مقابل "جرائم النازية" فقط!).وعندما نضع هذا "القرن" الزمني ضمن سياق تحديد ماهية ومقدمات ظهور التوتاليتارية الأوربية، فان "مأثرته" بهذا الصدد تقوم في انه زمن الصعود العارم للفكرة الراديكالية على ضفاف التيار الليبرالي العقلاني السائد للرأسمالية. ومن ثم لم تكن الراديكالية الأوربية في الواقع سوى الوجه الآخر للمرجعيات المتحكمة في آلية بلورة وفاعلية الليبرالية الأوربية. فقد صنعت الأخيرة في مجرى تطورها مرجعية "الأوربية المركزية" ووضعتها بوصفها جزء من التطور التلقائي الأوربي في صلب رؤيتها لبدائل الكونية. وهي بدائل كانت تتسم في مجرى قرون عديدة بالدموية والعنف المصدر للخارج. فقد جرى التنفيس عنه بإبادة شعوب وقارات واحتلال هو الأقسى والأعنف في تاريخ البشرية. وهذا بدوره لم يكن إلا الوجه المحسن بسبب فاعلية الفكرة الليبرالية والربح المادي من سحق رياء وتناقض المهمة "الأخلاقية والروحية" للكنسية، بوصفها "مركز الوحدة الأوربية". بعبارة أخرى لقد استعاضت الليبرالية الأوربية مركزية بديلها الاقتصادي الاجتماعي والثقافي مركزي الكنيسة الروحية العقائدية. أما الراديكالية الأوربية فقد تكاملت أيديولوجياتها الكبرى من خلال نفي الليبرالية والكنسية. مما كان يحتوي في أعماقه على مركزية المادة والروح. وهو الشيء الجوهري الذي صنع بوعي ودون وعي آلية التوتاليتارية التي وجدت منفذها في مجرى الأزمات الكبرى للدولة والأمة والثقافة بهيئة بدائل كبرى للدولة والأمة والثقافة. فقد أخذت الراديكالية الأوربية رحيق الأنساق القائمة في وعي ولاوعي المركزية الأوربية، بوصفها الوجه الجديد لتقاليد الكنيسة الكاثوليكية (العالمية). فقد ظلت وما تزال تقاليد الكنيسة النصرانية ونظامها المختزن في دهاليز اللاوعي الثقافي (منظومة التحكم والسيطرة الكنسية) كامنة في وعي ولا وعي الثقافة الأوربية السياسية، رغم تعرضها الشديد للنقد والتثلم. وقد يكون تطويع وتأويل تقاليد وتاريخ اليونان والرومان والكنيسة الكاثوليكية من اجل بلورة "بديل" قومي – أوربي – عالمي احد أمثلتها الظاهرية. فقد بدأ "بالاكتشافات الجغرافية" وانتهى بالكولونيالية. وعملت في مجرى قرون من اجل أن تكون "الأوربية" عالمية. ومن هذه الذروة انطلقت الراديكاليات الأوربية الكبرى من شيوعية وفاشية ونازية. والفرق بينهم بهذا الصدد يقوم في أن نفسية وذهنية الهيمنة تعتمد في الشيوعية على "الطوعية" (مع انها كانت مبنية من حيث يقينها السياسي الأيديولوجي الأول على فكرة "الثورة العالمية" و"تصدير الثورة") والإكراه بالقوة والعنف والإرهاب القومي والعرقي الأسطوري في الفاشية والنازية. الأمر الذي يعطي إمكانية القول، بان فكرة المركزية العالمية التي حكمت الكنيسة والليبرالية الأوربية والراديكاليات الكبرى الدائرة فيما يمكن دعوته بفلك قوة المثال ومثال القوة، هي المرجعية الكامنة والخفية وراء صعود "التوتاليتارية الأوربية". وخصوصية كل منها تقوم في شراسة فعلها المنظم من اجل صنع مجتمع تجريبي تكنوقراطي مغلق لا يخلو من عقلانية لكنها شكلية وجزئية. وذلك لان التوتاليتارية "تراكم" في شحذ فكرة وهواجس "الوحدة" المطلقة. من هنا إمكانية جمعها بين كل العناصر المتناقضة من غضب السفهاء إلى حلم الأنبياء! وفي هذا تكمن خطيئتها الفكرية والروحية. إن التوتاليتارية خطيئة وليس خطأ! وهي الصفة التي تجسدها كل توتاليتارية بطريقتها الخاصة. ولا تخرج "التوتاليتارية العراقية" (البعثية الصدامية) عن هذا التحديد الصارم، كما هو الحال بالنسبة للتوتاليتارية الشيوعية (الستالينية) والايطالية (الفاشية) والألمانية (النازية).· ما هي الأسباب التي جعلت الطبقة الوسطى العراقية تقطع جميع الصلات والروابط بالفكر الليبرالي العراقي رغم بدائية تكوينها الاجتماعي، الذي كان من المفترض أن يصلها بفكر التنوير وتجارب الإصلاح الديني والسياسي خلال حقبة الستينيات؟إن الانقطاع الفعلي بين الطبقة الوسطى والفكرة الليبرالية هو نتاج حالة معقدة لازمت كيفية الانقطاع التاريخي للتطور الاجتماعي. فالطبقة الوسطى هي صانعة التاريخ الحديث والمستقبل بقدر واحد. انها القوة الفاعلة والفعالة على كافة المستويات وفي كافة الميادين. وبالتالي لم يكن إبعادها عن لعب دورها الخاص بها سوى الانحراف التاريخي الهائل للمجرى الطبيعي لارتقاء المجتمع والدولة. فقد لازم هذا الانحراف صعود الراديكاليات الرثة لما يسمى بالحركات الثورية.فمن الناحية التاريخية ارتبط هذا الانحراف بالكيفية التي تهشمت بها السلطنة العثمانية. بمعنى تحللها الداخلي دون أن تنشأ بدائل سياسية قومية لمكوناتها في العالم العربي. بينما جرت تجزئته تحت وطأة الاحتلال الكولونيالي الأوربي (البريطاني والفرنسي)، مما أدى بدوره إلى بعثرة ما تبقى من ارث مرحلة النهضة بمختلف تياراتها الدينية والدنيوية. مما أدى بدوره إلى أن يصبح التاريخ الذاتي زمنا فقط، وذلك لدورانه في فلك الهيمنة الأوربية الكولونيالية ومشاكلها. ومنه ايضا وبأثره نشأت القيم والمفاهيم واستيراد النظريات، أي كل أشكال ومضامين التقليد الظاهرية والباطنية. ومن بين أكثرها تشوها بهذا الصدد هو انتشار الفكرة الراديكالية السهلة والمسطحة. فإذا كانت الفكرة الراديكالية الأوربية تسير على ضفاف التيار العقلاني العام، فان انتقالها إلى عالم (عربي) ضعيف ومنهك وخارج للتو من رحم العثمانية المتهرئ، قد جعل من الفكرة الراديكالية عروة وثقى. مع ما ترتب عليه لاحقا من قلب الأمور جميعا رأسا على عقب. فقد أدى ذلك في البداية إلى صعود الفكرة "السياسية" وأولوية الأحزاب ورجل السياسة على المجتمع والنخبة الثقافية العامة. وبلغت هذه العملية ذروتها بصعود الراديكاليات الثورية، أي تلك التي جعلت من الفئات الرثة وغير الناضجة "طبقات" محتوم عليها قيادة الدولة والأمة! ثم تجسد في تيارات متنوعة "قومية" محلية قبلية وعائلية هي النتيجة الحتمية لهذه العملية المقلوبة التي جعلت الأطراف مركزا والفئات الرثة نخبة. وهي إحدى المفارقات الغريبة التي جعلت ايضا من الغباء السياسي عقيدة عصماء! لقد أدى ذلك إلى أول انقطاع تاريخي بنيوي عنيف مازلت آثاره القوية سارية لحد الآن في الفكر والاجتماع والاقتصاد والسياسة والثقافة. بمعنى بقاء وسيادة وإعادة إنتاج البنية التقليدية. وفي هذا يكمن سر الانقطاع عن تراث النهضة.فالفئات الرثة ومركزيتها الجديدة في السلطة والدولة جعلت من تدمير الطبقة الوسطى هدفها الأساسي، أو أن ذلك لازم بالضرورة نشاطها وفعلها. فالفئات الرثة لا تعاني ولا تنتج لا في المجال المادي ولا الروحي. انها مجرد نقال وحمال. وهي مهام كانت وما زالت باقية بوصفها جزء من تاريخ البحث عن عدالة معقولة هي بدورها جزء من لغز الحياة والوجود. غير انه حالما يتحول الحمال إلى "قائد" فانه يجعل من كل ما حوله مجرد بضاعة أو أشياء تجثم بثقلها على كاهله! وليس هناك من ثقل بالنسبة له اكبر من الفكر وتعقيداته. أما الفكرة الراديكالية المبنية على مجموعة شعارات وقيم وجدانية كاذبة فإنها مجرد تقليد أجوف. أما "الفكر" فيها فانه مجرد غلاف خارجي، فارغ، بلا معاناة. انه "فكر" بلا تلقائية. من هنا هجوم الأيديولوجية، بوصفها "عقلا" بلا تفكر، و"فكر" بلا معاناة، ومعاناة مغتربة عن التاريخ الذاتي والواقع ومن ثم بلا ماض ولا مستقبل. مما يجعل منها اجترارا للحاضر فقط أي لزمن وجود الأشياء.مما سبق يتضح بان سبب الانقطاع لا يكمن في سلوك الطبقة الوسطى، بقدر ما انه جرى فطمها قبل أن تنمو. ومن ثم سحقها وتحويلها إلى ذرات متناثرة في الكتلة البشرية الرثة التابعة للسلطة التوتاليتارية. وقد ترتب على ذلك اضمحلال واندثار المقدمات الاجتماعية الضرورية للفكرة الليبرالية. فمن المعلوم إن الفكرة الليبرالي، بوصفها بحثا عن الحرية والعقلانية والاعتدال، عادة ما تتجذر في الوعي السياسي للطبقات الوسطى. بل أن الفكرة الليبرالية من الناحية التاريخية والاجتماعية والنفسية هي من صنع الطبقة الوسطى. وليس اعتباطا أن تشترك مختلف التوتاليتاريات السياسية والعقائدية (من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار) بمحاربة الطبقة الوسطى وتصويرها على انها مرتع "القلق" و"انعدام الثبات" في المواقف! أما في الواقع فإن حقيقة "القلق" تعادل نفسية وذهنية البحث الدائم عن الجديد أو ما يمكن دعوته بالثبات الديناميكي. أما اتهامها "بانعدام الثبات" فهي مجرد صيغة أيديولوجية مقلوبة للرؤية التوتاليتارية التي عادة ما تجد في الثبات أسلوبا لوجودها، مع ما يترتب على ذلك من استبداد وقمع لكل اختلاف وتباين وحركة تؤمي بإمكانية خلخلة الوضع القائم. من هنا عدائها السافر والمستتر لكل"خروج" على "ثوابتها" الوطنية والقومية والاجتماعية والفكرية وما شابه ذلك. وليس مصادفة أن تكون الطبقة الوسطى هي الأكثر تضررا ضمن سياق السيطرة التوتاليتارية. وذلك لان الطبقة الوسطى هي الأكثر "ثباتا" بمعايير الديناميكية التاريخية والاجتماعية. وهو ثبات نابع من موقعها الاجتماعي التاريخي بوصفها الطبقة الأكثر ارتباطا بفكرة الحرية والنظام الاجتماعي الديمقراطي. فالطبقات جميعا عرضة للتغير والتبدل من حيث موقعها الاجتماعي وأيديولوجياتها وأفكارها المتعلقة بماهية الدولة والمجتمع المدني وفكرة الحق والحقوق، بينما تبقى الطبقة الوسطى من حيث الإمكانية والواقع الممثل الفعلي لتيار البحث الدائم عن نسب الاعتدال والعقلانية والحرية الفردية والاجتماعية. الأمر الذي يجعلها اشد القوى الاجتماعية معارضة للتوتاليتارية. كما انه السبب الذي يجعلها هدا مباشرا وغير مباشر لسياسة التفكيك الواعية وغير الواعية من جانب السلطة التوتاليتارية. وليس مصادفة أن تكون فترة الستينيات وما لحقها هي مرحلة التدمير الشمال للطبقة الوسطى، كما انها مرحلة الصعود العنيف للنزعات الراديكالية والتوتاليتارية.
· إن أي حقل سياسي اقتصادي هو منظومة قيم وتوازنات وأنماط إنتاج اجتماعي يسمح بخيارات معينة ويعوق أخرى. وهذه المسالة محصلة موضوعية لتفاعلات مجموعة من العناصر التي تشارك في تكوين هذا الحقل. هل يمكننا القول أن الحقل السياسي الاقتصادي سمح بنمو وظهور الكليانية في المجتمع العراقي؟ ومدى قدرة هذا الحقل على إنتاج ظاهرة التوتاليتارية السياسية العراقية؟ وهل يمكن أن يتحول هذا المفهوم (الحقل الاقتصادي السياسي) إلى أداة تفسير؟
إن الظاهرة التوتاليتارية هي نتاج ازمة بنيوية شاملة تعم الدولة والأمة والثقافة في التاريخ الحديث والمعاصر. وتصبح "خيارا معقولا" حالما تقود مهمة تجسيد "البدائل الكبرى" قوى راديكالية. والمادة الاجتماعية لهذه القوى الراديكالية هي الحثالة الاجتماعية والفئات الرثة والطبقات المنهكة، أي تلك التي تعاني أكثر من غيرها زمن الأزمات البنيوية الحادة. مما يجعلها فريسة الأوهام السياسية والأيديولوجية. ذلك يعني أن الجذور الاقتصادية للنزعة الراديكالية بشكل عام والتوتاليتارية بشكل خاص، شيء اقرب إلى البديهة. غير أن الحلقة الرابطة لهذا التلازم تقوم في ميدان السياسة والحياة السياسية للدولة. بمعنى أن الأزمة الاقتصادية في الدولة عادة ما تؤدي إلى نشاط الطاقة الراديكالية، وبالأخص في تلك المراحل والدول التي تشكل فيها نسبة الفئات الاجتماعية الرثة والهامشية والفقيرة أغلبية مطلقة، أو تلك المراحل التي يجري فيها خلخلة الأسس الاقتصادية للمجتمع والدولة. لكن "ارتقاء" الراديكالية إلى مصاف التوتاليتارية يستلزم تكامل الأزمة الاقتصادية بأخرى سياسية وثقافية عامة. وهي حالة أو آلية يمكن رؤيتها على تجارب التوتاليتارية "الكلاسيكية" الكبرى. كما تجد طريقها الأكثر تشوها في البلدان والدول المتخلفة، كما هو الحال بالنسبة للعراق.